قال أبو علي: حكم المعطوف أن يكون على لفظِ المعطوف عليه.
إن كان اسمًا فالمعطوفُ عليه اسمٌ، وإن كان المعطوف فعلًا، فالمعطوفُ عليه فعلٌ، فإذا جاءت الجملة مركبةً من فعلٍ وفاعلٍ، ووقعت بعدها جملةٌ يجوز أن يُبتدأ بها نحو (زيدٌ كَلَّمْتُهُ) فالاختيار فيها أنْ تُحْمل على فعلٍ مُضْمرٍ، وينصبُ الاسمُ به ليقع العَطْفُ في جملة مُشاكلة للجملة الأولى في أنّه مِنْ فعلٍ وفاعلٍ لأن المركبة مِن فعل وفاعل أشبهُ من المركبة مِنَ المبتدأ وخبرِه.
قال: ولولا أنه كذلك ما قُلْت أزيدٌ أنتَ ضاربُه.
قال أبو علي: يقول: يفسر (ضارِبُ) غير منون الفعل تفسيره له إذا كان منونًا، وإذا كان منونًا جرى مُجرى الفعل، وكذلك إذا لم ينوَّن جرى مجرى المُنَوَّن في باب تفسيره للمضمر، والمنون يجرى مجرى الفعل فهذا أيضًا يجرى مجراه.
[ ١ / ١٢٢ ]
قال: ومثل ذلك قولك: أرأيتَ زيدًا؟ فتقول: لا، ولكِنْ عَمْرًا مَرَرْتُ به.
قال أبو علي: فإنْ شَغَل الفعل بالضمير فقال: أيُّهم رَأيْتَهُ كان في جوابه ضربان:
إنْ حَمَلَه على الاسم المبتدأ رَفَعَ، فقال في جواب (أيهم رأيتَه) (عمرو رأيتُه)، فهذا على قولك (بِشْرٌ لَقيتُهُ، وعمروٌ كلّمْتُهُ).
وإن حملته على الاسم المبني على الفعل نَصَبْتَ، فقلت في جواب (أيهم رأيْتَهُ): (عَمْرًا رأيتُه)، فهذا على قولك: (عمرو لقيتُه وبشرًا كلمتُه) يُحمل الفعل مرة على الجواب على موضع (أيّ)، وأخرى على موضع الهاء كما فَعَلْتَ ذلك في العطف، فإذا لمْ تُشْغِل الفعل بالضمير في قولك: مَنْ رَأيتَ؟ فالاختيارُ.
[ ١ / ١٢٣ ]
والوجه (عَمرًا رأيتُه)، لأنه مثل (عَمرًا ضَرَبتُ، بِشرًا كلمتُه) وليس ها هنا مبتدأ، تَحمِل الاسم المبتدأ من الجملة الثانية عليه.
فإن قلت: أيُّهم رأيتَه، فالوجه فيه الرفع، وإن نصبْتَهُ كان على إضمار فعل يفسره (رأيتَ) وذلك الفعل مضمر بعد (أيّ) وتقديره إذا أُظْهِرَ (أيَّهم رأيتَ رأيْتَهُ)، وكذلك تقدير هذا في الضمير في كل موضع لا يجوز فيه أن يتسلَّط على الاسم الفعل الذي قبله.
قال أبو علي: نَصَبَ قوله: (أما زيدًا فَضَرَبتُهُ) على إضمار فعل يفسره هذا الظاهر، وموضع إضمار هذا المفَسَّر بعد الفاء تقديره (أما زيدًا فَضربتُ ضَرَبتُهُ) وإنما أضمرته في هذا الموضع عِبرةً للظاهر ألا ترى أن الفعل لا يقع بعد (أمّا) ولا يلي (أمّا) وإنما يقع بعد الفاء، فكذلك تقدير الإضمار.
قال: وكذلك: ما أحسَنَ عبدَ الله، وزيدٌ قد رأيناه إلى آخر الفصل.
