الجملة الخبرية
ثانيًا: الربط بالإسم الظاهر
الأصلي أن الإسم الظاهر متى احتاج إلى إعادته في جملة واحدة كان الإختيار ذكر ضميره مثل القرآن قرأته وقد ظهر في بعض التراكيب العربية أن أعيد الإسم السابق بلفظه فحل محل الربط بالضمير والربط بالإسم الظاهر وقع في الجملة الخبرية وجملة الصلة والتوكيد.
أ - الجملة الخبرية:-
سبق أن أشرت إلى أن الجملة الخبرية تربط في الأصل بالضمير، وقد يحل الظاهر محل الضمير فيكون رابطًا، وقد أجاز النحاة وسيبويه٤ وضع الظاهر موضع الضمير قياسًا إن كان في معرض التفخيم والتعظيم مثل قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ﴾ ٥، وقوله: ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ﴾ ٦ فالحاقة مبتدأ، وما لحاقة جملة خبرية وقد ربط بينها وبين المبتدأ بإعادته بلفظه خبرًا للمبتدأ الثاني.
_________________
(١) ٤ سيبويه: الكتاب جـ ١ ص ٦٣. الرضى: شرح الكافِية جـ ص ٩٢. ٥ الآية رقم ١، ٢ من سورة الحاقة، وراجع البحر المحيط جـ ٨ ص٣٢٠. ٦ الآية رقم ١، ٢ مر سورة القارعة
[ ١٥٠ ]
ولكي تكون الصورة مكتملة الجوانب نحو وضع الظاهر موضع الضمير ينبغي أن نشير إلى رأي سيبويه والأخفش إذا لم يكن الموقف موقف تفخيم أو تعظيم وما الرأي إذا لم يكن الظاهر بلفظ الأول؟.
هذا ما سنحاول تغطيته وإن كانت بعض الأمثلة ستخرج عن نطاق الربط في الجملة الخبرية فهذا من باب لزوم الشيء وإكماله فالإطار العام هو وضع الظاهر موضع الضمير أشار الرضى١ إلى أن سيبويه٢ أجاز في غير موقف التفخيم أن يحل الظاهر محل المضمر بشرط أن يكون بلفظ الأول وهذا في الشعر فقط ضرورة قال الشاعر:-
إذا الوحش ضم الوَحش في ظُلُلاتِها سواقطُ من حرٍّ وقد كان أظْهرا٣
ومثله قول الشاعر:-
لا أرى الموت يَسْبِقُ الموتَ شيء نغَّصَ الموتُ ذا الغنى والفقيرا٤
وإن لم يكن الإسم الظاهر بلفظ الأول لم يجز عند سيبويه، وأجازه الأخفش ٥ وإن لم يكن في الشعر. قال الشاعر:-
إذا المرء لم يغش الكريهة أوْشَكَتْ حبالُ الهَوْينا بالفتى أن تقطعا٦
_________________
(١) ١ الرضى:شرح الكافية جـ ١ ص ٩٢. ٢ سيبويه: الكتاب جـ ١ ص ٦٢. ٣ البيت نسبه سيبويه للنابغة الجعدي ولم يرد في قصيدته من جمهرة أشعار العرب ١٤٥-١٤٨ وهكذا نسبه صاحب اللسان الظللات: وهذه جمع ظلة وهو ما يستظل به، فك الإدغام وحركة تحريك غير المضعف كما في ظلمات وغرفات، أو تكون جمع ظلل. وهذه جمع ظليل كحديد وجود فهو جمع الجمع وسواقط الحر: ما يسقط منه. أظهر: صار في وقت الظهيرة والشاعر يصف سيره في الهاجرة في الوقت الذي تسكن فيه الوحش من الحر والشاهد فيه إعادة الظاهر موضع الضمير وفيه قبح فلا يكاد يجوز إلا في الضرورة. سيبويه: الكتاب. هارون جـ ١ ص ٦٢. ابن منظور: لسان العرب سقط. ٤ نسبة سيبويه لسواد بن عدي، وفي الخزانة "سواده بن عدي" ويروي أيضًا لأبيه عدي بن زيد كما يروي لأمية بن أبي الصلت. وشاهده كالبيت السابق. سيبويه: الكتاب جـ ١ص ٦٢. الزمخشري: خزانة الأدب جـ ١ ص ١٨٣. السيوطي: شرح شواهد المغني ٢٩٦. ٥ الرضى: شرح الكافية جـ ١ص ٩٢. ٦ البيت: للكلحية العرينى. لم يغش من الغشيان. وهو الإثيان.والكريهة: الحرب. وقيل. شدتها وقيل النازلة، وأوشكت: قاربت ودنت. والحبال جمع حبل بمعنى السبب استعير. لكل شيء وصل به إلى أمر من الأمور الهوينى: السكون والخفض، وعدها ابن دريد من الكلمات التي تستعمل مصغره فقط. ابن جنى: الخصائص: جـ ٣ ص ٥٣. البغدادي: خزانة الأدب في جـ ١ ص ١٨٦.
