فصل
فإن قيل: أنت قد أبطلت أن يكون في الكلام عامل ومعمول، فأرنا كيف يتأنى ذلك مع الوصول إلى غاية النحو، قلت: أورد هذا في أبواب تدل على ما سواها بالأحرى، وقد شرعت في كتاب يشتمل على أبواب النحو كلها، فإن قضى الله تعالى بإكماله انتفع به من لم يعقه عند التقليد، وإلا فيستدل بهذه الأبواب على غيرها.
فمن هذه الأبواب: باب الفاعلَيْن والمفعولَيْن الذين كل واحد منهما يفعل بفاعله مثلما يفعل به الآخر وما كان نحو ذلك. هذه ترجمة سيبويه رحمة الله. وأنا في هذا الباب لا أخالف النحويين إلا في أن أقول: علَّقت ولا أقول: أعملت، والتعليق يستعمله النحويون في المجرورات، وأنا استعمله في المجرورات والفاعلين والمفعولين، تقول (قام وقعد زيد) فإن علقت زيدًا بالفعل الثاني، فبين النحويين في ذلك اختلاف: الفراء لا يجزيه، والكسالة يجزيه على
[ ٨٥ ]
حذف الفاعل، وغيره يجزيه على الإضمار، الذي يفسره ما بعده، والدليل على حذفه ما بعده والدليل على حذفه قول الشاعر:
وكُمْتًا مدمَّاةً كأنَّ متونه جرى فوقها واستشعرتْ لونَ مُذْهَب
فجرى لا فاعل له ظاهرًا، فإما أن يكون محذوفًا، وأما أن يكون مضمرًا، ومن الدليل عليه قوله تعالى
[ ٨٦ ]
﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ وقوله ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَن جَاءهُ الأَعْمَى ﴿. فهذه الأفعال لا فاعل لها ظاهرًا. وأما أي الرأيين أحق، فرأى الكسالى لأنه غيره يقول: حذفُ الفاعل لا يجوز، لأن الفاعل والفعل كالشيء الواحد، فمهما متلازمان، فعلى هذا لا يجوز حذف الفعل وإبقاء الفاعل، وهم يجيزونه!. ومن الدليل على صحة مذهب الكسالى قول علقمة:
تعفَّقَ بالأرطي لها وأرادها رجالٌ فبذَّت نَبْلَهُم وكَلِيبُ
وإن علَّقت زيدًا بالفعل الأول قلت في التثنية (قام وقعد الزيدان) وفي الجمع (قام
وقعدوا الزيدون). وتقول (مررت ومر بي زيد) على تعليق زيد بقولك: مرَّ،
[ ٨٧ ]
وإن علقته بمررت قلت (مررت ومر بي بزيد) تقديره مررت بزيد ومرَّ بي، وفي التثنية (مررت ومرَّا بى بالزيدَين) وفي الجمع (مررت ومروا بي بالزيدين). وتقول (مرَّ بي ومررت بزيد) على التعليق بالثاني، وفيه من الاختلاف ما في المسالة قبلها. وعلى التعليق بالأول (مرَّ بي ومررت به زيد) تقديره مرَّ بي زيد ومررت به، وتقول (ضربت وضربني زيد) على التعليق بالثاني، وفي التثنية (ضربت وضربني الزيدان) وفي الجمع (ضربت وضربني الزيدون). وعلى التعليق بالأول (ضربت وضربني زيدًا) وفي التثنية (ضربت وضرباني الزيدين) وفي الجمع (ضربت وضربوني الزيدين) قال الله تعالى في التعليق بالثاني ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ فقطرًا مفعول بأفرغ. وقال الشاعر في التعليق بالأول:
[ ٨٨ ]
