مدخل
لكونه كونًا مطلقًا.
ويمكن حمل بيت الألفية على وجه آخرَ هو أن يراد بالاستقرار الثبوت، وكذا يحمل الكون في قول الشاعر على الثبوت وعدم التزلزل والانفكاك فيصير كونًا خاصًا ويخرج من بيت الضرورة، لأنه حينئذٍ يجوز ذكره، وحذفه.
ونظير هذا ما قاله أبو البقاء العكبري١ وغيره٢ في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ ٣: إن الاستقرار في الآية معناه الثبوت، وعدم التحرك، لا مطلق الوجود والحصول، فهو كون خاص٤.
وقال في باب "لا النافية للجنس":
ومفردًا نعتًا لمبنيٍّ يلي فافتح أوِ انصبَنْ أو ارفع تَعْدِلِ٥
فإن قوله: "ومفردًا نعتًا" مفعول مقدم لقوله: "افتح أو انصب أو ارفع" من باب التنازع مع تأخر العوامل. وقد قدَّم "مفردًا" على "نعتًا" وحقه التأخير، لأنه وصف له لأجل الضرورة.
ويجوز نصبه - أعني "مفردًا" - على الحالية، لأنه وصفٌ لنكرة تقدم عليها٦. وعليه فلا ضرورة في البيت.
وقال في باب "المفعول معه":
والنصبُ إنْ لم يجزِ العطفُ يجب أو اعتقد إضمارَ عاملٍ تُصِبْ٧
_________________
(١) ١ قال العكبري: " مستقرًا " أي ثابتًا غير متقلقل، وليس بمعنى الحصول المطلق، إذ لو كان كذلك لم يذكر". التبيان ٢/١٠٠٩. ٢ انظر: الدر المصون ٨/٦١٦، الفتوحات الإلهية ٣/٣١٥. ٣ من الآية ٤٠ من سورة النمل. ٤ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ٢٨، وانظر: المغني ٥٨١. ٥ الألفية ص٢١. ٦ انظر: شرح المكودي ٥١. ٧ الألفية ص٢٨.
[ ٢٣٢ ]
خبر "كان" إذا كان ضميرًا بين الاتصال، والانفصال:
إذا كان خبر "كان" ضميرًا فإنه يجوز اتصاله، وانفصاله عند عامة النحويين، ولكن اختُلف في المختار منهما، حيث اختار سيبويه الانفصال نحو: كان زيد إياك وكنتُ إياك١.
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/٣٨١.
[ ٤٢٥ ]
قال عمر بن أبي ربيعة:
لئن كان إياهُ لقد حال بعدنا عن العهد والإنسانُ قد يتغيَّرُ١
كما اختاره - أيضًا - ابنُ يعيش٢ (٦٤٣هـ) وابن عصفور٣:
وإنما كان المختار الانفصال، لأنه في الأصل خبر المبتدأ، فكما أن خبر المبتدأ منفصل من المبتدأ فكذلك هو في هذا الباب٤.
وذهب الرماني (٣٨٤هـ) وأبو الحسين بن الطراوة (٥٢٨هـ) إلى أن الاتصال هو الأفصح والمختار٥. ووافقهما ابن مالك وابنه بدر الدين٦ (٦٨٦هـ) .
قال ابن مالك:
وصِل أو افصل هاءَ سلنيهِ وما أشبهه، في كنتُه الخلفُ انتمى
كذاك خلتنيه، واتصالا أختارُ. غيري اختار الانفصالا ٧
وجاء موجبُ هذا الاختيار عند ابن مالك مُوضَّحًا في شرح الكافية الشافية حيث قال في نحو: "الصديق كنته":
_________________
(١) ١ من " الطويل ". قوله: " حالَ " أي تغيَّر وتحولت حاله عما كنا نعلمه فيه. " العهد ": المعرفة. والبيت في: الديوان ١٢١، شرح المفصل ٣/١٠٧، أوضح المسالك ١/١٠٢، المقاصد النحوية ١/٣١٤، التصريح ١/١٠٨، شرح الأشموني ١/١١٩، الخزانة ٥/٣١٢، ٣١٣. ٢ انظر: شرح المفصل ٣/١٠٧. ٣ انظر: شرح الجمل ١/٤٠٦. ٤ انظر: شرح المفصل ٣/١٠٧، شرح الجمل ١/٤٠٦. ٥ انظر: شرح الجمل ١/٤٠٧. ٦ انظر: شرح الألفية لابن الناظم ص٦٣. ٧ الألفية ص١٢.
[ ٤٢٦ ]
"حقُّ هذا أن يمتنع انفصاله لشبهه بهاء "ضربته" ولكنه نُقل فقُبل، وبقي الاتصال راجحًا لوجهين:
أحدهما: الشبه بما يجب اتصاله، وإذا لم يساوه في الوجوب فلا أقل من الترجيح.
الثاني: أن الانفصال لم يرد إلاَّ في الشعر، والاتصال وارد في أفصح النثر كقول النبي ﷺ لعمر ﵁ في ابن صياد: "إن يكنه فلن تسلط عليه، وإلاَّ يكنه فلا خير لك في قتله" ١، وكقول بعض فصحاء العرب٢: "عليه رجلًا ليسني"٣.
ومع اختيار الناظم للاتصال -كما سبق- فقد عدل عنه لضرورة الشعر إلى الانفصال.
قال في باب "الابتداء" - وهو يتحدث عن الجملة الواقعة خبرًا عن المبتدأ إذا كانت هي المبتدأ في المعنى -:
وإنْ تكنْ إياه معنًى اكتفى بها كنطقي الله حسبي وكفى ٤
_________________
(١) ١ انظر: صحيح البخاري (جنائز) ١١٠، (جهاد) ٢٥٣، صحيح مسلم (فتن) ٨٥. ٢ انظر: الكتاب ١/٣٨١. ٣ شرح الكافية الشافية ١/٢٣١. ٤ الألفية ص١٦.
[ ٤٢٧ ]
الإظهار في موضع الإضمار:
قال ابن مالك في باب "إنَّ" وأخواتها:
وإنْ تُخَفَّفْ أنَّ فاسمها استكنْ والخبرَ اجعل جملةً من بعدِ أنْ ١
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص٢٠.
[ ٤٢٧ ]
ففي البيت الثاني إظهارٌ في موضع الإضمار للضرورة. والقياس: من بعدها١.
فإن بعض النحويين يرى أن الاسم إذا احتيج إلى ذكره ثانيةً في جملة واحدة كان الاختيار أن يذكر ضميره كقولك: "زيدٌ أكرمته"، فلو أعدت لفظه بعينه موضع ضميره فقلت: "زيدٌ أكرمتُ زيدًا" كان ضعيفًا ووجه الكلام على خلافه.
وإنما كان اختيار الضمير دون الاسم الظاهر، لأنه أخف، وأبعد عن الشبهة واللبس.
فإذا أعيد ذكر الاسم الظاهر في جملة أخرى جاز وحسن نحو: مررتُ بزيدٍ وزيدٌ رجلٌ فاضلٌ٢.
قال سيبويه: " وتقول: "ما زيدٌ ذاهبًا ولا محسنٌ زيدٌ" الرفع أجود وإن كنت تريد الأول، لأنك لو قلت: ما زيدٌ منطلقًا زيدٌ لم يكن حدَّ الكلام، وكان هاهنا ضعيفًا، ولم يكن كقولك: ما زيدٌ منطلقًا هو، لأنك قد استغنيت عن إظهاره، وإنما ينبغي لك أن تضمره، ألا ترى أنك لو قلت: ما زيدٌ منطلقًا أبو زيد لم يكن كقولك: ما زيد منطلقًا أبوه، لأنك قد استغنيت عن الإظهار. فلما كان كذلك أجرى مجرى الأجنبي، واستؤنف على حاله حيث كان هذا ضعيفًا، وقد يجوز أن تنصب. قال الشاعر، وهو سوادة بن عدي٣:
_________________
(١) ١ انظر: إرشاد السالك ٣٨. ٢ انظر: شرح السيرافي جزء ١ لوحة ١٣٧. ٣ نسبه سيبويه لسوادة بن عدي كما هو واضح، والراجح كما يقول البغدادي أن البيت لعدي بن زيد العبادي وليس لابنه سوادة.
[ ٤٢٨ ]
لا أرى الموتَ يسبقُ الموتَ شيءٌ نغَّصَ الموتُ ذا الغنى والفقيرا ١
فأعاد الإظهار"٢.
وكان الوجه أن يقول: لا أرى الموت يسبقه شيء، ولكنه أظهر الضمير.
فسيبويه يختار - عند إعادة الاسم الظاهر – الرفعَ، لأن العرب لا تعيد لفظ الظاهر إلاّ أن تكون الجملة الأولى غير الثانية، فتكون الثانية ابتدائيةً كقولك: زيدٌ أكرمته وزيدٌ أحببته، إذ إنه بالإمكان الوقف على الجملة الأولى ثم الابتداء بالأخرى بعد ذكر رجل غير زيد. فلو قيل: زيد أكرمته وهو أحببته لجاز أن يُتوهم الضميرُ لغير زيد. فإذا أُعيد باسمه الظاهر انتفى التوهم. أما مع إعادته مضمرًا في الجملة الواحدة نحو: زيد أكرمته فإنه لا يتوهم عود الضمير لغيره، إذ لا تقول، زيدٌ أكرمت عمرًا٣.
ونصَّ بعضهم كأبي عبد الله القيرواني صاحب ضرائر الشعر٤، ومكي ابن أبي طالب٥ (٤٣٧هـ)، والأعلم٦ على أنه لا يجوز الإظهار في موضع الإضمار إلا في الشعر، كقول الفرزدق:
لعمرك ما معنٌ بتاركِ حقِّهِ ولا منسىءٌ معنٌ ولا متيسِّرُ٧
_________________
(١) ١ البيت من " الخفيف ". ومعناه ظاهر. انظره في: ديوان عدي بن زيد ٦٥، الخصائص ٣/٥٣، ما يجوز للشاعر في الضرورة ٩٦، تحصيل عين الذهب ٨٦، الاقتضاب ٣٦٨، الخزانة ١/٣٧٩، شرح أبيات المغني ٧/٧٧. ٢ الكتاب ١/٣٠. ٣ انظر: تحصيل عين الذهب ٨٦. ٤ انظر: ص٩٦ من الكتاب المشار إليه. ٥ انظر: مشكل إعراب القرآن ١/٣٢٩. ٦ انظر: تحصيل عين الذهب ٨٦. ٧ من "الطويل"."معن": اسم رجل يبيع بالنسيئة، يضرب به المثل في شدة التقاضي. والمنسىء: هو المؤخر. والمتيسّر: المتساهل. والبيت في: الديوان ١/٣١٠، الكتاب ١/٣١، ذيل الأمالي ٧٣، ما يجوز للشاعر في الضرورة ٩٨، الاقتضاب ٣٦٨، الهمع ٢/١٣٠، الخزانة ١/٣٧٥.
[ ٤٢٩ ]
فـ "معن" الثاني هو "معن" الأول. وكان القياس أن يأتي بضميره فيقول: ولا منسىء ولا متيسر.
ويرى قوم أنه يجوز ي الشعر وغيره. قال مكي: وفيه نظر١.
ويرىآخرون أنه لا يجوز مطلقًا لا في ضرورة ولا في اختيار. واستثنوا من ذلك ما إذا كان اسمًا للجنس، أو أريد به تفخيم الأمر وتعظيمه فإن في ذلك فائدة كقوله - ﷿-: ﴿الحاقَّةُ ما الحاقَّةُ﴾ ٢، و﴿القارِعَةُ ما القارِعَةُ﴾ ٣، فلولا ما أُريد به من معنى التعظيم والتفخيم لقيل - والله أعلم-: الحاقةُ ما هي، والقارعةُ ما هي٤.
وكقوله سبحانه: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزالَها وأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَها﴾ ٥ فأعاد الظاهر ولم يضمره. ومنه قول الشاعر:
لا أرى الموتَ يسبقَُ الموتَ شيىءٌ
لأن الموت اسم جنس بمنزلة الأرض، فإذا أُعيد مظهرًا لم يُتوهم أنه اسم لشيء آخر كما يتوهم في زيد ونحوه من الأسماء المشتركة٦.
_________________
(١) ١ مشكل إعراب القرآن ١/٣٢٩. ٢ الآيتان ١، ٢ من سورة الحاقة. ٣ الآيتان ١، ٢ من سورة القارعة. ٤ انظر: إعراب القرآن للنحاس ٢/٢١٦، أمالي ابن الشجري ١/٣٧٠، وانظر: ٢/٦. ٥ الآيتان ١، ٢ من سورة الزلزلة. ٦ انظر: ما يجوز للشاعر في الضرورة ٩٧، ٩٨، تحصيل عين الذهب ٨٧.
[ ٤٣٠ ]
والراجح أن الإظهار في موضع الإضمار لا يجوز إذا كان ذلك في جملة واحدة نحو: زيدٌ أكرمت زيدًا، إلا في الضرورة، لكون الإضمار أخفَّ وأبعد عن الشبهة واللبس.
فإذا أعيد في جملة أخرى، أو قصد به التفخيم، والتعظيم حَسُن.
[ ٤٣١ ]
حذف العائد المجرور مع اختلاف متعلق الجارين:
من المعلوم أنه يجوز حذف العائد المجرور بحرف جرٍّ إنْ جَرَّ الموصولَ حرف مثله مع اتفاق متعلقي الحرفين لفظًا ومعنى، أو المضاف إلى الموصول، أو الموصوف بالموصول نحو: مررت بالذي مررت به، أو بغلام الذي مررت به، أو بالرجل الذي مررت به، فيجوز حذف "به" هاهنا١.
قال ابن مالك:
كذا الذي جُرَّ بما الموصولَ جَرّْ كمُرَّ بالذي مررتُ فهو بَرّْ٢
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَا هَذا إلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُم يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ ٣.
فالموصول وهو "ما" مجرور بـ"مِنْ" التبعيضية، وهي متعلقة بقوله: "يشرب" قبلها، والعائد المحذوف مجرور بـ"مِنْ" التبعيضية وهي متعلقة بقوله "تشربون"، والتقدير: ويشرب من الذي تشربون منه. فاتفق الحرفان لفظًا ومعنى ومتعلقًا٤.
_________________
(١) ١ انظر: الارتشاف ١/٣٥٦. ٢ الألفية ص١٥. ٣ من الآية ٣٣ من سورة المؤمنون. ٤ انظر: التصريح ١/١٤٧.
[ ٤٣١ ]
فالعائد المجرور يجوز حذفه عند الجمهور بشروط ثلاثة:
الأول: أن ينجرّ الموصول بمثل الحرف الجار للعائد لفظًا، فإذا اختلفا لفظًا لم يجز الحذف نحو: حللت في الذي حللت به.
الثاني: أن يتفق الحرفان معنى، فإذا اختلفا لم يجز الحذف نحو: مررت بالذي مررت به، مريدًا بإحدى البائين السببية، والأخرى الإلصاق.
الثالث: أن يتفقا متعلقًا، فلو اختلف المتعلق لم يجز الحذف نحو: سررت بالذي مررت به١.
