قال أبو علي: معنى الواو في الحقيقة الاجتماع وهي لا تكون للعطف إلا ومعنى الاجتماع لها لازم، وقد تكون للاجتماع ولا معنى عطف فيها في نحو: (جاء البردُ والطيالسةُ) وجميع باب المفعول معه الواقع فيه الواو بمعنى (مَعَ) وإنما وقعت الواو بمعناها لما بينهما من المقاربة في المعنى، وذلك أن معنى (مَعَ): المصاحبة، ومعنى الواو الاجتماع، والمصاحبة ضربٌ منه، فهذا وقوع الواو للاجتماع مُعَرَّى من العطف، والدليل على أنّها معرَّاةٌ منه أنها لم تُدخِل الاسم الذي بعدها في إعراب الاسم الذي قبلها كما تدخله في إعرابه في نحو (جاءَ زيدٌ وعمروٌ).
ومن هذا الباب قوله تعالى: "فأَجْمِعُوا أمرَكم وشركاءَكم".
قال أبو العباس: المعنى: مع شركائِكم، فالواو فيها بمعنى (مَعَ)، لأنه لا يقال: أجمعت قومي وشركائي، إنما يقال: جمعْتُ قومي وشركائي
[ ٤ / ٢٤٢ ]
وهذا تأويل حسن، ويجوز أن يكون على معنى: أجْمِعُوا أمركم وأجمعوا شركاءَكم فأضمر الفعل الثاني، لدلالة الأول عليه كقول القائل:
متقلدًا سيفًا ورمحًا
أي متقلدًا سيفًا، وحاملًا رمحًا، فأضمر الثاني لدلالة الأول عليه ونحو هذا كثير، فأمّا حيث يكون فيه للاجتماع وينضمُّ إليه مع ذلك العطفُ فنحو (ضربْتُ زيدًا وعمرًا)، والمعنى أنك إذا قلت: (جَمَعْتُهم)، لم يكن فيه دليل في اللفظ من المبدوء بالضّرب كما أنك إذا قلت: (جَمَعْتُهم)، لم يكن فيه دليل من كان المبدوء به المضموم إليه السائر، فكذلك إذا وضع حرف على المعنى الموضوع عليه مصدر (جَمَعْتُ)، لا يكون فيه دليل من المبدوء به قبلُ،
[ ٤ / ٢٤٣ ]
ولا يُعلم بين أهل العربية في ذلك خلاف، ولهذا المعنى الذي فيه من الاجتماع والمصاحبة وقعت الجُمَلُ بعده موقع الحال، ولو كان غيره من حروف العطف لم يجز أن يقع موقعه، لأنه لا يؤدي معناه، ألا ترى أنه ليس في سائر هذه الحروف ما معناه كمعناه في الاجتماع؟!
وحكم الحال أن تكون مصاحبة لذي الحال ومجامعة له في وقت حديثك عنه فلهذا لم يجيزوا وقوع الفعل الماضي موقع الحال في نحو (جاء زيدٌ ضَرَبَ)، كما أجازوا: (جاء زيد يضربُ)، وقالوا في تقدير: (مَرَرْتُ برجلٍ معه صقرٌ صائدٌ به غدًا) أن [١٧٧/أ] معناه مقدرٌ، الصيد به الآن، لأن الحال لا تكون المستأنف ولا الماضي بل هي خلافهما، فلهذا وقعت الجمل بعدها موقع الحال، وقد ذكرنا في الواو فيما تقدم أشياء غير هذا.
قال أبو علي: كون الكاف والتاء للخطاب أعمّ من كونهما اسمين، لأنهما يكونان للخطاب حيث لا يكونان فيه اسمين، ولا يكونان اسمين إلا ومعنى الخطاب موجود فيهما، والدليل على أن الكاف في (ذلك) للخطاب، أن (ذا) لا تجوز إضافته، لأن المعنى الذي تعرّف به قائم فيه أبدًا وهو الإشارة فلو أضفته لنكَّرْته لأن المعرفة لا تضاف.
[ ٤ / ٢٤٤ ]
قال سيبويه: واعلم أنه لا يكون اسم مظهر على حرف الفصل.
قال أبو علي: لأنه يُبتدأ بحرف ويُوقف على آخر، ولا يجتمع الابتداء والوقف معًا في حرف واحد.
