قال أبو بكر: شرط هذا الباب أن يكون الأعمُّ صفةً للأخَصِّ، وإنما صار الأعمُّ صفة للأخصِّ لأنه إذا جُمِعا تركَّب منهما ما هو أخصُّ من كل واحد منهما على الإفراد، كقولك: زيدٌ الطَّويلُ، فإنه أخصُّ من كل واحدٍ من الصفة والموصوف.
قال أبو علي: وإنما لا تقول (مَرَرْتُ) بهذين الطويلِ والقصير لأن (هذا) مع ما يوصَف به بمنزلة اسمٍ واحدٍ، فمنزلةُ وصفة منه منزلة حرف من حروفه، فكما لا يجوز أن تُثَنِّي الاسم وتجمعه قبل تمامه، كذلك لا يجوز أن تُثَنِّي (هذا) قبل أن تُتِمَّه بضم الصفة إليه.
[ ١ / ٢٢٣ ]
ولا يجوز أن تقول: مَرَرْتُ بهذا ذي المالِ، لأن الاسم المضاف لا يكون مع اسمٍ آخر بمنزلةِ اسمٍ واحد.
قال أبو علي: الذي سَمَّاه سيبويه في باب مَجرى النَّعْت على المنعوت تفسيرًا للنعت، هوالذي يُنتصب هنا على الحال، والمثال في ذلك قولك: مررْتُ برجلين رجلٍ صالحٍ ورجلٍ طالحٍ، فتقول: مَرَرْت بأخَوَيْكَ صالحًا وطالحًا، ومررت بأخويك رجلًا صالحًا ورجلا طالحًا، فذكرت ها هنا رجلا، وَصْلَةً إلى الحال، كما كان في النكرة وصلَةً إلى الصفة، وهذه الوصلة هي التي سماها سيبويه تفسيرًا للنعت، وتوكيدًا له ونظير قولك: مَررتُ بأخوَيْكَ رجلًا صالحًا ورجلا طالحًا.
[ ١ / ٢٢٤ ]
قوله: تَرى خَلْقَها نِصفٌ قَناةٌ قَوِيمَةٌ.
إذا جعلت (قناةً قويمةً) حالا، قولك (قناةَ) وصلةٌ إلى ذكر الحال.
[ ١ / ٢٢٥ ]
وأنشد للفرزدق:
فأصْبحَ في حيثُ التقَيْنا شِريدُهم طَليقٌ ومَكتوفُ اليدين ومُرْهِفُ
قال أبو علي: قوله: طليق ومكتوف اليدين، طليق مع المبتدأ المضمر قبله في موضع نصب لوقوعه خبرًا لأصبح، والظرف على هذا التقدير مُلغى، أعني قوله: في حيث التقينا، وكذلك قوله:
وكانت قُشَيْرٌ شامِتًا
لو لم ينصب (شامتًا ومزريًا وزاريًا) لصارت الجملة التي كانت
[ ١ / ٢٢٦ ]
(يكونُ بعضُهم شامتٌ) والجملة التي كانت (تكون) معطوفًا عليها في موضع نصب.
قال أبو علي: إنما وصِف العَلَمُ الخاص بالمُبهمة، والصفات إنما تكون حُلَى، وليست المُبهمة بظاهرة في لفظها الحِلْيَةُ، لكنها تتضمن معنى الشبيه والإشارة، وبهذا المعنى انتصب الحال بعدها في قولك: هذا زيدٌ راكبًا، فمن حيث انتصب الحال بعدها لمعنى الفعل الذي تتضمنه وجاز أن يُنعت بها.
وقوله: معطوفةٌ، يريد بها معنى الإتباع، وعلى هذا سُمِّيَ الاسم الذي يبَيَّن به كما يبَين بالصفة عطف البيان.
قال: كقولك: لم يَبْقَ منهم مُخبِرٌ، وقد بقي منهم.