قال ابن مالك في شرح الكافية الشافية: "وإن جُرَّ العائد بحرف وجُرَّ الموصول بمثله لفظًا ومعنىً جاز حذف العائد نحو: مررتُ بالذي مررت. ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تّشْرَبُونَ﴾ ٢ أي: مما تشربون منه وكذلك يجوز حذف العائد المجرور بحرفٍ جُرَّ بمثله موصوف بالموصول أو عائد عليه بعد الصلة٣.
فإذا خلا العائد المجرور مما شُرط لم يجز حذفه عند الجمهور إلا ضرورة أو شذوذًا.
كقول الشاعر٤:
وإنَّ لساني شُهدةٌ يُشتفى بها وهُوَّ على من صبَّه الله علقمُ٥
_________________
(١) ١ انظر: توضيح المقاصد ١/٢٥٤، ٢٥٥. وانظر: الارتشاف ١/ ٥٣٦. ٢ من الآية ٣٣ من سورة المؤمنون. ٣ شرح الكافية الشافية ١/٢٩٢، ٢٩٣. ٤ شاعر من همذان لم أجد من سمَّاه. ٥ البيت من " الطويل " الشَّهدة: - بضم الشين -: العسل بشمعه. يقول: إن لساني مثل العسل يشتفي به الناس ولكنه مثل العلقم على من سلطه الله عليه. والعلقم: في الأصل الحنظل وهو نبات مُرٌّ كريه الطعم وليس هو المراد هاهنا، بل المراد: شديد أو صعب ليتسنى تعلق الجار والمجرور به من قبل أنهما لا يتعلقان إلا بالمشتق أو ما في معناه. وفي البيت شاهد آخر هو تشديد الواو في " هُوَّ "، وهذه لغة همذان إحدى قبائل اليمن، حيث تشدد الواو في "هو" والياء في "هي". والبيت في شرح المفصل ٣/٩٦، شرح التسهيل ١/٢٠٧، الجنى الداني ٤٧٤، المغني ٥٦٧، تخليص الشواهد ١٦٥، المقاصد النحوية ١/٤٥١، التصريح ١/١٤٨، شرح الأشموني ١/١٧٤.
[ ٤٣٢ ]
أراد: من صبه الله عليه، فحذف العائد المجرور بـ"على" مع اختلاف المتعلق. والمتعلقان هما: "صَبَّ" و"علقم".
فـ"على" المحذوفة متعلقة بـ"صبَّه" والمذكورة متعلقة بـ"علقم" لتأوله بصعب أو شاق أو شديد، فاختلف متعلقا جارِّ الموصول وجارِّ العائد١.
وابن مالك لا يتفق مع الجمهور في عدِّ مثل هذا ضرورةً أو نادرًا، بل يعدُّه قليلا٢.
ولعله لما كان عنده كذلك - أي قليل وليس شاذًا أو ضرورةً كما يقول الجمهور - وقع له شئ من ذلك في الألفية، حيث قال في باب "الندبة":
ويُندبُ الموصولُ بالذي اشتَهَرْ كـ"بئرَ زمزمٍ" يلي وامَنْ حَفَرْ٣
فقوله: "اشتهر" صلة "الذي" والعائد ضمير محذوف مجرور بحرف جُرَّ الموصولُ بمثله غير أن متعلقي الجارين مختلفان، والتقدير: ويُندب الموصول بالوصف الذي اشتهر به٤.
_________________
(١) ١ انظر: المغني ٥٦٧، ٥٦٨، تخليص الشواهد ١٦٥. ٢ انظر: شرح التسهيل ١/٢٠٦، ٢٠٧. ٣ الألفية ص ٤٦. ٤ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ٩٩.
[ ٤٣٣ ]
وقال في باب "تثنية المقصور والممدود وجمعهما جمعًا تصحيحًا":
والسالمَ العينِ الثلاثي اسمًا أنِلْ إتباعَ عينٍ فاءه بما شُكلْ١
فجملة "شُكل" لا محل لها صلة الموصول المجرور محلًا بالباء، والعائد ضمير محذوف مجرور بباء أخرى.
ومتى اختلف متعلق الجارين: "الذي جَرَّ الموصول والذي جر العائد فالحذف شاذ أو ضرورة عند الجمهور٢. وجائز بقلة عند ابن مالك كما تقدم.
وما ذهب إليه ابن مالك هو الراجح عندي. فهو قليل لا ممتنع.
وقد أورد ابن مالك جملة من الشواهد على ذلك غير البيت المستشهد به هاهنا تدل على أن المسألة ليست شاذة أو ضرورة، بل ليست نادرة٣.
_________________
(١) ١ الألفية ص٥٧. ٢ انظر: منحة الجليل لمحمد محيي الدين عبد الحميد ٤/١١٠. ٣ انظر: شرح التسهيل ١/٢٠٦، ٢٠٧، شرح الكافية الشافية ١/٢٩٤
[ ٤٣٤ ]
تقديم معمول الصلة على الموصول:
قال ابن مالك في باب "إن" وأخواتها:
ولا يلي ذي اللامَ ما قد نُفيا ولا من الأفعال ما كرضيا ١
قال الأزهري: "كرضيا: في موضع صلة "ما" الثانية، والألف للإطلاق، وتقدير البيت: ولا يلي الخبر الذي قد نفي ولا الخبرُ الذي كرضي حال كونه
_________________
(١) ١ الألفية ص ٢٠.
[ ٤٣٤ ]
من الأفعال هذه اللامَ. ففيه تقديم معمول الصلة على الموصول وذلك جائز في الشعر"١.
قلت: اختلف النحاة في تقديم معمول الصلة على الموصول. فجمهور البصريين على منع تقديم شئ من الصلة على الموصول مطلقًا، سواء كان الموصول اسمًا أو حرفًا. فإن جاء ما ظاهره كذلك أوَّلوه٢.
وذهب الكوفيون إلى جواز ذلك مطلقًا٣.
وأجاز بعض البصريين تقدم المتعلق بالصلة على الموصول إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا مطلقًا٤ وجعله متعلقًا بالصلة نفسها، لأن العرب تتسع في الظروف والمجرورات ما لا تتسع في غيرها من الفضلات، لكثرة دورانهما في الكلام٥.
وذهب ابن الحاجب (٦٤٦هـ) إلى جواز تقديم معمول الصلة على الموصول مع "أل" خاصة، كقوله تعالى: ﴿وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدينَ﴾ ٦، ومنعه فيما عدا ذلك٧.
وهو قريبٌ من رأي ابن مالك في شرح التسهيل إلاَّ أنَّ ابن مالك جعل التقدم مع "أل" مطردًا إذا كانت مجرورة بـ"مِنْ" التبعيضية كالآية السابقة، ومَنَعَ التقدم في غير "أل" مطلقًا، ومعها إذا لم تجرَّ بـ"من"٨.
١ تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ٣٥، ٣٦.
٢ انظر: الأصول ٢/٢٢٣، ٢٢٤، المسائل البغداديات ٥٥٨، اللامات ٥٨، البحر المحيط ١/٣٩٥، الهمع ١/٣٠٤، ٣٠٥، أمالي ابن الحاجب ١/١٥٢، ١٥٣.
٣ انظر: الارتشاف ١/٥٥٣، الدر المصون ٥/٢٧٩.
٤ انظر: الدر المصون ٥/٢٧٩.
٥ انظر: شرح الجمل ١/٥٥٥، الارتشاف ١/٥٥٣، الدر المصون ٥/٢٧٩.
٦ من الآية ٢٠ من سورة يوسف.
٧ انظر: الأمالي النحوية ١/١٥٢.
٨ انظر: شرح التسهيل ١/٢٣٧، ٢٣٨.
[ ٤٣٥ ]
أما في شرح الكافية الشافية فقد قال: "لا تتقدم الصلة ولا شئ يتعلق
بها فإن كان الموصولُ الألفَ واللام أو حرفًا مصدريًا لم يجز تقديم المعمول، لأن امتزاج الألف واللام والحرف المصدري بالعامل آكد من امتزاج غيرهما به"١ فلم يستثنِ ما إذا كانت "أل" مجرورة بـ"مِن" أو لا.
وعلى هذا فإن قوله:
ولا من الأفعال ما كرضيا
جائز عند بعض البصريين لكون المعمول جارًا ومجرورًا، وجائز عند الكوفيين دون النظر إلى هيئة المعمول.
أما عند جمهور البصريين وابن الحاجب وابن مالك فلا يجوز إلا في الضرورة.
_________________
(١) ١ شرح الكافية الشافية ١/٣٠٨ - ٣١٣.
[ ٤٣٦ ]
تقديم معمول خبر "ليس" عليها:
اختلف في خبر "ليس": أيجوز تقدمه عليها أم لا؟ فذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز، لأن "ليس" فعل جامد فلا يجري مجرى المتصرف كما أجريت "كان" مجراه، لأنها متصرفة١.
ولأنها في معنى "ما" في نفي الحال، وكما أن "ما" لا تتصرف ولا يتقدم معمولها عليها فكذلك "ليس"٢.
وممن منع تقديم الخبر أبو سعيد السيرافي٣، والأنباري٤ (٥٧٧هـ)، كما نُسب المنع إلى أبي العباس المبرد٥.
_________________
(١) ١ انظر: الإنصاف ١/١٦١. ٢ انظر: المصدر السابق ١/١٦١. ٣ انظر: شرح السيرافي ج١ لوح ١٥٤. ٦ انظر: الإنصاف ١/١٦٠، شرح المفصل ٧/١١٤، شرح الرضي ٤/٢٠١. ولم أقف على ما يفيد ذلك عن المبرد في المقتضب أو الكامل٤ انظر: الإنصاف ١/١٦٣، أسرار العربية ١٤٠.
[ ٤٣٦ ]
وذهب جمهور البصريين إلى جواز تقدمه. وكذا من المتأخرين أبو علي الفارسي١ (٣٧٧هـ) وابن جني٢، وابن بَرْهان٣ (٤٥٦هـ) وعبد القاهر الجرجاني٤ (٤٧١هـ) والزمحشري٥، وأبو البقاء العكبري٦ (٦١٦هـ) وابن عصفور٧.
ومما احتج به أصحابُ هذا الرأي قوله تعالى: ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْروفًا عَنْهُمْ﴾ ٨، فقالوا: إن "يوم" معمول "مصروفًا" وتقديم المعمول يؤذن بتقدم العامل٩.
أما ابن مالك فرأيه رأي الفريق الأول القائل بمنع تقديم خبر "ليس" عليها ١٠، وقال: لنا في الآية ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن "يوم" مرفوع بالابتداء، وإنما بني على الفتح لإضافته إلى الجملة وذلك سائغ مع المضارع كسوغه مع الماضي.
الثاني: أن المعمول قد يقع حيث لا يقع العامل نحو: أمَّا زيدًا فاضرب، فإنه لا يلزم من تقديم معمول الفعل بعد "أمَّا" تقديم الفعل.
_________________
(١) ١ انظر: الإيضاح ١/١٠١. ٢ انظر: الخصائص ٢/٣٨٢. ٣ انظر: شرح اللمع ١/٥٨، ٥٩ وابن بَرْهان هو: عبد الواحد بن علي الأسدي العكبري، أبو القاسم. عالم في النحو واللغة. (نزهة الألباء ٢٥٩، ٢٦٠، إنباه الرواة ٢/٢١٣ - ٢١٥، شذرات الذهب ٣/٢٩٧) . ٤ انظر: المقتصد ١/٤٠٨. ٥ انظر: المفصل ٢٦٩. ٦ انظر: التبيان ٢/٦٩٠. ٧ انظر: شرح الجمل ١/٣٨٩. ٨ من الآية ٨ من سورة هود. ٩ انظر: التبيان ٢/٦٩٠، شرح الجمل ١/٣٨٩. ١٠ انظر: شرح التسهيل ١/٣٥١، شرح عمدة الحافظ ١١٢.
[ ٤٣٧ ]
الثالث: أن يكون "يوم" منصوبًا بفعل مضمر، لأن قبله: ﴿ما يَحْبِسُهُ﴾، فـ ﴿يَوْمَ يَأْتيهمْ﴾ جواب، كأنه قيل: يعرفون يوم يأتيهم و﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا﴾ جملة حالية مؤكدة أوِّ مستأنفة١.
إذًا: فإن ابن مالك يرى أنه لا يجوز تقديم خبر "ليس" عليها ولا معمول الخبر كما هو ظاهر كلامه وتخريجه للآية.
ومع هذا فقد جاء في ألفيته ما يخالف هذا، حيث قال في باب "الوقف":
والنقلُ إنْ يُعدم نظيرٌ ممتنعْ-وذاك في المهموز ليس يمتنعْ٢
فإن "ذاك" مبتدأ و"في المهموز" جار ومجرور متعلق بقوله: "يمتنع"،
و"ليس" فعل ماض واسمها ضمير مستتر فيها، وجملة "يمتنع" خبرها. والجملة من "ليس" واسمها وخبرها في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو اسم الإشارة "ذاك"، والتقدير: وذاك النقل ليس يمتنع في المهموز، فقدم معمول خبر "ليس" عليها وهو ممتنع عند الجمهور٣. - ومنهم ابن مالك - كما تقدم - وهذا ضرورة.
قال الأزهري (٩٠٥هـ):
"إلا أن يقال بجوازه في الظروف على حَدِّ قوله تعالى: ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ ٤"٥.
_________________
(١) ١ انظر: شرح التسهيل ١/٣٥٤. ٢ الألفية ص ٦٣. ٣ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ١٣٧. ٤ من الآية ٨ من سورة هود. ٥ تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ١٣٧.
[ ٤٣٨ ]
الفصل بين العامل والمعمول بالأجنبي
ومثل ذلك - بل أقبح منه - قول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكًا-أبو أمه حيٌّ أبوه يقاربه١
فحق الكلام وما ينبغي أن يكون عليه اللفظ: "وما مثله في الناس حيٌّ يقاربه إلاَّ أبو أمه أبوه".
ففرَّق بين المبتدأ وخبره بما ليس منه، من قبل أن قوله: "أبو أمه أبوه" مبتدأ في موضع نعت المملك، ففرَّق بينهما بقوله: "حيٌّ" و"حيٌّ" خبر "ما"٢.
وعليه فإن بيت ابن مالك السالف الذكر يُحمل على الضرورة التي ألجأته إلى ذلك كما ألجأته في غير هذا الموضع من الألفية.
_________________
(١) ١ البيت من " الطويل " قاله الشاعر في مدح إبراهيم بن هشام المخزومي خال هشام بن عبد الملك. ويريد بالمملّك هشامًا، لأنه الخليفة. أي: ليس في الدنيا حيٌّ يقارب هذا الممدوح إلا ابن أخته وهو الخليفة. والبيت في: الكامل ١/٤٢، الخصائص ١/١٤٦، ٣٢٩، ٢/٣٩٣، الإفصاح ٨٤، شرح الجمل ٢/٦٠٧، ضرائر الشعر لابن عصفور ٢١٣، شرح ألفية ابن معطي ٢/١٣٩٠. ٢ انظر: ما يحتمل الشعر من الضرورة ٢٢٧ - ٢٢٩.
[ ٤٤٠ ]
تقديم معمول الفعل المؤكد بالنون:
قال ابن مالك في باب "المعرب والمبني":
والرفعَ والنصبَ اجعلَنْ إعرابا-لاسمٍ وفعلٍ نحو: لن أهابا١
أعرب بعضهم كلمة "الرفع" مفعولًا به مقدمًا للفعل "اجعلن"٢.
