قال سيبويه: ولا تدغم الياء وإن كانت قبلها فتحة ولا الواو وإن كانت قبلها فتحة مع شيء من المتقاربة.
[ ٥ / ١٧٢ ]
قال أبو علي: إنما قال في كل واحد من الواو والياء لا تدغم إذا كان قبلها فتحة، لأنه إذا كان قبل كل واحد منهما من الحركة ما هو من جنسه كان أبعد له من الادّغام.
قال سيبويه: لأنّهما يُخرجان ما فيه لِين ومَدٌّ إلى ما ليس فيه مَدٌّ ولا لِينٌ.
يقول: لو أدْغَمْتَ الياء في الجيم لكنت قد أزلت عنه المدّ واللين.
قال سيبويه: فلم تقو المقاربة عليها لما ذكرنا لك.
يقول: مثل (صُدُودٍ، وعَمِيدٍ)، لا يجوز معهما إذا كانا قبل حرف الرويّ غيرهما من السواكن، كما أن (الغَنايا) لا يجوز معها غيرها من السواكن.
[ ٥ / ١٧٣ ]
قال سيبويه: وإذا كانت الواو قبلها ضمة، والياءُ قبلها كسرة فهو أبعد للإدّغام.
قال أبو علي: امتناعهما من أن يدغَما فيما قاربهما إذا جانستهما الحركة التي قبلهما، يقوّي ترك الإدغام فيهما وما قبلهما مفتوح لأنهما إذا انفتح ما قبلهما فهما الحرفان اللذان إذا انضم ما قبل أحدهما أو انكسر امتنع فيهما الإدغام.
قال سيبويه: وجعلوه بمنزلة النون إذ كانا حَرْفَيْ غُنَّةٍ.
قال أبو علي: أي جعلوا الميم إذا وقعت قبل الياء بمنزلة النون في أنْ لم تقلب فاءً للإدّغام، كما تركت الميم المبدلة من النون قبلها ميمًا ولم تدغم في الياء، وإنما لم تدغم النون لاجتماعهما في الغنة.
[ ٥ / ١٧٤ ]
قال سيبويه: وهي تَفَشَّى بأن معها غيرها، فكرهوا بأن يُجحفوا بها.
أي لو أدغمت الراء في اللام أو في النون لقلبت إلى إحداهما، فذهب التكرير ونقص الصوت.
قال سيبويه: ويقوي هذا – أي أن الزائد لا يدغم في الناقص- أن الطاء وهي مُطْبَقَة لا تُجعل مع الثاء تاء خالصة، لأنها أفضل منها بالإطباق.
قال أبو علي: لا تدغم الطاء في التاء، قولك (انقُطْ تَوْمًا)، فإن
[ ٥ / ١٧٥ ]
أدغمت أبقيت الإطباق لئلا يذهب من الصوت شيء.
قال سيبويه: لأن ﴿ما﴾ كان أقربَ إلى حروف الفم [٢٠٦/أ] كان أقوى على الإدغام.
أي على أن يدغم فيها، فالحاء التي هي أقرب لا تدغم في الهاء التي هي أبعد.
قال أبو علي في إنشاد سيبويه:
ومَسْحِيَ مرُّ عُقابٍ كاسِر
قال: من أثبت في مثل (عليهي فاعلم) ياء أثبته في (مَسْحِي)، ومن لم يثبت لم يثبت.
[ ٥ / ١٧٦ ]
قال أبو الحسن: لا يجوز الإدغام في (ومَسْحِهِ)، ولكن الإخفاء جائز.
[ ٥ / ١٧٧ ]
قال أبو علي: ذهب أبو الحسن إلى أن الذي قبل المدغم الساكن ساكن ليس بحرف مدّ، وهذا ليس في الكلام نظيره.
قال سيبويه: فأجريت مجرى الميم مع الباء.
قال أبو علي: أجريت الحاء مع العين مجرى الباء مع الميم في أن أدغم العين في الحاء ولم تدغم الحاء في العين، كما أدغم الباء في الميم، ولم تدغم الميم في الباء.
قال سيبويه: فجعلتها بمنزلة الهاء.
قال أبو علي: يقول: جعلت العين بمنزلة الهاء في أن لم تدغم الحاء فيها في نحو (امْدَحْ عَرَفَةَ)، كما لم تدغم الحاء في الهاء في (امْدَحْ هِلالًا). وأدغمت العين في الحاء فيها في نحو (اقْطَع حَّمَلًا)، كما أدغمت الهاء في الحاء بعد قَلَبَهُ حاءً في نحو (اجْبَهْ حَّمَلًا).
