قال سيبويه: وهو يَثْقُل التَّكلُّم به لشدَّتهنّ، وللزوم اللسان موضعَهن لا يتجافى عنه.
قال أبو علي: الميم من الشديدة التي يجري معه الصوت، والباء لا يجري معه الصوت، فلذلك كان البيان في (اصْحَب مَّطَرًا) أحسن، وكان الإدغام في الدال والتاء ونحوهما أحسن، لأن تلك الحروف لا تختلف في الشدة كما اختلف الميم والباء فيها.
قال سيبويه: ولو أمسكتَ أنفك لرأيتها بمنزلة ما قبلها.
قال أبو علي: إذا ضارعت الميمُ النونَ لم يحسن إدغام الباء، كما لا يجوز إدغام الباء في النون.
وقوله: ولو أمسكت بأنفك لرأيتها، أي رأيت الميم في (اصْحَب مَّطَرًا) بمنزلة الباء.
قال سيبويه: وذلك قولك: (احْبِس صَّابِرًا، وأوجز صَّابرًا) والزاي
[ ٥ / ١٩٢ ]
والسين بمنزلة الدال والتاء.
أي في أنّ كل واحدة من الزاي والسين تدغم في صاحبتها [٢٠٨/أ] كما أدغم كل واحدة من التاء والدال في صاحبتها.
قال سيبويه: وإن شئت أذهبت الإطباق، وإذهابه مع الثاء كإذهابه من الطاء في التاء.
قال أبو علي: يريد: إن إدغام الطاء في الثاء وإذهاب الإطباق فيه أقبح من إدغامها في الدال، وإذهاب الإطباق منه مع الذال لأن الثاء ليس مثل الظاء في الجهر، كما أن الطاء ليس مثل التاء في الجهر.
قال سيبويه: والبيان فيهن أمثل منه في الصّاد والسّين والزاي.
[ ٥ / ١٩٣ ]
قال أبو علي: إنما صار ترك الإدغام في الرخوة أمثل من تركه في الشديدة، لأن الرخوة يجري الصوت فيها فيصير بجريان الصوت وامتداده بين الحرفين فصلٌ مّا، والشديد لا يجري فيه الصوتُ فيكون فصلًا بينهما.
قال سيبويه: وهنّ من حيّز واحدٍ والذي بينهما من الثَّنِيَّتَيْنِ يسيرًا.
قال أبو علي: الذي بين الظاء وأختيها، والصاد وأختيها، من أن مخرج الظاء أشد نزولًا إلى أطراف الثنيتين قليل.
قال سيبويه: والبيان فيها أمثل، لأنّها أبعدُ من الصّاد وأختيها.
أي: الطاء وأختاها أبعد من الصّاد وأختيها من الطاء والتاء والدال، ومعنى ذلك أن البيان في الظاء والثاء والذال مع الصاد والسين
[ ٥ / ١٩٤ ]
والزاي، أحسن من البيان في الطاء والتاء والدال مع الصّاد والسّين والزّاي، لأن الطاء وأختيها، أبعد من الصّاد وأختيها، والطاء وأختاها أقرب إليهن من الظاء وأختيها إليهن.
قال سيبويه: وحجته قولهم ثلاثُ دراهم.
قال أبو علي: لا يجوز أن تدغم التاء في (ثلاثة دراهم) في الدال، والذي منه من ﴿ذلك﴾. وهو أن هذه التاء إذا أسكنت انقلبت هاء، وإذا انقلبت هاء فليس يجوز إدغامها حتى تسكن لأن الحرف المدغم لا يكون إلا ساكنًا، وإذا أسكنت انقلبت هاء وإذا انقلبت هاء لم يجز إدغامها في الدال لبعد المخرجين.
قال سيبويه: تدغم الثاء من ثلاثة في الهاء إذا صارت ثاء، و(ثلاثُّ أفْلُسٍ) فأدغموها.
أي أدغمت التاء من (ثلاثة) في تاء التأنيث وجاز ذلك، وإن كان ما قبلها ساكنًا لأنه بمنزلة (دابَّةٍ).