_________________
(١) ١ الألفية ص ١٠. ٢ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ٨، منحة الجليل ١/٤١.
[ ٤٤٠ ]
وهو معترض بأن الفعل المؤكد بالنون لا يتقدم معموله عليه.
وقد مشى الناظم على ذلك في عدة مواضع من الألفية، كقوله في باب "اسم الإشارة":
وبهنا أو ههنا أشر إلى داني المكانِ وبِهِ الكافَ صلا ١
وقوله في "باب التمييز":
والفاعلَ المعنى انصبن بأفعلا مفضِّلًا كأنت أعلى منزلا٢
-وقوله في باب "النائب عن الفاعل":
وثالثَ الذي بهمز الوصلِ كالأول اجعلنَّه كاستُحلي٣
وقد حاول بعض المعربين التماس بعض التأويلات والتقديرات لتصحيح هذه المخالفة، كإعرابهم المعمول مفعولًا به لفعل محذوف يفسره الآتي المؤكد بالنون وهو "اجعلنْ" و"صلا" و"انصبن" و"اجعلنَّ" في الأبيات السابقة مع أن الفعل المؤكد بالنون لا يصلح أن يفسر عاملًا محذوفًا قبله، ولما في ذلك من تهافت بلاغي أيضًا٤.
وقيل: إذا كان المعمول ظرفًا أو جارًا ومجرورًا جاز تقديمه على عامله المؤكد بالنون دون غيرهما من المعمولات كقول ابن مالك:
كالأول اجعلنَّه كاستُحلي
بناءً على أنه يتوسع في شبه الجملة ما لا يتوسع في غيرها٥.
_________________
(١) ١ الألفية ص ١٤. ٢ الألفية ص ٣١. ٣ المصدر السابق ص ٢٤. ٤ انظر: النحو الوافي ١/١٠٤، ٢/١٠١. ٥ انظر: الخزانة ١١/٣٨٤، ٣٩٤.
[ ٤٤١ ]
وهو غير بعيد لديَّ، غير أني أميل إلى عدم التعسف والتكلف، ويكفي القول بأن ضرورة النظم هي التي ألجأته إلى ارتكاب المخالفة كغيرها من الضرائر التي ارتكبها في الألفية والتي عرضت جزءًا منها، وسيأتي أمثلة لها أيضًا.
[ ٤٤٢ ]
تقديم النائب عن الفاعل على الفعل:
قال ابن مالك في باب "أفعل التفضيل":
وما بِهِ إلى تعجبٍ وُصِلْ لمانعٍ به إلى التفضيل صِلْ١
أعرب المكودي (٨٠٧هـ) "ما" مبتدأ أو مفعولًا بفعل محذوف يفسره "صل " وهي موصولة، وصلتها: وصل به، و"به" متعلق بـ"وُصل"٢.
فقوله: "و"به" الأول متعلق بـ"وُصل" فيه تقديم النائب عن الفاعل على مذهب الكوفيين. والبصريون يمنعونه.
ويمكن تخريجه على مذهب البصريين على أنه من الحذف والإيصال بأن يكون في "وُصِل" ضمير مستتر كان مجرورًا بالباء، والأصل: وما به وصل به، ثم حذفت الباء واستتر الضمير"٣.
قلت: هذه المسألة مبنيَّةٌ على مسألة الخلاف في تقديم الفاعل على الفعل وهي المثبتة في كتب النحو من قبل أن أحكام نائب الفاعل هي أحكام الفاعل التي منها وجوب تأخره عن المسند على مذهب البصريين.
_________________
(١) ١ الألفية ص٣٩. ٢ انظر: شرح المكودي ١٣١. ٣ حاشية الملوي الأزهري على المكودي ١٣١.
[ ٤٤٢ ]
وذهب بعض الكوفيين إلى جواز تقديم الفاعل مع بقاء فاعليته في سعة الكلام نحو: زيدٌ قام، تقديره: قام زيدٌ. وكذلك محمد قعد، وما أشبه ذلك١.
ومما استدلوا به قول الزبَّاء٢:
ما للجمالِ مشيُها وئيدا أجندلًا يحملنَ أم حديدا٣
قالوا: معناه وئيدًا مشيها.
ووجه الاستدلال أن "مشيها" روي مرفوعًا. ولا يجوز أن يكون مبتدأ، إذ لا خبر له في اللفظ إلا "وئيدا" وهو منصوب على الحال، فوجب أن يكون فاعلًا بوئيدا مقدمًا عليه٤.
_________________
(١) ١ انظر: شرح الجمل ١/١٥٩، شرح التسهيل ٢/١٠٨، البسيط ١/٢٧٢، ٢٧٣. ٢ اسمها نائلة، وقيل: فارعة، وقيل: ميسون. بنت عمرو بن الظرب. الملكة المشهورة في العصر الجاهلي. صاحبة تدمر وملكة الشام والجزيرة، تحسن أكثر اللغات الشائعة في عصرها. (المعارف لابن قتيبة ١٠٨، ٦١٨، الكامل في التاريخ لابن الأثير ١/١٩٨-٢٠٢، الخزانة ٨/٢٧٣) . ٣ البيتان من "الرجز" للزباء في قصة طويلة تجدها في حاشية الأمير على المغني ٢/١٤٥. "وتيدًا": أي له صوت شديد، تريد شدة وطئها الأرض من ثقل ما تحمله فيسمع لوقعها صوت. " الجندل ": الحجارة. روي "مشيها" بالرفع وهو الشاهد في المسألة، وبالخفض على أنه بدل اشتمال من الجمال، وبالنصب على المصدر، أي تمشي مشيَها. (انظر: معاني القرآن للفراء ٢/٧٣، ٤٢٤، شرح الأشموني ٢/٤٦) . والرجز في: أدب الكاتب ١٧٠، أمالي الزجاجي ١٦٦، شرح الجمل ١/١٥٩، شواهد التوضيح والتصحيح ١١١، شرح التسهيل ٢/١٠٨، البسيط ١/٢٧٤، المغني ٧٥٨، المساعد ١/٣٨٧. ٤ انظر: التصريح ١/٢٧١.
[ ٤٤٣ ]
وهو عند البصريين ضرورة، والضرورة تبيح تقديم الفاعل على الفعل١.
كما خرَّجه كثير من النحويين على أن "مشيُها" مبتدأ، والخبر محذوف، كأنه قال: ما للجمال مشيها ظهر وئيدًا، أو ثبت وئيدًا. ويكون حذف الخبر هنا والاكتفاء بالحال نظيرَ قولهم: "حكمك مسمَّطا"٢" فـ"حكمك" مبتدأ حذف خبره لسدّ الحال مسدَّه، أي: حكمك لك مثبتًا٣.
كما خُرِّج على أن "مشيُها" بدل من الضمير في "للجمال" لأنه في موضع خبر المبتدأ الذي هو "ما"٤.
والصحيح ما ذهب إليه جمهور النحويين - ومنهم ابن مالك - من أنه لا يجوز تقديم الفاعل على الفعل، لأننا إذا قلنا: زيدٌ ذهب فإن في "ذهب" ضميرًا يُعرب فاعلًا، والفعل لا يرفع فاعلين في غير العطف نحو: ذهب زيدٌ وعمرو. ونحن إذا ما أظهرنا هذا الضمير بأن جعلنا في موضعه غيره تبيَّن ذلك كما في قولنا: زيدٌ ذهب أخوه.
كما نقول: رأيت زيدًا ذهب، فيدخل على الابتداء ما يزيله ويبقى الضمير على حاله٥.
ولست أميل إلى أن قول الزباء من باب تقديم الفاعل على الفعل ضرورة، وذلك لتمكنها من النصب على المصدرية أو الجر على البدلية، كما يقول الأزهري٦.
_________________
(١) ١ انظر: المصدر السابق ١/٢٧١. ٢ المسمَّط: المرسل الذي لا يُردّ. انظر: مجمع الأمثال ١/٢١٢. ٣ انظر: شرح التسهيل ٢/١٠٨، ١٠٩، المغني ٧٥٨، التصريح ١/٢٧١. ٤ انظر: شرح الجمل ١/١٦٠. ٥ المقتضب ٤/١٢٨ (بتصرف) . ٦ انظر: التصريح ١/٢٧١.
[ ٤٤٤ ]
وأقرب تأويل إلى نفسي أن يكون "مشيها" مبتدأ قد حذف خبره على نحو: "حكمك مسمطًا" كما تقدم١.
_________________
(١) ١ انظر المسألة في: المقتضب ٤/١٢٨، أسرار العربية ٧٩ - ٨٤، البسيط ١/٢٧٢ - ٢٧٥، التصريح ١/٢٧١.
[ ٤٤٥ ]
قلبُ المعنى:
قال ابن مالك في باب "الابتداء":
كذا إذا ما الفعلُ كان الخبرا أو قُصد استعمالُه منحصرا١
-قال الأزهري: "في هذا التركيب قلب ، لأن المحدث عنه الخبر، فكان حقه أن يقول:
كذا إذا ما الخبرُ كان الفعلا
وهو خاص بالشعر، وأصل التركيب: كذا إذا ما كان الخبر الفعل المسند إلى ضمير المبتدأ المفرد فامنع تقديمه على المبتدأ"٢.
فإنه من المعلوم أن العرب بعامة مجمعون على رفع الفاعل ونصب المفعول إذا ذكر الفاعل، غير أنه قد ورد في الشعر شيء على جهة القلب، فصُيِّر المفعول فاعلًا والفاعل مفعولًا على التأويل٣.
كقول الأخطل:
مثل القنافذ هَّداجونَ قد بلغت نجرانَ أو بلغت سوءاتِهم هجرُ٤
_________________
(١) ١ الألفية ص ١٧. ٢ تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ٢٦. ٣ انظر: الجمل للزجاجي ٢٠٣. ٤ البيت من " البسيط " من قصيدة مدح فيها الشاعر بني مروان وهجا جريرًا وقومه. القنافذ: جمع قنفذ وهو معروف يُضرب به المثل في سري الليل. وهدَّاجون: من الهدج وهو مشي في ضعف أو هو مقارب الخطو مع الإسراع من غير إرادة. والسوءات: الفواحش والقبائح. شبَّههم بالقنافذ لمشيهم بالليل للسرقة والفجور. والبيت في: الديوان ١٠٩، مجاز القرآن ٢/٣٩، الكامل ١/٤٧٥، الجمل ٢٣٠، الحلل ٢٧٦، شرح الجمل ٢/٦٠٢، شرح ألفية ابن معطي ٢/١٣٩٠.
[ ٤٤٥ ]
أراد: بلغت نجرانَ سوءاتُهم أو هجرَ، وذلك وجه الكلام، لأن السوءات تنتقل من مكان فتبلغ مكانًا آخر، إلاَّ أنه قلب الفاعل فصار مفعولًا فجعل "هجر" كأنها هي البالغة وإنما هي المبلوغة في المعنى، لأن البلدان لا ينتقلن وإنما يُبلغنَ ولا يَبلغن ١.
وأكثر ما يكون ذلك فيما لا يشكل معناه من الكلام ولم يدخله لبس كالبيت السابق٢.
وقد اختلف العلماء في قلب الإعراب، فمنهم من أجازه في الضرورة مطلقًا، على تأويلٍ هو أن يضمَّن العامل معنًى يصح به.
ومنهم من أجازه في الشعر وفي الكلام اتساعًا واتكالًا على فهم المعنى٣.
وقد حكى أبو زيدِ الأنصاري (٢١٥هـ): إذا طلعت الجوزاء انتصب العودُ في الحِرباء٤. يريد: انتصب الحرباء في العود٥.
_________________
(١) ١ انظر: الأصول ٣/٤٦٤، ما يحتمل الشعر من الضرورة ٢١٠، شرح الأبيات المشكلة الإعراب ١٢٣. ٢ انظر: الكامل ١/٤٧٥، الأصول ٣/٤٦٣، ما يجوز للشاعر في الضرورة ١٠٣. ٣ انظر: ما يحتمل الشعر من الضرورة ٢١٦، الارتشاف ٣/٣٣٣، الهمع ٥/٣٤٩. ٤ الحِرباء: دويِّبة يستقبل الشمس برأسه ويكون معها كيف دارت ويتلون ألوانا بحر الشمس. انظر: حياة الحيوان الكبرى ١/٢٣١. ٥ انظر: النوادر ٤٠٩.
[ ٤٤٦ ]
وحكى أبو الحسن: عرضتُ الناقةَ على الحوضِ، وعرضتها على الماء. يراد: عرضتُ الماءَ والحوض عليها١.
ومن كلامهم: إنَّ فلانةَ لتنوءُ بها عجيزتُها. يراد: لتنوءُ هي بعجيزتها٢ وكذلك قوله تعالى: ﴿وَآتَينْاهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ أُولي القُوَّة﴾ ٣ فقد احتمله قوم على مثل هذا، وقالوا: إن المفاتيح لا تنوء بالعصبة، بل العصبة تنوء بها وتحملها في ثقل.
وقيل: ليس الأمر كذلك بل الصواب أن الباء للنقل بمعنى الهمزة، فيكون معنى لتنوء بالعصبة: لتنوء العصبةُ. كما تقول: ذهب بزيدٍ وأذهبه، وكذلك: ناءَ به وأناءه.
ومثله قولهم: لتنوء بها عجيزتها٤.
وذهب ابن عصفور إلى أن القلب لا يجوز إلاَّ في الشعر، وأن ما جاء منه في الكلام قليلٌ لا يقاس عليه٥.
وأورد ابن السراج القلبَ فيما جاء كالشاذ الذي لا يقاس عليه٦.
والراجح لديَّ أنه يجوز في الشعر وفي سعة الكلام. لكنما المسألة تعود إلى القلة والكثرة، فيكثر القلب في الشعر ويقل في الكلام كما تقدم من الأمثلة التي حكاها أبوزيد وغيره، ولكن على شرط أن لا يشكل معناه.
وعليه فالذي يظهر لي أن قول ابن مالك:
كذا إذا ما الفعل كان الخبرا
_________________
(١) ١ انظر: شرح الأبيات المشكلة الإعراب ١٢٣، ضرائر الشعر ٢٧١. ٢ انظر: الكامل ١/٤٧٥، شرح الجمل ٢/٦٠٣. ٣ من الآية ٧٦ من سورة القصص. ٤ انظر: الأصول ٣/٤٦٦، ما يحتمل الشعر من الضرورة ٢١٦، شرح الجمل ٢/٦٠٣. ٥ انظر: ضرائر الشعر ٢٧١، شرح الجمل ٢/٦٠٣. ٦ انظر: الأصول ٣/٤٦٣ وكذلك أورده القزاز وابن عصفور في الضرائر الشعرية.
[ ٤٤٧ ]
لا بأس به، لكونه مما لا يلبس، ولوقوعه في الشعر الذي نصَّ العلماء على أن القلب فيه جائز.
[ ٤٤٨ ]
تقديم المفعول له على عامله:
الأصل في المفعول له أنه يجوز تقديمه على عامله نحو: مخافةَ شره جئته، لأن العامل متصرف في نفسه فيتصرف في معموله١. هذا إن لم يكن هناك مانع يمنع من ذلك. فإن كان هكذا امتنع تقديم المفعول له إلا على جهة الضرورة الشعرية. وممَّن نصّ على جواز تقديمه أبو حيان٢، والمرادي٣، والسيوطي٤، سواء كان المفعول له منصوبًا أو مجرورًا.
