فَمِنْ ذلك قوله ﷿ "لا عاصم اليوم من أمر الله"
قال أبو بكر: الباب الذي قبل هذا الباب جاز فيه الوجهان:
أن يكون منقطعًا، وأن يكون من جنس الأول.
وهذا الباب لا يجوز فيه إلا أن يكون منقطعًا
قال أبو العباس: الفرق بين قوله ﷿ "لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم" وقولك (ما فيها أحدٌ إلا حمارٌ)، أن الحمار يصلح أن يكون الأحد الذي في ذلك الموضع، وإذا قلتَ: (لا عاصمَ)، فعاصم فاعل، وقوله "إلا من رحم" مفعول، ولا يكون المفعول مردودًا على فاعل، أي بدلًا منه، وقوله "بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله"، لا يكون إلا منقطعًا، لأنه يرجع على قولك (بغير حق)، وكذلك قولك: (ما زاد إلا ما نَقَصَ)، (وما نَفَعَ إلاّ ما ضَرَّ) لا يرجع على الأول، لأنك لو قلت: ما زاد إلا النقصان كان محالًا، وقوله "إلا قليلًا مِمَّنْ أنجيْنا
[ ٢ / ٥٧ ]
منهم" لولا الخطّ لجاز فيه ما جاز في قوله "إلا قومَ يونس" على قول أبي عمرو.
قال: ولولا (ما) لم يَجُز الفعل بعد (إلا).
يريد: (ما) في قولك: (إلا ما ضرَّ).
كما أنه لا يجوز بعد (ما أحْسَنَ) بغير (ما).
أي لا يجوز أن يقال: ما أحْسَنَ كَلَّمَ زيدًا حتى يقال: ما كَلَّمَ زيدًا.
قال أبو علي: فالِجٌ قبيلة، وناشِرَةٌ قبيلة أخرى، وليس يجوز أن
[ ٢ / ٥٨ ]
يستثنى بعضها من بعض، وأنشد:
لم يمنع الشَّرْبَ منها غيرُ أن نَطَقَتْ
[ ٢ / ٥٩ ]
وزعموا أنَّ ناسًا من العرب ينصِبون هذا الذي في موضع الرَّفع.
أي: (غير) في البيت، فقال الخليل: هو كَنَصْبِ بعضِهم يومئذٍ:
قال أبو علي: من نصب (غيرًا) في هذا البيت، لم يكن موضع (أنْ) عنده في ما معنى (أن يَغْضَبَ عليّ) إلا الرفع، (وغيرُ) أيضًا إذا نُصِبَ فموضعه رفع، إلا أنه فتح لما أضيف إلى مبني، أعني (إذْ) في قولك: (يومئذٍ)، وإنما بُنِيَا لما أضيفا إلى مبني، لأن المضاف قد يكتسي من المضاف إليه بعض ما يكون منه، كما يكتسي منه التعريف والتنكير.
ومن قال: "على حينَ عاتبْتُ" لم يقل: على حينَ أُعاتِبُ.
[ ٢ / ٦٠ ]
قال أبو العباس: لا تكون (إلا) وما بعدها وصفًا إلا حيث يجوز أن تكون فيه استثناء، وإذا كان (إلا) وصفًا في هذا الموضع جاز أن يكون أيضًا استثناء.
قال أبو علي: الاستثناء في هذا الموضع يمتنع من جهة المعنى، وذلك أنه إذا قدر (الله) مستثنى من الآلهة لزمه أن يكون مبدلًا منها كما أنك إذا قلت: (ما جاءَني أحدٌ إلا زيدٌ)، فزيدٌ بدل من (أحد) ويصلح أن تطرح المبدل منه ويستعمل البدل، فتقول: (ما جاءني إلا زيدٌ)، ولا يجوز أن تقول على هذا: "لو كان فيهما إلا اللهُ لفَسَدَتا" لامتناعه في المعنى، ولولا المعنى لم يمتنع ذلك في العربية، وعرضت هذا الجواب على أبي بكر فقال: هذا الذي فرّ منه سيبويه.
[ ٢ / ٦١ ]
قال: ومثل ذلك "لا يستوي القاعدون من المؤمنين غيرُ أولي الضرر" وقوله تعالى "صراطَ الذين أنعمت عليهم غيرِ المغضوب عليهم".
قال أبو بكر: (غير) إنما صارت هذه للنكرة وإن أضيفت إلى المعرفة لقيام الإشاعة فيها، كأنك إذا قلت: (مَرَرْتُ برجلٍ غيرِك) جاز أن يكون التغاير بينهما في أشياء كثيرة تكاد لا تحصى فإذا وقعت موضعًا ارتفعت عنها فيه الإشاعة فاختص جاز أن يوصف بها المعارف، فقولك: "غيرِ المغضوب عليهم" صفة "للذين أنعمت عليهم"، وجاز ذلك وإن كان (الذين) معرفة، لأنه ليس هنا صنفان: الذين أنعَم عليهم بالإسلام والذين لم يُنْعِم به، وهم المغضوب عليهم، فلمّا تخصَّص (غير) هنا، وخرج من الإشاعة جاز أن يكون صفة (للذين أنعمت عليهم).
قال: وعلى هذا تصف المعارف (بغير)، إذا كان مثل هذا
[ ٢ / ٦٢ ]
الاختصاص كقولك: (افعل) الحركة غير السكون، والزم الاجتماع غير الافتراق.
أنشد:
إنما يجزي الفتى غيرُ الجَمَلْ
(غير الجمل) صفة للفتى.
الدليل على ذلك أنك لو وضعت "مِثْلَ" هنا، فقلت: (إنّما يجزي الفتى مثلُ الجمل) كان (مثل) صفة للفتى.
قال: ولا يَجُوز أن تقول: (ما أتاني إلا زيدٌ). وأنت تريد أن تجعل الكلامَ بمنزلة (مثل)، إنما يجوز ذلك صفة، ونظير ذلك من كلام العرب (أجمعون).
[ ٢ / ٦٣ ]
قال أبو علي: (إلا) لا يكون وصفًا إلا في الموضع الذي يكون فيه استثناء، فلا يجوز أن تجعل قولك: (إلا زيدٌ) من قولك: (ما أتاني إلا زيدٌ) صفة، لأن هذا الموضع لا يجوز فيه استثناء، وإنما يجري صفة بمنزلة (مثل) إذا جاز أن يقع استثناء.
وقوله: إنّما يجوز ذلك صفةً.
أي إنما يجوز أن تجعل (إلا) وصفًا إذا جرى على موصوف (كأجمعين).
قال: ولا يجوز (إلا أن يكونَ).
[ ٢ / ٦٤ ]
يعني قوله: (إلا الفَرْقَدان) لأنك لا تضمر الاسم الذي هذا من تمامه، أي لا يجوز أن يكون ارتفاع (الفَرْقَدان) على (يكونُ) التي في قولك: (إلا أن يكونَ)، لأن الموصول لا يحذف ويترك شيء من صلته، كما لا يحذف بعض الاسم ويترك بعضه.
****