قال: وكذلك هي لا تقع موقع الإضمار الذي في (فَعَلتْ)، لأنَّ ذلك الإضمار بمنزلة الإضمار الذي له علامة.
قال أبو علي: يقول: الإضمار الذي في (فَعَلَتْ) بمنزلة الإضمار الذي له علامة متصلة، فلا يقع موقعه الضمير المنفصل، لما يقع بعد سائر ماله علامة متصلة إذا أمكن وقوع المتصلة.
قال: فالمُؤنث يجري مجرى المذكر.
قال أبو علي: يعني في امتناع وقوع المنفصل موقع المتّصل فيه.
قال: لأنهم استغنوا بهذا، أي بالمتصل، فأسْقَطوا ذاك أي المنفصل.
[ ٢ / ٧٧ ]
أنشد:
ها وذا لِيَا
قال أبو علي: إنما جاز الفصل بين هذا بالواو وبغيره مما فصل به بينهما لأنه ليس بصلة وموصول، فيمتنع الفصل بينهما، إنما هو للتنبيه فأين وقع جاز.
قال: وزعم أن مثل هذا، (أي ها اللهِ ذا) إنّما هو هذا.
قال أبو علي: تقدير (أي ها الله ذا)، إنما هو (نَعم والله هذا)، ففصل بين (ها) التي هي للتنبيه وبين (ذا) باسم الله ﷿، وصار (ها) عوضًا من الواو الجارة في القسم فلم يجتمع معها كما لا يجتمع العوض والمعوض منه في الكلام.
قال: وتقول: إنَّ إيّاك رأيتُ.
[ ٢ / ٧٨ ]
قال أبو علي: تقدير (إنَّ إيّاك رَأيْتُ)، (إنه إيّاك رأيت) إنه إياك أي أن الحديث والقصة أياك رأيت، وكذلك (إنّ أفضلهم): إنّه أفضلُهم، فحذفت هذه الهاء، وحذف هذه الهاء قبيح في الكلام جائز في الشعر كقوله:
إنّ مَنْ لامَ في بني بنْت حَسَّا نَ ألُمْهُ وأعْصِهِ في الخُطوبِ
ولو كان (إياك) منتصب بأن دون (رأيت) لوجب الضمير المنصوب بأنّ، ولا يكون إيّاك.
[ ٢ / ٧٩ ]
قال: وتقول: عجِبْتُ من ضربي إيّاك، فإن قلت: لِمَ وقد وَقَعَ الكافُ ها هنا من ضربيك، والهاء وأخواتُه، تقول: عجبت من ضربيك وضَرْبيه وضَرْبِيهم، فالعرب قد تكلم بهذا وليس بالكثير.
قال أبو علي: يقول: قد تكلم العرب بضَرْبِيكَ وما أشبهه، إلا أنه لما كان قليلًا لم يكن كالموضع الذي يقع المتصل، فيمتنع لقلة وقوعه، فيمتنع المنفصل من الوقوع فيه.
قال: ولَمْ تَسْتَحْكِمْ علاماتُ الإضمارِ التي لا يقع (إيّا) مواقعَها، كما استحكمت في الفعل، لا يقال: عجبت من ضَرْبِكَنِي، إن بدأت به قبل المتكلم.
قال أبو علي: قال أبو العباس: مِن ضَرْبِكِي، وفي الكتاب: مِن ضربِكَنِي.
قال أبو علي: فأبو العباس ذهب إلى أن ما قبل ياء الإضافة قد يكون مكسورًا ومذهب من قال: (مِن ضربكني) على ما في النسخة أن
[ ٢ / ٨٠ ]
فتحة الكاف تدل على التذكير، فإذا كسرت زالت الدلالة عليها، فاجتلبت لها هذه النون لتسلم فتحتها كما اجتلبت في (ضَرَبَني) وفي (عَنّي) لتسلم الفتحة والسكون، وكلٌ مذهب.
قال: ولا مِنْ ظَرْ بِهِيك إن بدأت بالبعيد قبل القريب.
أي لا يجوز تقديم علامة المخاطب على المتكلم ولا الغائب على المخاطب.
قال: صارتْ إيّا عندهم في هذا الموضع لذلك بمنزلتها في الموضع الذي لا يقع فيه شيءٌ من هذه الحروف.
قوله: لذلك: أي لأنّه لَمّا لم يستحكم صار فيه بمنزلة الموضع الذي لا يقع فيه المتصل.
[ ٢ / ٨١ ]
قال: وتقول: أتَوْني ليسَ إيّاك.
قال أبو العباس: لم يتصل الضمير هاهنا لأنّها في موضع (إلا)، فأشبهت الحروف ولم تجز لذلك.
قال: وامتناعُ التّاء يُقَوّي دخول (أنتَ) ها هنا.
أي لا يجوز أن تقول: عَجِبْتُ مِنْ ضَرْبَكَتَ، فتجعل التاء مكان (أنت).
قال: وتقول: قد جَرَّبْتُكَ فوجدتُكَ أنت أنت، فأنتَ الأولى مُبتدأة، والثانية مبنية عليها.
[ ٢ / ٨٢ ]
قال أبو علي: والجملة في موضع نصب.
قال: وتقول: أنت أنت تكررها كما تقول للرجل: أنتَ وتسكت على حدّ قوله: قال الناسُ زيدٌ.
قال أبو علي: يقول لا يكون (أنتَ) الثاني خبرًا، ولكنه يكون تأكيدًا والخبر مضمر، كما أنك إذا قلت: قال الناسُ زيدٌ، تضمر لزيد خبرًا.
قال: وعلى هذا الحَدّ تقول: قد جَرّبْتُ فَكُنْتَ، إذا كرَّرْتَها توكيدًا، وإن شئت قلت: قد جرّبتُكَ فكنت أنتَ، جعلْتَ أنتَ صفةً لأنّك قد تقول: قد جَرّبتُك فكُنْتَ، ثُمّ تسكُتُ.
قال أبو علي: إذا جعلت (أنت) الثاني تكريرًا لأنت الأول، ولم تجعله خبر مبتدأ، ثم أدخلت كان عليه لزمك أن تقول: (كُنْتَ) تكرير (كُنْتَ) ولا تذكر لاسم كان خبرًا، كما لم تذكر للمبتدأ الذي هو
[ ٢ / ٨٣ ]
(أنتَ) خبرًا، لكن تضمر الخبر إذا أدخلت (كان) كما كنت تضمر قبل إدخالك إيّاها، وإن جعلت (أنْتَ) الثاني صفة ولم تجعله تكريرًا للأول، فأدخلت (كان) عليه لزمك أن تقول: (قد جَرَّبْتَ فكُنْتَ)، ولا تدخل على (أنت) الثانية (كان) لأنه صفة، كما لا تدخل في الطويل في قولك (زيدٌ الطويلُ منطلقٌ) فلا تقولُ، (كان زيدٌ كان الطويلُ) وإن شئت ذكرت (أنتَ) إذا كانت صفة بعد إدخالك (كان) فتقول: (كنت أنت)، وتضمر الخبر كما كنت تضمر في الابتداء والخبر في قولك: (قد جُرِّبْتَ فكنْتَ) مضمرٌ ذكرت (أنتَ) الذي هو صفة، أو لم تذكره.
ولا يجوز أن يكون (كنتَ) صفة للياء المضمرة في (كنت) الأولى لأنه جملة من فعل وفاعل نكرة، فليس يجوز وصف المعرفة بالنكرة.
[ ٢ / ٨٤ ]