فردَّ على الفؤادِ هَوىً عميدًا وسُوئِلَ لو يُبينُ لنا السؤالا
وقد نَعْنَي بها ونرى عُصورًا بها يَقْتَدْنَنَا الخُرُدَ الخِدَالا
وقال الفرزدق في التعليق بالثاني:
ولكنَّ نِصْفًا لو سببت وسبَّني بنو عبد شمسٍ من منافٍ وهاشم
وقال طفيل الغنوى في ذلك:
وكُمْتًا مدمَّاةً كأنَّ متونه جرى فوقها واستشعرتْ لونَ مُذْهَب
وقال عمر بن أبي ربيعة في التعليق الأول:
إذا هي لم تَسْتَكْ بعود أَرَاكَةٍ تُنُخِّلَ فاستاكتْ به عودُ إِسْحِل
[ ٨٩ ]
وتقول (أعطيت وأعطاني زيد درهمًا) وعلى التعليق بالأول (أعطيت وأعطانيه زيد درهمًا) وتقول (ظننت وظنني زيد شاخصًا) وعلى التعليق بالأول (ظننت وظننيه زيدًا شاخصًا) وفي التثنيه (ظننت وظناني شاخصًا الزيدَين شاخصين) وفي الجمع (ظننت وظنوني شاخصًا الزيدين شاخصين). تقديره (ظننت الزيدين
شاخصين وظنوني شاخصًا) فلم تجمع شاخصًا، لأن المفعول الثاني في هذه الأفعال يطابق الأول، ولم تضمره، لأن ضمير الواحد لا يعود على الاثنين، فلو قلت (ظننت وظنناني) وثنيت شاخصًا، وأضمرته، لقلت: (ظننت وظنناني إياهما الزيدين شاخصين)، وفي الجمع (ظننت وظنوني إياهم الزيدين شاخصين)! وتقول (أعلمت وأعلمني زيد عمرًا منطلقًا) على التعليق بالثاني، وعلى التعليق بالأول (أعلمت وأعلمنيه إياه زيدًا عمرًا منطلقًا)، وفي التثنيه (أعلمت وأعلمانيهما إياهما الزيدين العمرين منطلقين)، وفي الجمع (أعلمت وأعلمونيهم إياهم الزيدين العمرين منطلقين). تقدير الكلام: أعلمت الزيدين العمرين منطلقين وأعلمونيهم إياهم. ورأيي في هذه المسالة وما شاكلها أنها لا تجوز، لأنه لم يأتي لها نظر في كلام العرب، وقياسها على الأفعال الدالة على مفعول به واحد قياسٌ بعيد، لما فيه من الإشكال من الضمائر والتأخير والتقديم.
وفروع هذا الباب كثيرة، منها أن جميع الأفعال من متصرف وغير متصرف هل تدخل في هذا الباب أولًا، ومنها أن الأسماء والحروف
[ ٩٠ ]
هل هي في هذا كالأفعال أولًا، ومنها أن المتعلقات التي يسميها النحويون المعمول فيها: من ظروف وأحوال وتمييزات ومفعولات من أجلها ومفعولات مطلقة ومفعولات معها، هل مجراها مجرى المفعولات بها ومجرى الفاعلين والمجرورات أولًا، فأما الأفعال التي تقتضي ثلاثة مفعولين فلا لما قدمناه، وأما الأفعال التي لا تتصرف كفعل التعجب فنعم، تقول (ما أحسن وأعلم زيدًا) تُعَلِّق زيدًا بأعلم، وتقول (ما أحسن وأعلمه زيدًا) على التعليق بالأول، لا مُعْتَرَض فيه إلا الفصل بين أحسن والمتعلِّق به، وليس فعلًا، وان جعله بعض النحويين فعلًا. فإن قيل إنه لا يتصرف تصرف غيره من الأفعال في متعلقاته، قيل: القياس على غيره من الأفعال المقتضية مفعولًا واحدًا سائغٌ لقرب مأخذه، وسبقه إلى فهم السامع. وأما حبَّذا ونعم وبئس
