قال أبو بكر: قوله: إذا جعلت الناس مفعولين أي لم يُسَمَّ الفاعل، كأنَّك قلت: دُفع بعضُهم ببعض، ولو لم يقع المصدرُ موقع ما لمْ يُسَمّض فاعلُه اسْتَغْنَيْتَ عن الباء، لأن التقدير، كان حينئذ: عَجْبْتُ مِن أن دَفَعَ بعضُ الناس بعضًا.
[ ١ / ١٣٤ ]
قال: ولم تجعله في موضع مفعول هو غير الأوّل.
يريد: إنَّ الاسم المجرور مع حرف الجر في المسألة الأولى وهو قولك: على بعضٍ غير قولِك: فيها بعضهم، لأن البعض الأول بَكَوْا، وعلى بعضٍ بُكِيَ عليهم.
قال: لأنك لو قلت: هُوَ ظَهْرُه وبَطْنُهُ، وأنت تعني شيئًا على ظهره لم يَجُز.
قال أبو علي: لم يَجُز هذا لأن البَطْن والظَّهر مختصّان، والظروف المكانية لا تكون مختصة.
قال أبو علي: قد يجوز أن يقول: هذا مُعْطِي زيدٍ درهمًا أمْسِ، ولقائلٍ أن يقول: إذا كان اسم الفاعل لِما مضى فما الذي نَصَبَ الدرهم؟.
[ ١ / ١٣٥ ]
والجواب: عن أبي بكر أنه على إضمار فعل يدل عليه (مُعطِي) تقديره هذا مُعطي زيدٍ يُعطيه درهمًا.
قال: لأنك لو كَفَفْتَ النون في الإظهار لم يكن إلا جَرًّا.
قال أبو علي: هذا لا يكون إلا جرًا ولا يكون فيه ما كان في قوله: (الحافِظو عَوْرَةَ العَشيرةِ) من النصب لأن الظاهر في هذا لا يكون إلا جرًا، والمضمر لا يعتبر بالظاهر.
[ ١ / ١٣٦ ]
قال: وليس كعلامة الإضمار لأنها في اللفظ، أي علامة الإضمار كالنون فهي أقربُ إليها، أي الأسماء المتصلة أقرب إلى التنوين مِن المُظْهَر.
وقال أبو علي: الأسماء المضمرة المتصلة قد أشْبَهت التنوين على ما تقدم ذِكره، وهي أيضًا تُعاقبه، ومما يُقَوِّي أن الاسم المضمر المجرور أشبه بالتنوين من الظاهر المجرور أنهم يحذفون في النداء الياء من (يا غُلامِ)
[ ١ / ١٣٧ ]
كما يحذفون التنوين ونحوه ولا يحذِفون الظاهر.
قال أبو علي: يعملُ المصدر عَمل الفعل كما ذَكره سيبويه على ثلاثة أوجه:
واحدُها وأقربُها شبهًا بالفعل أن يعمل عَمَله وهو منون، لتكون قد أقَمتَ مُقام الفعل نَكرة مثله.
والذي يليه في الجودة أن تعمِله مضافًا إلى الفاعل لأن الضمير من (ضَرْبِي زيدًا) والظاهر من نحو (ضَرْبُ زيدٍ عَمْرًا أعجبني) يقوم مُقام الفاعل كما أن التّاءَ في قولك (ضربتُ زيدًا) فاعل، فأما كون المصدر بالإضافة مُعَرَّفًا فقد يُنْوَى بالإضافة الانفصال في باب الإعمال لاسم عَمَل الفعل نحو: ضارِبُ زيدٍ غدًا، فالإضافة قد نُوِيَ بها الانفصال في هذا الباب.
وأبْعدُ الثلاثة: أنْ تُعْمِلَه وفيه الألف واللام لأنه معروف من
[ ١ / ١٣٨ ]
جهة لا يُنْوَى بها الانفصال، ولم يتصل باسمٍ يقوم مقام الفاعل، فهو مُباين للفعل.
قال أبو علي: ومن الفرق بين المصدر واسم الفاعل أن المصدر إذا أُضيف إلى معرفة كان أبدًا معرفةً، وقد يضاف اسم الفاعل إلى المعرفة فلا يتعرَّف، وذلك إذا أُريد به الانفصال.
قال: كما أنه ليس مثله في المعنى وفي قُوَّتِه في الأشياء، يعني الصفة المُشَبَّهَةَ باسم الفاعل.
[ ١ / ١٣٩ ]
قال أبو علي: قوله في الأشياء يريد أنه ليس مثل اسم الفاعل في أنه مثل (يَفْعَلُ) في حركاته وسكناته، وأنه ليس فيه ما في اسم الفاعل من التقديم والتأخير وغير ذلك.
قال: لأن الأول في الألف واللام في غيرهما على حالٍ واحدٍ وليس كالفاعل.
