قال: وما انتصب في هذا الباب، فإنه ينتصب كانتصاب ما انتصب في باب حسبك به، ووَيْحَك.
قال أبو علي: وَفَّقَ بينهما أن العامل في كل واحد منهما غير متصرّف فلا يقال: رجلا حسبُك به، ولا رجلا نِعْمَ زيدٌ.
قال: ومثل ذلك: رُبَّه رجلًا.
قال أبو علي: الهاء في (رُبَّه) مضمر ليس بمخصوص معروف، لكنه ضمير أُضمر قبل أن يُذكر على شريطة التفسير.
قال: ومثل ذلك قوله: رُبَّه رجلا، كأنك قلت ويحه رجلا يريد أن الهاء مَنَعت (وَيْحَ) أن تضاف إلى (رجل) كما منعت الهاء في (رُبَّه) إضافة (رُبَّ) إلى رجل.
قال: ولا يكون في موضع الإضمار في هذا الباب مُظْهَرٌ.
[ ١ / ٣١٩ ]
قال أبو علي: الاعتراض في هذا الموضع على ما قلناه.
وينشد بيت جرير:
تزَوَّد مثلَ زادِ أبيك فينا فَنِعْمَ الزَّادُ زادُ أبيك زادًا
فليس يمتنع على هذا الظاهر من أن يقع موقع المضمر.
قال: وأما قولُهم: نِعْمَ الرَّجُلُ عبدُ الله فهو بمنزلة قوله: ذهب أخُوه عبدُ الله، عَمِلَ نِعْم في الرَّجُل ولم يعمل في (عبدُ الله)، وإذا قال: عبدُ الله نِعْمَ الرَّجُل، فهو بمنزلة قولِه: عبدُ الله ذهب أخوه.
[ ١ / ٣٢٠ ]
قال أبو علي: إذا قدر (نِعْمَ الرَّجُلُ زيدٌ) تقدير (ذهب أخوه زيدٌ) فالكلام جملة واحدة تقديره: زيدٌ ذهب أخوه، فهو بمنزلة: زيدٌ منطلق فإذا قدرته كذا، فعبد اللهِ مرتفع بالابتداء، وإذا قال: نِعْمَ الرَّجُل عبدُ الله، فقد عبد اللهِ جوابًا، كأنه لما قال: نِعْمَ الرّجلُ قيل: من هو؟ فقال: عبدُ اللهِ مُجيبًا، فعبدُ الله خبر ابتداء محذوف، فالفصل من هذا الوجه، والآخر أن الكلام فيه جملتان، وفي الوجه الآخر جملة واحدةٌ.
قال: فتكون هي وهو بمنزلة وَيْحَهُ.
قال ابو علي: هي نِعْمَ، وهو المضمر، أي والمضمر فيها بمنزلة وَيْحَه.
قال: فهي مَرَّةً بمنزلة رُبَّه، ومرة بمنزلة ذَهَبَ أخوه.
قال أبو علي: نِعْمَ رجلًا بمنزلة رُبَّه رجلًا، وأزَيْدًا ضَرَبْتَهُ؟ ونِعْمَ الرَّجُل مثل ذَهبَ أخوه.
قال: الذي قُدِّم لما بعده من التفسير وسَدَّ مكانه.
أي: سدّ الظَّاهِر مكان المضمر.
[ ١ / ٣٢١ ]
قال: مثل ذلك قولك: عبدُ الله فارهُ العبدِ فاره الدّابّة.
قال أبو علي: التّوفيق بين قوله: عبدُ الله نِعْمَ الرّجل، وعبدُ الله فارهُ العبد هو أن (العبد) بمعنى الجميع، كما أن الرّجل بمعنى الجميع، فأما من جهة رجوع الضمير من الخبر إلى المخبر عنه، فهما مختلفان، لأن الضمير في قولك: عبدُ اللهِ نِعْمَ الرجل، ويرجع إلى عبد الله من الرجل وفي قولك: عبدُ اللهِ فارِه العبدِ، من (فارِه) دون (العبدِ)، لأن عبدَ الله ليس هو العبد ومع ذلك فلا يجوز أن يرجع من (نعْمَ) ضمير إلى عبد الله كما يرجع من (فارِه) لأن الضمير لو رجع إليه منه دون الرَّجُل لكان مرفوعًا، وقد ارتفع به الظاهر الذي هو الرجُل، وأيضًا فإن عبد اللهِ مُختصّ وضميره أخص منه، فأجدرُ ألا يعمل فيه (نِعْمَ) وليس في (فارِهٍ) مثل ما في (نِعْمَ) فيمتنع الضمير من أن يرجع منه إلى صاحبه كما كان الرجلُ هو عبد الله حين قلت: عبدُ اللهِ نِعْمَ الرَّجُلُ.