[ ١ / ٢٢٧ ]
قال أبو إسحاق: قوله: وقد بَقِيَ منهم، إنما يُريد تكثير ذلك، كقولك: رأيتُ بَني تميمٍ اليوم كُلَّهم، وإنما رأيت بعضهم، وقد بَقِيَ منهم قومٌ لم ترهم ولكِنَّك تُكثِّرُ.
قال: وإنما صار المبهم بمنزلة المضاف، لأن المُبهم تُقرِّبُ به شيئًا أو تُباعِده، وتشير إليه.
قال أبو علي: معنى قوله المبهم بمنزلة المضاف، أي ليس يجوز في صفة المبهم إذا ناديتهُ إلا الرفع، كما أنه ليس يجوز في صفة المضاف إلا النصبُ، فلما لزِم صفة المبهم إعراب واحدٌ كما لَزِمَ صفة المضافِ إعراب واحد وخالف كُلُّ واحدٍ منهما صفة المنادى المفردِ، غير المبهم، إذ كانت تُرفع وتنصب، اتفقا من هذا الوجهِ.
قال: ولم يُرِد أن يُبَيِّن بقوله: (كُلَّ الرَّجُلِ) ما قبله كما يُبين (زيدًا) إذا خاف أن يَلْتَبِسَ.
قال أبو بكر: يريد لا يبينُ بقولك (كُلَّ الرجلِ) ما قبلهُ كما يبين (بالطَّويلِ)، وما أشبهه، لأن قولك: (كَلَّ الرَّجل)، ليس بصفة مُخَلَّصَةٍ مميزة، إنما هو ثَناءٌ، وكذلك صفات الله ﷿.
[ ١ / ٢٢٨ ]
قال أبو علي: إنما قَبُحَ (ما يَحْسُنُ بعبدِ الله مثلِكَ) في المدح، من حيثُ قبح: (مررتُ بعبدِ الله كُلِّ الرجل) في المدح، لأن عبد الله ليس مما يمدح به، كما يمدح بالرجل، لما يَدْخله من معنى الكمال والنَّافذ فإن لم ترد المدح في قولك: (ما يَحْسُنُ بعبد اللهِ مثلِك) وأردت بمثلِك المعروف بِشِبْهِهِ فقدْ جاز.
قال: والتبعيض والابتداء أقوى.
[ ١ / ٢٢٩ ]
قال أبو علي: إنما صار الابتداء والتبعيض في المعرفة أقوى، لأن حُكم المبتدإ أن يكون معرفةً.
قال أبو بكر: مُخالِطها السِّقام، ومُخالِطُهُ بُهْرٌ على خلاف ما حَكَوْا ولو كانا كما قالوا لكانا منصوبين.
قال: فإن زَعَموا أن ناسًا من العرب ينصبُون هذا، فهم ينصبون به داءٌ مُخالِطُه، وهو صفة الأول، وهم يقولون: هذا غلامٌ لك ذاهبًا.
[ ١ / ٢٣٠ ]
قوله: ينصبون هذا، هو إشارة إلى ما في البيتين وما أشبَهه.
يقول: ليس انتصاب هذا الضَّرب من حيث حُذف التنوين منه، إنما انتصابه على الحال من النَّكِرة أو المعرفة، والتقدير فيما وَقَعَ من ذلك منتصبًا متصلًا الانفصال.
قال أبو علي: وإنما ذكر سيبويه الحال من النكرة في قولك: هذا غلامٌ لك ذاهبًا، ليُعلِمَ أنه إذا سُمع (به نفسٌ عالٍ مُخالِطُه) منصوبًا، فقد نُصِب على أنه حال من النكرة، ولم ينصب من حيث حُذف التنوين، وقد يجوز أن يكون (ذاهبًا) حالًا مما في ذلك من الضمير، ولا حُجَّةَ فيه على هذا الوجه، لأن الحال فيه من المعرفة، وإنما الحجة أن يكون الحال من (غُلامٍ) النكرة، وكذلك قولك: مرَرْتُ برجلٍ قائمًا، الحجة أن يكون الحال من (رجلٍ) دون التاء من (مررتُ).
