قال: ومِمَّا لا يكون الوصف فيه إلا منونًا قوله: لا ماءَ سماءٍ لك باردًا، ولا مِثْلَه عاقلًا، مِنْ قِبَلِ أنَّ المضاف لا يُجْعَل مع غيره بمنزلة خمسةَ عَشَرَ.
قال أبو علي: الاسم المضاف في باب النفي لا يبنى مع (لا) فيجعلا بمنزلة اسم واحد من حيث لا تكون ثلاثة أشياء اسمًا واحدًا، فليس انتصاب المضاف في باب النفي كانتصاب المفرد، لأن المفرد فيه مبني على الحركة التي كانت تكون للإعراب لو لم يُبْنَ، وانتصاب المضاف فيه انتصاب إعراب، ليس انتصاب بناء، لأنه لما لم يجز أن يبنى المضاف مع (لا) انتصب بها كما ينتصب (بإنَّ).
قال: وإنّما يذهب التنوين منه كما يذهب منه في غير هذا الموضع، فمِنْ ثَمَّ صار وصفُه بمنزلته في غير هذا الموضع.
قال أبو علي: يقول: إنما يذهب التنوين من المضاف كما يذهب منه في غير باب النفي، يريد: أن التنوين لا يذهب من المضاف لبنائك إياه مع (لا)، إنما يذهب منه كما يذهب من المضاف للإضافة لأن المضاف لا يجوز أن يبنى مع (لا) كما يبنى المفرد، فيذهب التنوين للبناء.
[ ٢ / ٣٦ ]
وقوله: فَمِنْ ثَمَّ صار وصفُه بمنزلته في غير هذا الموضع.
أي: لم يجز في وصف المضاف أن يبنى معه، فيجعلا بمنزلة اسم واحد، كما جاز ذلك في المفرد، لكن وصف المضاف في باب النفي بمنزلته في غير باب النفي، لأنه لا يجوز أن يبنى مع المنفي المضاف كما يبنى مع المنفي المفرد.
قال: ألا ترى أنَّ هذا لو لم يكن مضافًا لم يكن إلا منوّنًا، كما يكون في غير باب النفي، وذلك قولك: (لا ضاربًا زيدًا لك ولا حسنًا وَجْهَ الأخ فيها).
قال أبو علي: يقول: لو لم يكن هذا الاسم مضافًا ولكن كان اسمًا طويلًا مضارعًا للمضاف لم يكن إلا منونًا في النفي كما يكون منونًا في غير باب النفي وهو النداء، فالاسم الطويل يكون منونًا في النفي كما كان منونًا في النداء، ولا يجوز حذف التنوين منه في النفي كما لم يجز ذلك في النداء، لأن التنوين فيه في كلا الموضعين بمنزلة حرف في وسط الاسم، فالاسم الطويل في باب النفي لا يجوز بناؤه مع (لا) كما لم يجز بناء المضاف مع (لا) وإذا لم يجز بناؤه مع (لا) لم يجز بناء صفته مع
[ ٢ / ٣٧ ]
(لا)، كما لم يجز ذلك في المضاف.
ثم قال: فإذا كففْت التنوين وأضفت كان بمنزلته في غير هذا الباب، كما كان كذلك غير مضاف، فلمَّا صار التنوين إنّما يُكفُّ للإضافة جَرى على الأصل.
قال أبو علي: قوله: فإذا كففت التنوين وأضفت. أي إذا كففت التنوين من الاسم الطويل وأضفت فقلت في (لا ضاربًا زيدًا لك): (لا ضاربَ زيدٍ لك)، كان بمنزلته في غير هذا الباب، أي كان انتصاب الاسم فيه كانتصابه في غير باب النفي في أنه لا يبنى مع (لا) لكنه ينتصب انتصابًا صحيحًا ولم يكن يبنى، كذلك ينتصب انتصابًا صحيحًا غير مبني إذا أضيف، وأريد به التنوين، فهذا معنى قوله: كما كان كذلك غير مضاف.
