قال أبو علي: هذا البابُ يوافق الباب الذي قبله في أنه صفة كما أنّ ذاك صفة، ويخالفُه في أن هذه الصفات مشبهة بالأفعال، ومشبهة بالمشبهة بها، وليس ما قبله كذلك.
قال: وفَصَلوا بينها في التذكير والتأنيث، ولم يفْصِلوا بينهما في التثنية والجمع.
قال أبو بكر: لم يقولوا: ذَهَبا أخَواكَ، وذهبوا إخْوَتُكَ، فيفصلوا بين التثنية والجمع كما فصلوا بين التأنيث والتذكير.
قال أبو العباس: وإنما لَزِمت علامةُ التأنيث، ولم تلزم علامةُ التثنية والجمع الفعلَ، لأن التأنيث لما كان معنى لازمًا، لزمت علامته، وليس التثنية والجمع بلازمين، لأن الاثنين والجميع قد يَؤُولان إلى الافتراقِ، والتأنيث لا يؤُول إلى التذكير.
[ ١ / ٢٤٣ ]
قال: وأيضًا فاحتيج إلى الفصل بين فعل المذكَّر المؤنث، لأن المذكر قد يسمى باسم مؤنث كقولهم: أسماءُ بنُ خارجة وما أشبهه، فلو لم يلزم المؤنث علامةٌ التبس المذكر بالمؤنث والاثنان والجميعُ إذا ذُكِروا بعد الفعل أغْنَوا عن العلامة.
قال: لأنه خرج عن الأوّل الأمكن.
يعني بالأول الأمكن الجمع الصّحيحَ الذي لم يَعقِل.
قال: وأمّا قوله ﷿ (وأسروا النجوى الذين ظلموا).
قال أبو العباس: بابُه يجيءُ على وجهين:
على البدل: وعلى أن يذكرَ رجلٌ قومًا بأنهم انطلقوا فيقال له: مَنْ؟ فيقول: بَنو فلانٍ.
قال ابو علي: قوله تعالى (وأسروا النجوى) على قوله تعالى (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون)، فالضمير
[ ١ / ٢٤٤ ]
الذي في (أسَرُّوا) راجع إلى قولهم (وهم)، ولما جاء (وأسَرُّوا) متراخيًا عن الأوّل كأنه قيل: مَن المُسِرّون؟ فقيل الذين ظَلموا، أي هُم الذين ظلموا، وقد يَسوغ ذلك في غير المتراخي، من ذلك قوله تعالى (قُل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار) كأنه قيل: ما هو؟ فقيل: هو النار، فالنّار خبرٌ محذوف المبتدأ، ومثله (لَمْ يلبثوا إلا ساعةً من نهار بلاغ). على قولهم: ما هي؟ أو كيف هي؟ فقال: ذاك بلاغٌ.
قال: فإن ثنَّيْت أو جمعت فإن أحسنه أن تقول: مَرَرْتُ برجلٍ قُرَشِيّان أبواه، ومررتُ برجلٍ كَهْلُونَ أصحابُه.
قال أبو علي: إذا ثَنَّيْتَ الصفة أو جمعتها فالوجه فيها الا تُعْمِلَها عمل الفعل، كما أنك إذا وصفتها فالوجه ألا تُعْمِلَها، لأنها بالتثنية والجمع تبعد من شبه الفعل، كما أنها بالوصف تبعدُ من شبهه، فلذلك اختير فيها
[ ١ / ٢٤٥ ]
الرفع، وتُرِك إعمالها عمل الفعل كما كان ذلك في (خَيْرٍ) وما أشبهه.
قال: وإن شِئت قُلت: مَرَرْتُ برجلٍ أعْوَر آباؤُه، كأنك تكلمت به على حَدِّ (أَعْوَرِينَ) وإن لم يتكلم به.
قال أبو علي: إنّما دَلَّ بقولهم: مَرَرْتُ برجلٍ أعْوَرَ آباؤه على أنه على زنةِ (أعْوَرين) لو قيل، لكن لما لم يقل عَوِرَ آباؤه، فيذكر الجمع المكسر الذي هو بمنزلة الواحدِ.
