قال: ولم تشغل عنها قبل أن تلحقَ إلاَّ الفعلَ بغير هاء.
قال أبو علي: يقول: لم تشْغَل الفعلَ في قولك: (ما أتاني إلا زيدٌ) باسم قبل أن تلحق (إلاَّ) فيه كما شغلته في قولك: (جاء القومُ إلا زيدًا)
[ ٢ / ٤٣ ]
بالقوم، فانتصب (زيدٌ)، لشغلك الفعل بالقومِ، ولم تشغل الفعل في قولك: (ما أتاني إلا زيدٌ) باسم غير (زيد) فينتصب (زيدٌ).
قال: ولو كان هذا من قِبل الجماعة لَما قلتَ: "ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسُهم".
قال أبو علي: كأنَّ قومًا من قدماء النحويين قالوا: إذا استثنينا
[ ٢ / ٤٤ ]
من جميع نصبنا، سواء كان الاستثناء من منفيّ أو من موجب كقولك في المنفي: (ما أتاني القومُ إلاَّ زيدًا)، وفي الموجب: (أتاني القومُ إلا زيدًا)، فهم يسوون من قبل أن الاستثناء من جماعة بين المنفي والموجب، وبين ما يجوز أن يكون المستثنى فيه بدلًا مما قبله، وبين ما لا يجوز إذا كان المستثنى منه جماعة فقال: لو كان هذا هكذا لما جاز في هذه المسائل التي خرجها عليهم الرفعُ، وكأنهم قالوا أيضًا: إذا كان المستثنى منه واحدًا لم يكن في المستثنى إلا الرفع، فأراهم موضعًا المستثنى منه واحد والذي يجوز في المستثنى النصبُ وذلك قولك: (ما أتاني أحدٌ إلا قد قال ذاك إلا زيدًا).
قال سيبويه في موضع آخر: امتنع رفع (زيد) في هذه المسألة لأن تقديرها (كُلُّهم قد قالوا ذاك إلاَّ زيدًا)، فليس العبرة في رفع الاسم المستثنى بعد النفي ونصبه الواحد والجميع، بل هو البدل واعتبار تمام الجملة.
[ ٢ / ٤٥ ]
قال: فأرادوا أن يجعلوا المستثنى منه بدلًا منه.
أي: من الظاهر لا من المضمر.
قال: لأنه هو المنفي (و) هذا وصفٌ أو خبرٌ.
أي الضمير المرتفع الذي يبدل منه في وصف أو خبر.
قال: وقد تكلموا بالآخَر
أي بالبدل من الضمير المرفوع في الصفة أو في الخبر.
قال: وقد يجوز (ما أظنُّ أحدًا فيها إلا زيدٌ)، ولا أحدٌ منهم اتَّخَذْتُ عنده يدًا إلا زيدٌٍ)، وإن شئتَ رفعت (زيدًا) على قوله:
إلا كواكبُها.
[ ٢ / ٤٦ ]
قال أبو علي: (زيدٌ) المرفوع بدل من الضمير الذي في (فيها)، (وزيدٌ) المجرور بدل من الضمير في الذي هو (الهاء) في (عنده).
قال: وقد تَكَلَّموا بالآخر لأنَّ معناه النفيُ إذا كان وصفًا لمنفيّ كما قالوا: (قد عرفت زيدًا أبو من هو)، لِما ذكرتُ لك، لأنَّ معناه معنى المُسْتَفهِمِ عنه.
قال أبو علي: التوفيق بين قولك: (قد عرفت زيدًا أبو من هو)، و(ما رأيتُ أحدًا يقول ذاك إلا زيدٌ)، أن (زيدًا) في المسألة الأولى لم يقع بعد حرف الاستفهام فيحجز الحرف بين (عرفت) وبينه فلا يعمل فيه، لكنه لما كان مستفهمًا عنه في المعنى أجرى مجرى ما وقع بعد حرف الاستفهام، وكذلك (زيدٌ) في المسألة الثانية إنما كان حكمه أن يبدله من الاسم المنصوب، لكنه لما كان الضمير المرفوع في (يَقُول) في المعنى
[ ٢ / ٤٧ ]
المنفي، وإن لم يكن هو بعينه منفيًا، أبدل منه (زيد) كما أجري المستفهم عنه، وإن وقع قبل حروف الاستفهام مجراه إذا وقع بعده، لأنه في المعنى مستفهم عنه.
قال: قال الخليلُ: ألا ترى أنّك تقول: (ما رأيتُه يقول ذاك إلا زيدٌ) و(ما أظنُّه يقوله إلا زيدٌ)، فهذا يدُلُّك على أنك انْتَحَيْتَ على القولِ.
قال أبو علي: أراد أن يقوي بهذه المسألة الرفع في (ما رأيتُ أحدًا يقول ذاك إلا زيدٌ)، وإن جواز الرفع في باب (رأيتُ وظننتُ) ونحوه ليس كجوازه في باب (ضَرَبْتُ)، وإن كان في كل واحدة (من) المسألتين ضمير قد يمكن أن يبدل منه، (فأرى) في باب (رأيت) (وظننتُ)، موضعًا لا يجوز فيه النصب في المستثنى على البدل من الاسم المنصوب وذلك قولك: (ما رأيتُه يقول ذاك إلا زيدٌ)، فالهاء في (رأيته) ضمير القصة والحديث، وهذه الهاء لا تقع في باب (ضَرَبْتُ)، إنما تضمر على شريطة التفسير فيما يدخل على المبتدأ والخبر (كظَنَنْتُ وكان) ونحوهما، وتفسرها الجمل التي تكون في موضع رفع أو نصب ولا تبدل منها، ولا توصف، فلذلك لم يجز أن يكون (زيدٌ) في قولك: (ما رأيتُهُ يقول ذاك إلا زيدٌ) بدلًا من الهاء، ولو أبدلته منه لأجزت فيه شيئين
[ ٢ / ٤٨ ]
لا يجوزان فيه أعني البدل منه، وألا يجعل في موضع خبره جملة تفسرها، لأنك لو أبدلت (زيدًا) من الهاء لبقي الفعل بلا فاعل، أعني بالفعل (يقول)، فإن قلت: يكون فاعله الضمير الذي يضمر فيه ويرجع إلى الهاء، فذلك أيضا غير جائز لأنك لا تبينها بضميرها وبنفسها إنما تبين هذه الهاء، فأما رفع (زيد) في المسألة فهو (بيَقُولُ)، والجملة في موضع نصب لوقوعه في موقع المفعول الثاني (لرَأيْتُهُ)، ومعنى الكلام: (ما يقول ذلك إلا زيدٌ) فالنفي وإن وقع على (رأيته) في اللفظ فهو في المعنى (ليقول)، فلهذا جازت المسألة ولم يجز: (يقول ذاك إلا زيدًا) إذا لم يكن في أول الكلام نفي.
****