[ ١ / ١٢٤ ]
قال أبو علي: (أفْعَل) في التعجب، وإن كان فعلا فقد قَرُبَ شَبهُهُ من الاسم، فَبَعُدَ بذلك عن شبهه الفعل، ألا ترى أنه لا يتصرف كما أن الاسم لا يتصرف، ولا يكون فيه من ضروب ضمير الفاعِلِين إلا ضمير الغائب فقط وتصح العين فيه من المعتل كما تصح في الاسم نحو (هذا أقْوَلُ منه) وقد صُغِّر هذا كما تُصَغَّر الأسماء نحو: (ما أُمَيْلِحَ زيدًا) فخواصُّ الأسماء أغلب عليه من خواصّ الأفعال.
قال: إلاّ أنّك تُجُرُّ بها إذا كانت غاية.
[ ١ / ١٢٥ ]
قال أبو علي: (حَتّى) مع (زيدٍ) في قولك: (مَلَكَ القومُ حتى زيدٍ) في موضع نصب، كما أن الباء مع الضمير في قولك: (مَررْتُ به) في موضع نصب.
قال: وإن كان الأول لأنه في معنى الحديث مفعول، فلا يُرفَع بعد (عبدُ اللهِ ضربْتُهُ).
قال أبو بكر: يقول: لا يُرفعُ بعد (عبد الله) ضربتُه، لأن (عبدَ الله) في معنى الحديث مفعول، فكان هذا لِتَشاكُلِ الجُمل.
قال أبو علي: قوله: إذا كان الأول لأنه في معنى الحديث مفعول أي إن كنت إنما تنصِب عن الجملة بعد قولك: ضربتُ زيدًا، لأنه
[ ١ / ١٢٦ ]
مفعول ويعتبر ذلك دون الجمل، وعطفِ الشكل منها على الشكل فلا يرفع بعد قولك: [عبد الله ضربته] و(زيدٌ مررتُ به) لأن عبد الله في المعنى مفعول، فَلَسْتَ تعتبرُ به انتصابَ الاسم من الجملة الأولى، ولا انخفاضَهُ، إنما يُختار النصب في الاسم الأول من الجملة الثانية إذا كانت الجملة الأولى من فعل وفاعل، سواء اتصل بها اسم مجرور أو مرفوع أو منصوب.
قال: ومما لا يجوز أن يُبتدأ بعده الأسماء (هَلاّ).
قال أبو علي: يريد: إنه لا يرتفع الاسم بعده بالابتداء لأن حدَّهُ أن يلي الفعل، فإذا قال: (هَلاّ زيدٌ قامَ) ارتفع بإضمار فعل قام تفسيره مُقامه كما يرتفع الاسم بعد (إذا) بالفعل دون الابتداء، وكذلك إذا قال (هَلاّ زيدًا ضربتَه) لم يرتفع بالابتداء وانتصب بفعل مضمر.
قال: إلا أنهم قد توسعوا فيها فابتدأوا الأسماء بعدها.
[ ١ / ١٢٧ ]
قال أبو علي: ليس يريد الابتداء الذي يقتضي خبرًا نحو: (زيدٌ منطلقٌ)، لكن يريد ذكر الاسم بعدها.
قال: لأنه ليس ها هنا حرف هو بالفعل أوْلى. أي ليس في ضربت عَمْرًا وزيدًا كلَّمْتُه حرف هو بالفعل أوْلَى.
يقول: الواو التي تُعْطَفُ بها الجملة الثانية على الأولى ليست بأن يليها الفعل أولى من أن يليها الاسم، كما أن حروف الاستفهام بالفعل أولى.
قال: وإنما اختير هذا على الجواز وليكون معنى واحدًا.
قال أبو علي: يعني بقوله على الجواز، وليكون معنى واحدًا، أي ليَتْبَع العطف في جملةٍ مُشاكِلَةٍ للجملة الأولى في أنها مثلها في أنها من فعل وفاعل.
قال الأخفش: وتقول: أنتَ حَسِبْتكَ منطلقًا، وإيّاكَ حسبتُكَ منطلقًا.
