قال أبو علي: أمليت في هذا الباب عند قوله: والطّول في البناء كالقُبْح وهو نحوه في المعنى، لأنه زيادة ونقصان.
قلت: وضعُ الإعراب إنما هو استقراء وتتُّبع لكلام العرب، كأنه سمع قام زيدٌ، وضُرِبَ عَمروٌ وما أشبه ذلك من الأفعال والفاعلين، فلما استقرئ هذا وُجدتْ هذه الأسماء وما أشبهها، لا تخرج عن هذه العلامة التي هي الضمة، فلما سمع ذلك على ما ذكرنا، وضع أنّ الفاعل رَفْعٌ، وأجري ما لم يسمع فيه الرفع من العرب مجرى ما سمع منه، فإذا سمع كلمة شَذَّت مما عليه الجمهور، وخالفتها [١٦١/أ] حفظت حفظًا، أو تُؤوّل لها جهة يرد هذا إلى الكثير، فإن لم يسمع فيه تأويل يلحقه بالأعمّ؛ حُكم بشذوذ، ورُوي رواية، ولم يُقل إنّ الأصل الموضوع على ما عليه الأكثر منكسر غير مطّرد، فلا يقول كقول القائل:
قد سَالَمَ الحَيّاتِ منه القَدَما.
[ ٤ / ١٢٥ ]
إن الفاعل نصبٌ ولكن يتأوله، أو يقول: إنه نادر عن بابه، وكما استقرئ باب الفاعل وما أشبهه على ما قلنا كذا استقرئت الأفعال وأبنيتها وأسماء فاعليها ومصادرها والمعاني التي وضعت هذه الأشياء عليها ووُسمت بها، فقيل: إن معنى كذا يختص به من أبنية الأفعال كذا ومن أبنية المصادر وأسماء الفاعلين كذا، - فتخرج عامة ذلك المعنى من الأفعال والمصادر، وأبنية أسماء الفاعلين على ما يوضح ويُعين كما يُخرج عامة باب الفاعل وما أشبهه على الوضع الذي أدَّى الاستقراء إليه عليهن فإن خرج شيء من أبنية المعاني التي يقال: إن البناء الذي يختص به كذا كان سبيله سبيل ما يخرج من باب الفاعل عن منهاجه، وما عليه الأعم الأكبر، وعلى هذا مجرى جميع أبواب العربية، والفصل بين هذا وبين باب الفاعل وما أشبهه، إن هذا استقراء في أنفس الكلم وذواتها وتلك فيما يلحق الكلمة بعد تمامها، والاستقراء يعمهما جميعًا.
قال: وما كان من الرِّفعة والضِّعَة، وقالوا: الضِّعة فهو نحو من هذا.
قال أبو بكر: قوله: وقالوا: الضّعَة، أراد أنه يقال: ضَعَةٌ وضِعَةٌ،
[ ٤ / ١٢٦ ]
فلما ذكر أحدُهما ذكر الآخر، وإنما الكلام على وجهه، وما كان من الرِّفعة والضِّعَة فهو نحو هذا، قال: وهو قولك: ذلَّ يَذِلُّ ذُلًاّ وذِلَّة وذَليلٌ، فالاسم والمصدر يوافق ما ذكرنا قبلُ، كقولهم: بخيلٌ، وبُخْلٌ وقبيحٌ وقُبْحٌ، قال: فلما صارت مما يستثقلون فاجتمعا من ذاتها أي التضعيف والضّمّة.