قال أبو بكر: أُقيمَ العملُ في النِّداء عندي مقام العبارة عنه فنُصب الاسم بعد العمل كما ينتصب بعد العبارة عنه.
قال: وإنما جاز إقامة العمل مقامَ العبارة، لأن العمل نُطْقِيٌّ.
قال أبو علي: العملُ بالعبارة عنه: (نادَيْتُ)، فانتصب الاسم بعد (يا) وصار في موضع نصب كما ينتصب بعد (نادَيْتُ) إلا أن الفصل بين ما ينتصبُ بالعمل نفسه وما ينتصب بالعبارة أنه إذا انتصب بالعبارة كان خبرًا، وإذا انتصب بالمعبر عنه لم يكن خبرًا.
قال: والمفردُ رفع وهو في موضع اسم منصوب.
قال أبو علي: الاسم الذي يستحقُّ البناءَ في النِّداء هو الاسم المعرفة الذي يقع موقع الأسماء المضمرة، المعرفة المبنية، فمتى وقع الاسم موقع اسم
[ ١ / ٣٢٧ ]
مُعَرَّف مبني بني لمشابهته له ووقوعه موقع ما لا يكون إلا مبنيًا، فأما النكرة فلم تُبْن لأنها لم تقع موقع معرفة، ألا ترى أنّك إذا قلت: يا رجلًا، لم ترد واحدًا بعينه مقصودًا، إنما نادَيْتَ واحدًا من هذا النوع فكُلّ من أجابك منهم فهو الذي أردْتَ، وأنت في المعرفة قاصدٌ لواحد بعينه، ولو أردت رجلًا بعينه نادَيْتَ لكان حكمه حكم (زيدٍ) في أنه مقصود بعينه.
فأما المضاف فحكمه حكم النكرة لأن المضاف لا يتعرف إلا بالإضافة فهو قبل إضافته نكرة، فمن حيث لم يَجُز أن تبنى النكرة لم يَجُز أن يبنى المضاف، فإذا أُضيف تعرف، وقبل الإضافة كان نكرة فلم يجز بِناؤُه من حيث لم يجز بناء النكرة، فأما الاسم المضاف إليه فلا يجوز بناؤه كما بُنِي المفرد المعرفة، لأنه ليس بمنادى.
قال: وقال الخليل: وسألته عن يا زيدُ نفسه، ويا تَميمُ كُلَّكُم، يا قَيْسُ كُلَّهَمْ، فقال: هذا كُلُّه نصب.
قال أبو علي: يا تميمُ كُلَّكُم جائز أن يقال: كلُّكُم، فيرجع الضمير ضمير خِطابٍ، وإن كان للاسم الغائب، لأن هذا الغائب وقع
[ ١ / ٣٢٨ ]
موقع خِطابٍ، وبناؤه أيضًا كذلك.
قال: وأما يا تميم أجمعون فأنت فيه بالخيار، إن شئت قُلت: أجمعون وإن شئت قلت: أجمعين.
قال: ولا ينتصبُ على أعني.
قال أبو علي: أجمعون لا يجوز أن يلي فِعْلًا، وإنما يكون أبدًا تابعًا للاسم، مبني على شيء أو مبني عليه شيءٌ، فلذلك قال: إنَّه محالٌ أن يقول: أعني أجمعين.
[ ١ / ٣٢٩ ]
قال: ويدلك على أن (أجمعين) ينتصب لأنه وصف لمنصوبٍ قولُ يونس: المعنى في النَّصب والرفع واحد.
قال أبو علي: قول يونس: المعنى في النصب والرفع واحدٌ، أي إذا انتصب فهو صفة، كما أنه إذا ارتفع فهو صفة، ولا يكون نصبُه على أعْني.
قال: قُلت: أرَأيْتَ قولَ العرب: يا أخانا زيدًا [أقْبِلْ]، قال: عطفُوه على هذا المنصوب فصار نصبًا مثله وهو الأصلُ، لأنه
[ ١ / ٣٣٠ ]
منصوب في موضع نصب.
قال ابو علي: قولُه: لأنه منصوبٌ في موضع نصب.
أي: إن جعلته على اللفظِ فاللفظ نصب، وإن حملتُه على الموضع فالموضع نصب فلا سبيل إلى غيره إذا كان النِّداءُ واحدًا، فإن كان على نداءَيْن جاز الضَّمُّ في المعرفة.
قال: وكما ردُّوا (أتَقُولُ) حين جعلُوه خبرًا إلى أصله.
أي: لم يَجْرِ مُجرى ظَنَنْتُ في حال الخبر، كما جرى مُجْراهُ في حال الاستخبار.
