قال: كما ألزمُوا الفتح ما كان ثانيه مفتوحًا في (فَعَلَ).
يعني، فتح حروف المضارعة نحو: يَضْرِبُ ويَذْهَبُ ويَعْلَمُ، وكلّ ما كان ثاني (فَعَلَ) منه مفتوحًا.
"وكان البناء عندهم".
أي بناء حروف المضارعة.
قال: فإنّما منعهم أن يكسروا الثاني.
أي الفاء في (يعْلم) ونحوه، كما كسروا في (فَعِلَ)، أنّه لا يتحرّك فجعل ذلك في الأول.
أي، فحولت الحركة إلى حروف المضارعة لما لزم الثاني.
[ ٤ / ١٦٧ ]
قال: فلما جاء مَجيء ما فَعَل منه مكسورٌ فعَلوا به ما فعلوا بذلك.
أي: لما صار مضارعه مفتوحًا، كما يكون مضارع (فَعِلَ) نحو عَلِمَ مفتوحًا، كسر حرف المضارعة منه كما كسر في (فَعِلَ).
قال: وخالفوا به في هذا الباب فَعِلَ.
أي كسر الياء فيه.
كما خالفوا به بابه حين فتحوا.
أي، فقالوا: يأبى.
قال: وقالوا: (مُرْهُ)، وقال بعضهم (أوْمُرْهُ) حين خالفت في موضع وكثر في كلامهم.
قال أبو علي: يقول: حين خالفت (يَأبَى) في موضع جاء (يفعُلُ). وكان حكمه (يَفْعَلُ)، خالفت في موضع آخر، فقيل: (يِيبَا) فكسر الياء.
[ ٤ / ١٦٨ ]
قال: وأمّا يَسَعُ ويَطَأ، فإنما فتحوا، لأنه فَعِلَ يفْعِلُ.
قال أبو علي: الدليل على أن أصله (فَعِلَ يفْعِلُ)، سقوط الفاء في مضارعه، ولو كان (فَعِلَ يفْعُلُ)، لصحت الفاء كما صحت في يَوْجَلُ فقلت: يَوْسَعُ.
قال: فلما جاءت على مثال ما (فَعَلَ) منه مفتوح لم يكسروا.
يقول: لم يكسروا حرف المضارعة، فيقال: (يِسَعُ) كما يكسر مما كان على (يِفْعل) نحو (تِعْلَمُ)، لأن أصل هذا (تَفْعَل) فإنما فتح للحلقيّ، والدليل على (يَفْعَلُ) سقوط الفاء من (يَسَعُ، ويَطأ).
قال: وقال بعضهم: يِيْجَلُ، كأنه لمّا كره الياء مع الواو.
قال أبو علي: [١٦٧/أ] يقول: لمّا لم تكن الياء من (يِيْجَل) هي التي تقلب الواو ياء لتحركها، ولم يكن مثل التي في سَيّد وأيّام كسر الياء، لتنقلب الواو التي هي فاءٌ ياءً كما انقلبت في مِيزان ونحوه.
[ ٤ / ١٦٩ ]
قال: ولم يكن الواو التي تقلب مع الياء.
قال: فإذا أرادوا أن يقلبوا.
أي الواو، إلى هذا الحدّ، أي ييجل،
وكَرِهَ أن يقلبها على ذلك الوجه الآخر.
أي وجه التشبيه بالإدغام.
قال: والدّليل على ذلك أنّهم يفتحون الياءات في (يَفْعَلُ).
قال أبو علي: الدّليل على أنّه كان ينبغي أن يكون في أوائل هذه الأفعال التي للمطاوعة ألف الوصل فتحهم الياء في (يَفْعَل) وسائر حروف المضارعة في هذه الأفعال، وهي يَتَفَعَّل، ويَتفاعَلُ، ويَتَفَعْلَلُ، ففتحت حروف المضارعة في هذه الأفعال كما تفتح فيما (فَعَل) منه ألف الوصل نحو: يَسْتَعينُ ويَحْرَنْجِمُ.
[ ٤ / ١٧٠ ]
قال: ومثل ذلك قولهم: تَقَى الله رجلٌ، ثم قال: يَتقي اللهَ، أجروه على الأصل.
قال أبو علي: أجروه على الأصل أي كسروا حرف المضارعة، وإن حذفت الفاء في (فَعَل) منه، لأن حكمه أن يكون في (فَعَلَ) منه أصله (افْتَعَلَ) ظهور التاء من قولك: تَقى اللهَ، ولو كان (فَعَلَ)، ولم يكن (افتعل)، لظهرت الواو فقلت: وَقَى؛ إذ لا تُبْدل الياء من الواو إبدالًا مطّرِدًا، فوزن تَقى اللهَ من الفعل (فَعَل) وشيء آخر يدل على أنّ تَقى الله أصله افْتَعَلَ وهو قولك: يَتَّقِي وفتحك التاء في المضارع، ولو كانت التاء في (تقى) بدلًا من الواو التي هي فاء ولم تكن تاء، لأسكنتها في المضارع كما سكن الفاءات فيه نحو يَذْهَبُ ويَرْمِين فقلت: تَقى يَتْقِي. ولم يقل: يَتَقِي، فهذه الياء تنفتح في المضارع كما انفتحت في نحو يَرْتَمِي فوزن يَتَقِي من الفعل، يَتَعِل، كما كان وزن تَقَى: تَعِل، وأصله افْتَعَل، ويَفْتَعِلُ، فحذفت الفاء.
[ ٤ / ١٧١ ]
قال: وأما (فَعُلٌ) فإن لا ينضمُّ منه ما كُسِر من (فَعِلَ)، لأن الضم أثقل عندهم، فكرهوا الضمتين، ولم يخافوا التباس معنيين، ﴿فعمدوا إلى الأخف ولم يريدوا تفريقًا بين معنين﴾، كما أردت ذلك في (فَعِلٍ).
قال أبو علي: قوله: ولم يخافوا التباس معنيين، أي في تركهم الضمتين في (يُفْعُل) مضارع (فَعُلَ). وقوله: كما أردت ذلك في (فَعِل)، يقول: لم يرد في ضم حرف المضارعة نحو (يُكْرِمُ) تفريق معنيين كما أريد في (يَفْعَل) ونحوه من الفصل بين ما كان ماضيه (فَعَلَ) ومضارعه (يَفْعَلُ)، وبين ما كان ماضي (فَعِلَ)، ومضارعه يِفْعَلُ، فكسروا أوائل ما كان ماضيه على (فَعِل)، كما كسروا الثاني من (فَعِل)، ليكون فصلًا بين (يَفْعَلُ) الذي ماضيه (فَعَل)، (ويَفْعَل) الذي ماضيه (فَعِلَ).
[ ٤ / ١٧٢ ]