وقوله: فَلَمَّا صار التَّنوينُ إنّما يُكَفُّ للإضافة جرى على الأصل
[ ٢ / ٣٨ ]
أي: لما كنت تريد بكف الإضافة معنى التنوين، وإنما حذفت التنوين استخفافًا وأنت تريده، جرى على الأصل، أي جرى الاسم في باب النفي على ما كان يجري عليه والتنوين فيه من أنه لا يجوز أن يبنى وهو مضاف مع (لا) كما لم يجز أن يُبنى معها والتنوين في الكلام.
وأنشد لجرير:
لا كالعَشِيَّةِ زائرًا ومَزُورًا
قال أبو علي: ليس قوله: (لا كالعشية زائرًا) مثل قولهم: (لا أحدَ كزيدٍ) ثم قلت: رجلًا، أي تجعل الصفة للمضمر على الموضع.
قال: كما حَمَلَ المِرْفَد على ذلك.
أي على لفظه ذلك في قوله: (فوق ذلك) أن يكون نصبه تمييزًا عن تمام الاسم.
[ ٢ / ٣٩ ]
قال: وإن شئت نصَبْتَه على ما نصبت عليه "لا مالَ له قليلًا ولا كثيرًا".
أي تجعل (قليلًا وكثيرًا) صفة للمال تحمله على اللفظ دون الموضع، فكذلك تجعل نصب (رَجُل) في قولك: (لا كزيد رجلًا)، والمحذوف من قوله: (لا كزيد رجلًا) (أحدٌ)، وما يصلح أن يقع موقعه، والتقدير: (لا أحدَ كزيدٍ).
قال أبو علي: إذا قلت: (لا رجلَ عندي ولا امرأة) فهو جواب لمن قال: (أرَجُلٌ عندك أم امرأة)، فاستفهم عن اثنين من النوع، ولم يعمّ سؤاله جميعهم، وإنما يعمل في الاسم متى كان واحدًا في معنى الجميع، وجوابًا عن كل واحد في معنى الجميع، فأما إذا كان جوابًا لواحد لم يعمل فيما بعدها ولم يبن مع الاسم.
قال: كما لا تُثَنّى في الأفعال التي هي بَدَلٌ منها.
[ ٢ / ٤٠ ]
قوله: (هي) كناية عن الأسماء التي هي بدل من الأفعال.
قال: وذلك قولهم: لا سواءٌ.
قوله: (لا سواءٌ) كأنه قال: (هذان لا سَواءٌ)، فعاقبت (لا) (هذان)، و(هذان) هما مما ارتفع عليه (سواءٌ).
قوله: حين (لا) مالٍ، جعل (لا مالٍ) اسمًا واحدًا، وأضاف إليه (حين). أنشد:
وقد علاكَ مشيبٌ حِينَ لا حِين
[ ٢ / ٤١ ]
قال: فإنّما هو (حينَ حينٍ) و(لا) بمنزلىة (ما) إذا أُلغِيَتْ.
قال أبو علي: لا يجوز أن تكون (لا) في هذا البيت هي التي مع الاسم كشيء واحد، لأن ذلك محال، وذلك أنه إذا قال (علاكَ مَشيبٌ حينًا) فقد أثبت حينًا علاه فيه المشيب، وإذا قال: (لا حين)، فقد نفى كل حين مضى، فصار نافيًا لما أثبته ومناقضًا له.
قال: فكذلك هذه الصّفاتُ وما جعلته خبرًا للأسماء.
قال أبو علي: الصفات نحو (مررتُ برجلٍ لا فارسٍ ولا شجاعٍ)، وما جعلته خبرًا نحو: زيدٌ لا فارسٌ ولا شجاعٌ.
قال: ومَن قال (لا غلامَ أفضلُ منك) لم يقل في (ألا غلامَ أفضلَ
[ ٢ / ٤٢ ]
منك) إلا بالنصب.
قال أبو عثمان: الرفع عندي جيد، أقول: ألا غلامُ، وألا جاريةُ، وأقول: ألا رجلٌ أفضلُ منك.
قلت: من حجته أنه يقول يكون اللفظ على لفظ الخبر في معنى التمني وإن دخله معناه، كما أن (غَفَر الله لزيد)، لفظه لفظ الخبر ومعناه الدعاء.