قال سيبويه: وقد بيّنّا أمرهما إذا كانا في كلمة لا يفترقان.
يعني أنه بيّن ذلك في باب التضعيف، وفي باب المترجم بمضاعف الفعل.
قال سيبويه: وذلك نحو (يَد داؤدَ)، لأنه قصد أن يقع المتحرك بين ساكنين واعتدالٌ منه.
قال أبو علي: يعني بالمتحرك الواقع بين ساكنين الدّال الثانية، والساكنان الدالُ الأولى والألف من (داوُد).
[ ٥ / ١٦٢ ]
قال سيبويه: لم يجز أن يكون قبل المحذوف إذا حُذِفَ ﴿الآخر﴾ إلا حرفُ مدٍّ.
قال: يعني بالمحذوف نحو السَّبَب إذا حذف من عروض الطويل فصار [٢٠٤/ب] فُعُولُنْ لم يجز أن يكون قبل الفاء فيه إلا حرف مدّ.
قال أبو علي: احتجاجه بما ذكره من العروض، أن حرف المدّ بمنزلة المتحرك لأنه يفصل الساكن غير الممدود بالمدّ الذي فيه، فيصير الزائد فيه عوضًا من الحركة، لأنه زيادة في الصوت، كما أن الحركة في الحرف المتحرك زيادة في الصوت.
قال سيبويه: وحَسُن أن يبيّن فيما ذكرنا من نحو "جَعَل لَّكَ".
[ ٥ / ١٦٣ ]
قال أبو علي: يقول: لما جاز البيان في (جَعَلَ لَكَ) ونحوه مع تحرُّك ما قبل الحرف الذي يدغم، لم يجز في الحرف الذي قد يدغمُ إذا سكن ما قبله إلا البيان.
قال سيبويه: فلو أنّهم كانوا يُحرِّكون لحذفوا الألف.
أي ألف الوصل من (ابن)، يقول: لو أدغم النون الأولى في النون الثانية لتحركت الياء، فسقطت ألف الوصل، وكان يلزم فيمن قال: (قِتَّلُوا) (سِمُّوسَى)، ومن قال: قَتَّلوا لزمه في الرفع (سُمُّوسَى).
قال سيبويه: ما لم يَقْوَ على ألا يجوز البيان فيما ذكرت لك.
﴿لم﴾ يقوَ الإدغام في نحو (قَومُ مُوسى)، و(ابنُ نَوح) على تحريك الساكن، كما لم يقوَ على منع إجازة البيان فيما تقدم من المنفصلين
[ ٥ / ١٦٤ ]
المتحرك ما قبل الأول منهما نحو (جَعَلَ لَكَ).
قال سيبويه: ولكنك إن شئت قلت: (قَرَادِدُ)، فأخفيت كما قالوا: (مُتَعَفِّفٌ) فأخْفِي.
قال: تقول: (متعَفْ فِفٌ)، فإذا أدغمت قلت: (مُتَعَفِّفٌ) ولا يكون في هذا إدغام، وقد ذكرنا العلة.
أي العلة في أنه لا يجوز أن يدغم الملحق.
قال سيبويه: وتقول: (هذا ثوبُ بَكْرٍ)، البيان في هذا أحْسَنُ منه في الألف، لأن حركة ما قبله ليس منه الفصل.
قال أبو علي: حركة ما قبل الألف من الألف لأنها فتحة، وحركة ما قبل الواو والياء لا يكون منهما إذا انفتح نحو: (جَيْبُ بَكْرٍ، وثوبُ بَكْرٍ).
[ ٥ / ١٦٥ ]
قال سيبويه: ألا ترى أنك تقول: (اخْشَوا وّاقِدًا) فتُدغم، - و(اخْشى يّاسِرًا) فتجريه مجرى غير الياء.
قال أبو علي: يريد، لو كان في الياء والواو إذا لم تكن حركة ما قبلهما منهما من اللين ما يكون فيهما إذا كانت حركة ما قبلهما منهما لم يجز الإدغام في نحو: (اخْشَوْا واقدًا)، لكن لما جاز الإدغام عُلِمَ أنه لا يكون فيهما من اللين مثل ما يكون إذا جانستهما الحركة التي قبلهما، ولا يجوز أن تدغم نحو (يغزُو واقدًا)، و(يَرْمِي ياسِرًا) لمكان اللين فيه، وإن جاز الإدغام في نحو (اخْشَوا وَّاقدًا).
قال سيبويه: فلا بدّ فيه من حرف لين للرِّدْف.
قال أبو علي: يقول: لا يجوز وقوع حرف اللين في القوافي المحذوفة في الرِّدْف إذا لم تكن حركة ما قبله منه، لأنه لا يكون فيه من المدّ ما يكون إذا جانسته الحركة، فـ (لَبِيبِ) لو انفتح الياء الأولى، لم يجز وقوعه في هذه القافية.
[ ٥ / ١٦٦ ]
قال سيبويه: وذلك قولك: ظَلَمُوا واقِدًا [٢٠٥/أ] واظلِمي ياسِرًا، ويَغْزُو واقِدًا.