[ ٥ / ١٩٥ ]
قال سيبويه: حتى خالطت أصول ما اللامُ فوقه من الأسنان.
يعني بقوله ما اللام فوقه من الأسنان الطاء وأختيها.
قال سيبويه: وإنه ليس فيها إطباق ولا ما ذكرت لك في الضاد.
أي من أنها لا تجافى عن موضع الطّاء تجافي الشين عنه.
قال سيبويه: إذ كانا يدغمان منفصلين فكرهوا هذا الإجحاف.
يعني بالإجحاف ما ينقص من الصوت في إدغام المجهور في المهموس لو لم يبدل من مكان الباء حرف مجهور.
قال سيبويه: وإنّما منعهم من أن يقولوا: (مُذْدَكَرٌ) كما قالوا مُزْدانٌ، الفصل.
[ ٥ / ١٩٦ ]
قال أبو العباس: أبو عمر يقول: (مُذْدكرّ) وهو القياس الجيِّد البالغ.
قال أبو علي: ليس هذا بردّ على سيبويه، لأنه قال: وإنما منعهم أن يقولوا: (مذْدكَرٌ)، أي لم [٢٠٨/ب] يقولوه فيسمع منهم، والجرميّ يجيزه قياسًا، وقد يجيز القياس أشياء لا تستعمل، كإجازته في ماضي (يَذَدُ: وَذَدَ) وهو مع ذلك غير مسموع.
قال: ولم تكن في السمع كالضّاد.
قال أبو علي: الصاد أندى في السمع من الضاد، فلذلك لم يجز
[ ٥ / ١٩٧ ]
إدغام الصاد في الطاء وجاز إدغام الضاد فيها.
قال سيبويه: ولا يدغمونها في الطاء في الانفصال.
قال أبو علي: الانفصال نحو: (اقْرِضْ طالبًا)، وكذا لام غير المعرفة لا تدغم في الانفصال في نحو (هلْ طَلَبْتَ)، وإذا أدغم في قولك: (الطّالب).
قال سيبويه: لأنهما في الانفصال أثقل من جميع ما ذكرنا.
قال أبو علي: يقول: إظهارهما والبيان فيهما منفصلين أثقل منه في سائر الحروف، فلذلك كان القلب والإدغام أحسن.
قال أبو علي: لأنهما جميعًا شديدان لا يجري الصوت فيهما جريه في الرخوة فيكون جريان الصوت فيهما كالفصل بينهما.
قال سيبويه: وذلك قولك: اطَّعَنُوا.
[ ٥ / ١٩٨ ]
قال أبو علي: يقول: لم يُدغموا الطاء في التاء في الاتصال، لأنّهم إذا أدغموا الطّاء لم يلتزموا إبقاء الإطباق لأنه يُذهب به في مثال: (انْقُط تُّومًا)، فيقال: (انْقُت تُّوما)، وقد يبقى فيقال: لو أدغم الطاء في التاء في الاتصال ولم يقلب طاءً، لكان جديرًا أن يلزمه ذهاب الإطباق في الاتصال كما لزمه في الانفصال، للزوم الإدغام إياه لاتصاله.
قال سيبويه: واعلم أن تركَ البيان هنا أقوى منه في المنفصلين لأنه مضارع.
قال أبو علي: يقول: فَعَلْتُ نحو (حَبَطُّ)، الإدغام فيه أحسن منه في (انقُطْ تَوما)، لأن التاء في (فَعَلْتُ) تشابه تاء (افْتَعَلَ) في أنهما من كلمة واحدة، والفاعل من الفعل قد يكون بمنزلة بعض حروفه في نحو (يَضْرِبانِ)، جاء الإعراب بعد اسم الفاعلين. كما يجيء في المعربات بعد أواخرها، فالتاء التي في (فَعَلْتُ) كأنها على هذا التأويل من نفس الكلمة.