قال: وجعلوه بمنزلةِ الأصوات نحو حَوْبُ.
[ ١ / ٣٣١ ]
قال أبو علي: الأصوات مبنيةٌ غير معربة، فالمفردُ مثلها في أنه مَبني.
قال: وقال الخليلُ: من قال: يا زيدُ والنَّضْرَ فنصب، فإنما نصب لأن هذا كان من المواضع التي يُردُّ فيها الشيء إلى أصله.
قال أبو إسحاق وأبو بكر: لأن الألف واللام نظيرُ الإضافة، والنَّضْر فيه الألف واللامُ، فكما أن الإضافة يُرَدُّ المنادى فيها إلى الأصل كذلك يردُّ بالألف واللام.
[ ١ / ٣٣٢ ]
قال: كقولك: مَا مَرَرْتُ بزيدٍ وعمرٍو، ولو أرَدْت عملين لقُلتَ: ما مررتُ بزيدٍ ولا مررتُ بعمرٍو.
قال أبو علي: النّداء في قولك: يا زيدُ والنَّضْرَ لزيدٍ والنَّضْر جميعًا وليس للنَّضْر وحده، فلذلك جاز أن يُنادى النَّضْر وفيه الألف وواللام وكذلك إذا قُلت: مررت بزيدٍ وعَمرٍو، فليس المرور بِزَيْدٍ دون عمرٍو، وإنما المرور بهما معًا وليس بأحدهما دون الآخر، فلذلك قُلت: ما مَرَرْتُ بزيدٍ وعَمْرٍو، ولو أردت مُرورين في وقتين متراخيين لقُلت عند سيبويه (ما مررتُ بزيدٍ ولا مررتُ بعمرٍو) فإذا قلت هكذا لم يقع المرور بهما جميعًا، هذا معنى قولِه: ولو أردْت عمَلَين لقُلت كذا وكذا.
[ ١ / ٣٣٣ ]
قال: وقال الخليل: ينبغي لمن قال: والنَّضْر، فنصب، لأنه لا يجوز يا النَّضْرُ أن يقول: كلُّ نعجةٍ وسَخْلَتَها بدرهم.
قال أبو بكر: هذا الذي قال الخليل لا يلزمه عندي، لأن المنادى موضعُه نصب، (وسَخْلَتَها) لا موضع له.
قال أبو بكر: فإن جعل العلة الموجبة للنصب هو أن لا يجوز إعادةُ حرف النِّداء، وأن (النَّضْرَ) لا يجوز أن يليه، لزمه في (كلُّ شاةٍ وسَخْلَتَها) ما ألزمهم إياه من نصب سخلتها.
قال أبو علي: لا يجوز أن يعيد (يا) فيقول: (ويا النَّضْرُ) كما لا يجوز أن يعيد (كلّ) فيقول: (وكلُّ سَخلَتها).
قال: فإذا قلت: ياهذا الرَّجُل، فأنت لم تُرد أن تقف على هذا ثم تصفه بعد ما تظنّ أنه لم يُعرف، فمن ثم وصِفت بالأسماء التي فيها الألف واللام، لأنها والوصف بمنزلة اسم واحدٍ.
[ ١ / ٣٣٤ ]
قال أبو علي: يريد: أنها وصفت بالأسماء المفردة، لأن الاسم إذا دخله الألف [واللامُ] لم يكن إلا مفردًا، ولا يجوز أن يوصف بالمضاف لأنه مع ما قبله بمنزلة اسمٍ واحدٍ، ومن ثم لم يجز: (مَرَرْتُ بهذَيْن الطَّويل والقصير) لأن المبهم مع ما عبده من الصفة بمنزلة اسم واحد، وكما لم يَجُز وصفه بالمضاف فلا يجوز وصفه بالمعارِف المخصوصة، لأن حُكْم الصفة أن تكون أعَمَّ من الموصوف، وزيدٌ أخَصُّ مِن المُبهم.
قال: وإنّما قلت: يا هذا ذا الجُمَّةِ، لأن (ذا الجُمَّةِ) لا توصف به الأسماء المبهمةُ.
قال أبو علي: إذا قلت: يا هذا ذا الجُمَّة، فإنما تنصب (ذا الجُمَّةِ) ولم ترفعه، لأنه مما لا يوصف به (هذا).
قال: يدلك على ذلك أن (أيّ) لا يجوز لك فيها أن تقول:
[ ١ / ٣٣٥ ]
يا أيُّها ذا الجُمَّةِ.