قال أبو علي: قوله: كُعُوبُه، مرتفعة بالأصم، كأنك قلت: بالتي صُمَّتْ كُعوبُه، ولا يجوز أن يرتفع (كُعوبُه) بالابتداء، لأنه إذا قدَّر ارتفاعه بالابتداء أوجب أن تجمع الأصمَّ، وإفراد الأصمّ
[ ١ / ٢٤٦ ]
في البيت، دليل على أن (كُعوبه) مرتفعة به.
قال: وكان أبو عمرو يقرأ (خاشِعًا أبصارُهم).
قال ابو علي: جاء (خاشعًا) على قول من قال: مررتُ برجلٍ حسنٍ قومُه. و(خُشَّعًا أبصارُهم) على قول من قال: مررتُ بِرَجُلٍ حِسانٌ قومُه.
قال: وزَعم الخليلُ أن (السماء منفطرٌ به) كقولك (مُعَضِّلٌ) لِلْقَطاةِ.
قال أبو علي: لم يُرد بمنفطر الاسم الجاري على الفعل، وإنما أراد الذي بمعنى النَّسَب، أي ذات انفطار.
قال أبو بكر: قال أبو العباس: (السَّماء) في هذا الموضع يراد بها الجمع وإنما قال: (مُنْفطر)، فذكر، لأن السماء من الجمع الذي ليس بينه وبين واحده إلا الهاء، وواحدها سَماوةٌ، أو سَماءةٌ، وهذا الضرب
[ ١ / ٢٤٧ ]
من الجمع يخبر عنه مَرَّةً كما يخبر عن الواحد المذكر، وأخرى كما يخبَر عن الواحد المؤنث، فعلى الأول قوله تعالى: (أعجازُ نخل منقعر)، وعلى الثاني (أعجازُ نخل خاوية).
واستدل أبو العباس على أن السماء تكون جمعًا بقوله ﷿ في الآية الأخرى (ثم استوى إلى السماء فسواهن).
قال: ولو كان هذا على القلب.
قال أبو علي: معنى قوله: ولو كان هذا على القَلْبِ، أن قومًا مِنَ النحويين المتقدّمين كانوا يقولون: إذا لم يَجُزْ أن تقلبَ الصفة الثانية أي توضع موضع الأولى لم يَجُز فيها إلا النصب فيه، كانت في موضع رفعٍ أو خفض، وسيبويه لا يعتدُّ بذلك، ويقول: ما جاز فيه القلبُ من الصفات وما لم يجز منها سواءٌ في الإجراء على الأول.
[ ١ / ٢٤٨ ]
قال أبو علي: وإذا قُلت: مررتُ برجل حسن الوجه جَميلَه، فلو كان ما ادَّعَوا من أمْرِ القلب صحيحًا لنصبت (جَميلَه) من حيث يمتنعُ القلب فيه، لأنك لو قُلت: (جميلِه)، فقلت: مررتُ برجل جميله حَسَنِ الوجهِ لم يَجُز، لأنك كنت تضمر الوجه قبل أن تذكرَه، والقلب في هذا يمتنعُ، والجرُّ، لأنك ولو كنت تضمر الوجه قبل أن تذكره فالقلب في هذا ممتنعٌ، والجرُّ فيه مع امتناع القلب سائغٌ، ولو نصبت (جَميلَهُ) لصار حالًا من النكرة ولكان في المعنى ضعيفًا.
قال: وإن كانت ليست له قوّة الوصف في هذا.
قال أبو علي: إنما قال: ليست له قوة الوصف لأن الحال من النكرة قبيحةٌ، وإجراء الاسم على النكرة وصفًا أحْسَنُ من إجرائه عليها حالًا، لأن النكرة إلى أنْ تقرُب بالوصف من المعرفة أحْوَجُ منها إلى الحال.