[ ٥ / ١٩٩ ]
قال سيبويه: لأنّ أصل الإدغام أن يُسكَّن الأوَّلُ ويُحرَّك الثاني مُدْغَمًا فيه، وكذلك يلزم أن يقلب الأول إلى لفظ الثاني، ولو قلب الثاني إلى لفظ الأول لأسكن الثاني، كما أنه لو قلب الأول إلى لفظ الثاني أسكن الأوّل وحرِّك الثاني، وتحريك الأول وتسكين الثاني عكس ما عليه حكم الإدغام.
قال أبو علي: نحو (رَدَدتُّ ورَدَدْنَ)، لأن اللام من (رَدَدْتُ) تتحرك في هذه المواضع، فإن لا تُدغم في الطاء من (اسْتطعْتُمُ) ونحوه مما لا يتحرك أبدًا أولى.
قال سيبويه: ودعاهم سُكون الآخر في المثلين أن بيَّن أهل الحجاز.
أي، فلما سكن الآخر لم يدغم فيها، لأنه إنما يدغم في المتحرك.
[ ٥ / ٢٠٠ ]
قال سيبويه: لأنه يدركها التثنية والنون الخفيفة والثقيلة والألف واللام.
قال أبو علي: [٢٠٩/أ] إدراك الألف لها كقولك: (ارْدُدِ البابَ)، وإدراك النون لها كقولك: (أردُدًا) يافتى.
قال سيبويه: ومع ذلك أن بعدها حرفًا أصله السُّكون.
قال أبو علي: نحو اسْتَطارَ، واسْتَطْوَر.
قال سيبويه: أن لا يحملوا على الحرف في أصله أكثر من هذا.
قال أبو علي: أي فلو أدغموا مع هذا الإعلال لقد كانوا جمعوا عليه
[ ٥ / ٢٠١ ]
إعلالين.
قال سيبويه: قد اجتمع فيه الأمران.
يعني سكون ما قبل التاء في الاستفعال، وإعلال العين بعده.
قال سيبويه: وأمّا اخْتَصَمُوا واقْتَتَلُوا فليستا كذلك.
قال أبو علي: يقول: ليس القاف من (اقْتَتَلُوا) كالسين من (اسْتَفْعَلُوا) فيمتنع تحريك القاف منه للإدغام، كما امتنع تحريك السين من (اسْتَفْعَلوا) لأن القاف والخاء منهما ﴿و﴾ أنَّ أصلهما الحركة.
قال سيبويه: لأنّهما حرفان وقعا متحركين، والتحرك أصلهما، كما أن التحرك الأصلُ في مُمَدّ، الفصل.
قال أبو علي: يقول: القاف من (اقْتَتَلُوا) أصله التَّحرك، كما أن الميم من (مُمَدٍّ) أصله التحرك فيغير هذا البناء، لأنك تصرِّفُهُ فتقول: (مادٌّ، ومُدّ، ومَدّ) متحركة، فهذه الفاء أصلها الحركة، فلذلك جاز الإدغام بعدها، وإلقاء حركة المدغم عليها، ولم يجز ذلك في (اسْتَطارَ) وبابه، لأن الساكن الذي قبل التاء لا حظَّ له في الحركة ولم يحرك له في موضع ألبتة.
[ ٥ / ٢٠٢ ]
قال سيبويه: وقد حذفوها والكسرة بعدها في (يَعِدُ)، فإذا وقعت الكسرة عليها نفسها في مثل (يَوَدُّ) كان الحذف أوْلى.
قال سيبويه: وكرهوا (وَطْدًا ووَتْدًا)، لما فيه من الاستثقال.
قال أبو العباس: يعني تقارب مخارج الحروف وتبينّها، وسكون الحرف الأول من المتقاربين.
قال سيبويه: وتقول في المصدر: (ازَّيّنا).
قال أبو علي: في (تَزَّيَّنَتْ)، ومصدره وما تصرف منه، المتقارب في المتقارب، وتدع الباقي على ما كان عليه قبل الإدغام.
قال سيبويه: وقوله ﷿ "ولقد كنتم تمَنَّوْنَ الموت" وكانت الثانية أولى بالحذف.