وذهبت طائفة منها ثعلب إلى منع تقديم المفعول له على عامله٥. والسماع يرد عليهم، قال الشاعر:
فما جَزَعًا وربِّ الناس أبكي-ولا حرصًا على الدنيا اعتراني ٦
فإن "جزعًا" مفعول له مقدم على عامله وهو "أبكي".
وقد اضطر ابن مالك إلى تقديم المفعول له مع وجود المانع حين قال:
فاجرره باللام وليس يمتنعْ مع الشروطِ كلزُهْدٍ ذا قَنِعْ٧.
_________________
(١) ١ انظر: أسرار العربية ١٨٩. ٢ انظر: الارتشاف ٢/٢٢٤، التذييل والتكميل جزء (٢) لوحة ١٩٧. ٣ انظر: توضيح المقاصد ٢/٨٩. ٤ انظر: الهمع ٣/١٣٥. ٥ انظر: الارتشاف ٢/٢٢٤، الهمع ٣/١٣٥. ٦ البيت من " الوافر ". قال الشنقيطي: نسبه أبو حيان لجحدر، فإن كان يريد جحدر بن مالك الحنفي فلم نجده في نونيته المشهورة إلا أن يكون سقط من الرواة. الدرر ٣/٨٠. وهو في الهمع ٣/١٣٥ بلا نسبة. ٧ الألفية ص٢٧.
[ ٤٤٨ ]
فإن "ذا" اسم إشارة في محل رفع على الابتداء، وجملة "قَنِع" خبره.
قال الأزهري: "وفيه تقديم المفعول له على عامله وما أظن أحدًا يجيز مثل ذلك نثرًا، لأن الخبر الفعلي لا يجوز تقديمه على المبتدأ فمعموله أولى. وقول بعض الشراح إن فيه إشعارًا بجواز تقديم المعمول له على عامله صحيح لكنه مشروطٌ بعدم المانعوالمانع هنا موجود كما ترى، وإنما يجوز ذلك أن لو قال: ذا لزهدٍ قنع. ولم أرَ أحدًا تنبه لما قلناه في هذا المثال، بل حكموا فيه بالجواز مطلقًا، والظاهر وقفه على الضرورة"١.
قيل: وقد وقف على كلام الأزهري غير واحد وسلَّمه٢.
_________________
(١) ١ تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ٥٤. ٢ انظر: حاشية ابن الحاج على المكودي ١/١٥٨.
[ ٤٤٩ ]
خروج "سوى" عن الظرفية:
ذهب سيبويه، وجمهور البصريين إلى أن "سوى" ظرف مكان ملازم للنصب على الظرفية لا يخرج عن ذلك إلاَّ في الشعر١.
ومما احتج به هؤلاء الاستقراءُ، فإن العرب لم تستعمل "سوى" في اختيار الكلام إلا ظرفًا، وتُتأول في الموضع الذي وقعت فيه غير ظرف٢.
واحتج سيبويه لهذا بعدم تصرفها، وعدم التصرف إنما يوجد في الظرف، وفي المصادر، وفي الأسماء المبهمة٣.
كما احتج البصريون لملازمة "سوى" النصب على الظرفيةِ بأنها صفة ظرف في الأصل، والأولى في صفات الظروف إذا حذفت موصوفاتها النصب٤.
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/٢٠٣، الأصول ١/١٩٩. ٢ انظر: الإنصاف ١/٢٩٦، التبيين ٤١٩. ٣ انظر: الكتاب ١/٢٠٣، ٢٠٤. ٤ انظر: كتاب سيبويه والضرورة الشعرية ٢٨٢.
[ ٤٤٩ ]
وذهب الكوفيون إلى أن "سوى" ترد بالوجهين، فتكون اسمًا كـ"غير" وتكون ظرفًا، فليس خروجها عن الظرفية، مقصورًا على الضرورة الشعرية١.
وذهب الزجاجي٢ (٣٤٠هـ) وابن مالك إلى أن "سوى" كـ"غير" تصرفًا ومعنى، فيقال: "جاءني سواك" بالرفع على الفاعلية، و"رأيت سواك" بالنصب على المفعولية، و" ما جاءني أحد سواك" بالنصب والرفع.
كما ذهب إلى هذا أيضًا ابن الناظم٣ ورجحه ابن هشام٤.
وأورد ابن مالك في شرح التسهيل، وشرح الكافية الشافية طائفةً من الشواهد النثرية، والشعرية الدالة على تصرفها٥.
وذهب الرماني٦ والعكبري٧ إلى أن "سوى" تستعمل ظرفًا غالبًا وكـ"غير" قليلًا، وإلى هذا ذهب المرادي٨ وابن هشام٩، ورجحه الأشموني ١٠ (٩٠٠هـ) .
وقد استعملها ابن مالك غير ظرف في باب "العلم" حيث قال:
واسمًا أتى وكنيةً ولقبا وأخرن ذا إن سواه صحبا ١١
_________________
(١) ١ انظر: المصدر السابق ٢٨٢. ٢ انظر: المغني ١٨٨، الهمع ٣/٣٦١. ٣ انظر: شرح الألفية ٣٠٧. ٤ انظر: المغني ١٨٨. ٥ انظر: شرح التسهيل ٢/٣١٤، ٣١٥، شرح الكافية الشافية ٢/٧١٦، ٧١٧. ٦ انظر: الارتشاف ٢/٣٢٦. ٧ انظر: التبيين ٤١٩، ٤٢٢. ٨ انظر: توضيح المقاصد ٢/١٢٠. ٩ انظر: أوضح المسالك ٢/٢٨٢. ١٠ انظر: شرح الأشموني ٢/١٦٠. ١١ الألفية ص ١٣.
[ ٤٥٠ ]
فـ"سواه" مفعول به مقدم لـ"صحب".
كما استعملها غير ظرف في باب "اسم الإشارة" إذ قال:
وذانِ تانِ للمثنى المرتفع وفي سواه ذَيْنِ تَيْنِ اذكر تَطع١
حيث جرّ "سوى"، لأنها عنده متصرفة٢.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص١٤. ٢ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ١٧، ١٨.
[ ٤٥١ ]
مجيء الحال من المبتدأ:
قال ابن مالك في باب " عطف النسق ":
فالعطفُ مطلقًا بواوٍ ثم -حتى أم أو كفيك صدقٌ ووفا١
فقوله: "العطف" مبتدأ وخبره "بواو" وما بعده. و"مطلقًا" حال من العطف. قاله المكودي٢.
فقوله: "ومطلقًا حال من العطف" فيه إتيان الحال من المبتدأ وهو ضعيف.
وقيل: حال من الضمير المستتر في الخبر. وجاء تقديم الحال على عاملها المضمن معنى الفعل دون حروفه؛ لأن ذلك مغتفر في النظم. على أن الأخفش، والناظم أجازاه قياسًا٣.
قلت: ستأتي قريبًا مسألة تقديم الحال على عاملها الظرفي. وسأناقش - هاهنا - مسألة إتيان الحال من المبتدأ. فأقول:
_________________
(١) ١ الألفية ص ٤٢. ٢ شرح المكودي ١٤٢. ٣ انظر: حاشية الملوي على المكودي ١٤٢.
[ ٤٥١ ]
اختلف النحويون في مجئ الحال من المبتدأ؛ فظاهر كلام سيبويه أن صاحب الحال في نحو: "فيها قائمًا رجلٌ" هو المبتدأ. وصححَّه ابن مالك.
وأكثر النحويين على منعه قائلين: إن صاحب الحال هو الضمير المستكن في الخبر بناءً على أنه لا يكون إلاَّ من الفاعل والمفعول١.
قال ابن مالك:
"وقول سيبويه هو الصحيح؛ لأن الحال خبرٌ في المعنى، فَجَعْلُه لأظهر الاسمين أولى من جعله لأغمضهما"٢.
(وزعم أبو الحسن بن خروف أن الخبر إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا لا ضمير فيه عند سيبويه، والفراء إلاَّ إذا تأخر، وأما إذا تقدم فلا ضمير فيه. واستدل على ذلك بأنه لو كان فيه ضمير إذا تقدم لجاز أن يؤكد، وأن يعطف عليه، وأن يبدل منه كما فعل ذلك مع التأخر) ٣.
وإذا قيل: "زيد راكبًا صاحبك" لم يجز عند الجمهور إلاَّ على تقدير: إذا كان راكبًا٤.
كما يظهر من كلام أبي القاسم الزجاجي في الجمل أن الابتداء يعمل في الحال؛ لأن العامل في الحال هو العامل في صاحب الحال ٥.
ومذهب أبي العباس المبرد، وتبعه ابن السراج أنه لا يعمل في الحال إلا فعل مجرد أو شيء في معنى الفعل كاسم الإشارة في قولك: هذا زيد قائمًا؛ لأن المبتدأ هاهنا في معنى الفعل وهو التنبيه، كأنك قلت: انتبه له قائمًا.
_________________
(١) ١ انظر: شرح التسهيل ٢/٣٣٣، البسيط ١/٣١٥، ٥٢٨، الارتشاف ٢/٣٤٧، الهمع ٤/٢٣. ٢ شرح التسهيل ٢/٣٣٣. ٣ شرح التسهيل ٢/٣٣٣، وانظر: الارتشاف ٢/٣٤٧، والهمع ٤/٢٣. ٤ انظر: البسيط ١/٣١٥. ٥ انظر: الجمل ٣٦٣، ٣٦٤. وانظر كذلك ص٣٥.
[ ٤٥٢ ]
وإذا قلت: ذاك زيد قائمًا صار كأنك قلت: أُشير لك إليه قائمًا١.
أما مذهب سيبويه: فإن الذي يظهر لي - كما ظهر لغيري من قبل - أن الحال تجئ من المبتدأ. فإنه قال في باب "ما ينتصب لأنه خبرٌ للمعروف المبني ":
(فأما المبني على الأسماء المبهمة فقولك: هذا عبد الله منطلقًا ، فـ"هذا" اسمٌ مبتدأ يُبنى عليه ما بعده وهو "عبد الله"، ولم يكن ليكون هذا كلامًا حتى يُبنى عليه أو يُبنى على ما قبله والمعنى أنك تريد أن تعرِّفه عبد الله؛ لأنك ظننت أنه يجهله، فكأنك قلت: انظر إليه منطلقًا، فـ " منطلقًا " حال قد صار فيها عبد الله، وحال بين منطلق وهذا٢.
لكن الذي يبدو لي من هذا النصّ أن المذهب المتقدم عن المبرد وابن السراج موافق لمذهب سيبويه وهو أن الحال تجيء من المبتدأ إذا كان في معنى الفعل كأسماء الإشارة؛ لأن سيبويه قال: "فكأنك قلت: انظر إليه منطلقا"
ومثَّل سيبويه - في موضع آخر من الكتاب - بـ"فيها عبد الله قائمًا، وعبد الله فيها قائمًا" ثم قال:
"قولك: "فيها" كقولك: استقرَّ عبد الله، ثم أردت أن تخبر على أية حال استقرَّ فقلت: قائمًا، فـ "قائم" حال مُسْتَقَرٌّ فيها.
وإن شئت ألغيت "فيها"٣ فقلت: فيها عبد الله قائمٌ فإذا نصبت القائم فـ"فيها" قد حالت بين المبتدأ والقائم واستُغني بها، فعمل المبتدأ حين لم يكن القائم مبنيًا عليه عَمَلَ: هذا زيد قائمًا"٤.
_________________
(١) ١ انظر: المقتضب ٣/٢٧٤، ٤/١٦٨. وانظر: الأصول ١/٢١٨. ٢ الكتاب ١/٢٥٦. ٣ يُسمي سيبويه الظرف - إذا لم يكن خبرًا - ملغى؛ لأنه يتم الكلام بإلغائه وإسقاطه، وذلك قوله: وإن شئت ألغيت فيها فقلت: فيها عبد الله قائم. انظر: شرح السيرافي جزء (٢) لوحة ١٩٩. ٤ الكتاب ١/٢٦١،٢٦٢.
[ ٤٥٣ ]
والراجح لديَّ أن المبتدأ يعمل في الحال إذا كان فيه معنى فعل كما قال سيبويه، وأبو العباس المبرد وأبو بكر بن السراج، وصححه ابن مالك.
وفي القرآن الكريم: ﴿وَهَذا بَعْلي شَيْخًا﴾ ١.
فالجمهور على نصب "شيخًا" وفيه وجهان٢ أشهرهما أنه حالٌ، والعامل فيه معنى الإشارة، والتنبيه أو أحدهما.
والآخر: أنه منصوب على التقريب٣ عند الكوفيين.
_________________
(١) ١ من الآية ٧٢ من سورة هود. ٢ انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج٣/٦٤، الكشاف ٢/٢٢٥، التبيان ٢/٧٠٧، الفريد ٢/٦٤٩، الدر المصون ٦/٣٥٧. ٣ يراد بالتقريب عمل اسم الإشارة "هذا وهذه" في الجمل الاسمية. قال السيوطي: (وذهب الكوفيون إلى أن هذا وهذه إذا أريد بهما التقريب كانا من أخوات "كان" في احتياجهما إلى اسم مرفوع وخبر منصوب نحو: كيف أخاف الظلم وهذا الخليفةُ قادمًا) الهمع ٢/٧١.
[ ٤٥٤ ]
مجيء الحال من النكرة بلا مسوغ:
حق الحال أن تكون من المعرفة؛ لأنها خبر في المعنى، وصاحبها مخبر عنه، فأصله أن يكون معرفة.
وكما جاز أن يُبتدأ بنكرة بشرط حصول الفائدة وأمن اللبس كذلك يكون صاحب الحال نكرة بشرط وضوح المعنى، وأمن اللبس. ولا يكون ذلك في الأكثر إلا بمسوغ. قاله ابن مالك١.
وأشهر ما ذكره النحويون من مسوغات تنكير صاحب الحال تخصيصُه بوصف أو بإضافة.
_________________
(١) ٤ شرح التسهيل ٢/٣٣١ (بتصرف يسير) .
[ ٤٥٤ ]
فمن الأول قول الحق ﵎: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أمْرًا مِنْ عِنْدِنا﴾ ١.
ومن الثاني قوله: ﴿في أَرْبَعَةِ أيَّامٍ سَواءً للسَّائِلِينَ﴾ ٢.
ومن مسوغات تنكيره كذلك: تقدم الحال عليه نحو: جاءني ضاحكًا رجلٌ.
أو اعتماده على نفي كقوله تعالى: ﴿ومَا أَهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ ٣.
أو نهي كـ"لا تعتب على صديقٍ غائبًا".
وقد اختلف النحاة في مجيء الحال من النكرة دون مسوغ من المسوغات السابقة؛ فذهب سيبويه إلى أن ذلك مقيسٌ لا يُوقف فيه على ما ورد به السماع، وإن كان الإتباع في إعرابه صفةً أقوى٤.
ووجه ماذهب إليه سيبويه أن الحال إنما يؤتى بها لتقييد العامل، فلا معنى لاشتراط المسوغ في صاحبها٥.