قال: لكان الحدُّ والوجه في قولك: مَرَرْتُ بامرأة آخذةٍ عبدها فَضارِبتُه النصب، لأن القلبَ لا يصلح.
قال أبو علي: لا يتوسَّطُ بين ذي الحال والحالِ حرفُ عطفٍ فلذلك لا يجوز فَضارِبتِهِ على الحال، لأن الفاء منعت من ذلك.
[ ١ / ٢٤٩ ]
قال: ولقلت: مررت برجلٍ عاقلة أمُّه لَبِيبَة، لأنه لا يصلح أن تقدم (لَبيبة)، فتضمر فيها الأم ثم تقول: عاقِلَةٍ أمُّه.
قال أبو علي: يمتنع أن تقول: مررت برجل لَبيبةً عاقلة أمُّه، لأن (لبيبة) يصير فيها إذا جُرَّت حالا للأُمِّ، أو صفة لها ضمير الأمّ، فإذا قدمتها على الأمّ، وقد ارتفعت الأمُّ بعاقلة، لم يَجُز، لأن في (لبيبة) ضمير الأمِّ، وقد قدمتها عليها، والإضمار قبل الذّكر لا يجوز.
قال: واعلم أنّك إذا نصبت في هذا الباب، فقُلت: مَرَرْتُ برجل معه صقرٌ صائدًا به غدًا، فالنصب على حاله، لأنه ليس بابتداء.
قال أبو بكر: قوله: لأن هذا ليس بابتداء يعني (معه صقرٌ صائدًا به) لأنَّ (معه) عندنا صفة وهو يرفع هذا بالظَّرف ويمتنع منه في غير هذا الموضع قال وإنما رفع هذا بالظرف لأنه لا سبيل إلى التقديم، كما رفع في قولك: (في الدّارِ إنك منطلقٌ) بالظرف.
قال: وقوله: لا يُشبه (فيها عبدُ الله قائمٌ غدًا). يعني أن (معه) لا يشبه (فيها) (وصقرٌ) لا يشبه (عبد الله).
[ ١ / ٢٥٠ ]
وقوله: لأن الظروف تُلغى حتى كأن المتكلم لم يذكرها في هذا الموضع. يعني: في قوله: فيها عبد الله قائم غدًا.
وقوله: فإذا صار الاسمُ مجرورًا، يعني (برجل) في قولك: مَررتُ برجلٍ، أو عاملًا فيه فعل نحو: رأيتُ رجلًا معهُ صقرٌ.
وقوله: أو مبتدأ.
يعني: مثل قولك هذا رجلٌ معه صقرٌ، فقال: في جميع هذا إذا صار الاسم كذلك لمْ تُلْغِه، يعني الظرف.
وقوله: في الظروف إذا قلت: (فيها أخواك قائمان) يرفعه الابتداء.
أي يجوز أن تجعل (فيها) حبر (أخَوَيْك) فرفعهما الابتداء.
