قال: وليس فُعُلٌ وفُعَلاءُ بالقياس المتمكن في هذا الباب.
يعني في جمع (فاعِل)، ومثله: صالِحٌ وصُلَحاءُ، وقد جاء، أي
[ ٤ / ١٠٥ ]
(فاعل) على (فِعال)، كما جاء فيما ضارع الاسم.
قال أبو علي: الذي ضارع الاسم نحو صاحِبٍ وصِحابٍ.
﴿رجع﴾ حين أجري مجرى (فَعيلٍ)، أي أجري فاعِلٌ مجرى فَعيلٍ.
قال أبو علي: قوله: وجاء على فِعال، أي كُسِّر فاعِلٌ على فِعال فيما ضارَع الاسم، والذي ضارع الاسم من الفاعل فكسر على فِعال، هو مثل صاحِب وصِحاب، وإنما كسِّر على (فِعال) المضارع للاسم وغير المضارع، لأنه أجرى مجرى فَعيل، فكُسِّر كما كسِّر فَعيل عليه حين قالوا: ظَرِيفٌ، وظِرافٌ، وكَريمٌ وكِرامٌ، وإنّما أجري مجرى فَعيل فكُسِّر كما كُسِّر فَعيل، كما أجري مجرى فَعُول فكُسر كما كُسر عليه، وذلك لما قال من موافقتهما الفاعل في الزنة وحرف اللين، وكما أجرى مجرى فعيل فكسر على (فِعال)، كذل أجري مجراه، فكسر على (فُعْلان) كما كسر فَعيل عليه، فقيل في راكب [١٥٨/أ] ونحوه، رُكْبانٌ كما قيل: ثُنْيٌ وثُنْيانٌ، وأجرى كل واحد من هذه المتفقات مجرى صاحبتها في التكسير كما وافقه في البناء وحرف اللين وأنه صفة.
قال: وقد اضطر الفرزدق فقال:
نَواكِسَ الأبْصارِ
[ ٤ / ١٠٦ ]
لأنك قد تقول: هي الرِّجالُ، كما تقول: هي الجِمالُ، فشُبِّه بالجمال.
قال أبو علي: يقول: كما جاز أن تكسّر ما يعقل وتؤنّثه وتجريه مجرى غير الأناسي وما يعقل، كذلك جاز أن تجمعه على (فَواعِلِ) كما تجمع غير الأناسي عليه كبَوازِلٍ وما ذكره.
قال: فدخل هذا، يعني (أفْعال)، على بنات الثلاثة، كما دخل هذا.
يعني: (أفْعال)، دخل على (فاعِل)، كما دخل على فعيل.
[ ٤ / ١٠٧ ]
قال: وزعم الخليل أن قولهم ظَريفٌ وظُرُوفٌ لم يُكسّر على ظَريفٍ، كما أن المذاكير لم تكسر على ذكر، قال أبو عمرو: أقول في ظُروفٍ، هو جمع ظَريفٍ كُسِّر على غير بنائه، وليس مثل (مَذاكِير)، والدّليل على ذلك، أنّك إذا صغَّرت قلت: ظُرَيِّفُون، ولا تقول ذلك في (مَذاكِير).
قال أبو علي: يستدل على أنّ الظُّروفَ ليس كمذاكير، بأنّه إذا صغّر ظُروفًا قال: ظريِّفون، فردّه إلى واحده، ولا يُردُّ مذاكير في التصغير إلى واحده المستعمل، إنما تقول: مُذَيكيراتٌ، ولا تقول: ذُكَيْراتٌ ولا أذَيْكارٌ، فلو كان ظُروف كمَذاكير، لم يردَّه في التَّصغير إلى واحده، كما لم يُردّ فيه مذاكير إلى واحده المستعمل.
[ ٤ / ١٠٨ ]
قال: وليس شيء من هذا وإن عَنَيْتَ به الآدميين يُجْمع بالواو والنُّون كما أنّ مؤنثه لا يُجمع بالتاء.
قال أبو العباس: يقول: لا يُجمع (فَعُول) بالألف والتاء، والواو والنون، وإن عَنَيْتَ الآدميين، لأنه لم يفرّق بين المؤنث والمذكر في واحده، فكذلك لم يفرق بينهما في جمعه.
قال: ومثل هذا مَرِيٌّ وصَفِيٌّ.
أي: مثل ما لم يجمع بالتاء.
قال: وقالوا للمذكّر جَزُور وجَزائر، لمّا لم يكن من الآدميين، صار في الجمع كالمؤنث.