قال أبو علي: إنما جاز: يا أيُّها [الرجلُ] ذا الجُمَّةِ، ولم يَجُز: يا أيُّها ذا الجُمَّة لأن هذا على ضَرْبَيْن:
أحدهما: أن يكون بمنزلة (زيدًا) في أنه يستغني عن الصفة كما يستغني عنها (زيدٌ).
والآخر: أن يكون بمنزلة (أي) في الحاجة إلى الصّفة.
فإذا كان بمنزلة (زيد) جاز أن يُعطف عليه بالمضاف، ويبدل منه لتقديرك فيه التَّمام.
[ ١ / ٣٣٦ ]
وإذا كان بمنزلة (أيّ) في أنه مُتَوصَّل به إلى نداء ما بعده لم يَجُزْ ألا يوصف كما لا يجوز ذلك في (أيّ)، وإنّما لم يجز أن يكون غير موصوف لأنه متوصل به إلى نداء ما بعده، وليس بمقصودٍ في نفسه بالنّداء.
قال: ويُقَوِّي (يا هذا زيدٌ) يا زيدُ الحسنُ الوجهِ، ولم يلتفت فيه إلى الطّولِ، لأنك لا تستطيع أن تُناديه فتجعلهُ وصفًا مثله مُنادى.
قال أبو بكر وأبو إسحاق: إذا وصفت بالحسن الوَجه المفرد رفعت من حيثُ ترفع الصفاتُ المفردات، فإذا نادَيْتَهُ ولم تصف به نصبت، فقلت: يا حَسَنَ الوجه.
فإن قيل: فهلاَّ رفعته كما رفعته إذا وصفت به المفرد، لأنه في ندائك إياه مفردٌ كما كان في الوصف به كذلك، قيل: نُصِب منْ حيث كان اسمًا
[ ١ / ٣٣٧ ]
طويلا مضارعًا للمضافِ، لا من حيثُ كان مضافًا كما نُصِبَ يا عشرين رجلًا وما أشبهه من الأسماء الطويلة التي هي منادى غير صفةٍ.
قال: إذا وصلت بمضافٍ أو عُطِف على شيء منها كان رفعًا.
أي: كان ما يوصف به أو يُعطف عليه رفعًا.
قال: جاز فيه النصب، ولا يجوز ذلك في (أي) لأنه لا يُعطف عليه الأسماء.
أي: لا يجوز أن يُعطف عليه المضاف كما عطفت على هذا.
قال: فَمِن ثمَّ لم يكن مثله.
أي: مِثْلَ هذا.
[ ١ / ٣٣٨ ]
قال: فإن رفع (الطّويلُ) وبعده (ذو الجُمَّةِ) كان فيه الوجهان.
قال أبو العباس: إذا قُلت (يا زيدُ الطّويل ذو الجمة) جاز الرفع على أن يكون (ذو الجمة) نعت الطّويل، فإن قلت: (يا زيدُ الطوّيلُ ذا الجُمَّة)، كان النصب لا غير، لأنك إن عطفت على (الطّويل) صَيَّرْتَهُ في مثل حاله، ولا يكون في مثل حاله إلا منصوبًا.
في الكتاب: واعلم أن قولك: يا أيُّها الرّجلُ أن يكون الرجلُ صلة لأي أقيس، لأن (أيّ) لا يكون اسمًا في غير الاستفهام والمجازاة إلا صلة:
[ ١ / ٣٣٩ ]
قال الأخفش: ليس هذا قول سيبويه.
قال أبو علي: لو كان الرجل في (يا أيُّها الرجلُ) صلة غير صفة لوجب أن يكون جملة، ولم يكن اسمًا مفردًا، لأن الأسماء الموصولة لا توصل إلا بِجُمَل، والصفة هنا تبين كما تبين الصلة فإن أراد هذا القائل بقوله: صلة أنها تَبْيين كان له وجه، وإن أراد به غير ذلك لم يَجُز لما بَيَّنا.
وقد يجيء الاسم والصفة تُلازمه ولا تفارقه نحو (مَنْ) إذا كانت نكرة كقولك: (مَرَرْتُ بِمَنْ صالحٌ)، (وبِمَنْ عنده زيدٌ)، وقد جاء من الأسماء غير المبهمة ما لم تُفارقه الصفة، وهو (الجَمّاءُ الغير) فإذا وُجِد ذلك في غير المبهمة، كان في المبهمة أجود، ولم أعلم أحدًا من البصريين قال: إنَّ هذا صِلَةٌ.
قال أبو علي: قُطِعت الألف في قولك: (يا الله)، لأنها لم تَثْبُتْ في الموضع الذي لا يثبتُ فيه مثلُه، شابه الأصل، وخرج عن أن يكون للوصل، وجاءت مقطوعة أيضًا في موضع آخر وهو قولهم: أتا الله لأفْعَلَنَّ.