وذهب ابن مالك إلى إن مجيء صاحب الحال نكرة خالية من المسوغات المذكورة جائز بقلة؛ لقوله في الألفية:--
ولم يُنكَّرْ – غالبًا - ذو الحال إنْ لم يتأخر أو يُخصَّص أو يَبِنْ
من بعدِ نفيٍ أو مضاهيه كلا يبغ امرؤٌ على امرىءٍ مستسهلًا٦
ولمَّا كان هذا مذهبه - في مجيء صاحب الحال نكرة - فقد جاء شيءٌ من ذلك في باب "الإبدال" إذ قال:
_________________
(١) ١ من الآية ٤ من سورة الدخان. ٢ من الآية ١٠ من سورة فصلت. ٣ من الآية ٤٠ من سورة الحجر. ٤ الكتاب ١/٢٧٢. ٥ انظر: منحة الجليل ٢/٢٦٣. ٦ الألفية ص٣٠.
[ ٤٥٥ ]
أحرفُ الإبدالِ هَدَأْتَ مُوطيا فأبدلِ الهمزةَ من واوٍ ويا
آخرًا اثر ألفٍ زِيد وفي فاعِلِ ما أُعِلَّ عينًا ذا اقتُفي ١
قال الصبان (١٢٠٦هـ):
"وله: "آخرًا" جعله حالًا من المتعاطفين قبله، وإن أحوج إفراده إلى تأويلها بالمذكور، وإلى ارتكاب الحال من النكرة بلا مسوغ، وهو نادر"٢.
وذهب ابن هشام إلى ما ذهب إليه ابن مالك٣.
أما أبو حيان فقد اختار مجيء الحال من النكرة بلا مسوغ كثيرًا قياسًا، وإن كان دون الإتباع في القوة٤.
ويرى ابن الشجري٥ (٥٤٢هـ) والإسفراييني٦ (٦٨٤هـ) أن مجيء الحال من النكرة دون مسوغ ضعيف.
وعدَّه ابن أبي الربيع ضعيفًا قبيحًا٧. وكذا عدَّه قبيحًا ابن القواس٨
(٦٩٦هـ) فقال:
_________________
(١) ١ الألفية ص٦٧. ٢ حاشية الصبان على الأشموني ٤/٢٨٥. وقد تفرَّد الصبان بهذا الإعراب - حسب ما وقفت عليه - أما بقية المعربين فعلى أن "آخرًا" و"إثرَ" منصوبان على الظرفية. ٣ انظر: أوضح المسالك ٢/٣١٧. ٤ انظر: التذييل والتكميل جزء ٣ لوحة ٧٤. ٥ انظر: الأمالي ١/٣٤٦. ٦ انظر: لباب الإعراب ٣٢٥. والإسفراييني هو تاج الدين محمد بن محمد بن أحمد. ويعرف عند النحويين بصاحب اللباب وصاحب الضوء (الأنساب ١/٢٢٣، مفتاح السعادة ١/١٧٣) . ٧ انظر: البسيط ٢/٧٢٣. ٨ هو عز الدين أبو الفضل بن جمعة بن زيد بن القواس الموصلي. عالم بالنحو. ولد بالموصل سنة ٦٢٨هـ. شَرَح ألفية ابن معطي وكافية ابن الحاجب. (طبقات الحنابلة ٢/٣٧٩، بغية الوعاة ٢/٩٩) .
[ ٤٥٦ ]
إن خلت النكرة من مسوغ فمجيء الحال منها قبيح؛ لإمكان الحمل على الصفة مع المخالفة في الإعراب١.
وقال عنه السيوطي (٩١١هـ): نادر٢.
والصحيح عندي ما ذهب إليه سيبويه من صحة مجيء الحال من النكرة بلا مسوغ، وإن كان دون الإتباع في القوة؛ فقد ورد في كلام العرب شيئ من ذلك، كقولهم: فيها رجلٌ قائمًا، وعليه مائةٌ عينًا٣.
وما حكاه يونس (١٨٢هـ) فيما سبق أن العرب تقول: مررت بماءٍ قعدةَ رجلٍ. ويُسِّهل ذلك أن الحال إنما يجاء بها لتقييد العامل، فلا ضرورة لاشتراط المسوغ في صاحبها.
_________________
(١) ١ شرح ألفية ابن معطي ٢/٥٦٤ (بتصرف يسير) . ٢ انظر: الهمع ٤/٢١. ٣ العين - هاهنا - الدينار والذهب.
[ ٤٥٧ ]
تقديم الحال على عاملها غير المتصرف:
قال ابن مالك في باب "إعراب الفعل":
وبعدَ حتىَّ هكذا إضمارُ أنْ حَتْمٌ كـ "جد حتى تَسُرَّ ذا حَزَنْ١
فقوله: "إضمار": مبتدأ، و"حَتْمٌ" بمعنى واجب خبره، و"هكذا" في موضع الحال من "حتم" على أنه في الأصل نعت له قدم عليه فانتصب على الحال. والتقدير: إضمارُ أنْ بعد حتى هكذا فقدم الحال على عاملها، وهو غير متصرف، ولا شبيه به للضرورة٢.
_________________
(١) ١ الألفية ص ٥١. ٢ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ١١١.
[ ٤٥٧ ]
قلت: مذهب جمهور النحويين١ أنه إذا كان العامل في الحال فعلًا متصرفًا نحو: أتيت مسرعًا، وزيد دعا مخلصًا فإنه يجوز تقديم الحال عليه. وكذلك إذا كان العامل صفةً تشبه الفعل المتصرف بأن كانت متضمنهً معنى الفعل، وحروفه، وقبول علاماته الفرعية من تأنيث، وتثنية، وجمع، فذا في قوة الفعل. ويستوي في ذلك اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة. نحو: راحل، ومقبول. فيجوز أن يقال: مسرعًا أتيت، وزيد مخلصًا دعا، وهو مسرعًا راحل، وأنت شاهدًا مقبول٢.
قال ابن مالك:
والحالُ إن يُنصب بفعلٍ صُرِّفا أو صفةٍ أشبهتِ المصرَّفا
فجائزٌ تقديمه كمسرعا ذا راحلٌ، ومخلصًا زيدٌ دعا٣
فإذا كان العامل فعلًا غير متصرف كفعل التعجب لم يجز تقديمها عليه.
وكذلك لو كان العاملُ صفةً لا تشبه الفعل المتصرف كأفعل التفضيل، فإنه لا يجوز تقديم الحال عليه٤، نحو: زيد أحسنُ من عمرو ضاحكًا.
وجواز تقديم الحال على العامل المتصرف مشروط بعدم المانع كوقوعه
صلة " ال " نحو: أنت المصلي فذًّا، والجائي مسرعًا زيدٌ. فلا يقال: ال فذًَّا أنت مصلٍّ، ولا: ال مسرعًا جاءني زيدٌ. بخلاف صلة غيرها فيقال: من الذي خائفًا جاء٥؟
_________________
(١) ١ يرى أبو عمر الجرمي أنه لا يجوز تقديم الحال على عاملها مطلقًا تشبيهًا لها بالتمييز. ويرى الأخفش منع تقديم الحال في نحو " راكبًا جاء زيدٌ " لبعدها عن العامل. انظر: الارتشاف ٢/٣٤٩، توضيح المقاصد ٢/١٥٢، المساعد ٢/٢٦، الهمع ٤/٢٧. ٢ انظر: شرح الكافية الشافية ٢/٧٥٢، شرح التسهيل ٢/٣٤٣، شرح ابن عقيل ٢/٢٧٠. ٣ الألفية ص ٣٠. ٤ يستثنى من ذلك لو توسط أفعل التفضيل بين حالين نحو: زيدٌ مفردًا أنفع من عمرو معانًا؛ فلا يجوز تقديم هذين الحالين ولا تأخيرهما عنه، فلا يقال: زيدٌ مفردًا معانًا أنفع من عمرو، ولا زيدٌ أنفع من عمرو مفردًا معانا. انظر: توضيح المقاصد ٢/١٥٣. ٥ انظر: شرح التسهيل ٢/٣٤٤، الارتشاف ٢/٣٥٠، الهمع ٤/٢٩.
[ ٤٥٨ ]
وكذلك لو كان العامل صلةً لحرفٍ مصدري عامل كـ"أن" أو إحدى أخواتها، نحو: يعجبني أن يقوم زيدٌ مسرعًا، فلا يجوز: يعجبني أنْ مسرعًا يقوم زيد١.
أو كان مصدرًا ينسبك بحرف مصدري، والفعل نحو: سرني ذهابك غدًا غازيًا، ولأجزينك بودك إياي مخلصًا٢.
وقد يكون العامل غير ما ذكر وعرض له مانع يمنع ما بعده أن يعمل فيما قبله؛ كأن يكون مقرونًا بلام ابتداء نحو: لأصبر محتسبًا، أو بلام قسم نحو: لأقومن طائعًا؛ فإن ما في حيِّز لام الابتداء ولام القسم لا يتقدم عليهما، إذ لا يقال: محتسبًا لأصبر، ولا: طائعًا لأقومنَّ؛ لأن لام الابتداء ولام القسم من الأشياء التي لها الصدارة فلا يجوز أن يعمل ما بعدهما في شيءٍ قبلهما٣.
هذا هو مجمل قول جمهور النحويين في مسألة تقديم الحال على عاملها، ومنهم ابن مالك كما اتضح.
وعليه فإن تقديم الناظم للحال في النظم السابق يُعدُّ ضرورة؛ لأن العامل فيها وهو قوله "حتم" مصدر وليس بفعل متصرف ولا شبيه بالمتصرف.
_________________
(١) ١ انظر: شرح التسهيل ٢/٣٤٤، الارتشاف ٢/٣٥٠. ٢ انظر: شرح التسهيل ٢/٣٤٤، أوضح المسالك ٢/٣٢٨. ٣ انظر: شرح التسهيل ٢/٣٤٤، أوضح المسالك ٢/٣٣٠، التصريح ١/٣٨٣.
[ ٤٥٩ ]
تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف:
لايجوز عند أكثر النحويين تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف، فلا يجوز عندهم أن يقال في "مررت بهندٍ جالسةً" مررت جالسةً بهند، قياسًا على المجرور بالإضافة في امتناع تقدم حاله عليه١.
_________________
(١) ١ انظر: المقتضب ٤/١٧١، ٣٠٢، اللمع ١١٨، أمالي ابن الشجري ٣/١٥، التوطئة ٢١٤، شرح التسهيل ٢/٣٣٦، شرح الكافية الشافية ٢/٧٤٤.
[ ٤٥٩ ]
وذهب ابن كيسان (٣٢٠هـ)، وأبو علي الفارسي، وابن برهان إلى جواز ذلك١.
وتابعهم ابن مالك فقال في الألفية:
وسبقَ حالٍ ما بحرفٍ جُرَّ قد أَبَوْا، ولا أمنعه فقد وردْ ٢
وحجته في ذلك - بالإضافة إلى السماع - أن المجرور بحرف مفعولٌ به في المعنى، فلا يمتنع تقديم حاله عليه كما لا يُمنع تقديم المفعول به٣.
ومما جاء مسموعًا من أشعار العرب الموثوق بعربيتهم قول الشاعر٤:
لئن كانَ بردُ الماءِ هيمانَ صاديًا-إليَّ حبيبًا إنها لحبيبُ ٥
فـ "هيمان" و"صاديا" حالان من الضمير المجرور بـ "إلى" وهو الياء.
_________________
(١) ١ انظر: شرح التسهيل ٢/٣٣٧، الارتشاف ٢/٣٤٨. ٢ الألفية ص ٣٠. ٣ انظر: شرح الكافية الشافية ٢/٧٤٤. ٤ اختلف فيه فقيل: هو عروة بن حزام العذري، وقيل: كثيرِّ عزَّة، وقيل: قيس بن ذريح، وقيل: مجنون ليلى. فهو لعروة في: الشعر والشعراء ٢/٦٢٣، والخزانة ٣/٢١٢، ٢١٨، ولكثير عزة في المقاصد النحوية ٣/١٥٦، وللمجنون في سمط اللآلي ٤٠٠. وقال المبرد في الكامل ٢/٧٨٩: أحسبه لقيس بن ذريح. وبلا نسبة في: شرح التسهيل ٢/٣٣٨، شرح ابن عقيل ٢/٢٦٤، شرح الأشموني ٢/١٧٧. ٥ البيت من "الطويل". "هيمان": شديد العطش. "صاديًا": عطشان. يقول: إذا كان الماء البارد حبيبًا إلى نفسي وأنا في أشد العطش والظمأ فإن هذه المرأة حبيبة إلى نفسي كالماء للعطشان.
[ ٤٦٠ ]
وأشار في التسهيل، وشرحه إلى أن تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف ضعيفٌ على الأصح لا ممتنع ١.
ولما كان تقديم الحال على صاحبها بهذه الهيئة جائز عنده - وإن كان ممتنعًا عند غيره - استخدمه في باب "أفعل التفضيل" حيث قال:
وأفعلَ التفضيلِ صله أبدا-تقديرًا او لفظًا بـ "مِنْ" إنْ جُرِّدا٢
فقوله: "تقديرًا أو لفظًا" مصدران في موضع الحال من المجرور بعدهما. وعند المانعين منصوبان على إسقاط "في"٣.
_________________
(١) ١ انظر: شرح التسهيل ٢/٣٣٧، الارتشاف ٢/٣٤٨. ٢ الألفية ص ٣٠. ٣ انظر: شرح الكافية الشافية ٢/٧٤٤.
[ ٤٦١ ]
تقديم الحال على عاملها المضمن معنى الفعل دون حروفه:
للحال مع عاملها - إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا - ثلاث صور:
الأولى: أن تتأخر عن الجملة نحو: زيد في الدار قائمًا وزيد عندك مقيمًا. وهذه الصورة لا إشكال في جوازها، بل هي الأصل١.
الثانية: أن تتوسط بين المخبر عنه والخبر. نحو: زيدٌ قائمًا في الدار، وزيد مقيمًا عندك - وستأتي قريبًا -.
الثالثة: أن تتقدم الحال على الجملة نحو: قائمًا زيدٌ في الدار، ومقيمًا زيدٌ عندك. وهي ما أنا بصدد الحديث عنه الآن؛ حيث قال ابن مالك في آخر باب "أبنية المصادر":
في غيرِ ذي الثلاثِ بالتا المرّهْ وشذَّ في هيئةٍ كالخِمْرهْ٢
_________________
(١) ١ انظر: توضيح المقاصد ٢/١٥٦. ٢ الألفية ص٣٧.
[ ٤٦١ ]
فإن قوله: "في غير" جار ومجرور متعلق بمحذوف حال مقدم على صاحبه وهو الضمير المستكن في خبر المبتدأ المقدم الذي هو قوله: "بالتا" و"المرَّه" مبتدأ مؤخر. والتقدير: والمرة كائنة بالتاء حال كونها كائنة في غير الفعل صاحب الأحرف الثلاثة، فقدم الحال على عاملها المضمن معنى الفعل دون حروفه١.
قال الأزهري: وهو نادر٢.
فهذه الصورة منعها جمهور النحاة، فلا يقال عندهم: قائمًا زيدٌ في الدار، ولا قائمًا في الدار زيدٌ؛ نظرًا إلى ضعف الظروف في العمل٣.
على أن أبا بكر بن طاهر٤ (٥٨٠هـ) قد ذكَر أنه ليس ثمت خلاف في امتناع: قائمًا زيدٌ في الدار٥، وتبعه ابن مالك٦.
