قال أبو علي: هذا الموضع يفصح فيه بالموضع، فيقول: موضع (مِنْ رجُلٍ) في قولك: (ما أتاني من رجلٍ) رفعٌ، ولم يجعل الموضع لرجل وحده، لأنه كان يرتفع فيظهر فيه إعرابه، ويستغنى به عن أن يقال له موضع ولم يجعل أيضًا (لمنْ) وحدها موضعًا لأنها ليست مما يعرب ألبتة، فلما لم يجز وقوع أحدهما هذا الموقع، ولم يستغن بأحدهما عن
[ ٢ / ٤٩ ]
صاحبه، جعل الموضع لهما معًا، إذ لم يكن ثم رافع، وكذلك كل ما كان مثله.
قال: ومثل ذلك: ما أنت بشيءٍ إلاَّ شيءٌ لا يُعْبَأ به.
قال أبو علي: تقدير (ما أنت بشيء إلا شيءٌ)، (ما أنت إلا شيءٌ) والباء لا تدخل إلا في النفي، فلو أبدلت (شيئًا) الذي هو بعد (إلاّ) من (شيء) الموصول بالباء فقلت: (ما أنت بشيء إلا شيءٍ) لصار تقديره (ما أنت إلا بشيءٍ) وإيجاب هذا يرجع في التقدير إلى (أنت بشيءٍ)، وهذه الباء لا تدخل في الإيجاب، فمن حيث لم يجز أن تقول في الإيجاب (أنت بشيءٍ)، لم يجز أن تبدل (شيء) بعد إلا من (شيءٍ) المجرور، فلما لم يجز أن تبدله من لفظه، أبدلته من موضعه إذ لم يكن في البدل قسم ثالث، ومعناه (أنت شيءٌ لا يُعْبَأ به) على ما تقدم.
قال: ألا ترى أنك تقول: (ما أتاني من أحدٍ لا عبدُ الله ولا زيدٌ) من قبل أنّه خُلْفٌ أن تُحْمَلَ المعرفةُ على مِنْ.
قال أبو علي: يقول: لأن (مِنْ) هنا لا يقع بعدها إلا اسم شائع كما
[ ٢ / ٥٠ ]
أن (لا) هذه لا يقع بعدها إلا اسم شائع، (وعبدُ الله) وما أشبهه اسم مخصوص، فلم يجز حمله على (مِنْ)، لأن المخصوص لا يدل على أكثر من نفسه، فلذلك حملته على موضع (مِنْ) مع (رجُلٍ) (ولا) مع (رجل) كما حملت (شيئًا) في قولك: (ما أنت بشيءٍ إلا شيءٌ لا يُعْبَأ به) على الموضع.
قال: وتقول: (لا أحدَ رأيتُه إلا زيدٌ)، إذا بَنَيْتَ (رأيتُه) على الأوّل كأنّك قلت: (لا أحدَ مَرْئيٌّ)، وإن جعلْتَ (رأيتُه) صفةً، فكذلك كأنك قلت: (لا أحد مرئيٌّ)، وإن جعلت (رأيته) صفة، فكذلك كأنك قلت: (لا أحد مرئيًّا).
قال أبو علي: قوله (فكذلك)، أي فكذلك أيضًا تقول: (إلا زيدٌ)، وزيدٌ مرتفع على البدل من موضع (لا أحدَ)، فإذا جعلت (رأيته) صفة أضمرت خبرًا نحو (في الدار) وغيره.
قال: وتقول: (ما فيها إلا زيدٌ)، (وما علمتُ أنَّ فيها إلا زيدًا)، فإنْ قَلَبْتَهُ فجعلْتَه يَلِي (أنَّ وما) في لغة أهل الحجاز قَبُحَ.
يريد (بما) التي في قولك: (ما فيها إلا زيدٌ).
[ ٢ / ٥١ ]
قال: كأشياء تجوز في الكلام إذا طال.
قال أبو بكر: يعني أن الكلام لما طال بقولك: (ما علمت أن فيها إلا زيدًا) فطال بدخول (إلا) فيها، ولو قلبت فجعلت (إلا) تلي (أنَّ) لم يجز.
قال: فمَنْ أجاز هذا قال: (إنَّ أحدًا لا يقول هذا إلا زيدًا)، كما أنّه يقول على الجواز: (رأيتُ أحدًا لا يقول ذاك إلا زيدًا)، يصيرُ هذا بمنزلة ما أعلم.
قال أبو علي: قوله: (هذا) إشارة إلى المسألة الأولى بمنزلة (ما أعلم أن أحدًا يقول ذاك)، كما صار هذا.
قال أبو علي: قوله: (هذا)، إشارة إلى المسألة الثانية، لأن قولك: (رأيت أحدًا لا يقول هذا)، بمنزلة (ما رأيت أحدًا يقول هذا).
قال: بمنزلة ما رأيتُ، حيث دخله معنى النَّفي، وإن شئت قلت: (إلا زيدًا)، يريد في المسألة الأولى، وهي قوله: (إنَّ أحدًا لا يقول ذاك إلا زيدًا)، ولا يجوز الرفع في المسألة الثانية إذا كانت (رأيتُ) من رؤية العين.
[ ٢ / ٥٢ ]
قال: فَحَمَلْتَه على (يقول) كما جاز:
يحكي علينا إلا كواكبها
وليس هذا في القوّة.
أي ليس (إنَّ أحدًا، ورأيتُ أحدًا) كقولك: (لا أحد، وأقلُّ رجلٍ رأيتُه) لأنك في قولك: (إنَّ أحدًا، ورأيت أحدًا)، تذكر أحدًا موجبًا، وإن رجعت بمعناه إلى النفي بعد (ولا أحدَ)، (وأقلُّ رجلٍ) يبتدئ بالنفي وما معناه النفي ابتداء.
قال: لأنَّ هذا الموضعَ إنّما ابْتُدِئَ أي الاسم "مع معنى النّفي، وهذا موضع إيجاب" أي قولك: (إنّ أحدًا) إيجاب، "وإنّما جيء بالنّفي بعد ذلك في الخبر، فجاز الاستثناء" أي المستثنى "أن يكون بدَلًا من الابتداء" أقلُّ رجلٍ ولا أحدَ".
[ ٢ / ٥٣ ]
قال: ولا يجوز أن يكون الاستثناء أوّلًا.
أي لو لم يكن في (أقلّ رجلٍ ولا أحدَ) معنى النفي لم يجز أن يبدل (زيدًا) منه كما لا يجوز: (كلُّ رجلٍ رأيته إلا زيدٌ) لما لم يكن في (كلّ) معنى نفي كما كان في (أقلّ ولا أحدَ).
قال: حيث صارت (أحدٌ) كأنها منفية.
قال أبو علي: يريد (أحَد) في قولك: (إنَّ أحدًا لا يقول ذاك).