[ ١ / ١٤٠ ]
قوله: وليس كالفاعل: أي أن الفاعل إذا أُضيف إلى ما فيه الألف واللام فقد يتعرَّف به، وليس ذلك في هذا.
قال: مَحْطوطَةٌ جُدِلَتْ شَنْباء أنيابًا.
قال أبو علي: إن قَدَّرَ (شنباء أنيابًا) على (حَسَنٌ وجهُه)، لم يجز أن يقول: شنباء أنيابُها، لأن (شنباء) صفة للمرأة، فإذا أُظهرت الهاء في قولك: أنيابُها رَجَعَت إلى المرأة، فبَقي (شنباءُ) صفة للأنياب
[ ١ / ١٤١ ]
وإنما هو للمرأة دون الأنياب، فالوجه أن تقول: شَنْبَةٌ أنيابُها، لأن شنبةٌ صفةٌ حينئذ للأنياب، وفِعل لها.
قال: وقد جاء في الشعر: حَسَنَةُ وجهِها.
قال أبو علي: إنما صار قولُك: حَسَنَةُ وجهِها رديئًا، لأنك إذا قلت: هذه امرأةٌ حسَنَةٌ، فالصفة جارية على المرأة، وفيها ذكرُها، فلذلك أنَّثْتَها بالتاء، وإذا قلت: مَرَرْتُ بامرأةٍ حسنٍ وجهُها، فالحُسن للوجه، والهاء راجعةٌ من الوجه إلى المرأة كما رَجع الضمير إليها من (حَسَنَةٍ) فإذا قلت: مررتُ بامرأةٍ حسنةٍ وجهُها، فقد جمعت بين ضميرين للمرأة يُرجعان إليها:
أحدهما: الضمير في حسنةٍ، والآخر: الهاء في وجهها.
وأيضًا فقد أَضَفت (حسَنة) إلى الوجه، والحُسن للوجه. والشيء لا يضاف إلى نفسه.
فإن قيل: فقد أضيف (حَسَنٌ) إلى الوجه في قولك: الحَسَنُ الوجه فالجواب: أنَّ في (حَسَنٍ) ضميرًا يرجع إلى الموصوف فقد خرج عن أن يكون للوجه، ولو كان للوجه لارتفع به الوجه على أنه كان فعلًا له.
ومما يدل على أن الحُسن في باب (زيدٌ حسنُ الوجهِ) صفةٌ لزيدٍ وليس قولك (هندٌ حسنةُ الوجهِ)، فلو كان (حسنُ الوجهِ) لما جاز تأنيثه لأن الوجه ليس بمؤنثٍ.
[ ١ / ١٤٢ ]
فأمّا قوله: جَوْنَتا مُصْطَلاهُما.
فقد قدّره سيبويه تقدير (حَسنة وجهها) وجعل قياسه كقياسه، وكان حكمه عنده أن يقول لو أجراه على الأصل دون الحذف:
[ ١ / ١٤٣ ]
(أقامتْ جارتا صفًا جَوْن مُصْطلاهما).
فيجرى (جَوْنُ) على (الجارتين)، ويرتفع لجريه عليهما، لأنهما مرفوعتان، ثم يُرفع (المُصطلى) (بجُون): ويعود ضمير التثنية، إلى (الجارتين) فيكون كقولك: (الهندان حَسَنٌ ثوبُهما هندٌ حسنٌ وجهُها) وإن أجراه على الحذف دون الأصل أن يقول: (أقامَت جارتا صَفا جَوْنَتا المُصْطَلَياتِ) فيمن قال (الهندان حسنتا الوجوهِ) وفيمن قال (وصَعا رحْلَيْهما جَوْنتا المُصْطَلَيْنِ) فيصير كقولك
[ ١ / ١٤٤ ]
(الهندان حسنتا الثوبين)، فلم يستعمله في الإتمام والأصل، ولا على الاختصار والحذف ولكنه جعله كقوله: (هذه امرأةٌ حسنةٌ وجهُها)، فَتُثنى (الجَوْن) وهما وصفُ (الجارتين)، وإضافة مُثَنًّى إلى (المُصْطلييْن) وهو هما في المعنى، إلا أنه وضع الواحد موضع الجميع فيمن قال: (حسنتان الوجوه) وموضع التثنية فيمن قال: (وضعا رَحْلَيْهِما)، وهو (المُصطلى) ثم أضاف (المصطلى) إلى ضمير (الجارتين) كما أضاف الوجه من قوله: (هذه امرأةٌ حسنةٌ وجهُها) إلى ضمير المرأة بعد إضافة (حَسَنٍ) الذي هو الوجه في المعنى إلى الوجه، فعلى هذا وضع سيبويه هذا البيت، وقد يحتمل غير ما أوّله سيبويه.
[ ١ / ١٤٥ ]