قال: وبعضهم يجعله منصوبًا إذا كان واقعًا، ويجعله على كل حال رَفْعًا إذا كان غير واقعٍ.
الواقع هنا الحالُ، وغير الواقع هنا الاستقبالُ.
[ ١ / ٢٣١ ]
قال: وإذا جعلتَه اسمًا لم يكن فيه إلا الرفع على كل حال. أي: وإن جَعل اسم الفاعل للماضي دون الحال والاستقبال.
قال أبو علي: وإذا قلت: أتاني الحسنةُ أخلاقُه فمعناه: أتاني الرجل الحسنةُ أخلاقُه، فالحسنة فعل للأخلاق، وإن كان جاريًا على الرجل ولذلك أنَّثْتَهُ، والراجع إلى الرجل الهاء من أخلاقه، وإنما قلت: الحسنةُ، لأن الصفة ليست للرجل، وإن جرت عليه، ولو حَذفت الهاء التي أُضيفت الأخلاق إليها، لم يجز أن تقول: أتاني الرجل الحسنة الأخلاق. لأن الحَسَنَ قد صار فيه ضمير للرجل من حيث جرى عليه صفة له، ولم يرتفع به شيء من سببه، فتأنيث (حَسَنِ) خطأ إذا كان فيه ضمير مذكَّر، ولم يكن الفعل للأخلاق إذا حَذفت الهاء الراجعة إلى الرجل، لكنك جعلت الحَسَن وصفًا للرجل، ثم بَلَغْتَ به الأخلاق، ولمَّا أن الحُسْن صار فيه ضمير للأول، لم يَجُز أن تَرفع به الأخلاق كما كنت ترفعه به قبل أن تحذف الهاء ولو رَفعت الأخلاق بالحَسَن كما كنت ترفعه به وهو مُضاف إلى الهاء لم تَخْلُ في ذلك من أحد أمرين:
إمّا أن تُخَلِّيَ الصفة من أن يرجع منها شيء إلى الموصوف، وإما أن ترفع به الأخلاق وفيه ضمير للموصوف، ولو فعلت ذلك لارتفع بالفعل
[ ١ / ٢٣٢ ]
فاعلان بغير حرف إشراكٍ وذلك غير جائز، والأول أيضًا غير جائز، أعني إخلاءَ الصفة من ضمير الموصوف.
قال سيبويه: ومن جواز الرفع في هذا الباب أنِّي سمعت رجُلين من العرب عربيَّين يقولان: كان عبدُ الله حسبكَ به رجلًا أي: لم يعمل حسبُك هنا إعمال الفعل وإن كان قد جرى صفةً فتقول: كان عبدُ الله حسبُك به فترفع (بِه) بقولك (حسبُك) وتعمله عمل الفعل، لكن رُفع (حسبُك) بالابتداء، و(به) على أنه خبره، فَبِهِ في موضع رَفع، لأنه خبر مبتدأ، ولو أُعْمِلَ (حسبُك) عمل الفعل لكان (به) يصير موضعه رفعًا، لارتفاعه بحسبِك، مُعملًا إعمال الفعل.
فإذا لم يَجُز أن يعمل (حسبُك) و(كُلّ) إعمال الفعل، وقد جَرَتا صفتين للنكرة، كان إعمال (خَزٍّ) وما أشبهه من أسماء الجواهر البعيدة الشَّبه من الفعل أبعد من أن تعمل عمل الفعل.
وقولك (حَسبُك به رجلًا) في الحكاية، جملة من مبتدأ وخبر في موضع نصب لوقوعه خبرًا لِكانَ.
[ ١ / ٢٣٣ ]