الادغامُ أن تَصِلَ حَرْفًا ساكنًا بحرفٍ مثْلِه من غير أنْ تَفْصِلَ بينهما بحَرَكَةٍ أو وَقْفٍ فيرتفعَ اللسان عنهما ارتفاعةً واحدةً وذلك (^٢) قولُكَ مُدَّ (^٣) وفِرَّ وعَضَّ.
والحرفانِ المثلانِ (إذا) (^٤) التَقَيا في كلمةٍ كانا على ضَرْبينِ: أحدُهُمَا: أن يُرادَ بالكلمةِ الإلحاقُ والآخرُ: أنْ (لا) (^٥) يُرادَ بهِ ذلك.
(فالملحق) (^٦) لا يدغمُ، وإنْ تَحَرَّكَ الأوَّل من المثلينِ، وذلك في الفعلِ (^٧) نحو جَلْبَبَ جَلْبَبَةً، وفي الاسْمِ نحو قعْدُدٍ ومَهْدَدٍ ورِمْدِدٍ (^٨). فهذا مُلْحَقٌ بالأربعةِ، ومن الملحقِ بالخمسةِ نحوألَنْدَدٍ وعَفَنْجَجٍ (^٩).
وإنَّما لم يُدْغَمِ الملحق؛ لأنَّ الادغامَ فيهِ يُنَافِي الالحاقَ، ألا تَرى أنَّكَ لو
_________________
(١) غير الأصل، ك: جاريين.
(٢) ج ر، مجموعة م عدا س: وذلك "في".
(٣) ج ر، مجموعة م عدا س: عد.
(٤) الأصل: "وإذا" سهو.
(٥) سقطت "لا" من الأصل.
(٦) الأصل: "والملحق". وما أثبته من غيره، وهو أولى.
(٧) ك، ل: "من" الفعل.
(٨) الرماد الرمدد: الهالك جعلوه صفة وقيل المتناهي في الاحتراق والدقة. انظر: اللسان (رمد) ٤/ ١٦٧. ورأى سيبويه فيها وفي مثيلاتها في الكتاب ٢/ ٣٥٣.
(٩) العفنجج: الأخرق الجافى الذي لا يتجه لعمل، وقيل الأحمق وقيل الضخم الأحمق و"عفنجج" عند سيبويه (٢/ ٣٤١) ملحقة "بججنفل" ولم يكونوا ليغيروه عن بنائه كما لم يكونوا ليغيروا عفججًا عند بناء جحفل، أراد بذلك أنهم يحفظون نظام الإلحاق عن تغيير الإدغام.
[ ٦١٤ ]
أدغمْتَ شيئًا من هذهِ الكَلِمِ لم يُوازِ (^١) ما أردتَّ الالحاقَ بْهِ، وخَالَفَهُ في وزنه، فكان ذلك نَقْضًا للغَرضِ.
وأما ما كان لغيرِ الالحاقِ من (المثلينِ) (^٢) إذا اجتَمَعا فَعَلَى ضربين:
أحَدُهُمَا: أن يكونَ من كلمةٍ مُفْرَدَةٍ. والآخرُ أن يكونَ من كلمتينِ.
(فما) (^٣) كانَ من كلمةٍ (^٤) فنحو يَرُدُّ ويَشُدُّ ويَشَمُّ ونحوِ ذلكَ.
فأمَّا قولُهُمْ: اقتتلوا واشْتَتَمُوا فقد أجْرِيَ مَرَّةً مجرى المُتَّصِلِ ومجرى المنفصِلِ أخرى (^٥). فمن قال: اقتتلوا، فَبَيَّنَ جعلهُ كقولهِم: نَعَتَ تِلْكَ لأنَّ تاءَ الافتعالِ في هذا الموضعِ لا يلزمُها أن تلتقِيَ مع مثلِهَا (فصارا) (^٦) كالمنفصلينِ.
وقد أدغمهُ قومٌ لمّا (كانا) (^٧) في كلمةٍ واحدةٍ فألقَوا حركتَها على الفَاءِ (^٨) وسقطت همزةُ الوصْلِ لتحرُّكِ ماله اجْتُلِبَتْ فقالوا: قَتَلوا، وقال قومٌ: قِتَّلوا، حذفوا حركةَ المثلِ الأوّلِ، ولم يُلْقُوها على الحرفِ الذي قبل التاءِ فَسَكَنَتِ التَاءُ المُدغمةُ، والقافُ قَبلَها ساكنةٌ فالتقى ساكنانِ فحَرّكوا الأوّلَ فقالوا: قِتَّلوا، فاسْمُ الفاعلِ (^٩) من القولِ الأوّلِ مُقَتِّلٌ ومن القولِ الثاني مُقِتِّلٌ (^١٠).
