قال سيبويه: فكرهوا إدغام الدال فتزداد الحروف سينًا فتلقي السينات.
[ ٥ / ٢١٤ ]
أي لو قلب الدال سينًا في (سِدْس) للإدغام لاجتمعت ثلاث سيناتٍ و﴿هو﴾ ما لا في الكلام مثله، لأن الفاء والعين واللام لا يكن من موضع واحد.
فأمّا (بَبَّةُ) فليس بنوع إنما هو لقب.
قال سيبويه: [٢١١/أ] كما قالوا في فَخِذٍ فَخْذٌ فأدغموا.
أي لمّا قالوا: (وَدّ).
قال سيبويه: ولم يكن هذا مطردًا لما ذكرت لك من الالتباس.
أي من أن العين التي هي تاء تلتبس بالتاء التي هي دال، فلا يتميَّزُ المقارب من المضاعف.
قال سيبويه: قال بعضهم: عُتْدانٌ فرارًا من هذا.
[ ٥ / ٢١٥ ]
أي من البيان، والأول ساكن، أو ما يلزم من الإدغام إذا سكن الأول المؤدي إلى الالتباس في هذا القبيل.
قال سيبويه: فهذا شاذٌّ مشبَّه بما ليس مثله نحو: يَهْتَدِي ويَقْتَدي.
قال أبو علي: يقول: شُبِّه (عِدَّانٌ) و(وَدٌّ) بيهَدَّى ويَهِدِّي إذا أدغم التاء منه في الدال كما أدغم في (يهتدي) وبابه، لأن التاء مثل الثاء، والدال مثل الذال إلا أنهما يختلفان، لأن الإدغام في (يهتدي) وبابه لا يؤدي إلى الالتباس كما يؤدي إليه الإدغام في (وَدٍّ) ونحوه.
قال سيبويه: فإنما زاد السين على (أطاعَ يُطِيعُ) وجعلها عوَضًا من سكون موضع العين.
قال أبو علي: لأن الأصل في (يُفعَلُ) من (أطاعَ، يُطْوِعُ)، فلما
[ ٥ / ٢١٦ ]
سكنت الواو التي هي عينٌ عوِّض من حركتها المنقولة إلى الفاء هذه السين.
قال سيبويه: ومن الشاذ قولهم: تَقَيْتُ يَتَقِي ويَتَسِعُ.
قال أبو علي: (تَقَيْتُ) وضعه ها هنا على أن أصله (افتَعلْتُ)، قلبت الواو التي هي فاءٌ تاء كما قلب في (اتَّعدَ) ونحوه، فاجتمع تاءان فحذفت الأولى وكانت هي أولى بالحذف من الثانية وإن كانت الثانية هي المتكررة، لأنّها يلحقها الإعلال دونها في نحو (عِدْ، والإيعاد، ويَعِدُ)، ونحوه، فلما اعتلّت في هذه المواضع أعلت هنا أيضًا بالحذف، ولما حُذفت سقطت لحذفها همزة الوصل في (افْتَعَلْتُ)، إذ كانت مجتلبة لسكون الفاء المحذوفة فبقيت تاء (افْتَعَلْتُ) مع ما بعدها من الكلمة فصار (تَقَيْتُ) ووزنه من الكلام (فَعَلْتُ)، و(يَتَقِي)، ووزنه (يَتَعِلُ)، فإن قلت: ما تنكر أن يكون (تَقَيْتُّ) ووزنه (فَعَلْتُ) أبدلت من الفاء التي هي واوٌ التاء كما أبدلت منها في (تَيَقُور)، و(نَوْراةٍ) ونحو ذلك فيكون وزنه على هذا (فَعَلْتُ) منقلبة الفاء؟ قيل: إن هذا قد يكون محتملًا لولا ما جاء في المضارع من قولهم: (يَتَقَى) مفتوح التاء، فلو كان (تَقَيْتُ: فَعَلْتُ) لوجب أن يقال
[ ٥ / ٢١٧ ]
في المضارع: (يَتْقِي) مثل (يَرْمِي)، فلما قيل: (يَتَقِي) علم أن التاء ليست بفاء، وأنها المفتوحة الزائدة من (افْتَعَلَ)، وعُلِمَ أيضًا أن المحذوفة التاء المنقلبة عن الواو لما جاءت مفتوحة، ولولا انفتاح هذه التاء لاحتمل أن يكون (تَقَيْتُ: فَعَلْتُ)، وعمل (يَتَسِعُ) كعمل (يَتَقِي).
قال سيبويه: كما حذفوا العين [٢١١/ب] من المضاعف نحو: (أحَسْتُ ومَسْتُ)، وكانوا على هذا أجْرَأ.
أي على حذف الفاء من (تَقَيْتُ ويَتَقِي)، أجرأ منهم على حذفهم العين من (مَسْتُ)، لأن هذه الفاء تعتل كثيرًا، وهذه العين لا تعتل اعتلاله.
[ ٥ / ٢١٨ ]
قال سيبويه: ولم يصلوا إلى الإدغام كما لم يصلوا في مَسِسْتُ.
قال أبو علي: لأنه لو أدغم لحركت لام المعرفة، وهذه اللام لا تتحرك وأصلها السكون، ولذلك اجتلب لها ألف الوصل.
قال أبو علي: قال أبو بكر: قال أبو العباس: أخبرني المازني قال: رأيت بخط سيبويه في آخر كتابه عند رجل من بني هاشم يُقال له عبد السلام بن جعفر للفرزدق:
فما سُبِق القيسي من ضَعْفِ حِيلَةٍ ولكنْ طَفَتْ عَلْماءِ قُلْفَةُ خالِدِ
يريدُ على الماء.
[ ٥ / ٢١٩ ]
تمت التعليقة والحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين، وذلك بدمشق المحروسة سنة أربع وثلاثين وسبعمائة.
وكتبه لنفسه الفقير إلى رحمة ربّه محمد بن حسن بن محمد الأندلسي المالكي، غفر الله له، ولوالديه، ولجميع المسلمين.
[ ٥ / ٢٢٠ ]