ولكن الصحيح خلاف ذلك؛ فإن أبا الحسن الأخفش قد أجاز في قولهم:
"فداءً لك أبي وأمي" أن يكون "فداءً" حالًا، والعامل فيه "لك". وهو نظير: قائمًا في الدار زيدٌ٧.
أما الصورة التي وعدت قريبًا بذكرها فهي أن تتوسط الحال بين المخبر عنه، والخبر، وتلك لا تخلو من أن تكون متوسطة بين الخبر المقدم، والمبتدأ المؤخر نحو: عندك قائمًا زيد، وفي الدار مقيمًا عمرو. وهذه لا خلاف في جوازها٨.
_________________
(١) ١ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ٧٦، منحة الجليل ٣/١٣٣. ٢ تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ٧٦. ٣ انظر: الكتاب ١/٢٧٧، المقتضب ٤/٣٠٠. ٤ هو محمد بن أحمد بن طاهر الأنصاري الإشبيلي. يُعرف بـ "الخِدَبّ ". نحوي، حافظ، بارع اشتهر بتدريس " الكتاب " و" معاني القرآن " للفراء، و" الإيضاح " لأبي علي. (إنباه الرواة ٤/١٩٤، ١٩٥، إشارة التعيين ٢٩٥، بغية الوعاة ١/٢٨) . ٥ ينظر: الارتشاف ٢/٣٥٥. ٦ ينظر: شرح الكافية الشافية ٢/٧٥٣. ٧ ينظر: الارتشاف ٢/٣٥٥، توضيح المقاصد ٢/١٥٦. ٨ انظر: توضيح المقاصد ٢/١٥٧.
[ ٤٦٢ ]
أو تكون الحال بين المبتدأ والخبر في ترتيبها الأصلي، نحو: زيد قائمًا عندك، وعمرو مقيمًا في الدار.
ففي هذه الصورة خلاف بين النحويين على أربعة مذاهب. سأوردها باختصار، ولكني سأذكر قبل ذلك ما جاء في ألفية ابن مالك من هذا القبيل.
ففي باب " عطف النسق " قال:
فالعطف مطلقًا بواوٍ ثم فا حتى أم أو كفيك صدقٌ ووفا ١
فقوله: "العطف": مبتدأ، وخبره قوله: "بواو" و"مطلقًا" حال من الضمير المستتر في الخبر، وجاء تقديم الحال على عاملها المضمن معنى الفعل دون حروفه؛ لأن ذلك مغتفر في النظم، على أن الأخفش والناظم أجازاه قياسًا٢.
وفي باب "المقصور والممدود" قال:
والعادمُ النظير ذا قصر وذا مدٍّ بنقلٍ كالحجا وكالحذا ٣
فقوله: "العادم": مبتدأ، و"بنقل" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبره. و"ذا قصر وذا مد" حالان من الضمير المستكن في الخبر. وهذا من تقديم الحال على عاملها المعنوي٤.
والآن أُورد المذاهب الأربعة في هذه المسألة:
الأول: مذهب جمهور البصريين المتمثل في المنع مطلقًا٥. وما ورد من ذلك فمسموع يحفظ ولا يقاس عليه٦؛ نظرًا لضعف العامل بعدم تصرفه٧.
_________________
(١) ١ الألفية ص٤٢. ٢ انظر: حاشية الملوي على المكودي ١٤٢. ٣ الألفية ص٥٧. ٤ انظر: شرح الأشموني ٤/١٠٩. ٥ انظر: الارتشاف ٢/٣٥٥، توضيح المقاصد ٢/١٥٧، شرح الأشموني١/١٨١. ٦ انظر: شرح الألفية لابن الناظم ٣٢٩، شرح الأشموني ١/١٨١. ٧ انظر: المقتضب ٤/١٧٠.
[ ٤٦٣ ]
الثاني: الجواز مطلقًا، وإليه ذهب الفراء١، والأخفش٢، وصحَّحه ابن مالك مع التضعيف٣.
واستدل المجيزون بجملة من الشواهد، منها قراءة بعضهم ٤: ﴿وَقَالُوا ما فِي بُطُونِ هذِه الأنعامِ خالِصَةً لِذكُورِنا ومُحَرَّمٌ على أَزْواجِنا﴾ ٥.
بنصب " خالصةً " على الحال المتوسطة بين المخبر عنه وهو " ما " والمخبر به وهو " لذكورنا".
أما المانعون فقد ردُّوا ذلك وتأولوه.
فمن أقوالهم: إن ما ورد من هذا قليل لا يُحفظ منه إلا هذا، وما لا بال له لقلته لا ينبغي القياس عليه ٦.
ومن تخريجاتهم للآية أن " خالصة " معمولة للجار والمجرور قبلها على أنها حال من الضمير المستتر في صلة " ما " فهو العامل في الحال. وتأنيث " خالصة " باعتبار معنى " ما "؛ لأنها واقعة على الأجنَّة ٧.
المذهب الثالث: الجواز بقوة إن كان الحال ظرفًا أو جارًا ومجرورًا وبضعف إن كان اسمًا صريحًا، وهو مذهب ابن مالك في التسهيل وشرحه ٨.
_________________
(١) ١ انظر: الارتشاف ٢/٣٥٥. ٢ انظر: شرح الجمل ١/٣٣٥، الفوائد الضيائية ١/٣٨٨. ٣ انظر: شرح التسهيل ٢/٣٤٦، وانظر: الهمع ٤/٣٣. ٤ هي قراءة ابن عباس بخلاف، والأعرج، وقتادة، وسفيان بن حسين، وابن جبير، والزهري. (مختصر في شواذ القرآن ٤١، المحتسب ١/٢٣٢، البحر المحيط ٤/٢٣١) . ٥ من الآية ١٣٩ من سورة الأنعام. ٦ انظر: شرح الألفية لابن الناظم ٢٣٩. وانظر: شرح الجمل ١/٣٣٦. ٧ انظر: التصريح ١/٣٨٥، شرح الأشموني ٢/١٨٢. وانظر: إعراب القرآن للنحاس ٢/١٠٠، الكشاف ٢/٤٣. ٨ انظر: التسهيل ١١١، وشرحه ٢/٣٤٦. وانظر: الارتشاف ٢/٣٥٦، شرح الأشموني ٢/١٨١.
[ ٤٦٤ ]
المذهب الرابع: الجواز إذا كانت الحال من مضمر مرفوع نحو: أنت قائمًا في الدار، والمنع إن كانت من ظاهر، وهو مذهب الكوفيين، فأجازوا أن يُقال في: " أنت في الدار قائمًا ": في الدار قائمًا أنت، وأنت قائمًا في الدار١.
والذي أميل إليه: أنه يجوز وقوع الحال بين المبتدأ والخبر في نحو: زيد في الدار قائمًا، وزيدٌ عندك مقيمًا. فيقال: زيدٌ قائمًا في الدار، وزيد مقيمًا عندك، وذلك لأمرين:
الأول: السماع. وله شواهد مبثوثة في كتب النحو وغيرها.
الثاني: أنه يتسع في الظرف والجار والمجرور ما لا يتسع في غيرهما.
_________________
(١) ١ انظر: الارتشاف ٢/٣٥٥، تعليق الفرائد ج١ مج٣ ص١٩١٧.
[ ٤٦٥ ]
تفديم الصفة على الموصوف
تقديم الصفة على الموصوف:
وهو من الأشياء التي نصَّ النحاة على منعها١.
وذهب بعضهم إلى أنه إذا تقدمت الصفة على الموصوف أُعربت - حينئذٍ - حسب موقعها وأُبدل منها الموصوف٢.
فإذا قيل - مثلًا -: مررت بالطويل عبد الله فإنه لا يجوز جعل الطويل صفةً لعبد الله، ولكن على إرادة: مررت بالرجل الطويل عبد الله، فحذف الموصوف وأبدل عبد الله من الصفة. قاله ابن الشجري، وحكم عليه بالقبح٣.
_________________
(١) ١ انظر: أمالي ابن الشجري ١/٢٧٥، شرح الجمل ١/٢١٨. ٢ انظر: إعراب القرآن للنحاس ٥/٢٣٣، شرح التسهيل ٣/٣٢٠، البحر المحيط ٥/٤٠٤، حاشية ابن الحاج ٢/٣٤. ٣ انظر: أمالي ابن الشجري ١/٢٧٥.
[ ٤٦٥ ]
ومثل ابن مالك١ لتقديم النعت وجعل المنعوت بدلًا بقوله ﷿:
﴿إلى صِراطِ العَزيزِ الحَمِيدِ اللهِ﴾ ٢.
أما في الألفية فقد ذكر بعض المعربين بعض المواضع التي اضطر فيها ابن مالك إلى تقديم الصفة على الموصوف لإقامة الوزن. كقوله في باب "جمع المذكر السالم":
وارفع بواوٍ وبيا اجرُرْ وانصبِ سالمَ جمعِ عامرٍ ومذنبِ ٣
الأصل: جمع عامر ومذنب السالم، فقدم الصفة على الموصوف، وحذف "ال" ليتمكن من الإضافة، ثم أضاف الصفة إلى موصوفها كجرد قطيفةٍ وفاضل رجلٍ للضرورة٤.
وقال في باب "لا النافية للجنس":
ومفردًا نعتًا لمبنيٍّ يلي فافتح أو انصبَن أو ارفع تَعْدِلِ ٥
-قدَّم "مفردًا" على "نعتًا" مع أن حقه التأخير عنه؛ لأنه وصف له لأجل الضرورة. ويجوز نصبه على الحال؛ لأنه نعت نكرة تقدم عليها٦.
وقال في باب "النداء":
وابنِ المعرَّف المنادى المفردا على الذي في رفعه قد عُهِدا ٧
فقوله: " المعرَّف " مفعول بـ "ابْنِ"، وكان حقه أن يقدم المنادى؛ لأن المعرَّف نعت له، والمفرد نعت للمنادى٨.
_________________
(١) ١ انظر: شرح التسهيل ٣/٣٢٠. ٢ من الآيتين ١، ٢ من سورة إبراهيم. ٣ الألفية ص١١. ٤ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ١٠. ٥ الألفية ص٢١. ٦ انظر: شرح المكودي ٥١. ٧ الألفية ص٤٤. ٨ انظر: شرح المكودي ١٤٩، وانظر: حاشية الصبان ٣/١٣٧.
[ ٤٦٦ ]
فأصل كلام الناظم: وابنِ المنادى المعرف المفرد الخ، فالمعرّف نعت للمنادى، فقدم النعت وهو "المعرَّف" على المنعوت وهو "المنادى"، فأعرب المعرف مفعولًا والمنادى بدلًا منه، فصار التابع متبوعًا. ولو أراد الناظم السلامة من ذلك لقال:
وابنِ المنادى المفرد المعرَّفا-على الذي في رفعه قد أُلفا١.
_________________
(١) ١ انظر: حاشية ابن الحاج على شرح المكودي ٢/٣٤.
[ ٤٦٧ ]
تقديم معمول المصدر على المصدر:
قال ابن مالك في باب "الضمير":
وفي لَدُنِّي لَدُني قَلَّ وفي-قَدْني وقَطْني الحذفُ أيضًا قد يفي١
فإن قوله: "وفي قدني" متعلق بـ "يفي" أو بالحذف؛ فعلى الأول يلزم تقديم معمول الخبر على المبتدأ. ويلزم على الثاني إعمال المصدر المحلى بـ "أل" وتقديم معموله عليه، وكلاهما خاص بالشعر٢.
وقال في باب "كان وأخواتها":
وبعد أنْ تعويضُ ما عنها ارتُكِبْ كمثل: أمَّا أنت برًّا فاقتربْ ٣
قال الأزهري: "وبعد: متعلق بـ"ارتكب" أو بـ"تعويض". وأيًّا كان فاللازم أحد الأمرين: إما تقديم معمول الخبر الفعلي على المبتدأ، أو تقديم معمول المصدر عليه، وكلاهما مخصوص بالشعر"٤.
_________________
(١) ١ الألفية ص١٣. ٢ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ١٦. ٣ الألفية ص١٨. ٤ تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ٣١.
[ ٤٦٧ ]
وقال الناظم في أول باب "التنازع":
إنْ عاملانِ اقتضيا في اسمٍ عَمَلْ قبلُ فللواحد منهما العملْ١
فالمكودي يرى أن قوله: "في اسم" متعلق بـ"اقتضيا"٢، لكن الذي يظهر للأزهري - كما قال - أنه متعلق بـ"عمل" وقدم عليه للضرورة٣.
وفي باب "الممنوع من الصرف" قال:
ولسراويلَ بهذا الجمعِ شبهٌ اقتضى عمومَ المنعِ٤
نقل الأزهري عن الشاطبي قوله: "أتى بضرورة في هذا البيت؛ حيث قدم "بهذا" على "شبَه" وهو مصدر مقدر بـ "أنْ" والفعل، ولا يتقدم معموله عليه، ولا يمكن أن يقدر "شَبَه" هنا بمشبه كما قدر "عجب" بمعنى معجب في قوله تعالى: ﴿أَكان للنَّاسِ عَجَبًا﴾ ٥) اهـ. بمعناه٦.
قال الأزهري: "وقد يمنع كونه مقدرًا بـ "أنْ" والفعل هنا ويدعي بأنه مصدر صريح، وحينئذٍ لا يمنع تقديم معموله عليه على الأصحّ - سلّمنا ذلك، لكن ذاك في غير المجرور والظرف لكونهما يكتفيان برائحة الفعل عند المحققين"٧.
ومن هذا قوله في باب "إعراب الفعل":
_________________
(١) ١ الألفية ص٢٦. ٢ انظر: شرح المكودي ٧٠. ٣ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ٥٠. ٤ الألفية ص٥٠. ٥ من الآية ٢ من سورة يونس. ٦ تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ١٠٧. ٧ المصدر السابق ١٠٧.
[ ٤٦٨ ]
وبعدَ " حتى" هكذا إضمارُ "أنْ" حتمٌ كـ" جد حتى تسرَّ ذا حَزَنْ١
أعرب الأزهري قوله: "حتم" خبر المبتدأ الذي هو "إضمار" والتقدير: إضمارُ أن حتم بعد حتى هكذا. قال: فقدم معمول المصدر عليه، وعلى المبتدأ العامل فيه للضرورة٢.
قلت: المصدر العامل على ضربين:
أحدهما: مقدر بالفعل وحده وهو الآتي بدلًا من اللفظ بفعله نحو: ضربًا زيدًا. وهذا يعمل عند أكثر النحويين مقدمًا ومؤخرًا؛ لأنه ليس بمنزلة موصول، ولا معموله بمنزلة صلة؛ فيقال: ضربًا زيدًا، وزيدًا ضربًا٣.
والآخر: مقدر بالفعل، وحرف مصدري. ولأجل تقديره بهذا جُعل هو ومعموله كموصول وصلة، فلا يتقدم ما يتعلق به عليه، كما لا يتقدم شيءٌ من الصلة على الموصول٤.
وقد نسب السيوطي إلى ابن السراج القول بجواز تقديم المفعول على المصدر نحو: يعجبني عمرًا ضَرْبُ زيدٍ٥.
والذي في "الأصول" خلاف ذلك؛ إذ صرّح أبو بكر بعدم الجواز فقال: "واعلم أنه لا يجوز أن يتقدم الفاعل ولا المفعول الذي مع المصدر على المصدر؛ لأنه في صلته"٦.
