قال سيبويه: فكذلك هذه الحروف حيث اعتلت، جعلت حركتهن على ما قبلهنّ، كما جعلت من الواو والياء حركة ما قبلهما.
يريد، إذا كانا لامين نحو يَغْزُو ويَرْمِي.
قال سيبويه: كما لزم ما ذكرتُ [١٨٦/أ] لك الحركةُ مما بعده.
أي كما لزمت العين من (يَغْزُو ويَرْمِي) الحركة مما بعدهما وهما الكسر والضّمّ اللذان لزما الزاي من (يغزو) والميم من (يرمي).
قال سيبويه: وكانت فَعُلْتُ أوْلى بفَعَلْتُ من الواو من فَعِلْتَ.
قال أبو علي: من الأولى صلة لقوله: بفَعِلْتَ، ومن الثانية صلة لأولى،
[ ٥ / ٢١ ]
فتقدير الكلام فكان فَعُلْتُ بفَعَلْتَ من الواو أولى من فَعِلْتَ.
قال سيبويه: نظيره في الاعتلال من مُحَوّل إليه يَعِدُ، ويَزِنُ.
أي، نظيره في أنه كانت الفاء تبقى على حركتها لو لم تعلّ.
قيل في قوله: يَعِدُ ويَزِنُ: إنه ينبغي أن يكون يريد بِيَعِدُ ويزِنُ عِدَةً وزِنَةً، لأن التحويل إنما هو في عِدَةٍ دون (يَعِدُ)، لأنّ حركة الفاء حُوّلت إلى العين لمّا حذفت.
وقيل أيضًا: إن (فَعَل)، عليه أن يكون في مضارعه يَفْعَلُ ويَفْعِلُ، ووَعَدَ (فَعَلَ)، ولم يجئ في مضارعه إلا يَفْعِلُ، فقد حُوِّلَ من يَفْعِلُ إلى (يَفْعِلُ)، كما أن فَعَلَ من القول محوّل إلى (فَعُلْتُ)، فإن قيل لصاحب هذا التفسير الثاني: قد جاء (يَفْعُل) في باب (يَعِدُ)، وذلك قول بعضهم: وَجَدَ يَجُدُ، فمن جوابه: أنَّ يَجُدُ شاذّ، وحُذفت الفاء منه كما حُذفت من (يَفْعِلُ)؛ ليُعلم أنَّ الأصل (يفْعِلُ)، (فيَجُدُ) بعدُ كأنه على يفْعِلُ)، إذ لو كان على (يَفْعِلُ) لثبتت الفاء كما ثبتت في (مَوْضُوء) ونحوه.
[ ٥ / ٢٢ ]
قال سيبويه: فاعتلَّت كما اعتلّت خِفْتُ وهِبْتُ.
قال أبو علي: يقول: إنّ طُلْتُ فَعُلْتُ ليس بمنقول من فَعَلْتُ إلى فَعُلتُ كقُلْتُ، كما أن أصل خِفْتُ وهِبْتُ فَعِلْتُ ليس بمنقول من فَعَلْتُ كبِعْتُ.
قال سيبويه: ألزموه يفْعِلُ حيث كان مُحوَّلًا من فَعَلْتُ ليجري مجرى ما حول إلى فَعُلْتُ.
قال: يعني بقوله: ليجري مجرى ما حول إلى فَعُلْتُ، أي في أن تصير حركة عين (يَفْعَلُ) من الياء مثل حركة عين (فَعَلْتُ) منها كما كانت حركة عين (يَفْعُل) (وفَعَلْتُ) من الواو والياء، كما اتفقا في النقل.
[ ٥ / ٢٣ ]
قال سيبويه: فكما وافقه في تغيير الفاء كذلك وافقه في (يَفْعُل).
قال أبو علي: قوله: كما وافقه في تغيير الفاء، أي كما وافق ما كان من الياء ما كان من الواو في تغيير الفاء منه، وتحريكه بما هو من جنسه، كذلك وافقه في تغيير العين وتحريك ما هو من جنسه.
قال سيبويه: لأنهما لم يتعلاّ محوَّلتين، وإنّما اعتلتا من بنائهما الذي هو لهما في الأصل.
قال أبو علي: كأنّ قائلًا قال له: لِمَ لمْ يجئ يَخافُ ونحوه على (يَفْعِل)، إذ كان الماضي منه على (فَعِلَ) كما أن الماضي من (يَبِيعُ) على (فَعِلْتُ)، وجاء المضارع على يفْعِل نحو يَبِيعُ؟ فقال: خالف (يَخافُ) (يَبِيعُ)، لأن ماضي (يَخافُ) أصله (فَعِلَ) ليس بمنقول من (فَعَلَ) إليه، كما أنَّ باعَ كذلك [١٨٧/أ].
فلما كان أصله (فَعِلَ)، لزم في مضارعه (يَفْعَلُ)، ولم يلزم ذلك في (يَبِيعُ) وإن كان ماضيه (فَعِلَ)، لأن أصله (فَعَلَ)، فجاء المضارع على ذلك، ويدلُّ على أن (خافَ) أصله (فَعِلَ) غير منقول من (فَعَلَ) قولك:
[ ٥ / ٢٤ ]
رجلٌ خافٌ، فوافق من الصحيح قولك: رجلٌ فَرِقٌ من فَرَقَ ويَفْرَقُ، فخافَ يخافُ أصله فَعِلَ يَفْعَل غير منقول، كما أن طالَ يَطُولُ أصله فَعَلَ يفْعُلُ غير منقول يستدل عليه بطويلٍ، كما استدللت على خافَ يخاف، وهما مثل ظَريفٍ وشَرِيفٍ وفَزِعَ وبَرِق.
قال سيبويه: فكما اتّفقن في التغيير، فكذلك اتّفقن في الإلحاق.
قال أبو علي: يقول: كما اتفق بنات الياء والواو في التغيير في (فَعَلْتَ ويفْعَلُ) كذلك اتفقن في غير التغيير في مجيء الفاءات مفتوحة غير منقولة إليها حركات عيناتها.
قال سيبويه: ونظيرها من الصحيح فَضِلَ يفْضُلُ.
قال أبو علي: أخبرنا أبو بكر عن أبي العباس عن أبي عثمان قال: حدثني الأصمعي قال: سمعت عيسى بن عمر ينشد لأبي الأسود:
ذَكَرْتُ ابنَ عبّاسٍ ببابِ ابن عامرٍ وما مَرَّ من عَيْشِي لديه وما فَضِلْ
[ ٥ / ٢٥ ]
قال سيبويه: فلمّا كنّ في معنى ما لا بُدَّ له أن يخرج على الأصل لسكون ما قبله، تحرَّكْنَ.
أي، صَيِدَ بمعنى اصْيَدَّ، وما قبل الياء من (اصْيَدَّ)، فلا يلزم اعتلالها.