قال أبو علي: اللزوم في الأوّل يعتبرُ كأن الواو في (ظَلَمُوا) حرف مدّ غير لازم، لأنك تقول: (ظلمَا) كما أنه في (قُوول) غير لازمٍ ولو اعتبر ترك الإدغام في (ظَلَمُوا واقدًا)، فقيل: إنما لم يدغم لأنه ممدود وحركة ما قبله منه لم تصحّ لوجودنا للممدود المدغم في مثل (مَغْزُوٍّ وعُتُوٍّ) ونحوه، لكن العلة في ترك إدغام (ظلموا واقدًا) و(ارْمِي ياسِرًا) مضامّه بذاك اللزوم المدّ، ألا ترى أن (قُووِلَ) لم يُدْغَم لاجتماع المدّ، وأنه غير لازم فيه، وكذلك (ارْمي ياسِرًا) لم يدغم لأنه ممدود، ولأنه ليس بلازم.
قال سيبويه: أرادوا أن يكون (ظَلَموا) على زِنة (ظَلَما واقِدًا)، و(قَضَى ياسرًا).
[ ٥ / ١٦٧ ]
قال: يقول: ليست الواو في (ظَلَمُوا واقِدًا) والياء في (قاضِي ياسرًا) بلازم، لأنك تقول: (ظلما واقدًا) و(قضى ياسرًا).
قال سيبويه: كما لم يَقْوَ المنفصلان على أن تحرك السن في (اسمُ مُوسى).
قال سيبويه: فيصير كأنك أدغمت ما يجوز فيه البيان.
قال أبو علي: يقول: لو أدغمت الهمزتين كما تدغم غيرهما من المثلين، للزمك أن تجمع بينهما محققتين، كما تجمع بين اللامين من (فعلَ لَبِيدٌ)، فلما لم يجز أن تجمع بينهما لم يجز أن يدغما.
[ ٥ / ١٦٨ ]
قال سيبويه: وذلك قولهم: يَقِتّلون، فقد قِتّلُوا.
قال أبو علي: (قِتَّلُوا) أدغم التاء الأولى في الثانية بعد أن أسكنها فاجتمع ساكنان القاف والتاء، فحرك القاف بالكسر كما تحرك (قُمِ اللّيلَ) فسقطت همزة الوصل لتحرك الساكن كما اجتُلبتْ لتسكين المتحرك في (ازَّيَّنَتْ)، والتحرك الذي اجتلبت له السكون هي التاء من (تَزَيَّنَتْ)، فإنه لما كانت التاء قريبة المخرج من مخرج الزاي أدغمت ﴿و﴾ اجتلبتْ ألف الوصل.
[ ٥ / ١٦٩ ]
قال سيبويه: وجاز في قاف (اقْتَتَلُوا) الوجهان، (أي الكسر والفتح) ولم يكن بمنزلة عَضّ.
قال أبو علي: يقول: لم يكن بمنزلة (عَضَّ) في تحريك الفاء التي كانت ساكنة في الأمر من (العَضّ) في الأصل لا تحرك إلا بالفتح، وكذلك الفاء من (فِرَّ)، وليست مثل (اقتتلُوا) الذي جازت فيه الحركتان في التقاء الساكنين الكسر والفتح، فقالوا: (قِتَّلُوا، وقَتلوا).
قال سيبويه: وهي قراءة لأهل مكة كما قالوا: (رُدَّ يا فَتى) فضموا لضمة الراء.
أي الراء في (مُرُدِّفِينَ).
[ ٥ / ١٧٠ ]
قال سيبويه: فهذه الراء أقرب.
قال أبو علي: إنما كان أقرب لأن بين الراء والدال ثانية من (رُدَّ يا هذا) حرفًا ساكنًا، وليس بين الراء والميم من (مُرُدِّفِين) حرف ساكن.
قال سيبويه: فلما كانت كذلك قَوِيَتْ، كما قلت: (الجِوارُ) حين قلت: (جاوَرْتُ).
قال أبو علي: [٢٠٥/ب] يقول: ثُبتت ألفُ الوصل في قوله: (الحَمْرُ) وإن تحرك ما بعده لثباتها في نحو: (أفأاللهِ)، كما صحّت الواو في (الجِوارِ)، حين ثبتت في (جاوَرْتُ)، وإن كان قد تنقلب في نحو (سِياط)، فكذلك تثبت الألف في (الحَمْرِ)، وإن سقطت في نحو: (سَلْ).
[ ٥ / ١٧١ ]
قال سيبويه: وأمّا (رُدَّ داوُدَ) فبمنزلة (اسمُ مُوسى)، لأنّهما منفصلان وإنما التقيا في الإسكان.
قال أبو علي: يريد: التقى المثلان، وما قبل الحرف الأول بساكن وهو الدال الأولى من (رُدّ) فلا يجوز (رُدّ داودَ) كما لم يجز في (قومُ موسى) لأنهما منفصلان.