[ ٤ / ١٠٩ ]
قال أبو علي: يقول: (جَزُورٌ) وإن كان مذكرًا فقد كسِّر تكسير المؤنث، لمّا لم يكن من الآدميين، لأن ما لم يكن منهم أجري مجرى الموات وإن كان حيوانًا في الجمع، فيقال: هي الجمال، كما يقال: هي الجُذُوع، وقد أجري الآدميّ لما جمع هذا الجمع مجرى الموات، فغير الآدميّ به أوْلى، وعلى هذا جُمع الحائط على الحوائط وإن كان مذكرًا.
قال: وقالوا: رجلٌ وَدُودٌ ورجال وُدَداءُ، شبَّهوه بفَعيل، لأنّه مثله في الزّنة والزيادة، ولم يتَّقوا التضعيف، لأن هذا اللفظ في كلامهم نحو خُشَشَاء.
قال أبو علي: يقول: لم يكرهوا التضعيف الواقع في الجمع في قولهم: وُدَداءُ لأنه غير خارج عما يكون عليه الآحاد، نحو خُشَشاءَ، وقِدَدٍ،
[ ٤ / ١١٠ ]
وخُزَرٍ، ونحو ذلك من الأسماء التي يصح فيها المضاعف، لأنه ليس على أمثلة [١٥٨/ب] الأفعال.
قال: وقالوا: عَدُوٌّ وعدُوَّةٌ، شبَّهوه بصديق وصديقة، كما وافقه من حيث قالوا للجميع: عَدُوٌّ، وصديق، فأجرى مجرى ضدِّه.
قال أبو علي: وقوع عدوّ للجمع كقوله ﷿: "فإن كان من قوم عدُوٍّ لكم".
ووقوع (فَعيل) له أيضًا كقول الشاعر:
فنِيَّتُنا ونِيَّتُهم فريقُ
وقول الآخر:
[ ٤ / ١١١ ]
دَعْها فما النَّحْوِيُّ مِنْ صَدِيقِها
في موضع أصدقائها.
قال: وزعم الخليل أن قولهم: هِجانٌ للجماعة بمنزلة ظِراف، وكسَّروا عليه فِعالًا، فوافق فَعيلًا ها هنا، كما يوافقه في الأسماء.
قال أبو علي: يقول: إن (فِعالًا) مثل (فَعيل) في الزيادة والزِّنة كما كسِّر على (فِعال)، كذلك كُسِّر (فَعال) على (فِعال)، فوافق لفظه الواحد لفظ التكسير وليست الألف ولا الكسرة في هِجانٍ إذا أدرت به الجمع الكسرة والألف التي كانت في الواحد، وإن اتفقت في اللفظ، لأن هذه ألف (فِعال) التي تكون للجمع لا التي تلحق الواحد ككِتابٍ.
[ ٤ / ١١٢ ]
قال: وليس كجُنُب.
قال أبو علي: لفظ الواحد والجميع فيه سواء، يقال: رجلٌ جُنُبٌ، وقومٌ جُنُبٌ.
قال: وأما الفُعّال فنحو: الحُسّان، والكُرّام، تقول: شرابُونَ، وحُسّانون، كرهوا أن يجعلوه كالأسماء حيث وجدوا عنه مندوحة.
قال أبو علي: حكم الأسماء التكسير، وحكم الصفات التصحيح، إلا ما استثني مما لا يدخل واحده علامة التأنيث نحو: مِعْطارٍ وما أشبهه وإنما كان حكم الصفات التصحيح لموافقتها الأفعال، والأفعال فاعلوها فيها بالواو، ولا تكسر، فكذلك حكم الصفات.
قال: وقد قالوا: عُوَّارٌ وعَواوِير شبَّهوهُ بنُقَّاز ونَقاقِيز، وذلك أنهم قَلَّ ما يصفون به المؤنث، فصار بمنزلة مِفْعال ومِفْعِيل، ولم يصر بمنزلة فَعَّال،
[ ٤ / ١١٣ ]
فكذلك مَفْعُول.
قال أبو علي: يقول: لما قلَّ وصف المؤنث به، صار بمنزلة مِفْعال، وما لا تدخله علامة التأنيث من الصفات لقلة وصف المؤنث به فكسِّر ولم يصحح.
قال: ويقولون للمؤنث أيضًا: أمْواتٌ، فيوافق المذكّر كما وافقه في بعض ما مَضى.
