قال: وإنما مُنِعَت هذه الحروف الإمالةَ.
قال أبو علي: لتغيير التفخيم مع المستعلية، ليتْبَعَ المستعلي المستعلي كما اختير ﴿ت﴾ الإمالة في (مَساجد) لتقريب الألف مما كان من الياء.
قال: وكذلك، إذا كان الحرف من هذه الحروف بعد ألف يَليها.
أي: يلي الحرف الأول "لأنها [١٦٩/أ] إذا كانت مما يُنْصَبُ في غير هذه الحروف"، يعني فيما لم يكن فيه حرفٌ مُسْتَعْلٍ.
[ ٤ / ١٨٣ ]
قال: وإذا كان حرف من هذه الحروف قبل الألف بحرف، وكان مكسورًا فإنه لا يمنع الألف من الإمالة، وليس بمنزلة ما يكون بعد الألف.
يريد: نحو: (ناشِط، وواقِدٍ).
رجع: لأنهم يَضَعون ألسنتَهم في موضع المستعلية، ثم يُصوِّبون ألسنتهم، والانحدار أخف عليهم من الإصعاد، ألا تراهم قالوا: صُقْتُ.
قال أبو علي: يقول: الانحدار بعد الإصعاد في (قِفافٍ) أخف عليهم من الإصعاد بعد الانحدار في (واقِدٍ) لو أمالوا، لأنّك لو أملت نحو: ناشِعًا وواقِدًا، لانحدرت بإمالتك الألف، ثم أصعدت بعد الانحدار للفظك بالحرف المستعلي، فالانحدار بعد الإصعاد في (قِفاف وصِفاف)، أخفّ من الإصعاد بعد الانحدار في (واقِدٍ وناشِطٍ)، ونحوها لو أمِلْنَ.
[ ٤ / ١٨٤ ]
وقال أبو علي: يقول: لو قالوا: سَبَقْتُ لأصعدوا بالمستعلي بعد التَّسَفُّل بالألف بالإمالة.
قال: وقالوا: قَسَوْتُ وقَسَتْ فلم يُحوِّلوا.
قال أبو علي: يقول: قالوا: قَسَوْتُ فلم يُحوِّلوا السين صادًا، كما قالوا: صُقْتُ فحوّلوها، لأنّهم لم يكرهوا الانحدار بعد الإصعاد في (قِفاف).
[ ٤ / ١٨٥ ]
قال: وكان الانحدار أخفَّ عليهم من الاستعلاء من أن يُصْعِدوا من حال التَّسفُّل.
أي بعد التسفل مثل (واقِدٍ) وسبقت لو لم تقلب.
قال: ولا يكون ذلك، (أي الإمالة) في قائمٍ وقوائِمٍ.
قال: فلما كان قبل الألف بحرف.
أي لما كان الحرف المستعلي.
رجع: مع حرف يمال بعد الألف.
يعني أنه مع حرف مكسور صار كأنه هو المكسور، وصار بمنزلة القاف في قِفافٍ، أي، صار المستعلي كأنه هو المكسور.
قال: وبعض من يقول: قِفافٌ، ويميل ألف مِفْعال، وليس فيها شيءٌ من هذه الحروف ينصب الألف في مِصْباح.
قال أبو علي: من قال: مِصْباح فأمال الألف، لتنزيله إن الكسرة كأنّها على المستعلى فكأنه صَباح في جواز الإمالة فيه كجوازها فيه، فكذلك إذا نُزل أن الفتحة بعد المستعلي على المستعلي، كما نزل في الأول أن الكسرة التي قبل المستعلي يتحرك بها المستعلي، فلا يجوز في هذا التنزيل إلا التفخيم، لأن المستعلي كأنه مفتوح، وإذا انفتح لم تجز الإمالة
[ ٤ / ١٨٦ ]
وهذا التقدير على عكس الأول.
قال: وصار بمنزلة القاف.
قال: وتقول: رأيت عِلْقًا، ورأيتُ مِلْفًا، لأنها بمنزلتها في (غانِمٍ).
أي، لأن (غا) من (مِلْغا) بمنزلتها في (غانِمٍ).
[ ٤ / ١٨٧ ]
رجع: سمعناهم يقولون: [١٦٩/ب] أراد أن يضرِبها زيدٌ، ويقولون: أراد أن يَضْرِبَها قبلُ، فنصبوا للقاف وأخواتها.
قال أبو علي: يريد أنه فخّم مع المستعلي ما أميل مع غيره، وإن كان كل واحد من المستعلي والحرف الذي يمال في كلمة منفصلة عن صاحبتها، - ونظير هذا في الإدغام فَعَل لَّبيد، والمال لَّك.
قال: فأمّا (نابَ، ومالَ، وباعَ) فإنه من يُميل يُلزمها الإمالة على كل حال.
أي، إن كان مع حرف مُسْتَعْلٍ، أو لم يكن معه.
[ ٤ / ١٨٨ ]
قال: لأنه يَرومُ الكسرة التي في (خِفْتُ)، كما نحا نحو الياء.
يعني في نابَ، وباعَ.
قال: وكذلك باب (غَزا) لأنّ الألف هنا كأنّها مبدلة من ياء.
