وذلك قولك: ما فيها إلا أباك أحدٌ.
قال أبو علي: لو رفعت المستثنى إذا قدمته لأبدلت المستثنى منه من المستثنى، وهذا عكس ما عليه هذا الحد، لأنك إنما تبدل المستثنى من المستثنى منه، لا المستثنى منه من المستثنى.
قال: لأنَّ الاستثناء إنما حَدُّه أنْ تَدارَكَهُ بعدَ ما تنفي، فَتُبَدِّلَهُ.
أي تبدل المستثنى من الذي نفي عنه الفعل وهو (أحدٌ) من قولك: (ما أتاني أحدٌ).
[ ٢ / ٦٥ ]
قال: فلَمّا لم يكن وجهُ الكلام هذا – أي لا يكون مبدلًا منه – حملوه على وجهٍ قد يجوز إذا أخَّرْتَ المستثنى.
قال أبو علي: قوله: حَمَلُوه على وجهٍ قد يجوز إذا أخَّرْتَ المُستثنى أي حملوا الاسم المستثنى المقدَّم وهو (زيدٌ) في قولك: (ما جاءني إلا زيدًا أحدٌ)، والوجه الجائز إذا أخرت المستثنى وهو (زيدٌ) النَّصْبُ، لأنه إذا أخر المستثنى فقيل: (ما جاءني أحدٌ إلا زيدٌ) جاز في زيد النصب على الاستثناء، فلما قدّم المستثنى صار الوجه الذي كان جائزًا ولم يكن بالوجه لا يجوز غيره، كما أن الحال من النكرة لم تكن مستحسنة، فلما قدم الصفة التي تكون حالًا على الاسم صار ما كان غير مستحسن من حال النكرة الوجه، كراهة أن يجعل ما لا يوصف به وصفًا وهو (رجل) وما أشبهه في قولك (فيها قائمًا رجلٌ).
قال: فإن قلت: ما أتاني أحدٌ إلا أبوك خيرٌ من زيدٍ، وما مررتُ بأحدٍ إلا عمرٌو خيرٌ من زيدٍ، كان الرَّفعُ والجَرُّ جائزًا.
أي الرفع في قولك: (إلا أبوك)، والجر في قولك: (إلا عمروٌ).
قال أبو عثمان: النصب عندي الوجه، ويكون (خيرٌ من زيدٍ) صفة
[ ٢ / ٦٦ ]
(لأحدٍ)، لأن المبدل منه لَغْوٌ، فلا يوصفُ، وقد أبدلت منه عمرًا، فلما نصبت عمرًا زال عنه الإبدال.
قول أبي عثمان: النصب عندي الوجه، يقول: إذا رفعت (أبوك) فأبدلته من أحد صار (أحد) المبدل منه لغوًا، فلا يحسن من بعد أن تصفه وهو ملغى، فإذا نصبت (إلا) كما تنصبه إذا كان مقدمًا لم يصر (أحدٌ) لغوًا، وإذا لم يصر لغوًا حسن أن تصفه.
قال: وحَسُنَ البَدَلُ، لأنّك قد شَغَلْتَ الرّافِعَ والجارّ، ثُمَّ أبدلْتَ من المرفوع والمجرور، ثم وصفت بعد ذلك.
قال أبو علي: قوله: حَسُنَ البدلُ أي إبدال (أبوك، وعمروٌ) لأنك قد شغلت الرافع والجار، أي لم تقدم المستثنى قبل أن تشغل العامل، كقولك: (ما جاءني إلا أباك أحدٌ)، ولكنك شغلت العاملين، ثم جئت بما يكون بدلًا من الذي شغل به العامل وهو قولك (أبوك، وعمروٌ) فأبدلتهما من المرفوع والمجرور.
وقوله: ثُمَّ وَصَفْتَ بعد ذلك –أي وصفت المبدل منه-.
قال: وكذلك: (مَنْ لي إلا أبوك صديقًا) لأنَّك أخْلَيْتَ مِنَ
[ ٢ / ٦٧ ]
الأب، ولم تُفْرِدْه لأنْ يعملَ كما يعملُ المبتدأ.
قال: وقد قال بعضهم: ما مررتُ بأحدٍ إلا زيدًا خيرٍ منك، وكذلك مَنْ لي إلا زيدًا صديقٌ.
وفي نسخة أخرى: مَنْ لي إلا زيدًا صديقًا، كرِهوا أن يُقَدِّمُوه وفي أنفسهم شيءٌ من صفته إلا نصبًا، كما كرِهوا أن يُقَدَّمَ قبل الاسم إلا نصبًا.
قال أبو علي: يقول: كرهوا أن يقدم الاسم المستثنى وفي أنفسهم شيء من صفة المبدل منه إلا نصبًا، كما كرهوا أن يقدم المستثنى قبل الاسم المستثنى منه إلا نصبًا، لأن الصفة قد تكون مع الموصوف كالاسم الواحد في بعض المواضع، وذلك إذا لم يُعرف الموصوف إلا بالصفة، كقولك: زيدٌ الطويل، إذا لم يتميز (زيد) من الزيدين إلا بالحِلْيَةِ.
[ ٢ / ٦٨ ]
قال: وحدَّثنا يونس أنَّ بعض الموثوق بهم يقولون: (مالي) إلا أبوك أحدٌ، فيجعلون (أحدًا) بدلًا، أي من الأب.
أبو العباس لا يجيز: (مالي إلا أبوك أحدٌ). لأن الباب الذي عليه هذا أن يكون (أحدٌ) مبدلًا منه لا بدلًا.
****