ويرى ابن مالك إضمار عامل فيما أوهم خلاف ذلك، أو عدَّه نادرًا٧.
_________________
(١) ١ الألفية ص٥١. ٢ تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ١١١ (بتصرف يسير) . ٣ انظر: شرح الكافية الشافية ٢/١٠٢٤، شرح ألفية ابن معطي ٢/١٠١٢. ٤ انظر: التبصرة والتذكرة ١/٢٤١، شرح الكافية الشافية ٢/١٠١٩. ٥ انظر: الهمع ٥/٦٩. ٦ الأصول ١/١٣٧. ٧ انظر: التسهيل ١٤٢، شرح الكافية الشافية ٢/١٠١٩.
[ ٤٦٩ ]
فقد يجيء ما قبل المصدر متعلقًا به من جهة المعنى تعلق المعمول بالعامل، كقول ابن مُقْبل١:
لقد طالَ عن دهماءَ لدِّي وعِذْرتي-وكتمانُها أُكني بأمِّ فُلانِ٢
وكقول عمر بن أبي ربيعة:
ظنُّها بي ظنُّ سوءٍ كُله وبها ظنِّي عَفافٌ وكرمْ٣
قال ابن مالك:
فَلَنا في هذه أن نعلق ما تقدم بمصدر آخر محذوف لدلالة الموجود عليه، فيصير كأنه قال: لدِّي عن دهماء لدِّي. وظنِّي بها ظنِّي. فيُتلطف لذلك كله فيما يُؤمن معه الخطأ ويُثبت به الصواب٤.
ويكون هذا التقدير نظير قولهم في قوله تعالى: ﴿وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدينَ﴾ ٥، أنَّ تقديره: وكانوا زاهدين فيه من الزاهدين٦.
_________________
(١) ١ هو تميم بن أُبيّ بن مقبل، أبو كعب. من بني العجلان. شاعر مجيد مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام فأسلم. (طبقات فحول الشعراء ١/١٥٠، الشعر والشعراء ١/٤٥٥ - ٤٥٨، الإصابة ١/١٨٩، ١٩٠) . ٢ البيت من " الطويل ". اللدد: الجدال والخصومة. الديوان ٣٤٤، أمالي المرتضى ٢/١٧٣، شرح التسهيل ٣/١١٣، التذييل والتكميل جـ٣ لوحة ٢٣٥، شرح شذور الذهب ٣٧٤، شفاء العليل ٢/٦٤٧. ٣ من " الرمل " ومعناه ظاهر. انظر: الديوان ٣٧٧ برواية " سوءٍ فاحشٍ "، شرح التسهيل ٣/١١٣، التذييل والتكميل جـ٣ لوحة ٢٣٥. ٤ انظر: شرح التسهيل ٣/١١٣، شرح الكافية الشافية ٢/١٠١٩. ٥ من الآية ٢٠ من سورة يوسف. ٦ تلك مسألة تتعلق بتقديم معمول الصلة على الموصول؛ حيث اختلف النحويون فيها على عدّة مذاهب؛ منها: المنع مطلقًا وهو قول جمهور البصريين، وأوَّلوا ما جاء في ذلك من شواهد على أربعة تأويلات؛ أحدها: أنه على تقدير عامل مضمر تقديره: أعني، ففي قوله تعالى: ﴿وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدينَ﴾ يكون التقدير: أعني فيه من الزاهدين.. الثاني: أن يكون التقدير: وكانوا زاهدين فيه من الزاهدين، ويكون قوله: "من الزاهدين" تبيينًا لا صلة. وإذا كان كذلك جاز تقديمه؛ لأنه ليس في الصلة. والثالث: أن الألف واللام ليست بمعنى "الذي" وإنَّما هي للتعريف كهي في "الرجل". والرابع: أن الجار والمجرور متعلق بما تعلق به قوله: ﴿مِنَ الزَّاهِدينَ﴾؛ لأن ﴿مِنَ الزَّاهِدينَ﴾ واقع خبرًا وهو متعلق بمحذوف فيتعلق أيضًا بـ "فيه". انظر: اللامات ٥٨، ٥٩، المسائل البغداديات ٥٥٨، التبصرة والتذكرة ١/٢٧٧، الأمالي لابن الحاجب ١/١٥٢.
[ ٤٧٠ ]
وزاد في شرح التسهيل تأويلين أحدهما: أن يجعل ما تقدم متعلقًا بنفس المصدر الموجود على نية التقديم والتأخير.
الثاني - وهو الذي تطمئن إليه النفس لبعده عن التكلف -: أن يكون ما تقدم متعلقًا بالمصدر الموجود نفسه، لا على نية التقديم والتأخير ولكن على أن يكون ذلك مُستباحًا في المصدر، وإن لم يُتسبح مثله في الموصول المحض كما استُبيح استغناؤه عن معمول لا دليل عليه، وإن لم يُتسبح مثله في صلة الموصول١.
_________________
(١) ١ انظر: شرح التسهيل ٣/١١٤.
[ ٤٧١ ]
الإخبار عن المصدر قبل تمام عمله:
قال ابن مالك في باب "الصفة المشبهة باسم الفاعل":
وعملُ اسمِ فاعلِ المُعدَّى لها على الحدِّ الذي قد حُدَّا١
أعرب المكودي "عمل" مبتدأ و"اسم فاعل" مضافًا إلى "المعدَّى". قال: "وهو على حذف الموصوف. والتقدير: فاعل الفعل المعدَّى. و"لها" في موضع خبر "عمل"، و"على الحدّ" متعلق بـ "عمل"٢.
_________________
(١) ١ الألفية ص٣٨. ٢ شرح المكودي ١٢١.
[ ٤٧١ ]
فقوله: "لها" في موضع خبر المبتدأ الذي هو "عمل" و"على الحدّ" متعلق بـ "عمل" فيه الإخبار عن المصدر قبل تمام عمله١.
قد تقدمت الإشارة - قريبًا - إلى أن المصدر المقدر بالحرف المصدري والفعل مع معموله كالموصول مع صلته وأنه لا يتقدم عليه ما يتعلق به كما لا يجوز تقديم شيء من الصلة على الموصول، ولا يفصل بينهما بأجنبي كما لا يفصل بين الموصول وصلته٢.
هذا رأي جمهور النحويين في هذه المسألة.
قال ابن مالك في الكافية الشافية:
وهو مع المعمول كالموصول مع صلته فيما أُجيز وامتُنع
وبالندور احكم على الذي يرد بغير ذا، أو حاول العذر تجدْ ٣
وقال في التسهيل:
"ويُضمرُ عاملٌ فيما أوهم خلاف ذلك، أو يُعدُّ نادرًا"٤.
أي إن وقع ما يوهم خلاف ما ينبغي تُلطف له فيما يؤمن معه الخطأ ويُثبت به الصواب، من محاولة تخريجه على وجه مناسب ومحاولة إيجاد العذر، كالضرورة الشعرية. فإن لم يتأتَ كلُّ ذلك حُمل على النُّدرة٥.
فممَّا يوهم الفصل بأجنبي - مثلًا - قول الشاعر٦:
المنُّ للذمِّ داعٍ بالعطاءِ فلا تمنن فتُلقى بلا حمد ولا مالِ٧
_________________
(١) ١ انظر: حاشية الملوي على شرح المكودي ١٢١. ٢ انظر: شرح التسهيل ٣/١١٣، شرح الكافية الشافية ٢/١٠١٨، شرح الأشموني ٢/٢٩١. ٣ الكافية الشافية ٢/١٠١٨. ٤ التسهيل ١٤٢. ٥ انظر: شرح الكافية الشافية ٢/١٠١٩. ٦ لم أجده من سمَّاه. ٧ من "البسيط" وقد ورد في: شرح الكافية الشافية ٢/١٠٢٠، شرح الأشموني ٢/٢٩٢.
[ ٤٧٢ ]
فإن من يسمع هذا البيت يسبق إلى ذهنه أن الباء الجارة لـ "العطاء" متعلقة بـ "المن"؛ ليكون التقدير: المنُّ بالعطاء داعٍ للذم، وعليه مدار المعنى. غير أن هذا التقدير ممتنع من جهة الإعراب؛ لأنه يلزم منه ارتكاب محذورين؛ أحدهما: الفصل بين المصدر ومعموله١. والآخر: الإخبار عن المصدر قبل تمام عمله، أي فيما تعلق به من مجرور وغيره.
فيُخرج البيت على تعليق الباء بمحذوف؛ كأنه قيل: المنُّ للذمِّ داعٍ المنّ بالعطاء، فـ "المنَّ" الثاني يدل على "المنِّ" الأول، فحُذف وأُبقي ما يتعلق به دليلًا عليه٢.
_________________
(١) ١ أجاب بعضهم كابن الحاجب بأن الفصل مغتفر إذا كان المعمول ظرفًا كما في قوله تعالى: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الآيتان ٨، ٩ من سورة الطارق] . انظر: حاشية الصبان ٢/٢٩٢. ٢ انظر: شرح الكافية الشافية ٢/١٠٢٠،١٠٢١، شرح الأشموني ٢/٢٩٢.
[ ٤٧٣ ]
تقديم "مِنْ" ومجرورها على أفعل التفضيل:
إذا كان أفعل التفضيل مجردًا جيء بعده بـ "مِنْ" جارةً للمفضَّل عليه نحو: محمدٌ أكرمُ من خالدٍ. و"مِنْ" ومجرورها بمنزلة المضاف والمضاف إليه، لا يجوز تقديمها عليه، كما لا يجوز تقديم المضاف إليه على المضاف١.
ويتعيّن تقديم "مِنْ" ومجرورها على أفعل التفضيل إذا كان المجرور اسم استفهام أو مضافًا إلى اسم استفهام٢.
أما إذا كان المجرور بـ "من" غير استفهام لم يجز تقديمه على أفعل التفضيل إلا في ضرورة الشعر عند كثير من النحويين٣، كقول الفرزدق:
_________________
(١) ٣ انظر: شرح ابن عقيل ٣/١٨٤. ٤ انظر: شرح الرضي ٣/٤٥٦، التسهيل ١٣٣، شرح الكافية الشافية ٢/١١٣٤. ٥ انظر: شرح المفصل ٢ / ٦٠، شرح الرضي ٣/٤٥٦، الارتشاف ٣ / ٢٢٩، أوضح المسالك ٣ / ٢٩٣، الهمع ٥/١١٥.
[ ٤٧٣ ]
فقالت لنا: أهلًا وسهلًا، وزوَّدتْ جنى النحل بل ما زوَّدتْ منه أطيبُ١
-فقدَّم المجرور بـ "مِنْ" على أفعل التفضيل في غير الاستفهام.
أما ابن مالك فقد عَدَّ التقديم بهذه الصورة نادرًا لا ممتنعًا، فقال في الألفية:
وإنْ تكنْ بتلوِ " مِنْ " مستفهِمًا-فلهما كن أبدًا مقدِّما
كمثل: مِمَّنْ أنت خيرٌ؟ ولدى إخبارٍ التقديمُ نَزْرًا ورَدا٢
وقال في شرح التسهيل: "إن كان المفضول غير ذلك لم يجز تقديمه إلاَّ في نادر من الكلام٣.
ومع كون تقديم "مِنْ" ومجرورها ممتنعًا - إذا لم يكن المجرور اسم استفهام أو مضافًا إليه - عند الجمهور٤، ونادرًا عند ابن مالك إلاَّ أنه قد جاء به ابن مالك مقدمًا، إذ قال في باب "الأسماء الستة":
وفي أبٍ وتالِيَيْه يندرُ وقصرها من نقصهن أشهر٥
فقوله: "من نقصهن" متعلق بـ "أشهر" مقدَّم عليه.
_________________
(١) ١ من "الطويل" من أبيات قالها في شأن امرأة من بني ذهل بن ثعلبة قرته وحملته وزودته. "جنى النحل": ما يُجنى منه وهو العسل والمعنى: استقبلتنا بالترحيب والحفاوة قائلة لنا: أهلًا وسهلًا، واحتفت بنا احتفاءً طيبًا. والبيت في: شرح المفصل ٢ / ٦٠، شرح التسهيل ٣ / ٥٤، شرح الألفية لابن الناظم ٤٨٤، توضيح المقاصد ٣ / ١٢٧، شرح ابن عقيل ٣ / ١٨٤، المقاصد النحوية ٤/٤٣، الهمع ٥/١١٥، شرح الأشموني ٣ / ٥٢. ٢ الألفية ص ٤٠. ٣ شرح التسهيل ٣ / ٥٤. ٤ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ٩. ٥ الألفية ص ١١. قال: الصبان: (أشهر: أفعل تفضيل شاذ؛ لأنه إماَّ من " شُهر " المبني للمجهول أو " أشهر " الزائد على الثلاثي) . حاشية الصبان ١ / ٧٠.
[ ٤٧٤ ]
قال الأزهري: "هذا غير جائز عند الجمهور، خلافًا للناظم"١.
_________________
(١) ١ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ٩.
[ ٤٧٥ ]
تقديم معمول الصفة على الموصوف:
قال ابن مالك في "باب الكلام وما يتألف منه":
بالجرِّ والتنوينِ والندا وأل ومسند للاسم تميزٌ حَصَلْ ١
فقوله: "للاسم" يُعرب خبرًا مقدمًا. و"تمييز": مبتدأ مؤخر. وجملة "حصل" في محل رفع صفة لـ "تمييز". ويلزم على هذا تقديم الصفة التي هي قوله: "بالجر" وما عطف عليه على الموصوف وهو قوله: "تمييز"، والصفة لا تتقدم على الموصوف، فمعمولها أولى بالمنع٢.
قلت: ذهب جمهور البصريين إلى أنه لا يجوز تقديم معمول الصفة على الموصوف، فلا يجوز أن يقال في: هذا رجلٌ يأكلُ طعامَك: هذا طعامَك رجلٌ يأكلُ.
وتبعهم في هذا ابن مالك فقال في الكافية الشافية:
وعَمَلَ التابعِ قبلَ ما تبع لا توقِعَنْ ففعلُ ذاك ممتنعْ
وما نعوه علماءُ البصرهْ وغيرهم أجاز دون كثرهْ٣
_________________
(١) ١ الألفية ص ٩. ٢ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ٦، شرح الأشموني ١ / ٣٩. قال ابن الحاج في حاشيته على المكودي ١/ ٢٧: (وهذا الاعتراضُ وارد، ولا تلتفت لكلام بعض) . ٣ الكافية الشافية ٢ / ١١٤٨.
[ ٤٧٥ ]
وأجاز ذلك الكوفيون، وتبعهم الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَليغًا﴾ ١ قال: "فإن قلت: بم تعلق قوله: "في أنفسهم"؟ قلت: بقوله: "بليغًا"؛ أي قل لهم قولًا بليغًا في أنفسهم "٢.
واستثنى ابن مالك في التسهيل ما إذا كان النعت صالحًا لمباشرة العامل فإنه يجوز تقديمه، ولكن ليس من باب تقديم الصفة على الموصوف ولكن على جعل المنعوت بدلًا منه٣. ومثَّل في الشرح بقوله - ﷿ -: ﴿إلى صِراطِ العَزيزِ الحَميدِ اللَّهِ﴾ ٤ ففيه تقديم النعت وهو قوله: "العزيز الحميد" وجعل المنعوت - وهو لفظ الجلالة - بدلًا.