قال أبو علي: يعني أنه إذا كسر مَيْتًا للمؤنث، وإن كان تلحقه الهاء فيقال: مَيْتَةٌ، لم تثبت علامة التأنيث في التكسير، كما لم تثبت العلامة في أمْواتٍ جمع أمةٍ وفي غيره مما يكسر فيه علامة التأنيث، فكأنه كسر ما لا علامة للتأنيث فيه، أو كانت تسقط في التكسير، فلذلك وافق المؤنث فيه المذكر، وإن اختصت آحاد المؤنث بالعلامة.
[ ٤ / ١١٤ ]
قال: وقالوا: هَيِّنٌ وأهْوِناء، فكسّروه على أفْعِلاءَ، كما كسّر فاعِلٌ على فُعلاء، ولم يقولوا هُوَناء كراهية للضمة مع الواو.
قال أبو علي: لما جُمع فَيْعَل جمعًا وافق فيه جمع فاعل، فقيل: [١٥٩/أ] مَيْتٌ وأمْوات، كما قيل: شاهِدٌ وأشْهاد، وصاحِبٌ وأصْحابٌ كذلك جمع ها هنا كما جمع فاعِلٌ، فقيل في جمع هَيِّن: أهْوِناء، كما قيل في جمع صالِحٍ: صُلَحاء، إلا أن فيما اعتلَّت لامُه أو عينُه نظير فُعَلاء، فما جمع على فُعَلاءَ من الصحيح جمع نظيره من المعتل على أفْعِلاء.
أنشد:
وكأنّ ريِّضها إذا ياسَرْتَها
[ ٤ / ١١٥ ]
قال: جعلوه بمنزلة سَدِيسٍ وجديد.
أي: أنهما يقالان للمذكر والمؤنث على حال واحدة.
قال: وقالوا: الآخَرُون ولم يقولوا غيره كراهية أن يلتبس بجماع الآخِرِ، ولأنه خلاف أخواته في الصفة.
أي: يقال: رجالٌ آخَرونَ، فيجعل وصفًا بغير ألف ولام، وبغير أن يوصل بمن، والاستعمال في سائر أخواتها بالألف واللام نحو: الأصغرون.
قال: وكذلك المؤنث.
قال: وشبَّهوا فَعْلانَ بقولهم صَحْراءَ وصَحارَى.
قال أبو علي: فَعْلان يشبه فَعْلاء، لأن علامة التأنيث لا تدخل على فَعْلان كما لا تدخل على فَعْلاء، وقد مضى وجوه الشبه بينهما فيما تقدم.
قال: وقالوا: رَجُلٌ رَجِلُ الشَّعَرِ، وقومٌ رَجالى، لأن (فَعِل) قد يدخل في هذا الباب.
[ ٤ / ١١٦ ]
أي في باب فَعْلان.
قال: وليس شيء من الصفات آخره علامة التأنيث يمتنع من الجمع بالتاء غير فَعْلاء أفْعَل، وفَعْلى فَعْلان، وافقن الأسماء كما وافق غيرُهنّ من الصفات الأسماء.
قال أبو علي: يقول وافقن الأسماء في أن كُسِّرتا، ولم تُصحَّحا، كما صُحِّح الصفات، وإنما كان ذلك لأن المؤنث في الواحد لم ينفصل من المذكر بعلامة التأنيث.
قال: وتقول: شاةٌ رَمِيٌّ، إذا أردت أن تُخبر أنها قد رُمِيَتْ.
وقالوا: بئس الرميَّةُ الأرنبُ، وإنما يريد: بئس الشيء مما يُرمى.
قال أبو علي: هذه الصفات التي على فَعيل، وقد دخلتها علامة التأنيث ليس المراد بها أنها قد أوقع الفعل عليها فصارت مفعولًا بها على الحقيقة، إنما معناها أنها معرضة لأن يفعل بها ذلك، ومهيّأة له ولو صارت مفعولًا بها على الصحة، لم تدخل علامة التأنيث، إلا أن يشذّ كلمة كنحو حَمِيدٍ وحميدة.
[ ٤ / ١١٧ ]
قال: وقالوا: عَقيمٌ وعُقُمٌ، شبَّهوها بجديد وجُدُدٍ، ولو قيل أنها لم تجيء على فُعِلَ، كما أن حَزين لم يجيء على حُزِنَ لكان مذهبًا.
قال أبو علي: يريد أنّ (عَقيم) ليس هو فَعيل بمعنى مَفْعُول، كما أنّ (قَتيل) بمعنى مقتول، فلزم أن يجمع على فَعْلى مثل قَتْلى، وإنما هو فَعيل كان المراد بها غير مفعول، فجمع على فُعُل.
[ ٤ / ١١٨ ]