قال: واعلم أنهم يبنون الفِعْل على أفْعال نحو: اشْهابَّ، وادْهامَّ وايْدام.
قال أبو علي: الأدْمَة فاء فعله همزة، فإذا بَنَيْتَ فيه مثل احْمارَّ
[ ٤ / ١٢١ ]
زدت على الهمزة التي هي فاء همزة الوصل، فاجتمع همزتان الفاء والوصل فقلبت الثانية ياء لكسرة الهمزة الأولى فصار (إيْدامَّ)، فإذا وصلته بكلام قبله سقطت التي للوصل، بقيت التي هي فاء فقلت: (قَدِايْدامَّ)، ولك في الياء التي انقلبت عن الهمزة التي هي فاء التحقيق والتخفيف.
أما وجه التحقيق فلأنك كنت خفّفت الهمزة لاجتماع همزتين، فلما زالت العلة التي لها كانت قلبت ياء وهي اجتماع همزتين حَقَّقت فقلت: (قَدِئْدامَّ)، وعلى ذا قراءة من قرأ "يؤمِنُون" فحقق، لمّا قال: "آمَنَ" فأبدل الهمزة التي هي فاء ألفًا لاجتماع همزتين، قل: يؤمنون، لأن العلة التي لها كانت خُففت في (أأمن) مرتفعة ها هنا؛ هذا وجه قول من حقَّق مثل هذه الهمزات، وهو قياس، إلا أن تخفيفها أقيس وأشبه بما عليه مذاهب العربية وطرقها، لأنه إذا أعِلّ فِعل في موضع فلزم إعلاله أعِلّ في غير ذلك الموضع، وإن لم تكن في العلة الموجبة للإعلال [١٦٠/أ] فمن ذلك أنك أعللت عين قامَ وباعَ لتحركهما وتحرك ما توسطتاه، - فأتبعتهما بقُومَ وبَيْعَ في الإعلال، وإن لم يكن فيهما العلة التي في قامَ
[ ٤ / ١٢٢ ]
وباعَ؛ ومنه: أنك تحذف الفاء من (يَعِدُ) لوقوعها أعني الواو بين الياء والكسرة، لم تُشبه سائر حروف المضارعة، وإن عريت من هذه العلّة؛ ومنه: أنك تحذف همزة الأفعال في قولك: (أنا أَفْعَلُ)، لاجتماع الهمزتين ثم تتبعه سائر الحروف وإن لم يجتمعا فيه.
فتخفيف همزة (ايْدامَّ ويُومِنونَ) أقيس إذا رددته إلى هذه الأصول ووازنته بها، وهذه بحجج لأبي عمرو في قراءته "يُومِنون" وتخفيفه للهمز فيه وعلى هذا قرأ "ياصالحُ يتِناَ" لما حذف همز الوصل ترك الياء التي انقلبت عن الكسرة التي هي فاء من الإتيان لاجتماع همزتين، ولم يحقق الهمزة، ولكنه تركها على ما كانت تكون عليه من القلب في "ائتنا"، وإن كان قبلها ضمة، وهو لا يشبع الضمة لكن يشمّها، فهذا على قياس قراءته "يُومنون".
ومن حقق الهمزة في "يُؤمنون" لزمه أن يحقق هنا، فيقول "ياصالِحُ ائْتِنا" فيحقق الهمزة التي هي فاء الفعل من (أتَيْتُ).
[ ٤ / ١٢٣ ]
قال سيبويه في قراءة أبي عمرو "يا صالحُ يتِنا": هي لغة رديئة، يلزم من قال بها أن يقوم: يا غُلا مُوْجَل.
قال أبو علي: وإنما ألزمه ذلك، لأن الياء المنقلبة عن الهمزة التي هي فاء في قوله "ياصالحُ يتِنا" ساكنة قبلها كسرة، فكما لم تقلب الياء الساكنة التي قبلها ضمة واوًا، كذلك يلزمه ألا يقلب الواو التي قبلها كسرة ياءً، فيقول: يا غُلاميْجَل.
وخبّرني أبو بكر عن أبي العباس، أن أبا عثمان قال: لا يلزم أبا عمرو ما لزمه من قوله: (ياغُلام وْجَل)، لأنه لما قرأ "يا صالحُ يْتِنا" أشم الضمة وترك الياء الساكنة بعدها، قياسًا على قول من قال: قِيلَ، وسِيقَ فإلى هذا ردّ قراءته، وعليه قياسها.
فأما (يا غُلامِ وْجَل)، فليس له في الكلام نظير فيرد إليه ويقاس عليه، فأبو عمرو في هذه القراءة ماض على أصله في "يُومِنون". وقد تقدم الاحتجاج له في "يُومنون".
[ ٤ / ١٢٤ ]