قال: فأمّا خُروجُه مِمّا يَدْخُلُ فيه غيره (فأتاني القومُ غيرَ زيدٍ)، فزيدٌ غيرُ الذين جاءوا، ولكنْ فيه معنى (إلاّ)، فصار بمنزلة الاسم الذي
[ ٢ / ٧٠ ]
بعْدَ إلاَّ.
قال أبو علي: قوله: (فصار بمنزلة الاسم الذي بعد إلا)، أي في الإعراب لا في المعنى، فأما في المعنى فالاسم المضاف إليه (غير) بمنزلة الاسم بعد (إلا) في قولك: (جاءني القومُ إلا زيدًا)، ألا ترى أن (زيدًا) بعد (إلا) خارج مما أدخل فيه غيره؟ كما أن الاسم المضاف إليه (غَيْر) خارج مما دخل فيه غيره؟، وغيره هو الغير الداخل فيما خرج منه (زيدٌ).
قال: وأمّا خُرُوجُه مِمّا دخل فيه غيره، (فما أتاني غيرُ زيدٍ)
قال أبو علي: يقول: خرج (غيرُ) مما دخل فيه غيره وهو (زيدٌ)، ويبين ذلك أن تقول: (ما أتاني أحدٌ غيرُ زيدٍ)، (فأحَدٌ) لم يأتك فهو
[ ٢ / ٧١ ]
خارج مما دخل فيه سواه، (وغير) بدل من (أحد)، (فغير) أيضًا لم يأتك كما أن الذي هو بدل منه لم يأتك، فقد وضح خروجه مما دخل فيه غيره والذي دخل فيما خرج منه غيره هو (زيد) المضاف غير المرفوع ألا ترى أن (زيدًا) المضاف قد أتاك، وغيره لم يأتك، فقد دخل إذًا (زيدٌ) فيما خرج منه غيره، وهو الغير الخارج مما دخل فيه (زيد).
قال: وقد يكون بمنزلة (مثل) ليس فيه معنى إلا.
قال أبو علي: تقول على هذا: (له عَلَيَّ درهمٌ غيرُ قيراطٍ ومَائَةٌ غيرُ درهمين)، فيكون المقرُّ به درهمًا ومائة، لأن (غير) هنا صفة كأنه قال: درهمٌ ليس بقيراط، ومائة ليست بدرهمين.
قال: ولو جاز أن تقول: أتاني القوم زيدًا تريد الاستثناء ولا تذكر (إلاَّ) لما كان إلا نَصْبًا.
قال أبو علي: قد أوضح بقوله: لَما كان إلا نصبًا أن المستثنى عنده ينتصب عند تمام الجملة التي قبله، كما أن الاسم في (ما صنعْتَ وزيدًا) ينتصب عن تمام الجملة التي قبله، إلا أن الاسم انتصب في كل واحد (من) الموضعين بتوسط حرف لمعنى.
[ ٢ / ٧٢ ]
قال: ولا يجوز أن يكون (غيرَ) بمنزلة الاسم الذي يبتدأ بعد (إلا)، وذلك أنهم لم يجعلوا فيه معنى إلا مبتدأ، وإنّما أدخلوا فيه معنى الاستثناء في كل موضع يكون فيه بمنزلة (مثل) ويُجْزئ من الاستثناء.
قال أبو علي: الاسم الذي يبتدأ بعد إلا، نحو: (ما رأيت أحدًا إلا زيدٌ خيرٌ منه)، لا يجوز أن يبتدأ (غير)، فيجعل بمنزلة الاسم الذي يبتدأ بعد (إلا)، فيقال: (ما رأيت أحدًا غيرُ زيدٍ خيرٌ منه).
وقوله: وإنّما أدخلوا فيه معنى الاستثناء.
قال أبو بكر: ليس يكون (غير) استثناء إلا في الموضع الذي يكون فيه صفة، ولا يكون صفة إلا في الموضع الذي يكون فيه الاستثناء.
قال: ألا ترى أنه لو قال: (أتاني غيرُ عَمْروٍ)، كان قد أخبر أنه لم يأته؟.
قال أبو علي: (غيرُ) في هذا الموضع لا يجوز أن يكون استثناء، لأنه ليس بوصف، لكنه إخبار بأن (عَمْرًا) لم يأته، وإنما الذي أتاه غير عمرو وليس عمرًا، وربما علم من قول القائل: أتاني غيرُ عمرو، أن عمرًا أيضًا قد أتى، وإن كان اللفظ لا يدل عليه ظاهرًا، فلما لم يكن (غيرُ) وصفًا لم يكن استثناء.
وقوله: وإن كان يستقيمُ أن يكون قد أتاه فقد يستغني به في مواضع من الاستثناء.
[ ٢ / ٧٣ ]
قوله: قد يستغني به في مواضع من الاستثناء، أي قد يستغني (بغير) الاستثناء في مواضع، وإن لم يكن (غير) في تلك المواضع صفة، كما يستغني بـ (ما أتاني غيرُ زيدٍ)، عن (ما أتاني إلا زيدٌ).
وقوله: ولو قال قائل: ما أتاني غيرُ زيدٍ، يريد بها منزلة (مثل) لكان مُجْزِيًا من الاستثناء.
أي: قد يجزي (غير) في هذا الموضع من الاستثناء وإن لم يكن استثناء لأنه ليس بوصف، وإنما يكون استثناء في الموضع الذي يكون فيه وصفًا، كما يجزي الشيء من الشيء، وإن لم يكن إيّاه في حقيقة المعنى.
قال: فَلَمّا كان في موضع (إلا زيدٌ) وقد كان معناه كمعناه، حملوه على الموضع.
أي على موضع الاسم الذي كان يقع بعد (إلا)، فأما (إلا) فحرف لا موضع له.
[ ٢ / ٧٤ ]