[ ١٥١ ]
ففي هذا البيت حل الظاهر محل المضمر ولم يكن بلفظ الأول.
وأجاز الأخفش كذلك أن يقال زيد قام أبو طاهر إذا كان زيد يكنى بأبي طاهر. ومنع البعض كل ذلك في غير التفخيم ولا حجة لهم لوروده١.
_________________
(١) ١ الرضى: شرح الكافية جـ ١ ص ٩٢.
[ ١٥٢ ]
ب - جملة الصلة:-
مرة أخرى نعود إلى جملة الصلة ورابطها بعد أن ذكرنا أنها تربط في الأصل بالضمير نعود هنا مرة أخرى لنقول: إن الإسم الظاهر قد يخلف الضمير فيحل محله ويصبح الرابط هنا الإسم الظاهر. قال الشاعر:-
فيا رَبَّ لَيْلَى أنْتَ في كلّ موْطِنٍ وأنتَ الذي في رحمةِ الله أطمعُ٢
فصلة الموصول وهي جملة أطمع في رحمة الله جاء العائد فيها الإسم الظاهر وهو لفظ الجلالة والأصل وأنت الذي في رحمتك.
ومثله:
سُعَادُ الذّي أضْنَاكَ حُبُّ سُعَادَا
أي حبها، وحكى أنهم قالوا: أبو سعيد الذي رويت عن الخدري. أي عنه٣.
ومن الربط بالظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِه﴾ ٤.
قال أبو على الفارسي وغيره من النحاة: "ما: اسم موصول مبتدأ، وصلتها آتيتكم، والعائد محذوف تقديره آتيتكموه، ثم جاءكم معطوف على الصلة والعائد منها على الموصول محذوف تقديره ثم جاءكم رسول به فحذف لدلالة المعنى عليه". وزعموا أن ذلك على مذهب سيبويه.
وأما مذهب الأخفش: "فإن الربط لهذه الجملة العارية من الضمير حصل بقوله لما معكم لأنه هو الموصول فكأنه قيل: ثم جاءكم رسول مصدق له فحصل الربط بالإسم الظاهر الذي حل محل الضمير، وخبر المبتدأ الذي هو ما الجملة من القسم المحذوف وجوابه
_________________
(١) ٢ البيت لمجنون بني عامر. حاشية الصبان جـ ١ص ١٦٢. ٣ السيوطى: همع الهوامع جـ ١ ص ٨٧. ٤ الآية رقم ٨١ من سورة آل عمران.
[ ١٥٢ ]
لتؤمنن به، والضمير في به عائد على الموصول المبتدأ ولا يعود على رسول لئلا تخلو الجملة التي وقعت خبرًا عن المبتدأ من رابط يربطها به١.
_________________
(١) ١ أبو حيان: البحر المحيط جـ ٢ ص ٥١١. الصبان جـ ١ص ١٦٢.
[ ١٥٣ ]
التوكيد بكل:-
أشرت فيما مضى إلى أن لفظ "كل" من ألفاظ التوكيد المعنوي التي تربط بالضمير مثل حفظت القرآن كله، واذكر هنا أن ابن مالك ذكر في التسهيل٢ أنه قد يستغنى عن الإضافة إلى الضمير بالإضافة إلى مثل الظاهر المؤكد بكل. فهنا يكون الرابط الإسم الظاهر، وحبل من ذلك قول كثير:-
كمْ قد ذكرتُكِ لو أُجْزى بذِكْركُمُ يا أشبه الناسِ كُلَّ الناسِ بالقمرِ٣
فكل توكيد ولم تربط بالضمير وإنما حل محلة الإسم الظاهر.
وقد رد ذلك أبو حيان فجعل كلا ههنا ليست للتأكيد، وإنما هي نعت. وليس ذلك بشيء فالتي ينعت بها ما تدل على الكمال لا على عموم الأفراد.
_________________
(١) ٣ البيت استشهد به النحاة على إضافة كل إلى اسم ظاهر حاشية الصبان جـ ٣ ص ٧٥.
[ ١٥٣ ]