قد كنتُ كتبتُ للخزانةِ أدامَ اللَّهَ عِمارتَها كتابًا مبسوطًا في مَقَاييسِ المقصورِ والممدود، وذكرتُ طَرَفًا من ذلكَ في هذا الكتابِ ليكونَ مُستِقّلًا بنفسه.
والمقصورُ من الأسماءِ ما كانَ آخِرهُ ألفًا وكانت مُنْقَلبَةَ عن ياءٍ أو واوٍ أو مَزِيدَةً للتّأنيث أو للإِلحاقِ. فالتي للتّأنيثِ، نحو بُشْرَى وحُبْلى (^٤) ودعوى وسَكْرَى وذِكْرى، والتي للإِلحاقِ نحو أرْطىً (^٥) ومِعْزىً، مصروف في النكرَةِ. وأمّا المُنْقَلبَةُ عن الياءِ والواوِ (^٦)، فنحو رجًا وَرَحَىً (^٧) فَرَجًا من إلى نَفَرٍ وَبَشَرٍ وَقَوْمٍ (^٣).
فَمنَ المقصورِ مَا يُعلَمُ قَصْرُه من جهةِ القيَاسِ، ومنه ما لا يُعْلَمُ منْ جهَتهِ. وإنّما يُعْلَمُ بالسّمْعِ، فممّا (^٨) يُعْلَمُ قَصْرُه من جهَةِ القياسِ قولهم:
_________________
(١) آية ٤٨/ النمل ٢٧. وفي الكشاف ٣/ ١٥١: "وإنما جاز تمييز التسعة بالرهط لأنه في معنى الجماعة، فكأنه قيل تسعة أنفس.
(٢) مجموعة م عدا س: و"قد" يضاف.
(٣) هنا، وفي نهاية "باب من العدد" تنتهي نسخة ي.
(٤) ص، ع، ف: "حبلى وبشرى".
(٥) قال ابن ولاد في المقصور والممدود ص ١٠: فأما أرطى فزعم قوم أن وزنها على وزن أفعل، وزعم قوم أنها على وزن فعلى واحتجوا بقول العرب: أديم مأروط؛ إذا دبغ بالأرطى وهي مقصورة في الوجهين معًا.
(٦) ل: عن الواو والياء.
(٧) س: فرجا ورحى. والرجا: ناحية كل شيء وخص بعضهم به ناحية البئر.
(٨) س: فما.
[ ٢٨٥ ]
الصّدَى، للعَطَشِ (^١). وذلكَ أنّكَ تقولُ: صَدِى: يَصْدَىْ، والمَصْدَرُ الصّدَىْ، مقصورٌ لأنّه بزِنَةِ العَطَشِ، وكذلكَ الطّوَى في الجوعِ؛ لأنَّ طَوِيَ: يَطْوي، منل [غَرِثَ: يَغْرَثُ. فكما (^٢) أن الغَرَثَ على "فَعَلٍ" فكذلكَ الطّوَى] (^٣)، واسمُ الفاعلِ منْهما طَيّانُ وَغرْثَانُ، فَصَدْيانُ كعَطُشَانَ، وطَيّانُ كَغَرثانَ.
ومن ذلكَ قولُهم (^٤) مُعْطىً وَمشْتَرىّ؛ لأنَ مُعْطىّ مثل مُكْرَمٍ، كما كانَ يُعْطَى مثل يُكْرمُ ويُخْرَجُ. ومُشترىّ مِثْلُ مُحْتَقَرٍ ومُسْترشي مِثْلُ مُسْتَخْرَجٍ. فكما (^٥) أنّه لَيْسَ قَبْلَ آخِرِ اسمِ (^٦) المفعولِ في مُسْتَخْرَجٍ (^٧) ألف قَبْلَ الجيمِ التي هي آخرُ الكلمةِ، ولا قَبْلَ الآخرِ من [مُعْطىّ ومُحْتَقَرٍ، فَيلزَمُ أن تقِعَ الياءُ بعدها] (^٨) فَتُقْلبَ (^٩) همزةً فكذلكَ هذهِ الأسماءُ التي للمفعولِ بهِ مقصورةٌ.
