الهمزةُ حرفٌ يخرجُ من أقصى الحَلْقِ. وهي أدْخَلُ الحُروفِ في الحلقِ فلما كانتْ كذلك استَثْقَلَ أهلُ التَّخفيفِ إخراجَهَا من حيثُ كانَتْ كالتهوعِ فخففّوها. وتخفيفُها لا يخلو من أن تُجْعَلَ بَيْن بَيْن (^٣) أو بأنْ تُقْلَبَ أو بأنْ (^٤) تُحْذَفَ.
وهي لا تخلو من أن تكونَ ساكنَة أوْ مُتَحَرِّكَة. فإنْ كانت ساكنةً فما قَبْلَها لا يخلو من أنْ يكونَ مضمومًا أوْ مكسورًا أوْ مَفْتوحًا، فإنْ كانَ ما قبلَها مضمومًا، قُلِبَتْ واوًا، وذلكَ قولهم في جؤنَةٍ: "جُوَنَةٌ" وفي لُؤمٍ (^٥):
_________________
(١) البيتان لزياد الأعجم وهو من عبد القين وإنما سمي الأعجم للكنة كانت فيه. والشاهد في الثاني منهما، وهو نقل حركة الهاء إلى الباء من قوله "أضربه" لتكون أبين في الوقف؛ لأن مجيئها ساكنة أخفى لها. والبيتان منسوبان له في: القيسي ٧٩ ظ، سيبويه والشنتمري ٢/ ٢٨٧، وهما غير منسوبين في: الكامل للمبرد ٣٢٥، السيرافي (٥٢٨) نحو ١/ ٢٤٢، توجيه إعراب أبيات ٤٥، المحتسب (الثاني) ١/ ١٩٦، ابن يعيش ٩/ ١٩، الرضي على الشافية ٢١١، شواهد الكشاف ٤/ ٣٣٢. وروي "كثير عجبه" في غير "ك" من نسخ التكملة وكذلك في غير القيسي والسيرافي من المراجع. وروي الأول في اللسان "يا عجبًا والدهر جم عجبه" قال: والمشهور فيه "عجبت والدهر كثير".
(٢) ي: "الهمز".
(٣) فسر سيبويه أن تحرك الهمزة "بين بين" بقوله ٢/ ١٦٤: " فكل همزة تقرب من الحرف الذي حركتها منه، فإنما جعلت هذه الحروف بين بين، ولم تجعل ألفات، ولا ياءات، ولا واوات؛ لأن أصلها الهمز، فكرهوا أن يخففوا على غير ذلك فتحول عن بابها، فجعلوها بين بين، ليعلموا أن أصلها عندهم الهمز.
(٤) ف: "أو أن".
(٥) ك: "ولؤم". انظر سيبويه ٥/ ١٦٤.
[ ٢٢٨ ]
"لومٌ". وإن كانَ ما قَبْلَها مكسورًا قُلِبَتْ ياءًا نحو "بيْرٍ وذِيبٍ". وإنْ كانَ ما قبلَها مفتوحًا قُلِبَتْ ألفًا نحو "راس وفاس" (^١). والمنفصلُ من ذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ (^٢)، و﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (^٣)، و﴿إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ (^٤) إنما هو "ائْذَنْ" (^٥) الهمزةُ التي هي فاءٌ ساكنةً بعدَ همزةِ الوَصْلِ، فلمّا حَذَفَتْهَا في الدَّرْجِ لاقتِ الّلامُ المضمومةُ الهمزةَ التي هي فاءٌ ساكنةٌ. فانقلبتْ واوًا، وعلى هذا القياسِ الأُخريانِ.