_________________
(١) ص: "يوازن" سهو.
(٢) الأصل، ك: "المتمكن" تحريف.
(٣) الأصل: "فإن" كان. ص: "فأما ما كان"، والذي أثبته من "غيرهما"، وهو أولى.
(٤) ص: كلمة"مفردة".
(٥) ج ر، مجموعة م عدا س: "مجرى المنفصل مرة ومجرى المتصل أخرى". س: "مجرى المتصل مرة … أخرى".
(٦) كذا في ك، ل، ج ر وفي الأصل: "فصارت"، س: "فصار" وكلاهما سهو. ع: "فصارتا".
(٧) كذا في ك، ل، ج ر وفي الأصل "كانتا"، وما أثبته أولى بمقتضى السياق قبله.
(٨) ص: "القاف" على قصد الحرف الأصلى لا رمزه الصرفي.
(٩) غير الأصل: "واسم الفاعل".
(١٠) انظر تصريف المازنى والمنصف عليه ٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦.
[ ٦١٥ ]
وزعموا أن قومًا من العربِ قالوا: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ (^١)، أرادوا مُرْتَدِفينَ، فأدْغَمُوا (وأتْبَعُوا) (^٢) الرَّاءَ التي كان (^٣) يُلْقَى عليها حركةُ ما بعدَها أو تُحَرَّكُ لالتقاءِ السَّاكنينِ حركةَ الميمِ (^٤). فقياسُ هؤلاءِ أن يقولوا: مُقُتِّلِينَ.
وكما حُذِفَتْ همزةُ الوصْلِ لتَحرُّك ماله اجْتُلِبَتْ بالادغامِ، اجتلَبْتَها لسكونِ (^٥) ما سكن للادغامِ، فذلك (^٦) قولُك في تَدارأ: إذارأ، لما أدغمتَ التاءَ المقاربةَ للدَّالِ في الدَّالِ أُسْكنت (^٧) لأنَّ المُدْغَمَ لا يكونُ إلَّا ساكنًا فاجتلَبْت همزةَ الوصْلِ فقلتَ: ادّارَأ، وكذلك اطَّيَّرَ إذا أردت تَطَيَّرَ، وازَّيَّنَ إذا أردت تَزيَّنَ.
وفي التنزيل ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ (^٨) و﴿فَادَّارَأْتُمْ "فِيهَا"﴾ (^٩)، واسْمُ الفاعلِ مُدَّارِئٌ ومُزَّيِّنٌ ومُطَّيِّرٌ.
_________________
(١) آية ٩/ الأنفال ٨ وتمامها: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. وقد ذكر ابن جنى في المحتسب ١/ ٢٧٣: أن الذي روى ذلك هو الخليل إذ سمع رجلًا من اهل مكة يقرأ "مردفين" قال. "واختلفت الرواية عن الخليل في هذا الحرف فقال بعضهم. "مردفين" وقال آخر: "مردفين". قال أبو الفتح: أصله "مرتدفين" مفتعلين من الردف، فآثر إدغام التاء في الدال فأسكنها وأدغمها في الدال، فلما التقى ساكنان وهما الراء، والدال، حرك الراء لالتقاء الساكنين: فتارة ضمها إتباعًا لضمة الميم، وأخرى كسرها إتباعًا لكسرة الدال. وانظر أيضًا شواذ ابن خلويه ٤٩. والآية في سيبويه ٢/ ٤١٠.
(٢) الأصل: "فاتبعوا" وما أثبته أولى.
(٣) ص: "كانت".
(٤) ص. "بحركة الميم".
(٥) س: "بسكون".
(٦) غير الأصل: "وذلك".
(٧) ص، مجموعة م عدا س: "سكنت".
(٨) آية ٢٤/ يونس ١٠.
(٩) آية ٧٢/ البقرة ٢. وتكملتها من ك، ص، انظر إتحاف فضلاء البشر ٨٥.
[ ٦١٦ ]
ولا تَلْحَقُ هذهِ الهمزةُ المضارعَ نحو ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ (^١) ولا تُدْغَمُ (^٢) التَّاءُ فتقول: (اذّكَّرون) (^٣).
وأما الادغامُ في المنفصلينِ فعلى ضربينِ:
أحَدُهُمَا: إدغامُ مِثْل في مثلِه. والآخرُ: إدغامُ مُقَارِبٍ في مُقَارِبِهِ.