[ ٥ / ١٧٨ ]
قال سيبويه: كما جعلت الميم بمنزلة النون مع الباء.
أي في أن لم تدغم في الباء كما تدغم النون.
قال سيبويه: وقد خالفت الخاءً في الهمس والرخاوة.
يقول: الغين وإن كانت رخوة، فليست تبلغ رخاوة الخاء.
قال سيبويه: ويدلُّك على حسن البيان عزَّتُها في باب رَدَدتُّ.
قال أبو علي: أي لا يكاد يجيء (كعَعْتُ) إلا قليلًا.
[ ٥ / ١٧٩ ]
قال سيبويه: فشبِّهت بالخاء مع الغين كما شُبِّه أقربُ مخارج الحلق إلى اللسان.
قال أبو علي: يعني الخاء والغين شبّه بحروف اللسان في أن أخفي النون معهما، فكذلك شبه أقرب مخارج الفم إلى الحلق بحروف الحلق، فصار البيان فيه أحسن كما أنه في حروف الحلق أحسن.
قال سيبويه: فإن شئت كان إدغامًا بلا غُنَّةٍ فتكون بمنزلة حروف اللسان؛ لأنها تصير لامًا خالصة إذا أدغمت بلا غنّة ولا يكون لها في الخياشيم حظٌّ، وإذا أدغمت بغنّة لم تزل عنها الغنّة والحظّ الذي لها من الخيشوم، وهو أحسن لأن هذه النون لا مخرج لها من الفم.
قال سيبويه: لأن صوت الذي بعده ليس له في الخياشيم نصيب.
كما للنون فيها، فإذا أدغمت النون في اللام تذهب الغنّة لأنه لا غُنَّة في اللام، فهما لا يتفقان فيها.
[ ٥ / ١٨٠ ]
قال سيبويه: وتُقْلَب النون مع الباء ميمًا لأنها من موضع تَعتلُّ فيه النون.
يقول: الباء من موضع تعتل فيه النون، أي من الشفة والنون تعتلّ في الشفة مع الميم فتنقلب ميمًا نحو (مِنْ مَّطَرٍ).
وقال أبو علي أيضًا: يقول: اعتلت النون مع الباء، لأن الباء من موضع تعتل فيه النون وهو الشَّفَةُ، واعتلالها في ذلك الموضع نحو قلبك إيّاها مع الميم ميمًا في نحو (مِنْ [٢٠٦/ب] مَطَرٍ)، فكما اعتلت مع الميم، كذلك اعتلت مع ما هو من مخرجه وهو الباء، كما أنه لمّا اعتلت النون مع اللام في نحو (مَن لَّكَ) فقلبت لامًا، كذلك أعلّت فيما قرب من اللام وهو الراء فقيل: (مَن رَّاشِدٌ)، فأدغمت في الراء لقربها من اللام.
قال سيبويه: فكرهوا أن يكون مكانَها أشبهُ الحروف من موضع الواو بالنون.
[ ٥ / ١٨١ ]
قال أبو علي: أشبه الحروف من موضع الواو بالنون هو الميم.
قال سيبويه: وليس مثلَها في اللين والتجافي والمدّ.
أي ليس الميم مثل الواو في اللين والتجافي فتبدل من النون قبل الواو والميم، كما أن الميم في (شَنْباء) كالباء في الشدة وإلزام الشفتين، فأدغم النون في الواو ولم يبدل ميمًا، فأما مع الباء فإنها أبدلت ميمًا ولم تدغم في الباء لموافقة الحرف الحرف في الشدة وإلزام الشفتين.
قال سيبويه: لأنه ليس مُخْرَج ﴿لَبْسٍ﴾ من طرف اللسان أقرب إلى مُخرج الراء من الياء.
قال أبو علي: يقول: كما أدغم في الراء وفي اللام لقرب مخارجهما كذلك أدغمت في الياء لقرب الياء مما أدغمت فيه النون وهو الرّاء واللاّم
[ ٥ / ١٨٢ ]
كما أعلت مع الباء في (شَنْباء) لما أدغمت في الميم التي هي من مُخرج الباء.