قال أبو علي: إذا قلت: عبدُ اللهِ نِعْمَ الرجلُ، فالرجل هو عبدُ اللهِ ولست تريد أن تخبر عن عبدِ الله بعينه، أي ليس الرجل هو عبدُ اللهِ بعينِه ولكنه يكون عبدُ الله وغيره، فالرجل أعَمُّ من عبدِ الله، وقد عاد إلى عبد الله ذِكْرٌ مِنَ الرَّجُلِ.
[ ١ / ٣٢٢ ]
قال: كما أن الاسم الذي يظهر في رُبَّ قد يبدأ بإضمار رجلٍ قبله.
أي: الاسم الذي يظهر بعد نِعْمَ، نحو الرَّجل، قد يضمر في نِعْمَ، كما أن الذي يظهر بعد (رُبَّ) قد يضمر فيقال: رُبَّه رجلًا، وهما اسمان شائعان.
قال: فإنما منعك أن تقول: نِعْمَ الرَّجُل إذا أضمرت أنه لا يجوز أن تقول: حَسْبُكَ به الرجل إذا أردت معنى حَسْبُك به رجلًا.
قال أبو علي: يقول: لم يَجُزْ أن يفسَّر (نِعْمَ) بالمعرفة لمضارعتِه عشرين وحَسبك به رجلًا ونحو ذا، لأنها لا تتصرف، كما أن هذه الأشياء لا تتصرف ولا تفسر إلا بالنكرات، وكذلك (نِعْمَ) لم يفسر إلا بالنكرات إذا نَصبَ.
قال أبو العباس: الاسم الذي يظهر في رُبَّ هو رجلٌ في قولك: رُبَّهُ رجلًا.
قال: فإنما قَبُحَ: هذا الرجل المضمر.
[يعني الذي في نِعْمَ رجلًا] أن يوصف لأنه مبدوءٌ به قبل الذي يفسره، والمضمر المقدم قبل ما يفسره لا يوصف.
[ ١ / ٣٢٣ ]
قال أبو العباس: إن قال قائل: لم لا يجوز: نِعْمَ رجلًا هو زيدٌ، فيؤكد المضمر في نِعْمَ؟ قيل: لا يجوز، لأنك تنوي به أن يكون قبل رجل، والشيء المضمر على شريطة التفسير لا يوصف قبل ذكر المُفسِّر.
قال أبو علي: إذا قلت: نِعْمَ الرجُل هو، فهو بمنزلة زيد لو قُلت زيدٌ، وكذلك لو قال: نِعْمَ رجلًا هو، لم يجز إلا أن تنوي به التقديم كأنك قُلت: هو نِعْمَ رجلًا، فهو مرتفع بالابتداء.
قال: فهذا تقديره، وليس معناهُ كمعناه.
قال ابو علي: قوله: ليس معناه كمعناه، أي ليس معنى أخُوه كالرَّجل لأن قولك: (أخُوهُ) مختص، و(الرَّجُل) شائع، فتقدير (الرَّجل) تقدير (أخُوه) في أنه يرجع إلى المبتدأ منه راجع كما يرجع من (أخوه) وليس معناه كمعناه في العموم والخصوص.
قال: ويدلك على أن عبد الله ليس تفسيرًا للمضمر أنه لا يعمل فيه (نِعْمَ) بنصب ولا برفع، ولا يكون عليها أبدًا في شيء.
قال أبو علي: ما يكون منصوبًا بفعل فقد يجوز أن يرتفع به في ثانٍ وذلك أنك إذا قلت: ضَرَبَ عبدُ اللهِ زيدًا فقد يجوز أن يكون
[ ١ / ٣٢٤ ]
(زَيد) مرتفعًا بِضَرَب، إذا أخرجت (عبد الله)، فإذا لم يجز أن تنصبه لم يرتفع به.
قال: وأمّا قولُهم: هذه الدَّارُ نِعْمَتِ البلدُ، لما كان البلدُ الدَّارُ أقحموا التاء فصار كقولك: مَنْ كانت أمُّك.
قال أبو العباس: يقول: لم يعتدُّوا بها وإن لفظُوا بها، ولما كان البلدُ هو الدّار أقحموا التاء في (نِعْمَت) كما أن (مَنْ) لما كانت الأم أقحم التاء وكان يجب أن لا يكون في كانت تاءٌ لأنها فاعلة (مَنْ)، و(مَنْ) مذكر في اللفظ ولكن حُمِل على المعنى.
وأنشد:
فأَوْمَاتُ إيماءً خَفِيًّا لِحَبْتَرِ
[ ١ / ٣٢٥ ]
قال أبو بكر: إنّما لم يبين (أيَّما) عددًا ولم تقع مستثناةً، لأن الذي يبين به العدد واحد مرفوع نحو رجلٍ ودرهم، وما أشبهه، وليس (أيّما) واحدًا من نوع يبيَّن به أو يميزُ به شيء، وكذلك المستثنى لا يكون إلا واحدًا من جماعة.
[ ١ / ٣٢٦ ]