فإنْ (^٦) كانتْ متحركةً فلا يَخْلو ما قبلَها من أنْ يكونَ ساكنًا أو مُتَحركًا. فإنْ كانَ ساكنًا لم يَخْلُ منْ (^٧) أن يكونَ حَرْفَ علّةٍ، أو حرفَ صِحَّة -فالحرفُ الصَّحيحُ السَّاكنُ إذا وقعَ قَبْلَ الهمزةِ فَخُفّفَتْ الهمزةُ فتخفيفُها أن تُحْذَفَ وتُلقى حركتها على السّاكنِ. وذلكَ نحو ألعبء والقَرْءِ (^٨). والخَبءِ والبُرْءِ. تقول: العِبُ والقَرُ (^٩) والبُرُ، و﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ " (^١٠).
_________________
(١) ص: "فارس وراسا.
(٢) آية ٤٩/ التوبة ٩.
(٣) آية ٢٨٣/ البقرة ٢ وقد سقط قولها "امانته" في غير الأصل، ص، ي. انظر اتحاف فضلاء البشر ١٠١، البدور الزاهرة ٥٥ - ٥٦.
(٤) آية ٧١/ الأنعام ٦.
(٥) ك، ع: ايذن "لي".
(٦) مجموعة م: "وأن".
(٧) سقطت: "من" في ي.
(٨) ص: "والقرء والهزء". وقد حركت القرء بفتح القاف في بعض النسخ وبضمها في الأخرى وفي اللسان (بالوجهين أيضًا): القرء: الوقت والقرء: الحيض والطهر، ضد، وذلك أن القرء: الوقت، فقد يكون الحيض والطهر. انظر اللسان (قرأ) ١/ ١٢٥.
(٩) والقرء "والهز".
(١٠) آية ٢٥/ النمل ٢٧ وتكملتها من ص. والمحتسب ١/ ١٠١ تقول: "في الخب: هذا الخب ومررت بالخب، تحذف الهمزة وتلقى حركتها على الباء قبلها، وعليه القراءة: (الذي يخرج الخب في السماوات والأرض). وهذه هي قراءة أبي وعيسى. وفي شواذ ابن خالويه ١٠٩ نسبها لعيسى فقط، وفي الكشاف ٣/ ١٤٥: وقرئ على تخفيف الهمزة بالحذف، والخبا=
[ ٢٢٩ ]
ومن ذلكَ لامُ المعرِفَةِ؛ إذا (^١) دخلتْ على ما أولهُ هَمْزَة مقطوعةٌ، نحو "الأحمر" و"الأولى" و"الإِصْبَعِ" فإنَّكَ في التَّخفيفِ تَحذفِهُا وتُلْقى حركَتَها على الّلامِ السَّاكنَةِ. فإذا تَحَركَتْ لالقاءِ الحركةِ عليها فإن فيهِ مَذْهَبَيْن:
أحَدُهما: أنْ تحْذف همزة الوصل فتقولُ: لَحْمَرُو لُولَىْ (الأحْمَرِ والأوَلى. والآخر (^٢) أنْ تُبقى همزةَ الوصل ولا تحذِفها فتقولُ: الَحْمَرُ والُولَى (^٣) لأن اللام، وإن تحركت في اللفظ، فهي في (^٤) نية السكون، فتقولُ على القياس الثاني (^٥). "من لانَ"، في "من الآنَ" و"قاللُونَ" في: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ (^٦). وعلى قياس (^٧) القولِ الأولِ: "من الآنَ" و"قالوا الآن". ومن قَطَعَ همزةَ الوصلِ في شيء من ذلك كان مخطئًا.
وتقولُ في المنفصلِ "كم إبلُكَ" و"كم أرْضُكَ" (^٨)، وقالوا: لَبْأةٌ (^٩)
_________________
(١) = على تخفيفها بيالقلب. وهي قراءة ابن مسعود ومالك. انظر أيضًا البحر المحيط ٧/ ٦٩.
(٢) ص: "فإذا".
(٣) ى: "والأحسن" سهو.
(٤) ص: الحمر والولى "في الأحمر والأولى".
(٥) سقطت "في" في ف.
(٦) غير الأصل، ص: "على قياس القول الثانى".