قال سيبويه: فلما وصلوا إلى أن يكون لها مُخْرَجٌ من غير الفم فإنَّ أخف عليهم ألا يستعملوا ألسنتهم إلا مرَّة.
قال أبو علي: يقول: لو جعلوها من الفم دون الخيشوم مع هذه الحروف التي من الفم لاستعملوا ألسنتهم مرّتين لما كان يلزم من الإدغام، فلما جُعلت من الخيشوم استعملت الألسنة مرة واحدة إذ لم يدغم ولم يجتمع مثلان.
قال أبو علي: النون مع سائر الحروف ثلاث رُتب: تدغم مع اللام
[ ٥ / ١٨٣ ]
والراء لقرب المخرج، وتدغم في الميم لاشتراكهما في الغنّة، وتعلّ مع الباء لموافقة ما أدغم فيه من المخرج وكذلك في الواو، وتدغم أيضًا في الياء، لأنها تدغم في الواو فكأنها من مُخرجها، فالنون إنما أعلّت مع هذه الحروف سوى اللام والراء بواسطة الميم، فهذه رتبة لها، والثانية من رتبها: أنها تخفى مع حروف الفم فلا تدغم ولا تبين، لكن لها معها حالة بين البيان والإدغام، لأنها لم تقرب منهن قربها من الحروف الموافقة لها في المخرج، والموافقة له في الصوت نحو الميم ولم تبعد عنها بُعد الحلقية، فصارت لها معهن كذلك منزلة بين المنزلتين، والثالثة من رتبها: أنها تبيّن مع حروف الحلق بيانًا شديدًا، لأنها لا توافقها في المخرج ولا تقرب منها كما قربت منها حروف الفم، فلما بَعُدَتْ عنها غاية البعد بُيّنت معها، فأما إخفاؤها مع العين والخاء فلقربها من القاف.
قال سيبويه: وكان أصل الإدغام كثرة الحروف للفم.
قال: يقول: كثرت حروف الفم، فوجب الإدغام [٢٠٧/أ].
قال سيبويه: وهي مع الرّاء واللام والياء والواو إذا أدغمت بغنّةٍ فليس مُخرجُها من الخياشيم.
قال أبو علي: النون إذا أدغمت في الحروف التي تدغم فيها، فليس مخرجها من الفم، لكنه من حيث الحروف التي تدغم، وإذا بيَّنت ولم تَخْفَ
[ ٥ / ١٨٤ ]
كانت أيضًا من الفم، فإذا سكنت مع حروف الفم، وأخفيت فهي من الخياشيم.
قال سيبويه: ولم نَسمعهم قالوا في التحرُّك (حين سُّلَيْمان) فأسكنوا النون مع هذه الحروف التي مخرجها معها من الخياشيم.
قال أبو علي: يقول: لم يجعل مُخرج النون من الخياشيم متحركة مع حروف الفم كما جعل مُخرجها منها ساكنة مع حروف الفم.
قال سيبويه: ولم تَقْرَبْ قرب هذه الستة، التي قَلَبت النُّون وهي الراء واللام والميم والياء.
قال سيبويه: فلم يحتمل عندهم حرف، الفصل.
[ ٥ / ١٨٥ ]
قال أبو علي: يقول: لم يحتمل النُّون وليس حرف من مُخرجه غيره أن يدغم في أكثر من ستة أحرف للمقاربة.
قال سيبويه: وتكون ساكنة مع الميم إذا كانت من نفس الحرف بَيِّنَة، والواو والياء بمنزلتها مع حروف الحلق.
قال أبو علي: ترتيب هذا الكلام أن يقال: ويكون النون إذا كانت ساكنة وكانت من نفس الحرف بيِّنة مع الميم والواو والياء، وقوله: بمنزلتها مع حروف الحلق؛ أي في البيان.
قال سيبويه: وإنّما حملهم على البيان كراهية الالتباس، الفصل.
قال أبو علي: يقول: لو أدغمت النون في الواو ونحوها متصلة كما تدغم فيها منفصلة لالتبس (قَنْواءُ بقَوَّاءَ) التي هي من (القَوِّ)، وكذلك
[ ٥ / ١٨٦ ]
سائر هذه الكلمات بالمضاعف.
قال أبو علي: ﴿قال﴾ سيبويه: فصار هذا بمنزلة المنفصل في قولك: (مِن مِّثْلِكَ).