[ ١ / ٣٤٠ ]
قال: لأن هذه الأشياء الألف واللام فيها بمنزلتها في الصَّعِق.
قال أبو بكر: قوله: في الصَّعِق، أي يكون أولا صفة، ثم يغلبُ على الواحد فيصير اسمًا.
قال: وقال الخليل: (اللَّهُمَّ) نداء، والميم ها هُنا بَدل من (يا) أخبرني أبو بكر عن أبي العباس قال: من الدَّليل على أن الميم بدلٌ من
[ ١ / ٣٤١ ]
(يا) في اللُّهم، إنك لا تقول: أخزَى اللهم فُلانًا، وإنما تقول: (اللهمَّ) في حال النداء.
قال: إلا أن الميم ها هنا في الكلمة مبنيةٌ، كما أن نون المسلمين في الكلمة بُنيت عليها.
قال أبو بكر: التوفيق بين الميمن في (اللهم) وبين النون في المسلمين أن حرف الإعراب في المسلمين قبل النون، كما أن حرف الإعراب في (اللهمّ) قبل الميمين.
قال: وأما قوله تعالى: (قل اللهم فاطرَ السمواتِ) الفصل.
قال أبو إسحاق: أُجِيز أن يكون (فاطِرَ السموات) صفة لقوله: (اللهمّ) كما كان يجوز أن يكون صفة له في ما الميم عِوَضٌ منه.
قال: وأما الألف والهاء اللتان لحقتا (أيّ) توكيدًا، فكأنك كرَّرت (يا) مرتين إذا قلت: يا أيُّها، وصار الاسم بينهما كما صار هو بين، (ها) و(ذا) إذا قُلت: ها هو ذا.
[ ١ / ٣٤٢ ]
قال أبو علي: قرأتُ بخطِّ أبي إسحاق في هذا الموضع من الكتاب:
ونحنُ اقْتَسَمْنا المالَ نِصْفَيْن بَيْنَنا فَقُلْتُ لهم: هذا لَهاها وذَا لِيا
قال: وزعم الخليل أن الألف واللام إنما منعهما أن يَدْخُلا في النداء من قبل أن كلّ اسم في النداء مرفوع معرفة، وذلك أنه إذا قال: يا رَجُلُ، يا فاسق، فمعناه كمعنى يا أيُّها الفاسِق ويا أيُّها الرَّجل.
قال أبو علي: يريد أن (يا رَجُلُ) هنا صار معرفة بالإشارة إليه والقصد له، وإن لم يكن مَعْهودًا كما أن الفاسقَ والرجل صارا هنا معرفتين بالإشارة إليهما لا بعهدٍ لهما متقدم، فهذا وجه التَّشبيه بينهما عندي.
[ ١ / ٣٤٣ ]
قال: وصار هذا بدلًا في النداء من الألف واللامِ.
أي صار القَصْدُ والإشارة بدلا.
قال: فمن ثَمَّ لم يدخِلُوهما في هذا ولا في النداء.
قال أبو علي: يقول: لم يدخِلوا الألف واللامَ في قولك: هذا ولا في النِّداء، لأنهما تعرفا بالإشارة إليهما والقصدِ لهما.
قال: ومِمَّا يدلك على أن (يا فاسِقُ) معرفة قولك: يا خَباثِ، ويا لكاعِ، ويا فَسَق، تريد يا فاسِقةُ ويا خبيثةُ [ويا لَكْعاءُ]، فصار هذا اسمًا لها كما صارت (جَعارِ) اسمًا للضَّبُع.
قال أبو علي: ياخَباثِ لا يكون إلا للمعرفة، فإذا كانت لغير المعرفة نُون، فقيل: ياخَباثًا.
وقال أبو علي: الدليل على أن (فَساقِ) ونظائرها معدولة عن معرفة غير مُنصرفةٍ أنها مبنيةٌ، وذلك أنه إذا عُدِل الاسم عن معرفة
[ ١ / ٣٤٤ ]
منصرفة لم تتصرف مثل (عُمَر)، إذ عُدِل عن (عامر)، فعامر كان معرفة منصرفة، وعدل (عمر) عنها فلم ينصرف، وإذا عدل الاسم عما لا ينصرف مثل: فَساقِ عن فاسقةٍ، لم يعرب وبني لأنه معدول عما لا ينصرف وليس بعد ترك الصرف إلا البناء.