وقال أبو علي: في إنشاد سيبويه:
ورجّ الفتى للخَيْر ما إنْ رأيْتَهُ على السِّنِّ خيرًا لا يزالُ يزيدُ
قوله: ما إن رأيته: [إنْ] لغو، (وما)، مع الفعل بمنزلة المصدر، فهو في تقدير: رجَّه رؤيتك إيّاه، أي وقت رؤيتك إيّاه، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، فهذا عندي مثل (مَقْدِم الحاجّ)، (وخُفُوقَ النَّجْم)،
[ ٤ / ٢٤٥ ]
وغيرهما من المصادر المقامة مقام الظروف الزمانية، فأما زيادة (إنْ) معها وهي بمعنى المصدر فقليل جدًا إنما تزاد مع (ما) إذا كانت للنفي نحو: (ما إنْ زيدٌ منطلقٌ)، وما إن يكاد يخليهم لوجهتهم، فإنما حكم (إنْ) أن تزاد مع النافية، فكأن هذا الشاعر شبه التي مع الفعل بمعنى المصدر بالنافية، لاتفاقهما في اللفظ، كما شبهت النافية في ضرورة الشعر بالتي في معنى الاسم، وذلك قوله:
لما أغْفَلْتُ شكرَك فاصْطَنِعْنِي
فما هذه نافية وهي جواب القسم، فأدخلت عليها اللام كما تدخل على التي في تأويل الاسم، وحكم النّفي في جواب القسم ألا يدخل عليه اللام كقولك: (والله ما رأيته)، ولا يجوز: (لما رأيْتُه).
قال سيبويه: فهذه الأسماء سوى الأماكن بمنزلتها.
قال أبو علي: يقول: هذه الأسماء التي هي غير الأماكن بمنزلة الأماكن في أن (مِنْ) تدخل عليها كما دخلت عليها.
قال: وكذلك: كفى بالشيب: لو ألغى الباء استقام الكلام.
[ ٤ / ٢٤٦ ]
قال أبو علي: موضع الباء في قوله: (كفى بالشّيب) مع ما بعده رفع، لأن (الشَّيْبَ) هو الفاعل، وكذلك "كفى بالله"، كما أن موضع (مِنْ) في قولك: (ما جاءني من رجلٍ)، وقوله تعالى: "أن يُنزّل عليكم من خير من ربكم" رفع، ومثل هذا في أن الجار مع المجرور رفعٌ قولك: (أكْرِمْ بزيدٍ)، موضع الباء مع زيد رفع (بأكْرِمْ)، ألا ترى أن المعنى إنما هو الإخبار عنه بأنه كَرُمَ، فإن قيل: كيف جاء الفعلُ على بناء الأمر وهو خبرٌ، فالقول فيه عندي [١٧٧/ب] أن فعل الأمر وقع موقع الخبر، كما وقع الفعل المبني للخبر الأمر والدُّعاء في نحو: (لَقِيَ زيدٌ شَرًّا)، (وغَفَرَ اللهُ لزيدٍ)، فكما وقع بناء فعل الخبر موقع الدُّعاء والأمر، كذلك وقع بناء الأمر موقع الخبر في (أكْرِمْ بزيدٍ) وبابه.
ومعنى أكْرِمْ بزيدٍ: (أكْرَمَ زيدٌ) كأنه من باب (أفْعِلْ) الذي هو لغير التعدي والنقل من فعل إلى فعل، نحو (أعْشَبَ الوادي وأخْصَبَ)، (وأهْيَجَ النَّبْتُ)، إذا صارت هذه الأشياء فيه كثرة، فكذلك معنى (أكْرِمْ به)، عندي كأنه (أكْرَمَ زيدٌ) على التأويل الذي ذكرنا.
قال سيبويه: وتقول: رأيْتُه من ذلك الموضع فجعلته غاية رؤيتك .. الفصل.
قال أبو بكر: هذا كلام يخلط معنى (مِنْ) بمعنى (إلى)، وإنما (إلى) للغاية، (ومِنْ) لابتداء الغاية، وحقيقة هذه المسألة، أنك إذا قلت: (رأيت الهلال من مَوْضِعِي)، (فمِنْ) لك، فإذا قلت: (رأيتُ الهلالَ مِنْ خُلَلِ
[ ٤ / ٢٤٧ ]
السَّحاب)، (فمِنْ) للهلال، والهلال غاية لرؤيتك فلذلك جعل سيبويه (مِنْ) غاية في قولك: (رأيتُه من ذلك الموضع)، فهي عنده ابتداء غاية إذا كانت (إلى) معها مذكورة أو منوية وإذا استغنى الكلام عن (إلى) ولم تكن نقيضتها جعلتها غاية، ويدُلُّك على ذلك قوله: "تقول: (ما رأيْتُهُ مُذْ يومين)، فجعلتها غاية، كما قلت أخَذْتُهُ من ذلك المكان) فجعلته غاية ولم ترد منتهى.
أي لم ترد ابتداء له منتهى، أي استغنى الكلام دون ذكر المنتهى، وهذا المعنى أراد والله أعلم، وهذه المسألة ونحوها إنما تكون في الأفعال المتعدية إلى مفعول واحد، نحو رأيتُ وسمعتُ وشممتُ، تقول: (شممتُ من داري الريحان من الطريق)، (فمِنْ) الأولى للفاعل، والثانية للمفعول، وعلى ذلك الباب لا يجوز عندي غيره.