قال أبو علي: إنما حذفت الثانية من "تذكَّرُونَ"، و"تَنَزَّلُ الملائكة"، لأنها هي التي تعتلُّ في الماضي بالإسكان، والإدغام
[ ٥ / ٢٠٣ ]
والحذف إلى المعتلّ المغيّر أسرع لأنه تغيير.
ومما يجب له حذف الثاني دون الأوّل إنما هي التي تعتل في الماضي بما ذكرنا من السكون والإدغام في نحو (تَدارَأ)، والمضارع ينتظم حروف بناء الماضي، وكذلك يجب أن ينتظم المضارع هذه التاء المعتلة في الماضي المدغمة، فيعتل أيضًا في المضارع بالحذف، كما أعلّ في الماضي بالإدغام: ومما يوجب أيضًا أن تكون هي المحذوفة، أن التكرير بها وقع كما وجب التخفيف في الهمزة الثانية [٢٠٩/ب] لتكررها في نحو آدَمَ، فكذلك يجب الحذف في الثانية لتكررها.
وأيضًا فإن الأولى التي هي حرف المضارعة لا يجب حذفها لأنها إذا حذفت فقد لا يبقى ما يدل عليها، لأنها حرف واحد، والثانية إذا حذفت بقي من الكلمة غيرها، فمن هذه الجهات وجب حذف الثانية دون الأولى.
[ ٥ / ٢٠٤ ]
قال سيبويه: وإن شئت قلت في (تَتذكَّرون) ونحوها (تَذكَّرون).
قال أبو علي: يقول: يجوز أن تحذف التاء الثانية من (تتذكَّرون)، وإن وقعت قبل حرف مقارب له يجوز إدغامها فيه كما جاز إدغامها إذا وقعت قبل الكاف ونحوه مما لا يجوز أن يدغم فيه لبعد المخرجين، لأن التاء الواقعة قبل المقارب هي التاء التي جاز حذفها إذا وقعت قبل غير المقارب، فكما جاز حذفها معه، كذلك يجوز حذفها مع المقارب.
قال سيبويه: لأنّه حذف منها حرف قبل ذلك وهو التاء، وكرهوا أن يحذفوا آخر، الفصل.
قال أبو علي: يقول: لما حذفت التاء من "تَذكَّرُون"، اجتمع متقاربان كما كانا اجتمعا في "تَكَلَّمُونَ" فكأنّ المتوهّم قد يتوهم بأن حذف أحد المتقاربين من "تَذكَّرون" بعد حذف الثانية جائز كما جاز في "تَكَلَّمُون". فقال: لا يجوز اعتلال هذا، واعتلّ بما ذكر.
[ ٥ / ٢٠٥ ]
قال سيبويه: ولم يَرَوا ذلك محتملًا إذ كان البيان عربيًّا.
قال أبو علي: لم تحذف الحرف الأول من "تَذكَّرونَ" ولم تُدغم في الثاني أيضًا، ولا يحذف الذال لما ذكره من الإلباس وغيره مما يؤدي إليه، إذ كان البيان وترك الإدغام في هذه الحروف المتقاربة في المواضع التي لا يؤدي الحذف فيها إلى مثل ذلك حسنًا.
قال سيبويه: وأمّا (الذّكَرُ) جمع (ذِكْرَةٍ) مثل كسرةٍ وكِسَرٍ، فأبدلت الذلُ دالًا غير أن أوجب قبلها ما أوجبه في (مُدَّكِر) قلبها ذالًا من وقوعها قبل تاء الافتعال، وإبدال التاء حرفًا من مخرجها أشبه الحروف بالذال وليس في (ذِكَرٍ) شيء من ذلك، إنما أبدلت دالًا كما يبدل الحرف من مقاربه (كبنات بَخْر، وبناتِ مَخْرٍ)، و(إيّاكَ
[ ٥ / ٢٠٦ ]
وهيّاكَ) وما أشبه ذلك، وشددت الدال لإدغامهم لام التعريف فيها.