قال أبو علي: هذا ليصيَّر وزنه إلى الياء، وعدّة الحروف كعدّتها في (غَزا) وذلك في قولك: (غُزِيَ).
قال: في (جادٍّ) ونحوه: لا يميل، لأنه فرَّ مما تحقق فيه الكسرة.
أي من إظهار التضعيف، لأنه لو أظهر لقال: جادِدٌ، فحقق الكسرة.
قال: ولا يميل للجر،
يعني (جادِدٌ).
لأنه إنما كان يميل في هذا للكسرة التي بعد الألف.
[ ٤ / ١٨٩ ]
قال أبو علي: يعني أنه لا يقول: مَرَرْتُ بجاد فيُميل الألف إذا جرّ، وإن لم يُمِلْهُ في النّصب والرّفع، كما أمال قوم: مَرَرْتُ بمالِ زيدٍ" في الجر للكسر.
وقد أمال قومٌ على كل حال كما قالوا: هذا ماشْ، ليُبَيِّنوا الكسرة في الأصل.
قال أبو علي: يقول أمال قومٌ جاد ونحوه على كل حال. وإن لم تظهر الكسرة، ليُبينوا أن الكسرة كانت في الأصل لازمة لو ظهر التضعيف كما أمالوا (ماشُ) في الوقف، وإن زالت الكسرة التي كانت لها يُمال في الوصل، ليُعلم في الوقف أنه مما يجري عينه مكسورة.
[ ٤ / ١٩٠ ]
قال: وقد فصلوا بين المنفصل وغيره في أشياء ستُبيَّن لك إن شاء الله تعالى.
قال أبو علي: يعني من الأشياء التي يقع فيها الفرق بين المتصل والمنفصل من الإدغام، كما وقع الفرق بينهما في الإمالة أن من قال: (مَفَرٌّ ومَرَدٌّ) فأدغم نحو هذا لم يدغم من المنفصل نحو: (نَفْسُ سعيد، وقومُ موسى)، فكذلك لم يُمل المنفصل، ومَنْ أمال، فلأن المنفصل قد يدغم كما يدغم المتصل في مثل (المال لَّك) ونحوه.
قال: وقد غَلَبَتْ في المستعلية، كما غَلَبَتْ في مَناشِيط ونحوه، وصارت الهاء والألف كالفاء والألف، في (فاعِلٍ ومَفاعِيل).
يريد، (واقِد ومَناشيط).
قال أبو علي: يقول: لم يمنع الذي بين الألف والحروف المستعلية من الحروف التفخيم في (يَضْرِبَها يَنْقُلُ) وسائر المنفصلات، وإن تراخى المستعلي كما لم يمنع في المناشيط ونحوه من المتصلات وإن تراخى، (وصارت المستعلية في هذه الحروف)، أي المتصلة، (أقوى منها في مالِ
[ ٤ / ١٩١ ]
قاسمٍ، لأن القاف هنا) أي في المنفصل [١٧٠/أ] (ليست من الحروف، وإنما شبهت ألف مال بألف فاعل).
قال أبو علي: يقول: شُبِّهت ألف (مالِ) في (مالِ قاسمٍ) بألف (فاعِلٍ) في (نافَقَ)، فلم يُمل (مالُ قاسِم) كما لم يُمل (نافَقَ) وليس بمنزلته في الاتصال وإن كان مشبهًا فلا تمتنع فيه الإمالة، إذًا كما تمتنع في (نافَقَ).
قال: إذ لم تُشبه الأخَر المتصلة، ولو فُعل بها ما فُعِل بالمال لم يُستنكر في قول من قال بمالِ قاسِمٍ.
قال أبو علي: قوله: ولو فُعل بها، يعني (يريد أن يضربَها قاسمٌ).
أي لو قلت في (يضربها قاسم) فأملت لم يُنكر.
قال: فلم يكن عندهم بمنزلة المال ومَتاعٍ وعَجْلانَ.
يقول: لم تكن عندهم هذه الأشياء المنفصلة نحو: (أنْ يضرِبَها قاسمٌ)، بمنزلة ما كان متصلًا فيه حرف مُستعل مانع من الإمالة، أو لا حرف مستعليًا فيه، ولكنه ليس فيه شيء مما يوجب الإمالة نحو الكسرة والياء والإمالة للإمالة.
[ ٤ / ١٩٢ ]
قال: والذي أمال له الألف في (عِمادٍ وعابِدٍ)، ونحوهما مما لا يتغيّر.
قوله: مما لا يتغيّر خبر الذي، أي لا يزول كما زالت حركة الإعراب.
رجع: فإمالة هذا أبدًا لازمة، فلما قويت هذه، لم يَقْوَ عليها المنفصل.
قال أبو علي: قوله: فلما قويتْ: أي قويت قولهم: (يُريدُ أن يَضْربَها قاسم)، وإنما قويت لأن كسرتها التي على الراء لازمة، كما أن الكسرة (عِماد) لازمة.
وقوله: لم يَقْوَ عليها المنفصل، أي لما قويت الكسرة في الراء في قولك: (أن يَضْرِبَها)، للزومها، لم يفخم المستعلي المنفصل منه، لكنه يقال: (أن يضرِبَها قاسم)، فتمال قياسًا على نظائره من المنفصل.