(٧) آية ٧١/ البقرة ٢. وفي البحر المحيط ١/ ٢٥٦: (قرأ الجمهور بإسكان اللام والهمزة بعده. وقرأ نافع بحذف الهمزة والقاء حركتها على اللام، عنه روايتان: حذف واو قالوا، إذْ لم يعتد بنقل الحركة. والرواية الأخرى إقرار الواو اعتادًا بالنقل.
(٨) سقطت: "قياس" في ص.
(٩) ك، ل "كم بلك وكم رضك". تحريف.
(١٠) في اللسان (لبأ) ١/ ١٤٦ اللبأة واللبأة: كاللبؤة: فإن كان مخففًا منه فجمعه كجمعه وإن كان لغة فجمعه: لبات.
[ ٢٣٠ ]
مثل (^١) حَمْأَةٍ (^٢). وقالوا: لَبَاةٌ مثل قطاهٍ وذلك شاذ، ومثله المَرأَةُ والكماةُ (^٣) قالَ الشاعر:
[٢٠] أبلِغْ أبا دخْتَنُوسَ مَأْلكَةً … غيرَ الذي قد يُقالُ ملْكَذِبِ (^٤)
حذفَ النونَ من "مِنْ" (^٥) لسكونِ لامِ المعرفةِ (^٦) " (وسكونهِا) (^٧) فكما (^٨) حَذَفَها مع السُّكونِ كذلكَ تُحذَفُ مع تحرِّكها (^٩) إذا كانتْ النِيّةُ بحركتها السكونَ. ومنْ ذلكَ قراءةُ أبي عمرو (^١٠): (وعَادَ لوُّلي) (^١١).
_________________
(١) ص: "في" مثل.
(٢) في اللسان (حمأ) ١/ ٥٤ الحمأة والحمأ: الطين الأسود المنتن.
(٣) ص: الكماة والمراة، ك: الكمأو والمرأة، اختلاف وتحريف. ى: المرأة والكمأة. تحريف. وما عده الفارسى شذوذا عده سيبويه قليلا قال ٢/ ١٦٥: "قد قالوا: الكماة والمرأة، ومثله قليل".
(٤) لم ينسب هذا البيت لأحد، وإنما خوطب به لقيط بن زرارة بن عدس بن تميم ويكنى أبا خنوس وهي بنته، وأبا نهشل أيضًا، انظر: القيسي (٧٠ ظ)، الخصائص ١/ ٣١١، ٣/ ٣٧٥، الآمالي الشجرية ١/ ٩٧ و٣٨٦، ابن يعيش ٨/ ٣٥، ٩/ ١٠٠ شروح مسقط الزند (الخوارزمي عن أبي علي) القسم الثالث / ١٣٦٧ اللسان مواد (الك) ١٢/ ٢٧٢ و(لكن) ١٧/ ٢٧٧ (العجز) و(من) ١٧/ ٣١٢. وقد ورد في "ف": "من الكذب" تحريف. وروى في القيسى وابن يعيش: "دختنوش" وهى لغة فيها. وفي اللسان (الك): "عن الذي".
(٥) الأصل: زيادة "في" بين لفظتي "من" سهوا.
(٦) ص: "لام التعريف".
(٧) "وسكونها" مثبته في "ف" فقط، والعبارة في س لسكونها ولسكون لام المعرفة وقد أثبتها في المتن لا حتياج السياق لها، ورجحت ما ورد في "ف" على "س" لضعف الكلام في تكرار حرف الجر "اللام" كما أن القيسي في حديثه عن الشاهد نقل عبارة "ف".
(٨) س: "فلما".
(٩) س "مع تحريكها" ل: مع حركتها.
(١٠) ف: أبي عمرو "بن العلاء".
(١١) آية ٥٠/ النجم ٥٣، ى "وعادًا لولى". وفي الكشاف ٢/ ٣٦٣: "وقرئ" عاد المولى وعاد لولى بإدغام التنوين في اللام وطرح همزة أولى، ونقل ضمتها إلى لام التعريف. انظر أيضًا التيسير للداني ص ٢٠٤ - ٢٠٥، تقريب النفع ٣٩.