قال أبو علي: يقول: إنه بمنزلة المنفصل في جواز الإدغام فيه كما جاز في المنفصل ولم يمتنع الإدغام كما امتنع من (قَنْواء) لأنه لا يلتبس بالمضاعف كما كان يلتبس به (قَنْواء).
[ ٥ / ١٨٧ ]
قال سيبويه: والنُّون ليست كذلك، لأن فيها غُنَّة فتلتبس بما ليس فيه الغُنَّة.
قال أبو علي: كأنّ قائلًا قال: هلاَ بيَّنَ النُّون قبل الباء في (شَمْباء) و(العَمْبر) كما بُيّنت قبل الواو في (قَنْواء)، لأن النون التي هي عين لا تتبيّن من الميم كما لم تكن تتبيّن لو أدغم فقيل: (قَوّاء) من المضاعف الذي عينه واو، ولم ينفصل منه، فقال: جاز ألا تُبيّن النون في (شَنْباء)، ولم يجز ألا يُبيّن في (قَنْواء)، لأنّ (شَنْباء) يُعلم أن الميم فيه بدل من النُّون إذ ليس في الكلام ميم ساكنة أصلية قبل ياء، فليس فيه مثل (عَنْبٍ) ولا نحوه، وفيه مثل (قَوٍّ وكَيٍّ ومَيٍّ)، فإذا أدغم في هذه المواضع التبس، ولا يلتبسُ في (العَمْبَر) لما ذكرنا.
قال: وإنما احتمل ذلك في الواو والياء والميم.
أي إظهار النون معهنّ في (كُنْيَة، وقَنْواءَ، وزُنْمٍ).
قال سيبويه: وليس حرفٌ من الحروف التي تكون النون معها من الخياشيم [٢٠٧/ب] هي حروف الفم نحو القاف والجيم، أي لا تدغم النونُ في شيء من هذه الحروف كما أنّ النون لم تُدغم فيهن، ولو أدغمت
[ ٥ / ١٨٨ ]
النُّون فيهن، لصار صوتها من الفم دون الخيشوم، ولقلبت حرفًا فمَويًا، فجعلت بمنزلة ما كان يكون بعدها من هذه الحروف التي كانت تدغم فيها لو أدغمت.
قال سيبويه: لأنه قد امتُنع أن يُدغم في النون ما أدغمت فيه.
قال أبو علي: لم يدغم في النون الميم ولا الياء ولا الواو ولا الباء ولا الراء وقد أدغمت هي في هذه الحروف، فكذلك كُرِهَ أن تُدغم اللامُ فيها وإن أدغمت هي في اللام.
قال سيبويه: وكذلك لم يُدغموها فيما تَفاوَتَ مُخْرَجُه عنها، ولم
[ ٥ / ١٨٩ ]
يُوافقها إلا في الغنَّة.
قال أبو علي: لما أن لم تدغم الميمُ في الباء وهي مثلها في أنها من مُخرجها وموافق لها في الشدَّة وإلزام الشفتين فيها الضمّ، لم يدغموها في النون وإن كانت النون قد أدغمت فيها إذ كانت النون قد تفاوت مخرجها عن الميم، فلم يوافق الميم إلا في الغنة، فإذا لم تدغم الميم فيما وافقها من جهتين وهو الباء، كان أحْرى ألاّ يدغم فيما لم يوافقه إلا من جهة واحدة، أعني الغُنَّة، وهو النون والجهتان اللتان وافقت الميمُ فيهما الباء الشدَّة والمخرج.
قال سيبويه: وهي مع الطّاء والدّال والتّاء والصّاد والزّاي والسّين جائزة.
يعني أن إدغام اللام في هذه الحروف جائز وليس حسنٌ إدغامها فيها كحُسن إدغامها في الرّاء.
قال سيبويه: لأنّ اللام لم تَسفل إلى أطراف الأسنان.
[ ٥ / ١٩٠ ]
قال أبو علي: لم تَسفل اللام إلى أطراف الأسنان، كما لم تسفل الطّاء.
فلما اجتمعن في أن لم يسفلن حسن إدغام اللام فيها.
قال سيبويه: ولكنه يجوز إدغام اللاّم فيهما لما ذكرت لك من اتصال مُخرجها.
أي، من اتصال مخرجهما بطرف اللسان، وحيث يقرب منه مُخرج اللام.
[ ٥ / ١٩١ ]