وعسى، فلا تدخل في هذا الباب، لأن المتعلقات بها لا تضمر على حد الإضمار في هذا الباب، ولا يحال بينها وبينها. وما كان وأخواتها فإنَّ كان منها تجري مجرى الأفعال المقتضية مفعولًا، تقول (كنت وكان زيدًا قائمًا) و(كنت وكان هو زيدًا قائمًا) فقائمًا خبر كنت، فقال الفرزدق:
إني ضمنت لمن أتاني ماجَنَى وأَبَى فكان وكنتُ غير غَدورِ
[ ٩١ ]
وكذلك ليس، تقول (لست وليس زيدٌ قائمًا) و(لست وليس زيد إياه قائمًا). والأظهر أن يوقف فيما عدى كان على السماع من العرب، لأن كان اتُّسِع فيها وأُضمر خبرها، قال أبو الأسود:
فإلاَّ يكنْها أو تكنْهُ فإنَّهُ أخوها غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلبانِها
فإن قيل: النحويون لم يذكروا في هذا الباب إلا الفاعل والمفعول والمجرور، وهنا كمعمولات كثيرة على مذهبهم كالمصادر والظروف، والأحوال، والمفعولات من أجلها، والمفعولات معها والتمييزات، فهل تقاس هذه على المفعولات بها أو لا تقاس؟ قيل: أما المصدر فالظاهر من كلامهم أنه لا يكون في هذا الباب، وذلك: أن المصادر إنما يجاء بها لتأكيد الفعل. والحذف مناقض للتأكيد، فإذا قلت (قمت وقام زيد قيامًا)، إن علقت قيامًا بالثاني، وحذفت من الأول، حذفت المؤكد، وإن قصد بالمصدر تبيين النوع كان أشبه بالمفعول به، كقولنا (قمت القيام الحسن)، تقول في تعليقه بالثاني (قمت وقام زيد القيام الحسن)، وفي تعليقه بالأول (قمت وقامة زيد القيام الحسن)، وتقول في ظرف الزمان (قمت وقام زيد يوم الجمعة)، وعلى التعليق بالأول (قمت وقام فيه زيد يوم الجمعة)، وفي ظرف المكان (قمت وقام زيد مكانًا حسنًا)، وعلى التعليق بالأول (قمت وقام فيه زيد مكانًا حسنًا)
[ ٩٢ ]
وتقول في المفعول لأجله (قمت وقام زيد إعظامًا لك)، وعلى التعليق بالأول (قمت وقام له زيد إعظامًا لك). تقديره: قمت إعظامًا لك وقام له زيد. والأظهر
أن لا يُقاس شيء من هذا المسموع إلا أن يُسمَع في هذه كما سُمع في تلك. وأما الحال والتمييز فلا يجوز القياس فيهما لأنهما لا يُضمران. وأما الحروف فلا مدخل لها في هذا الباب. وإما الأسماء التي يسميها النحويون عاملة فيكون فيها ذلك، تقول (زيدٌ مادحٌ ومعظِّمٌ عمرًا) و(زيدٌ مادحٌ ومعظِّمٌ إيَّاه عمرًا) تريد (زيدٌ مادحٌ عمرًا ومعظِّمٌ إيَّاه).
وبين النحويين اختلاف في أي الفعلين أولى أن تعلق به الاسم الأخير، واختيار البصريين الثاني للجوار، واختيار الكوفيين الأول للسبق.
ومذهب البصريين أظهر لأنه أسهل، فإنه ليس إلا حذف ما تكرر في الثاني، أو إضماره على مذهبهم إن كان فاعلًا. والتعليق بالأول فيه إضمار كل ما تكرر من متعلقات الأول في الثاني، وتأخير المتعلقات بالأول بعد الثاني. وقد حملهم الجوار على أن يقولوا هذا (حجر ضبٍ خربٍ) فيخفضونه وهو للحجر المتقدم.
[ ٩٣ ]