فإدغامُ المثْلِ في المثل كقولك (^٤): فَعَلَ لبيدَ، و﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ (^٥) تَقولُ فَعَلَّبيدٌ (^٦) والادغامُ هُنا حَسَنٌ لتوالي خمسةِ أحرفٍ متحرِّكاتٍ وذلك مما لا يستحبُّونَهُ (^٧)، ألا تَرى أنَّه لا يتوالى في تأليفِ الشِّعْرِ خمسةُ أحرفٍ متحرِّكاتٍ.
فإذا سَكَنَ ما قبلَ الحرفِ المدغمِ في المُنْفَصِلَيْنِ فإنَّ السَّاكنَ يكونُ على ضربينِ:
أحدُهُمَا: أن يكونَ حرفًا لا مَدَّ فيهِ ولا لِينَ. والآخرُ: أن يكونَ الحرفُ فيهِ مَدٌّ يلينٌ.
_________________
(١) الأصل "يذكر" سهو. وقد تردد قوله تعالى ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ في مواضع عديدة من التنزيل انظر مثلًا الايات: ١٥٢/ الأنعام ٦ و٣، ٥٧/ ١ الأعراف ٧ و٣/ يونس ١٠ و٢٤، ٣٠/ هود ١١.
(٢) س، ص: "لا تدغم".
(٣) الأصل: "اذكر" سهو. وقد رجح ما أثبته، قول الجرجاني في المقتصد (٣١٨ و): "تذكرون بتخفيف الذال أصله تتذكرون بتاءين ثم تحذف إحداهما تخفيفًا، فلو أدغمت هذه التاء فيه وأسكنت وقلبت كان ذلك ظلمًا للكلمة، وإجحافًا بها، وجنسًا من الجمع بين إعلالين، وذلك ما رفضوه، ورفضه القياس".
(٤) ص: "كقوله".
(٥) آية ٦٥/ الحج ٢٢.
(٦) اختلفت النسخ في كتابة هذه الجملة من حيث موضع الإدغام ففي س، ص، ج ر: "فعل لبيد" وفي ع: فعلبيد، وما أثبته من الأصل وع.
(٧) غير الأصل، س: "ما لا يستحسونه"، س: "ما لا يستحقونه" تحريف.
[ ٦١٧ ]
فما لا مَدَّ فيهِ لا يجوزُ (^١) الادغامُ في الحرفِ الذي بعدَهُ، وذلكَ نحو اسمِ موسى وقَوْمِ مالكٍ (^٢) ولا يجوزُ (^٣) الادغامُ فيقولُ: قوم مَالِكِ (^٤)؛ لأنَّه لم يَبْلُغْ من قوةِ المنفصلينِ أن يُحرِّكَ (لهما) (^٥) السَّاكِنُ، كما كانَ ذلكَ في المتَّصِلَيْنِ نحو اسْتَعَدَّ؛ لأنّكَ في المنفصلينِ بالخيارِ بينَ الادغامِ (^٦) وتركِه، والمتَّصِلانِ ليسَ فيهما إلَّا الادغامُ.
وقد شَذَّ حرفٌ في الأسماءِ الأعلامِ، والأعلامُ يجوزُ فيها كثيرٌ مما لا يجوزُ في غيرِها قالوا (^٧): عَبُشَّمْس يريدونَ: عَبْدُ شَمْسٍ، فأدغموا الدّالَ في السِّينِ وحرَّكوا الباءَ السّاكِنةَ بالضَّمَّةِ التي كانتْ على الدَّالِ للإعرابِ.
ومما يجري مجرى ما لا مَدَّ فيه قولُكَ: مررتُ بعَدُوِّ وَليدٍ وَوليِّ يزيد لا يجوزُ الادغامُ فتقولُ: بِعدُوْ وَّليد (ولا ولي يَّزيد) (^٨) لأنَّ الادغامَ قد ذهبَ بالمدِّ من واوِ فَعُولٍ حتى صارَ بمنزلةِ غيرهِ. ولذلكَ جازَ أن يَقَعَ لَيَّا في القوافي مع (ظَبْيَا) (^٩)، فلو أدْغَمْتَ عدوَّ وَليدٍ لأعدْتَّ إلى واوِ فَعُولٍ المَدَّ الذي كانَ ذَهَبَ منهُ، فكانَ ذلكَ
_________________
(١) ع. "فلا يجوز".
(٢) غير الأصل: "قرم مالك" ويطرد هذا الخلاف كل المواضع التي سيرد فيها. وقد استعمل سيبويه، "قرم موسى" انظر الكتاب ٢/ ٤١١.
(٣) ك: "لا يجوز".
(٤) كتب فوق حرف الميم من الكلمتين في ك، ل كلمة "مدغم" بخط صغير إشارة إلى النطق بالادغام.