[ ٢٣١ ]
فأما (^١) حرفُ العلَّةِ إذا كانَ قَبْلَ الهمزة المُتَحرِّكةِ فإنْ كانَ مزيدًا للمّدِ فقطْ فإنَ الهمزةَ تُخَفّفُ بأنْ تُقْلَبَ بَعْدَ الواوِ المضمومِ ما قبلها واوًا وبعدَ الياء (^٢) المكسورِ ما قبلها ياءًا. فتقول في "مقروء" وفي "مَكْلوءٍ" (^٣) من كلأَهُ اللهُ "مقرءٌ" و"مكلوُّ" (^٤)، وفي "خطيئةٍ": خطيّةٌ، وفي "النَّسِيء": النسيُّ".
وياءُ التَّصغير تجري مجرى ياء خَطبّةٍ؛ لأنها لم تُحرّكْ في موضع كما لم تُحَّرك ألفُ الجَمْعِ (^٥) في (^٦) نحوِ مساجد فتقول في تخفيف همزة "أرْؤسٍ وأَنْؤسٍ" (^٧) إذا حقرّتَهما (^٨): أُرَيسٌ وأُفَيسٌ (^٩) فتقلبها ياءًا، وتدْغمُ الياءَ فيها. فإنْ كانت الهمزةُ المتحرّكة بعدَ ألفٍ جعَلْتَها بيْنَ بَيْنَ؛ لأن الألِف لا تدْغَمُ في شيءٍ من (هذه) (^١٠) الحروف، كما لا يدْغَمُ فيها شيءٌ منها تقولُ في هَباءْه (^١١) إذا خَفّفْتَها (^١٢): "هَبَاةٌ" فتجعلَها بَيْنَ بَيْن (^١٣) وكذلكَ إنْ كانتْ مضمومةً أو مكسورةً.
_________________
(١) غير الأصل، ى: "وأما".
(٢) سقطت "الياء" في ف.
(٣) ص: "ومكلوء".
(٤) س، ع: في مقرؤة وفي مكلوء من كلاء الله مكلو "ف: " في مقروء ومقرو "وفي مكلوء من كلأء الله مكلو".
(٥) قال سيبويه في ٢/ ١٦٦: فياء التحقير بمنزلة ياء خطبة، وواو الهدو في أنها لم تجيء لتلحق بناء ببناء ولا تحرك أبدًا بمنزلة الألف.
(٦) سقطت "في" في ك.
(٧) ك: "وأقوس". تصحيف.
(٨) ص، ل، ف: "حقرتها".
(٩) ك: "وأقيس" تصحيف. انظر أيضًا سيبوبه ٢/ ١٦٦.
(١٠) تكملة من ل. وأثباتها أولى.
(١١) الهباءة: أرض ببلاد غطفان، ومنه يوم الهباءة انظر معجم الأدباء ٨/ ٤٤٠ - ٤٤١، اللسان (هبا) ٣٠/ ٢٢٧.
(١٢) غير الأصل، ى: "خففت".
(١٣) سيبويه ٢/ ١٦٦.
[ ٢٣٢ ]
ولا تُخَفّفُ الهمزةُ إلا في مَوْضعٍ يجوزُ أنْ يَقَعَ (^١) فيه ساكنٌ غَيْرُ مُدْغَمٍ إلا أن يكونَ السّاكنُ الذي بعدَهُ الهمزةَ المخفّفةُ الألفَ نحو "هَبَاءةٍ" (^٢)، فإنّها احتملتْ (^٣) ذلك لزيادةِ المدِّ فيها واخْتصاصِها بما لا يكونُ (^٤) في الياءِ والواوِ كاختصاصها بالتأسيسِ (^٥) وانفرادِهَا بالرَّدْفِ (^٦).