قال سيبويه: كما كانت (مِنْ) فيما ذكرتُ لك، ولا تدخل واحدة منهما على صاحبتها، لأن (مِنْ) للزمان، (ومِنْ) للمكان، فأمّا قول زهير:
[ ٤ / ٢٤٨ ]
أقْوَيْنَ مِنْ حِجَجٍ ومِنْ دَهْرِ
فكان أبو إسحاق يقول: المعنى: (مِنْ مَرِّ حِجَجٍ ومَرِّ دَهْرِ) فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
قال سيبويه: كما قُلت: أخذتُه من ذلك المكان، فجعلتَه غاية ولم تُرد منتهىً.
قال أبو بكر: معنى هذا أنك لو أردت الابتداء والمنتهى لرفعت فقلت: مُذْ يومان، لأنك إذا أردت الغايتين، الابتداء والانتهاء، فالحكم الرفعُ، وإذا أردت إحداهما خفضت.
قال سيبويه: وما جاء من الأسماء غير المتمكنة على حرفين أكثر مما جاء من المتمكنة الفصل يعني أن (مَعَ وقَطُّ)، ضارعتا (هَلْ، وأوْ)، وتقول (صَهْ) ونحو أكثر من (خُذْ).
قال أبو علي: (أنْ) حرف ليس باسم، والدليل على ذلك أنه ينصب الفعل ولو كان اسمًا لم ينصب [١٧٨/أ] لأن الاسم لا يعمل في الفعل، ولأنه ليس باسم لم يعد إليه من صلته ذكر كما عاد من صلة (الّذي)، وسائر
[ ٤ / ٢٤٩ ]
الموصولات الذكر من صلاتها.
قال أبو علي: أنشدنا أبو بكر:
فقُلْتُ اجْعَلِي ضَوْءَ الفراقِدِ كُلِّها يمينًا ومَهْوَى النَّجْمِ مِنْ عَنْ شِمالِكِ
قال سيبويه: كما كثرت الأسماء نحو (قَدْ، وهَلْ)، وإنما قال قبلها، لأنه قدم الحروف التي على حرفين في الكتاب على الأسماء التي على حرفين (في الكتاب).
قال أبو علي: يقول: (أيْمُنُ) لما لم يجئ إلا متصلًا بالقسم ولم يجاوز هذا الموضع شابه ما جاء على حرف من الأسماء نحو (رأيْتُك وضربتُ)، في أنه لا يكون إلا متصلًا بشيء، كما أنه لا يكون إلا متصلًا، فلما شابهه في الاتصال، وأنه لا ينفرد حذف منه ورد إلى حرف، كما أن هذه الأسماء التي لا
[ ٤ / ٢٥٠ ]
تنفصل جاءت على حرف واحد.
قال أبو علي: لام التوكيد يلزمه إنْ المخففة من (إنّ) عوضًا من التخفيف متى رُفع اسمها، فأمّا إذا نُصب اسمها لم يلزمها إلاّ من حيث يلزمها في التثقيل، وذلك أن اللام إنما تلزم خبرها إذا رُفِعَ الاسمُ بعدها لتُماز من التي بمعنى النفي، فإذا نصبتها انْمازَتْ بانتصاب الاسم بعدها من التي للنفي، فإنما تلزم اللام إذا نُصب الاسم بعدها مخففة، كما يلزمها مثقّلة، والذي هو المختار في ذلك أن يُرفع الاسم بعدها في التخفيف وعلى هذا عامة التنزيل والقراءة، كقوله تعالى: "إنْ كُلُّ نفسٍ لَّما عليها حافظٌ" والقول في الخفيفة في نحو قوله: "إنْ كاد ليُضِلُّنا" وما أشبهه إنها (إنَّ)
[ ٤ / ٢٥١ ]
التي كانت تنصب الاسم خففت، فلما خففت دخلت على الفِعل، لأن المعنى الذي كان يمتنع من الدخول على الفعل كان مشابهته إياه بالتثقيل، فلما خففت زال الشبه، فلم تمتنع من الدخول على الأفعال مخففة، لأنها حرف تأكيد، وقد يؤكد الاسم كما يؤكد الفعل فتدخل عليه كما تدخل على الاسم للتأكيد، وإنما دخل على الفعل وساغ دخوله عليه من حيث كان الاختيار بعده ارتفاع الاسم بعدها مخففة، جاز دخولها على الفعل، لأن الحرف متى ما دخل على الاسم فلم يغيِّره لم يمتنع من أن يدخل على الفعل، وهذا مطَّرد. فكذلك (إنْ) لمّا دخلت [على] الاسم مخففة فلم تغيِّره، كذلك دخلت على الفعل.
فأما اللّام التي تلزم الفعلَ إذا دخلت (إنْ) على فعلٍ نحو اللام في "إنْ كاد ليُضِلُّنا" ففيه عندي نظر [١٧٨/ب].