[ ١ / ١٢٨ ]
قال أبو علي: في قوله: حسبتُك منطلقًا ضميران:
أحدهما: التاء، وهو ضمير مرفوع.
والآخر: الكاف وهو ضمير منصوب.
فإذا قيل: أنْتَ، حَمله على الضمير المرفوع، وإذا قال: إيّاكَ، حَمَلَه على الضمير المنتصب.
قال: قوله: (وليس موضِع إعمال) أي الفعل غير مُتسلِّطٍ على ما قبله هنا، فلا بدَّ من شيء يُشْغَل به الفعل، فلذلك صار ثبات الهاء أحسن.
قال: لأن الفعل في موضع الوصفِ كما كان في موضع الخبر.
يريد: إنه في موضع الصِّلة التي تكون لِلَّذي، فشبَّه الوصفَ
[ ١ / ١٢٩ ]
بالصلة، فلا يجوز أن يَنْصِبَ (نَعَمًا) من أجل أن (تحوُونه) صِفةٌ، ولو كان غير صِفةٍ لَجازَ النصبُ، وكذلك: (مَأتَمٌ تَبْعَثونَهُ).
[ ١ / ١٣٠ ]
قال: وليس لعبد الله في يأتيني حَظٌّ.
أي: ليس لِعبد الله حَظٌّ في (يأتِيني) لأن (يأتيني) قد أُضيف (حينُ) إليه، ولا يجوز أن يتقدَّم المضافُ إليه على المضاف فكذلك (يأتِيني).
قال: وذلك قولك (أزَيدًا إن رَأيْتَ تَضْرِبُ)، تقديره: أتضْرِبُ زيدًا إنْ رَأيْتَ؟ فليس تَضْرِبُ بجواب لإنْ، ولو كان جوابًا لها لانْجَزَم، ودَلَّ (تَضْرِبُ) على جواب الشّرط، فحذف لِدلالة (تَضْرِب) عليه.
[ ١ / ١٣١ ]
قال: ولو جاز أن تجعلَ زيدًا مبتدأ على هذا الفعل لقُلت: (القتالُ زيدًا حين يأتي).
قال أبو بكر: قوله: مبتدأ أي متقدمًا ليس المبتدأ الذي يكون فيه الثاني الأوّلَ.
قال: وأما الفعل الأول فصار مع ما قبله بمنزلة (حين) وسائر الظروف.
أي لا يجوز أن يعمل الفعل الواقع بعد (أن) فيما قبله، كما لا يجوز ان يعمل الفعل المضاف إليه (حين) ونحوه فيما قبله.
قال: ولن أضربَ، نفي قوله: سأضْرِبُ.
قال: استشهد لما جاز في النفي مِنَ التقديم والتأخير بما جاز منه في الإيجاب، فقوله: زيدًا سأضربُ نظيرَ قوله: زيدًا لن أضرِبَ.
[ ١ / ١٣٢ ]
قال: فإن قلت: أيهم جاءك فاضْرِبْ، رفعت لأنه جعل (جاءك) في موضع الخبر.
قال أبو علي: لا يجوز أن يوصف أيُّهم بـ (جاءك) لأن (أيُّهم) وقع موقع حرف المجازاة، فلا يوصف كما لا تُوصَف الحروف، وأيضًا فإنه معرفةٌ، (وجاءكَ) نكرة، فأراد بالخبر هنا (أيُّ) ليس بصفة ولكنه شرطٌ.
قال أبو علي: الخلاف بين حرف النفي والاستفهام، أن حرف النفي قد تليه الأسماء فيعمل فيها عمل الفعل، كقولك: ما زيدٌ منطلقًا، وهو كقولك كان زيدٌ منطلِقًا.
قال: وإن قلت: ما أنا زيدٌ لقِيتُهُ، رفعت إلا في قول مَنْ نَصَبَ زيدًا لقِيتُهُ.
[ ١ / ١٣٣ ]
قال أبو علي: هذا على مذهبه فيما تقدَّم، فأمّا في قول الأخفش: والذي هو القياس عندي فالنَّصْبُ في (ما) إذا كانت تَميميَّةً أجْوَدُ.