قال: وقال الخليل، إذا أردت النَّكِرة وَصفْتَ أو لم تصف فهي منصوبة.
قال أبو علي: إنما ذكر الوصف لأن الشيء إذا وُصِف اختُص، فقد يتوهم المتوهم أنه معرفة إذا وصف.
قال: فصار كأنه يُرفَع بما يرفع من الأفعال.
أي: بالذي يرفع مثل (قام زيدٌ) يعني أنه لما اطَّرد الرفع في كل مُنادى معروف مفرد شابه المعرب الذي هو غير مبني.
قال: وأما من قال: يازيد بن عبدِ الله، فإنه إنما قال: هذا
[ ١ / ٣٤٥ ]
زيد بن عبد الله، وهو لا يجعله اسمًا واحدًا، وحذف التنوين لأنه لا ينجزم حرفان.
قال أبو علي: قولك: هذا زيد بن عبد الله، يحتمل ضربين من التقدير: يجوز أن يكون (زيدٌ) مع الصفة التي هي (بنُ عبد الله) بمنزلة اسم واحد، وحرف الإعراب من هذا الاسم هو النون دون الدال وإنما الدال تُحَرَّك بحسب حركة الإعراب من ابن كامرئ نحوه.
فقوله: هذا زيدُ بن عبد الله على هذا التقدير بمنزلة قولك: هذا غُلام زيدٍ.
ويجوز أن يكون (هذا زيدُ بن عبد الله) أُريد أن يوصف فيه زيدٌ بابن عبد الله، وكان حقه على هذا أن يُنَوَّن (زيدٌ) كما ينونه إذا قلت: هذا زيد صاحب الرجل، إلا أنه لَمَّا كثر مَجْرى ذلك في الكلام حُذِف التنوين منه لالتقاء الساكنين إذ كان يحذف لاجتماعهما فيما لم يكثر استعماله لكثرته نحو "أحدُ الله" فمن قال: يا زيد بن عبد الله
[ ١ / ٣٤٦ ]
ذهب إلى أنه حذف التنوين في الخبر لالتقاء الساكنين، وجعل ابن عبد الله صفة، ولم يجعل ابن مع زيد بمنزلة اسم واحد، ومن قال: يا زيد ابن عبد الله، فهو الذي جعل ابن مع زيد اسمًا واحدًا في الخبر، ثم أضافَهُ إلى عبد الله، وشبه ذلك بامرئ، فتقدير هذا في النداء إذن اسم مضاف إلى اسم مضاف، وعلى الأول اسم موصوف باسم مضاف.
قال: ومن جعله بمنزلة (لَدُنْ) فحذفه لالتقاء الساكنين، ولم يجعله بمنزلة اسم واحد قال: هذه هِند بنت فلان.
قال أبو علي: من كان لُغته أنه يحذف التنوين لالتقاء الساكنين قال: هِند بنت فلان، فنَوَّن هذا لزوال التقاء الساكنين هذا إذا كانت (هِندُ) عنده مصروفة، فإن كانت لغته (ابْنَة) وصرف (هندًا) وكان ممن يحذف التنوين لالتقاء الساكنين قال: هذه هند ابنةُ فلانٍ.
[ ١ / ٣٤٧ ]
قال: واعلم أنه لا يجوز في غير النداء أن يذهب التنوين من الاسم الأول، لأنهم جعلوا الأول والآخر بمنزلة اسم واحد نحو طلحة في النداء.
قال أبو علي: يقول: لم يُعْتَدّ بالاسم الثاني من قولك: يا تَيْمَ تَيْمَ عَدِيّ كما لم يُعتد بالتاء من طلحة، وأُقحِم ذا كما أُقحم ذا، فكما لا يكون الإقحام في طلحة في الخبر، كذلك لا يكون في (تَيْمَ تَيْمَ عَدِيّ) في الخبر.
[ ١ / ٣٤٨ ]
قال: واستخفوا ذلك لكثرة استعمالهم إياه – يعني النداء – ولا يُجعل بمنزلة ما جُعل من الغايات كالصوت في غير النداء.
قال أبو علي: يقول: لا يُجعل الاسم المتمكِّن في غير النداء بمنزلة ما جُعل من الغايات كالصوت، فإن الاسم المفرد المعرفة جُعل كالغايات التي هي كالصوت في أنه مبني، كما أن الصوت مبني، فالغايات موافقة للصوت في الباء وإن كانت الغاية لها في البناء مزيَّةً على الأصوات في أنها قد بُنيت أواخرها على الحركة وإن لم يكن ما قبلها ساكنًا، وذلك لتمكنها في بعض المواضع.
[ ١ / ٣٤٩ ]