هذا الرابط بفروعه يخص باب التنازع. فمعلوم أن التنازع هو عبارة عن تقدم عاملين٤ على معمول واحد كل من العاملين يطلب هذا المعمول من جهة المعنى. فهذان العاملان لابد من الربط بينهما لتتم الصلة المحددة للمعنى. ودون هذا الربط يصبح العاملان منقطعين فلا تتضح معالم الفكرة التي عناها المتكلم. لذلك عندما وقف بعض العوام في الآية الكريمة: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَة﴾ ٥ وقف على قوله تعالى: يستفتونك كان هذا الوقف غير جائز لأن جملتي الأعمال متشبثة إحداهما بالأخرى فوجب الربط٦ بين عاملي التنازع بأحد الأشياء الآتية:-
أ - العمل:-
يربط بين العاملين المتنازعين يكون الأول قد عمل في الثاني نحو قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ
_________________
(١) ٤ حاشية الصبان جـ ٢ ص ٩٧. التصريح جـ ١ ص ٣١٥. ٥ الآية رقم ١٧٦ النساء. ٦ أبو حيان: البحر المحيط جـ ٣ ص ٤٠٥.
[ ١٦٦ ]
ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ ١ فالجن يخاطب بعضه بعضًا وظنوا وظننتم كل منهما يطلب ﴿أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ فأعمل الثاني على الأرجح عند البصريين وهذا التنازع قد ربط بين جملتي الأعمال أن إحداهما وهي جملة كما ظننتم معمولة للجملة الأولى وهي ﴿ظَنُّوا﴾ ٢.
ب - الخبر:-
.يقع الربط بين العاملين المتنازعين بوقوعهما خبرًا عن المبتدأ مثل: محمد زائر مكرم أخاه، فأخاه مطلوب لزائر وملزم فالمسألة من باب التنازع وقد ربط بين العاملين المتنازعين أنهما خبران٣ عن المبتدأ فزائر خبر ومكرم خبر ثانٍ فكأنهما شيء واحد.
جـ - العطف:-
قد يرْبطُ بين العاملين المتنازعين عاطف بعطف أحدهما على الآخر فيحصل بسبب حرف مزج وترابط بين العاملين فلا يُتصوَّرُ أنهما منقطعان مثل صلى وصام المسلمون فالمسلمون مطلوب من جهة المعنى لصلى وصام. وقد أعمل الثاني على الأرجح فالمسألة من باب التنازع وقد تم الربط بينهما بحرف العطف٤.
د - الجواب:-
يربط بين العاملين المتنازعين يكون الثاني جوابًا للثاني كجواب الشرط أو جوابًا لاستفسار..
فالأول: نحو قوله تعالى: ﴿تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ ٥، فرسول الله يطلبه عاملان، تعالوا، ويستغفر. فأعمل الثاني على المختار عند أهل البصرة.
وقد ربط بين العاملين يكون الثاني جوابًا للأمر، أو جوابًا لشرط محذوف٦ على ما هو
_________________
(١) ١ الآية رقم ٧ من سورة الجن. ٢ أبو حيان: البحر المحيط جـ ٨ ص ٣٤٧. ٣ التصريح جـ ١ ص ٣١٥. ٤ السيوطى: الأشباه والنظائر جـ ١ ص ٢٠١. الصبان حـ ٢ ص ٧٦. ٥ الآية رقم ٥ من سورة المنافقون. ٦ أبو حيان: البحر المحيط جـ ٨ ص ٢٧٠.
[ ١٦٧ ]
معروف ومنه قوله تعالى: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ ١ فقطرًا منصوب بأفرغ على إعمال الثاني إذ ينازعه ائتوني، وأفرغ مجزوم في جواب الأمر٢.
والثاني: وهو أن الإرتباط وقع يكون الثاني جوابًا لاستفسار.
نقرأ قول الله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ ٣ فالجار والمجرور وهو قوله في الكلالة مطلوب ليستفتونك وليفتيكم فأعمل الثاني على المذهب المختار وقد ربط بينهما أن الثاني جواب معنوي للإستفسار في قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ ٤.
هـ - العموم والخصوص:-
وأما قوله تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ ٥. فهاؤم إن كان مدلولها خذ فهي متسلطة على كتابيه بغير واسطة، وإن كان مدلولها تعالوا فهي متعدية إليه بواسطة إلى، وكتابيه مطلوب لهاؤم واقرأوا. فالبصريون يعملون ﴿اقْرَأوا﴾، والكوفيون يعملون ﴿هَاؤُمُ﴾ وبين العاملين المتنازعين علاقة وارتباط بالعموم٦ والخصوص. إذ طلب أخذ الكتاب أعم من قراءته.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٩٦ من سورة الكهف. الرضى: شرح الكافية جـ ١ ص ٨١. ٢ أبو حيان: البحر المحيط جـ ٦ ص ١٦٢. ٣ الآية رقم ١٧٦ من سورة النساء، ويراجع المغنى لابن هشام ص ٥٦٢ البحر المحيط جـ٣ ص ٤٠٥. ٤ الآية رقم ١٩ من سورة الحاقة. الرضى: شرح الكافية جـ ١ص ٨١. أبو حيان: البحر المحيط جـ ٨ ص ٣٢٥. ٥ ها: صوت يصوت به فيفهم منه معنى خذ. قال الكسائي وابن السكيت:" العرب تقول: هاء يا رجل، وهاء يا مرأة بالكسر بلا ياء، وللإثنين رجلين أو امرأتين هاؤما، وللرجال هاؤموا وللنساء هاؤن ". وفيها لغات كثيرة ذكرها أبو حيان في شرح التسهيل. الزمخشري: الكشاف جـ ٣ ص ٢٦٤. أبو حيان: البحر المحيط جـ٨ ص ٣٢٥. ٦ التصريح جـ ١ ص ٣١٥.
[ ١٦٨ ]