قال أبو علي: من مذهب سيبويه إذا قال: فيها زيدٌ، أن يرفع بالابتداء، ولا يرفع بالظرف، وقد أُدخل على من يرفعه بالظرف إن فيها
[ ١ / ٢٥١ ]
زيدًا فإذا قال: مررتُ برجلٍ معه صقرٌ صائدًا به، رأى أن ارتفاع (صقرٌ) بالظرف، ولم يرفعه بالابتداء كما يرفع (زيدٌ) في قولك: (فيها زيدٌ) بالابتداء، وإنما لم يرفعه بالابتداء هنا، لأنه لو رفعه به دون الظرف لَلَزِمَ وقوع (صقر) بين (رجل) وبين (معه) فصار: مررت برجل صقرٌ معه، ولا يجوز أن يُحال بين (رجل) وبين (معه) بصقرٍ، لأن (معه) صفة لرجل، وصقر أجنبيٌّ منهما فلا يجوز الفصل به بينهما، كما لم يَجُز الفصل بين الصلة والموصول بما كان أجنبيًا منهما، فلما لم يجز أن يرفع (الصقر) بالابتداء، ارتفع بالظرف، وإنما وقع الظرف صفة للنّكرة من حيث وقع صلة للأسماء الموصولة وحالا للمعارف، لأن هذه المواضع تشترك في أنها مواضع نَكِرات، ونظير (مررت برجل معه صقرٌ) في أنه رُفع بالظرف عند سيبويه دون الابتداء قولك: (في الدّار إنّك مُنطلقٌ) إذا أردت: في الدار انطلاقُك، (فإنك منطلقٌ) عنده يرتفع بالظرف، لأنه لو ارتفع بالابتداء لَلَزِمَ أن يقع متقدمًا على الظرف لفظًا أو مرتبةً، ولو وقع كذلك لصارت مبتدأة بها، ولو صارت مبتدأة بها، للزم دخول (أنْ) عليها، وإذا جاز دخول (أنْ) عليها لم يجز لأنهما كانا يجتمعان معًا ومعناهما التأكيد وإن اختلف لفظهما، وكما لا يجوز أن يجتمع تأنيثان واستفهامان ونحو ذلك، كذلك لا يجوز أن يجتمع تأكيدان.
والدليل على أن (إنَّ) إنما كُرِه دخولها على (أنَّ) لما ذكرنا من أجل أن مَعْنَيَيْهما واحد، فلا يجوز أن يجتمعا، كما لا يجتمع المعنيان معًا، نحو الاستفهام والتأنيث.
[ ١ / ٢٥٢ ]
إنك إذا فصلت بين (إنَّ) و(أنَّ) فلم تَلِ إحداهما الأخرى لفظًا، فجاز أن تعمل فيها، كقول الله ﷿: (إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى).
فمن فتح (أنك لا تظمأ) أعمل فيها (أنَّ) المبتدأة.
قال: ولا يوصف به شيء غيره، مما يكون من سببه ويَلتبس به.
قال أبو علي: قوله: لا يوصف يعني لا يرتفع.
قال: وأما رُبَّ رجل وأخيه مُنطلقين ففيها قُبحٌ، حتى يقول: وأخٌ له.
قلت: لو كان قوله: (وأخيه) معرفة محضة لكان (منطلقين) منصوبًا إذا كانا في كلامٍ تامٍّ، فأما رُبَّ رجل وأخيه منطلقين، فتقديره: رُبَّ رجل وأخيه منطلقين قد رأيتُ.
قُلت: واتّصال هذه المسألة بما قبلها أن الاسم الثاني قد اتبع فيه الأول وإن كان بتوسُّط حرف.
قال: ولو قال:
(و) أيُّ متى هيجاءَ أنتَ وجارِها
[ ١ / ٢٥٣ ]
لم يكن فيه معنى: أيُّ جارِها الذي هو في معنى التَّعَجُّبِ.
قال أبو علي: لو رفع قوله: (جارِها) لانقطع عن (أيّ) الذي فيه معنى المدح والتَّعجُّب، ولصار جُملة مقطوعة عن الأول، وكَمْ دونَ بيتكَ.
[ ١ / ٢٥٤ ]
قال أبو إسحاق: قوله: وأعْقادِها عطف على صفصف وأعقادها معرفة، وصَفْصف نكرة، لأن (مِنْ) لا يجر في (كَمْ) إلا نكرة.
قال: ولم يُبتدأ به كما يُبتدأ بمثلك.
أي: لم يُبتدأ بأعقادها ونحوها منكرة كما ابتدئَ بمثلك منكرًا، لم يقل: رُبَّ أعقادِها كما قيل: رُبَّ مثلِك.
قال أبو إسحاق: يعني أن (جارَها، وأغمادَها) وما أشبهها من المعارف لا يجرى واحد منها مَجرى (مِثْلِك) وحده، لأن (مثلك) إنما كان وحده، فهو نكرةٌ وهذه الأشياء إذا كُنَّ وحْدَهُنَّ معارف.
[ ١ / ٢٥٥ ]