(٥) سقطت "لهما" من الأصل.
(٦) ص: "من" الإدغام.
(٧) ك، ل: "فقالوا".
(٨) تكملة من ص، وإثباتها أولى.
(٩) الأصل: "طيا" تحريف. وفى المقتصد (٣٢٥ و) لم يجمعوا ين الألف وواحدة من اختيها في الردف، فلم يأت "فعال" معٍ فعيل أو فعول كما جاز فعيل مع فعول كصدود في قافية وعمود في أخرى؛ لأن الألف أمد نفسًا من صاحبتها، فلما لم يلزم إعادة الياء المدغمة في نحو"ليا" وجاز معه ظبيا في القافية علمنا أنه قد جرى عن المد بالادغام، وصار كالياء من ظبى والميم من رمى في التجريد منها "وليا" مع ظبيا هو المستقيم الحسن حتى لو خالفت ين بيتين في حرف الروي".
[ ٦١٨ ]
يكونُ أكثرَ من تحريكِ السَّاكنِ من قَوْمِ مالك ألا تَرَى أنَّ حرفَ المدَّ يكونُ عِوَضًا من حذفِ الحَرفِ المتحرِّكِ من بناءِ الشِّعْرِ في نحوِ (^١):
[٢٤٨] وما كُلُّ مُؤْتٍ نُصْحَهُ بِلَبِيبِ (^٢).
والحركةُ لا تَسدُّ هذا المَسَدَّ فإذا كَرِهوا الحركةَ في قومِ مَالِكٍ فينبغِي أنْ يكونوا (^٣) لما هوأكثرُ (عندَهم) (^٤) منها أكْرَه.
وأمّا ما كانَ من المنفصلينِ قبلَ الحرفِ المدغَمِ منه حرفُ مَدٍّ، فإنَّ الإِدغامَ فيه جَائزٌ لأن المدَّ الذي فيهِ عِوَضٌ من الحركةِ فيصيرُ بمنزلةِ ما كانَ الحرفُ الذي قَبْلَهُ متحركًا، وذلكَ قولُكَ: المالُ لَّكَ، وعُوْدْ دَّاوُدَ، و﴿قِيلَ لَهُمْ﴾ (^٥) وقد أدْغَمُوا أيضًا نحو ثَوْبْ بكْرٍ (^٦)؛ لأنَّ هذا في المنفصلِ مثل أُصَيْمَّ ومدَيْقٍّ في المتَّصِلِ، فهذا إدغامُ الأمثالِ في (^٧) المتَّصِلَةِ والمنْفَصِلَةِ وبَقِى ذِكْرُ إدْغامِ المُتَقَارِبَةِ.
_________________
(١) هنا ينتهى السقط في ف المشار إليه في الصفحة ٦٠٣ هامش ٧.
(٢) عجز بيت لأبي الأسود الدؤلي (واسمه ظالم بن عمرو بن جندل)، وينسب أيضًا لمولود العنبري: فما كل ذي لب بمؤتيك نصحه … وما كل مؤت نصحه بلبيب الشاهد فيه قوله "بلبيب" أتى بياء ساكنة قبلها كسرة فأوقعها حرف الروي وكانت ردفا له لا يجوز في موضعها إلا الواو إذا كانت بمنزلتها. ديوانه ق ٦٨/ ٤ ص ٩٩ ومنسوب له في القيسي ١٩٧، وشواهد المغنى ١٨٤ (نسب هنا كذلك لمولود العنبري). وهو غير منسوب في: سيبويه والشنتمري ٢/ ٤٠٩، السيرافى (٥٢٨ نحو) ٦/ ٤٧٥، الاقتضاب ٤٠١، شروح سقط الزند (عن البطليوسي) القسم الثالث / ١١٤٨، مغنى اللبيب ١/ ١٩٨.
(٣) س: "أن يكون" سهو.
(٤) تكملة من غير الأصل. وإثباتها أبين، وهى في س: منها "عندهم".
(٥) ورد قوله ﴿قِيلَ لَهُمْ﴾ في التنزيل كثيرًا نظر مثلًا الآيات: ١١، ١٣، ٥٩، ٩١، ١٧٠، ٢٠٦ من سورة البقرة/ ٢ و١٦٧/ آل عمران ٣ و٦١، ٧٧/ النساء ٤.
(٦) كتب فوق الباء من الكلمتين في كل من ك، ل كلمة "مدغم" بخط صغير إشارة إلى قراءتها بالادغام وفي ف: ثوب بكر "وحبيب بكر" زيادة.
(٧) سقطت "في" في ص.
[ ٦١٩ ]