ومما يعلمُ أنّهُ مقصورٌ ما كانَ من أسماءِ الجَمْع (^١٠)، واحدُهُ "فُعْلَةٌ" نحو عُرْوَةٍ وكُلْيَةٍ ومُدْيَةٍ، تقولُ في جَمْعِ ذلكَ عُرَىً وكُلىً ومُدىً، فهذا كظُلمَةٍ وَظُلْمٍ وكذلكَ فِرْيةٌ وفِرىً، كَسِدْرَةٍ وسِدَرٍ. وكذلكَ قُرىً
_________________
(١) س: "العطش".
(٢) ك، ل: "وكما" ع: "كما".
(٣) ساقط في ف.
(٤) سقطت "قولهم" في ف.
(٥) ف: كما.
(٦) سقطت "اسم" في س.
(٧) ص: "من" مستخرج.
(٨) ساقط في س.
(٩) ص، ل، ي: "فتنقلب".
(١٠) ت: "ما كان أسمًا للجمع".
[ ٢٨٦ ]
في (^١) جَمْعِ قَرْيةٍ. وحكى الرِيّاشي (^٢) عن أَبي الحَسَن: كُوَّةٌ وكِوَىً (^٣). وأما الممدودُ فما وقعتْ ياؤهُ أو واوُه طَرَفًا بعدَ أَلفٍ زائدةٍ، وذلكَ نحو الاسترشاء (^٤) والاستسقاءِ لأنهُما بمنزِلةِ الاستخراجِ. فكما أَن الألفَ منه تقعُ قَبْلَ اللامِ، [كذلكَ تقعَ في الاستسقاءِ قبلَ اللامِ] (^٥) فيلزمُ أنْ تُبْدلَ منَ الياءِ الهمزةُ فيكون ممدودًا لوقوعِ الهمزةِ بعدَ الألفِ الزائدةِ (^٦)، وكذلك الاحتْواءُ (^٧) والاسْتواءُ (^٨) لأنّهما بمنزلةِ الاحْتِقَارِ والاحْتِفارِ (^٩).
وممّا يُعْلَمُ أَن واحدَهُ ممدودٌ أنْ ترى الجَمْعَ على "أفْعِلَةٍ" نحو أقْبِيَةٍ أفْنِيَةٍ وأكسْيَةٍ (^١٠)، فالواحِدُ من الأكسيةِ كساءٌ، وكساةٌ كحَمارٌ، وأَكسيةٌ كأحْمِرَةٍ، وقَبَاءٌ كقَذالٍ، وأقْبِيَةٌ كأقْذِلةٍ.
_________________
(١) سقطت: "في" في ك.
(٢) الرياشي: هو أبو الفضل عباس بن الفرج مولى محمد بن سليمان بن علي الهاشمي، كان عالمًا باللغة والشعر، روي عن الأصمعي وأبي زيد وأخذ عنه المبرد وابن دريد، كما لقيه ثعلب وكان يفضله ويقدمه. وقال عنه المازني: قرأ الرياشي على كتاب سيبويه فما بلغ النصف منه حتى كان أعلم به مني، قدم بغداد وحدث بها لكنه رجع إلى مدينة البصرة وفيها توفي سنة ٢٥٧ هـ إذ قتله الزنج ابان حركتهم. وله من الكتب: "الخيل" و"الإبل" و"ما اختلفت أسماؤه من كلام العرب" انظر ترجمته في: أخبار النحويين ٦٨ - ٧٠، مراتب النحويين ٧٥ - ٧٧، طبقات الزبيدي ١٠٣ - ١٠٦، نزهة الألباء ٢٦٢ - ٢٦٤، معجم الأدباء ١٢/ ٤٤ - ٤٦، إنباه الرواة ٣/ ٣٦٧ - ٣٧٣، ابن خلكان ١/ ٢٤٦، النجوم الزاهرة ٣/ ٢٧ - ٢٨، بغية الوعاة ٢٧٥ - ٢٧٨.
