قال: ولو جاز أن تقول: إنّك لذاهبٌ لقُلْت: أشْهَدُ بِلَذاكَ، فهذه اللاّمُ لا تكونُ إلا في الابتداء.
قال أبو علي: يقول: لو جاز أن يعملَ (أشهدُ) في (أنَّ) مع دخول اللامِ في خبره لقلتَ: أشهدُ بكذا، لأنَّ التَّقديرَ باللاّم في (لَذاهبٌ) أنْ يكونَ قبلَ (أنَّ)، فلَوْ جازَ أنْ يعملَ النّاصِبُ فيما عليه اللامُ لَجاز أنْ يعملَ فيه الجارّ، ولا يجوزُ واحدٌ منهما.
قال: وقال الخليلُ: مِثْلُه "إنَّ اللهَ يعلَمُ ما تدعون مِنْ دونِه مِنْ شيءٍ".
قال أبوعلي: التَّوفيقُ بين هذه وبين قوله "هل ندُلُّكم على رجلٍ يُنَبِّئُكُم" الآية، أنَّ الاستفهام لا يعملُ ما قبلَه في ما بعدَه، كما لا يعمل
[ ٢ / ٢٦١ ]
ما قبل هذه اللام في ما بعدَه، وموضعُ (ما) نَصْبٌ (بتَدْعون) لا (بيعلمُ)، والجملةُ التي هي (ما تدعون من دونه من شيءٍ) في موضع نصْبٍ بيَعْلَمُ، و(يَعْلَمُ) هذه التي تتعدّى إلى مفعولين، ولا يجوزُ أنْ تكونَ التي بمعنى (عَرفْتُهُ).
قال في معنى عَلِمْتُ أنّه منطلقٌ: حَمَلْتَ (أنّ) على الفعل إذ لم يُضْطَرّ إلى أنْ يحمله على الابتداء، وكما قال: أمّا أنت مُنطلقًا انْطَلَقْتُ، لم يَجُزْ أن تبتدئَ الكلامَ بعد (أمّا)، فاضْطُرِرْتَ في هذا الموضع إلى أن تحملَ الكلامَ على الفعل.
قال أبو علي: لم يَجُزْ هذا، لأنّ (أنّ) التي مع الفعل بمعنى المصدر، لا يجوز أن يقع بعدها الاسمُ، وأنّ التي قبل (ما) هذه لا يقعُ بعدها إلاّ الفعلُ بمعنى المصدر صار عِوَضًا مِنَ الفعل، فتقديرُ ارتفاع (أنت) بالفعل لا بالابتداء.
قال: فإذا قلت: عَلِمْتُ أنَّ زيدًا منطلقٌ لم يكنْ في (مُنطلق) إلاّ الرّفْعُ في مُنطلق بعد قولك: عَلِمْتُ أنّ زيدًا، فإنّما قال هذا لما وفّق بين عَلِمْتُ لَزَيْدٌ مُنطلقٌ، وأمّا أنتَ منطلقًا في أنّ ما بعدَ اللاّمِ لا يكونُ إلاّ اسمًا كما أنّ ما بعدَ (أنّ) التي تنصبُ الاسمَ، وأمّا لا يكون إلا فعلًا، فأرى أنّ مِن المواضع ما يكون للفعلِ دون الاسمِ، ومنها ما يكون للاسمِ دون الفعلِ.
قال سيبويه: هذه كلمةٌ تتكلّم بها العربُ في حال اليمين، وليس كُلُّ
[ ٢ / ٢٦٢ ]
العرب تتكلّم بها. تقول: لهِنك لَرَجُلُ صِدْقٍ.
قال أبو علي: تقدير القيم في (لَهِنَّكَ) أنْ يقع قبل اللامِ، كأنّه قال: والله لإنّك رَجُلُ صِدْقٍ، فلذلك صارت اللامُ الأولى للقَسَمِ والثانية لأن، وتقديرُ القَسَم في إنَّ زيدًا لما لَيَنْطَلِقَنَّ، أنْ يكونَ قبلَ اللاّمِ التي في (ليَنْطَلِقَنَّ)، كأنّه قال: إنَّ زيدًا لما والله لَينْطَلِقنَّ هي التي تلقّت القَسَم، وإنّما دَخَلَت النّونُ عليها لأنّها للاستقبال.
قال: وقد يجوز في الشّعر (أشهدُ إنَّ زيدًا ذاهبٌ) لأنّ معناه معنى اليمين كما أنّه لو قال: أشهدُ أنتَ ذاهبٌ ولم يذكر اللام لمْ يكنْ إلا ابتداء وهو قبيحٌ ضعيفٌ إلاّ باللاّم.
قال أبو علي: غَلِطَ عليه أبو العباس، إنّما يريدُ اللام في (ذاهبٌ)، فيَحذِفُها في الشِّعْر.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
قال: كما أنّه ضعيفٌ قد علمتُ عمروٌ خيرٌ منك.
أي لأنّه لم يذكرْ ما قام عملَ الفعلِ، ومُعلّقًا له.