قال سيبويه: ولو كان جاء عليه لاعتلّ، فإنما هو كفَعِيلٍ يعني مَفْعُول.
قال أبو علي: يريد: أن (فَعيل) الذي هو في بمعنى (مَفْعُول) غير جار على الفعل، كما أن (طويل) ونحوه من (فَعِيلٍ) الذي بمعنى (فاعِلٍ) غير جارٍ على الفعل، وإذا لم يجريا على الفعل، وكان ما بعده ساكنًا لم يجب أن يُعلّ.
قال: وسألته عن (مِفْعَل)، لأي شيء أتِمَّ؟ الفصل.
قال أبو علي: يريد أن (مِفْعَل) مثل (مِفْعَال) في المعنى، فكما لا يُعل (مِفْعال) لاجتماع ثلاث سواكن وحذف اثنين منها، كذلك لم يعلّ (مِقْوَلٌ) الذي بمعناه كما لم يُعَلّ (اعتَوَرُوا) الذي يعني به تَعاوَرُوا.
[ ٥ / ٣٧ ]
قال: وسألتُه عن واو عَجُوزٍ، وألف رِسالةٍ، وياء صَحِيفةٍ، الفصل، آخره فإنما أجمعُ ما أصله الحركة.
قال أبو علي: يعني أن أصل العين في مَعُونَةٍ ومَعِيشَةٍ الحركةُ، لأنهما على وزن مَفْعُلَة، ومَفْعَلَة.
قال سيبويه: فهذه الأسماء بمنزلة ما اعتل على فعله.
قال أبو علي: ما اعتل على فعله من الأسماء: (قائِلٌ وبائِعٌ)، ومعنى قوله: اعْتُلّ على فعله، أن (قائلًا) اعتلَّ لما اعتلَّ (يقول)، لأنّه جار عليه، ومشابِهُهُ واعتلّ (يَقُولُ) لاعتلال (قالَ)، وأصل الاعتلال في هذا وما أشبهه إنّما سرى فيه من الفعل الماضي، ولولا هو لما اعتلّ المضارع ولا الاسم الجائي عليه لسكون ما قبل العين فيهما، وما اعتلّ من الأسماء،
[ ٥ / ٣٨ ]
فإنما يعتلّ للمناسبة بينه وبين الأفعال بأن تكون جارية عليها أو موافقة لها في البناء نحو حافٍ، وبابٍ، وسائرها يجب أن يصح، وهذه جملة تشتمل على عامة الإعلال والإتمام.
قال أبو علي: ويدلّ تصحيح (عاوِرٍ) ونحوه على أن الإعلال في اسم الفاعل نحو (قائِل) إنما حدث لجريه على الفعل، ألا ترى أن (عاوِرًا) يصح لصحته في (عَوِرَ).
قال سيبويه: فإنما هو كمعُونَةٍ ومَعِيشَةٍ، ولم تُرد اسمًا عل الفعل.
قال أبو علي: يريد: لم تُرد بمَعايشَ اسمًا جاريًا على الفعل، فلزمك أن تعلّه كما تعلّ الأسماء الجارية عليه، وليست الجموع بجارية على الفعل جري أسماء الفاعلين عليها.
قال سيبويه: فإذا قلت: فَواعِل من (عَوِرْتُ وصَيِدتُ) همزْتَ، لأنّك تقول في شَوَيْتُ: شَوايَا.
[ ٥ / ٣٩ ]
قال أبو علي: كان حكم اسم الفاعل من [١٨٩/أ] (شَوَى) إذا كان كسِّر أن يقال: (شَواوِي)، الواو الأولى بدل من ألف فاعِل، والتي بعد الألف عين الفعل، واللام بعدها، لكن لو جمع هكذا لوقعت الواو قبل حرف قريبة من الطرف، وقبل التي قبله واو أخرى، فلزم همزه لقربه من الطرف، كما لزم همز (أوائِل)، فإذا لزم همزه فقلت: شَواءٍ صار كمَطاءٍ في اعتراض الهمز في الجمع فإذا صار إليه أبدلت من الياء الألف كما أبدلت منها في (مَدارَا)، فصار (شَواءَا)، ثم أبدلت من الهمزة الياء لاجتماع ثلاث متجانسات، كما أبدلتها منه في خَطايا ومَطايا، فصار شَوايا، فمعنى قوله: (لأنك تقول في شَوَيْتُ شَوايا)، أي أنك تعتبر صحة الواو والياء في عَوِرَ وصَيِدَ بشَوَيْتُ وحَيِيتُ، وتصححها حيث تصحّحها، وكذلك تُعلّهما حيث أعللتهما، وكما اعتلّت العين في شَوايا الذي عِبْرةٌ لعَوِرَ، كذلك اعتلّت من عَوائِر، وصَيايِد، كما أنّه لو صحّ في عاوِرٍ صحَّ في شاوٍ، والياء التي في شَوايا بعد ألف الجمع هي منقلبة عن الهمزة المنقلبة عن الواو التي هي عين الفعل من حَيِيَ، فإنما أبدل منهما ياءان لاعتراضهما في الجمع.
[ ٥ / ٤٠ ]