(٣) في اللسان (كوى) ٢٠/ ١٠١: "كان أصلها كوى ثم أدغمت الواو والياء فجعلت واوًا مشددة وجمع الكوة كوى بالقصر نادرة ومن قال: كوة ففتح فجمعه كواء ممدود والكوة بالضم لغة وجمعها كوى.
(٤) ك: الاسترساء، تصحيف.
(٥) ساقط في س بسبب انتقال النظر.
(٦) ع، ف: "بعد الألف زائدة".
(٧) س: "الاجتراء".
(٨) مجموعة م: "والأشتراء".
(٩) س، ع: "الاحتفار والاحتقار".
(١٠) مجموعة م عدال: أفنية وأقبية وأكسية.
[ ٢٨٧ ]
ومما يُعْلَمُ أَنَّهُ ممدودٌ أنْ يكونَ المصدرُ يُرادُ به الصوتُ، ويكونَ مضَمومَ الأوّلِ. وذلكَ نحو الدُّعاءِ والعُواءِ؛ لأنُ نظيرَ ذلكَ من الصحيح الصُّراخُ والنُّباحُ، وكذلك البُكاءُ (^١). قال الخليلُ (^٢): والذينَ قالوا: البُكا فَقَصَروهُ، جَعَلوُهُ كالحَزَنِ. وكذلكَ ما كانَ عِلاجًا نحو النُزاءِ (^٣) لأنّهُ بمنزِلَةِ القُماصِ (^٤).
وكذلكَ ما كَان مصدرًا لفِاعَلْت نحو شَارَيْتُه شِراءُ، وماريتُهُ مراءً؛ لأنَّ مارَيتُهُ مِراءً (^٥) مثل جادَلتُهُ جِدالًا، شارَيتُهُ، وشراءً مثل بايَعْتُه بياعًا.
ومنَ الأسماءِ ما لا يُعْلَمُ قَصْرُه ولا مَدُّهُ منْ جهةِ القياسِ كالسَماءِ والمَنَا (^٦) الذي يُرَادُ به القَدَرُ (^٧) و[ما أشْبَهَ ذلكَ] (^٨)، كما قالَ الشّاعرُ من بعضِ الهُذَلَيينِ (^٩):
لَعَمْرُ أبي عَمْروٍ لَقَدْ سَاقهُ المَنَا (^٦) … إلى حَدَثٍ يُورى لَه بالأهاضِبِ (^١٠)
_________________
(١) انظر سيبويه ٢/ ١٦٢.
(٢) نصه في سيبويه ٢/ ١٦٣: قال الخليل: الذين قصروه جعلوه كالحزن. ويكون العلاج كذلك نحو النزاء ونظيره من غير المعتل القماص.
(٣) انظر المقصور والممدود لابن ولاد ص ١١٢.
(٤) القماص: مرض يصيب الفرس بأن يرفع يديه ويطرحهما معًا، وفي نوادر أبي مسحل ٢٩٧: ويقال أخذه القماص والقماص.
(٥) سقطت: "مراءا" في غير الأصل، ل، ف.
(٦) المنى، وقد جاء في اللسان: المنى بالياء القدر، والمنى الكيل أو الميزان الذي يوزن به بفتح الميم مقصور ويكتب بالألف. قال وتثيته منوان ومنيان والأول أعلى. قال ابن سيدة وارى الياء معاقبة لطلب الخفة. وكذلك جاء في القاموس وشرحه.
(٧) ابن ولاد: ١٠٢.
(٨) ساقط في: س.
(٩) مجموعة م "كما قال بعض الهذليين، ص: "كما قال الشاعر الهذلي" ف: كما قال "الهذلي".
(١٠) ينسب هذا البيت الصخر الغي بن عبد الله الخثمى يرثى أخاه أبا عمرو، وينسب كذلك لأبي =
[ ٢٨٨ ]
وسَأكْتُبُ منه طرفًا يُعْرَفُ (^١) بهِ المسموعُ من غيرِ جهَةِ المقاييس (^٢).