ومنه قول الشاعر:
ولكنِّي بليتُ بوصلِ قومٍ لهم لحمٌ ومنكرة جسومُ٥
أي: وجسوم منكرة.
وقال ابن عصفور: "ولا يجوز تقديم الصفة على الموصوف إلاَّ حيث سمع، وذلك قليل"٦.
_________________
(١) ١ من الآية ٦٣ من سورة النساء. ٢ الكشاف ١ / ٢٧٦. ٣ انظر: التسهيل ١٦٩. ٤ من الآية ١، ٢ من سورة إبراهيم. ٥ من "الوافر"، ولم أجد من نسبه لشاعرٍ بعينه. والبيت في: شرح التسهيل ٣ / ٣٢٠، التذييل والتكميل جزء (٤) لوحة ١٢٩، المساعد ٢/٤١٨، شفاء العليل ٢ / ٧٥٨. ٦ شرح الجمل ١ / ٢١٨.
[ ٤٧٦ ]
والراجح هو ما ذهب إليه البصريون ومن تبعهم من عدم جواز تقديم معمول الصفة على الموصوف؛ لأن حق المعمول ألاَّ يحل إلا في موضع يحل فيه العامل١، كما قال ابن مالك.
فأنت تقول: هذا رجلٌ مكرمٌ زيدًا، ولا تقول: هذا زيدًا رجلٌ مكرمٌ؛ لأن النعت لا يتقدم على المنعوت؛ لأنه تابع٢. ولعله يُتسامح في ذلك إذا كان معمولُ الصفة جارًا ومجرورًا كما في آية النساء وبيت الألفية.
_________________
(١) ١ هذا هو الغالب ولكنه غير مطرد. ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿فَأمَّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الشرح: ٩، ١٠] قد تقدم المعمولان فيه وهما "اليتيم والسائل"؛ فالأول معمول لـ "تقهر"، والآخر معمول لـ "تنهر" وقد تقدما على "لا" الناهية، والعامل فيهما لا يجوز تقديمه عليها؛ من قبل أن المجزوم لا يتقدم على جازمه. فقد تقدم المعمول هاهنا حيث لا يتقدم العامل. انظر الدر المصون ٤ / ١٧. ٢ انظر: شرح التسهيل ٣ / ٢٨٨، البحر المحيط ٣ / ٢٨٢.
[ ٤٧٧ ]
الفصل بين الصفة والموصوف بما هو أجنبي:
قال ابن مالك في باب "نعم وبئس" وما جرى مجراهما:
فِعلانِ غير متصرفين نعم وبئس رافعان اسمينِ١
أعرب المكودي قول الناظم: "فعلان" خبرًا مقدمًا، و"غير متصرفين" نعتًا له، و"نعم وبئس" هو المبتدأ، و"رافعان" نعت لفعلين كذلك. قال: ولا يجوز أن يكون قوله: "غير متصرفين" و"رافعان" أخبارًا؛ لأنهما قيدٌ في فعلين، وليس المراد أن يخبر بهما عن "نعم وبئس"٢.
_________________
(١) ١ الألفية ص ٣٩. ٢ انظر: شرح المكودي ١٢٨.
[ ٤٧٧ ]
العطف على الضمير المجرور من غعير إعادة الجار
العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجارّ:
هذه المسألة من المسائل المختلف فيها؛ فجمهور البصريين، والفراء يرون أنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور إلا بعد إعادة حرف الجر١، فلا يجوز نحو: مررت بك وزيدٍ.
واحتجوا لمذهبهم بأدلة منها: أن الجار والمجرور بمنزلة شيء واحد، فإذا عطفت على الضمير المجرور فكأنك قد عطفت الاسم على الحرف الجارّ، من قِبل أن الضمير إذا كان مجرورًا اتصل بالجار ولم ينفصل منه، ولهذا لا يكون إلا متصلًا، بخلاف ضمير المرفوع والمنصوب، وعطف الاسم على الحرف لا يجوز٢.
ومنها أن ضمير الجر شبيه بالتنوين ومعاقب له، فلم يجز العطف عليه كالتنوين٣.
ومنها أن حق المتعاطفين أن يصلحا لحلول كل منهما محل الآخر، وضمير الجر لا يصلح حلوله محل المعطوف، فامتنع العطف عليه٤.
ويرى الكوفيون ما عدا الفراء جواز العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار؛ وذلك لوروده في التنزيل، وكلام العرب، كقوله تعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحامِ﴾ ٥ - بالجر٦ - وقوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ في النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وما يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ ٧ وغيرها من الآيات والشواهد الشعرية٨.
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١ / ٣٩٢، الأصول ٢ / ٧٩. ٢ انظر: الإنصاف ٢ / ٦٥. ٣ انظر: شرح التسهيل ٣ / ٣٧٥. ٤ انظر: شرح الكافية الشافية ٣ / ١٢٤٧. ٥ من الآية الأولى من سورة النساء. ٦ قرأ بالجر حمزة. وقرأ بقية السبعة بالنصب. (السبعة في القراءات ٢٢٦، المبسوط ١٧٥، الغاية ١٣٢) . ٧ من الآية ١٢٧ من سورة النساء. ٨ انظر: الإنصاف ٢ / ٦٥.
[ ٤٧٩ ]
ووافق الكوفيين في ذلك كلٌّ من يونس بن حبيب، والأخفش، وأبو علي الشلوبيني (٦٤٥هـ) وصحَّحه ابنُ مالك١.
قال في الألفية:
وعَوْدُ خافضٍ لدى عطفٍ على ضميرِ خفضٍ لازمًا قد جُعلا
وليس عندي لازمًا إذ قد أتى في النظم والنثر الصحيح مُثبتا٢
وقال في التسهيل:
"وإن عُطف على ضمير جر اختير إعادة الجار، ولم تلزم وفاقًا ليونس، والأخفش، والكوفيين"٣.
أما الفراء فقد عدَّه قليلًا مرةً فقال: "وما أقل ما تردّ العرب مخفوضًا على مخفوض قد كُني عنه"٤.
وعدَّه مرة أخرى قبيحًا ضعيفًا لا يجوز إلا في الشعر لضعفه٥.
ولأن الناظم لا يرى لزوم ذلك فقد جاء في الألفية شيء منه حيث قال في باب "أمَّا ولولا ولوما":
وبِهما التحضيضَ مِزْ وهَلاَّ ألاَّ ألا وأولينها الفعلا٦
فقوله: "وهلاَّ" معطوف على الضمير المجرور بالباء من غير إعادة حرف الجر٧.
_________________
(١) ١ انظر: الهمع ٥ / ٢٦٨، شرح الأشموني ٣ / ١١٤، الخزانة ٥ / ١٢٤. ٢ الألفية ص٤٣. ٣ التسهيل ١٧٧، ١٧٨. ٤ معاني القرآن ٢/٨٦. ٥ المصدر السابق ١/٢٥٢، ٢٥٣. ٦ الألفية ص٥٣. ٧ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ١١٥.
[ ٤٨٠ ]
وقال في باب "النسب":
وأولِ ذا القلب انفتاحًا وفَعِل وفُعِلٌ عينَهما افتح وفِعِلْ١
فقوله: "وفِعِل" - بكسر الفاء والعين - معطوف على الضمير المجرور بالإضافة من غير إعادة الجار٢.
_________________
(١) ١ الألفية ص٦٢. ٢ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ١٣٣. ٣ انظر: ما يحتمل الشعر من الضرورة ٤٠، ٤١.
[ ٤٨١ ]
صرف ما لا ينصرف:
ذكر العلماء أنه يجوز للشاعر أن يصرف في الشعر ما لا ينصرف؛ لأن الأسماء أصلها الصرف.
فإذا اضطر الشاعر ردَّها إلى أصلها ولم يلتفت إلى العلل الداخلة عليها١.
ويرى بعض البصريين أن كل ما لا ينصرف يجوز صرفه إلاَّ أن يكون آخره ألف تأنيث نحو: "بشرى" فإنه لا يجوز فيه ذلك٤.
واستثنى الكسائي والفراء "أفعل" الذي معه "مِنْ" كـ "هذا أفضل منك، ورأيت أكرم منك. فإنه لا يجوز صرفه٢.
وذكر بعضهم أن صرف ما لا ينصرف لغة عند قوم من النحاة. وقد أجاز ذلك في الكلام أحمد بن يحيى٣.
وزعم أبو الحسن الأخفش أنه سمع من العرب من يصرف في الكلام جميع ما لا ينصرف. كما حكى الزجاجي مثل ذلك٤.
_________________
(١) ١ انظر: ما يحتمل الشعر من الضرورة ٢٤، الارتشاف ١ / ٤٤٨. ٢ انظر: الكامل ١ / ٣٣٢، الأصول ٣ / ٤٣٧، ضرائر الشعر ٢٤. ٣ انظر: الارتشاف ١ / ٤٤٨. ٤ انظر: ضرائر الشعر ٢٥.
[ ٤٨١ ]
ويرى ابن عصفور أن ذلك لغة الشعراء؛ (لأنهم قد اضطروا إليه في الشعر فصرفوه، فجرت ألسنتهم على ذلك. وأما سائر العرب فلا يجوز صرف شيء منه في الكلام فلذلك جعل من قبيل ما يختص به الشعر) ١.
وابن مالك مع جمهور النحويين في أنه يجوز للضرورة أو التناسب صرف جميع ما لا ينصرف٢.
قال في الألفية:
ولاضطرارٍ أو تناسبٍ صُرِفْ ذو المنعِ، والمصروف قد لا ينصرفْ٣
وقد وردت بعض الألفاظ في الألفية مصروفة لأجل الضرورة مع أنَّ حقها المنع من الصرف.
من ذلك ما جاء في باب العلم، إذ قال:
من ذاك أمُّ عريطٍ للعقربِ وهكذا ثعالةٌ للثعلب٤
فـ "ثعالة" علم لجنس الثعلب، وهو غير منصرف للعلمية وتاء التأنيث، إلاَّ أنه صرفه للضرورة٥.
ومنه صرف الناظم لكلمة "أحمد" وهو مستحق للمنع لأجل العلمية ووزن الفعل حين قال:
كذاك ذو وزنٍ يخصُّ الفعلا أو غالبٍ كأحمدٍ ويعلى٦
_________________
(١) ١ المصدر السابق ٢٥. ٢ انظر: التسهيل ٢٢٣، ٢٢٤، شرح الكافية الشافية ٣ / ١٥٠٩. ٣ الألفية ص ٥٠. ٤ المصدر السابق ص ١٣. ٥ انظر: شرح المكودي ٢١. ٦ الألفية ص ٥٠. وانظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ١٠٨.
[ ٤٨٢ ]
وقال في باب: "جمع التكسير":
أفعِلةٌ أَفْعُلُ ثم فِعْلَهْ ثُمَّت أفعالٌ جُموعُ قِلَّهْ١
فـ "أفعلة" مستحق للمنع من الصرف للعلمية والتأنيث إلاَّ أن الناظم قد صرفه للضرورة٢.
وقال في الباب نفسه:
فَواعِلٌ لفَوْعَلٍ وفاعَلِ وفاعِلاءَ مَعَ نحوِ كاهِلِ٣
فصرف كلمة "فواعل" للضرورة مع استحقاقها للمنع للسبب السابق٤.
وقال في باب "النسب":
وفَعَليٌّ في فَعِيلَةَ التُزم وفُعَليٌّ في فُعَيْلَةٍ حُتم٥
فنوَّن "فُعَيْلَةٍ" للضرورة، مع أنها في الأصل ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث كذلك٦.
وقال في موضع آخر من الباب نفسه:
وبأخٍ أَختًا وبابنٍ بِنْتا أَلحِقْ ويونسٌ أبى حذف التا٧
_________________
(١) ١ الألفية ص ٥٨. ٢ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ١٢٥، حاشية الصبان ٤ / ١٢١. ٣ الألفية ص ٥٩. ٤ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ١٢٨. ٥ الألفية ص ٦٢. ٦ انظر: إرشاد السالك ١٨٧. ٧ الألفية ص ٦٣.
[ ٤٨٣ ]
فصرف كلمة "يونس" للضرورة مع أنه ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل١.
أما في باب "الإبدال" فقال:
وصحَّ عينُ فَعَلٍ وفَعِلا ذا أَفْعَلٍ كأغْيَدٍ وأحْوَلا٢
فصرف كلمة "أغيد" للضرورة مع كونها في الأصل ممنوعة من الصرف للوصفية ووزن أفعل٣.
[ ٤٨٤ ]
حذف أداة الشرط:
قال ابن مالك في باب "المعرف بأداة التعريف":
أل: حرفُ تعريفٍ أو اللامُ فقطْ فَنَمَطٌ عَّرفتَ قُلْ فيه: النَّمَطْ١
أعرب الأزهري لفظة "نمط" مبتدأ، وقال: سوَّغ ذلك إعادته بلفظ المعرفة. و"عرَّفت": شرطٌ حذفت أداته ضرورة. ومفعوله محذوف. و"قُلْ" فعل أمر جواب الشرط، حذفت منه الفاء للضرورة، والشرط وجوابه خبر المبتدأ. والتقدير: فنمط إذا عرَّفته فقل فيه النمط، على معنى: إذا أردت تعريفه فقل٢.
_________________
(١) ١ الألفية ص ١٥. ٢ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ٢٢ نقلًا عن الشاطبي.
[ ٤٨٤ ]
قلت: مذهب جمهور النحويين أنه لا يجوز حذف أدوات الشرط، لا "إنْ" ولا غيرها١.
قال أبو حيان: وقد جوَّز ذلك بعضهم في "إنْ". قال: ويرتفع الفعل بحذفها، وجعل منه قول ذي الرِّمَّة:
وإنسانُ عيني يَحْسِرُ الماءُ تارةً فيبدو وتارات يَجُمُّ فيَغْرَقُ٢
أي: إن يحسر الماءُ٣. فلما حذفت "إنْ" ارتفع الفعل.
وإنما قدر بعضهم فيه "إنْ" محذوفة، لأن قوله "وإنسانُ عيني" مبتدأ، وجملة "يحسر الماءُ تارةً" خبره، وليس ثَمَّ رابط لهذه الجملة بالمبتدأ. فلما خلت من الرابط ذهب من ذهب إلى أصلها جملة شرطية، إذ إنه لا يشترط في الشرط إذا ما وقع خبرًا أن يكون الرابط في جملة الشرط، بل قد يكون في جملة الجزاء نحو: زيد إنْ تقم هند يغضب٤.
وخرَّج بعض المحققين بيت ذي الرمة على أنه من عطف جملة فيها ضمير المبتدأ وهي قوله: "يبدو" بفاء السببية على الجملة المخبر بها الخالية منه وهي
_________________
(١) ١ انظر: الارتشاف ٢ / ٥٦١، توضيح المقاصد ٤ / ٢٦٠. ٢ من "الطويل". إنسان العين: النقطة السوداء التي تبدو لامعة وسط السواد. "يحسر": يكشف يجمّ: يكثر. والبيت في: الديوان ٤٧٩، مجالس ثعلب ٢/٥٤٤، المسائل البصريات ١/٣٦٠، المحتسب ١/١٥٠، المقرب ١ / ٨، تذكرة النحاة ٦٦٨، المغني ٦٥١، أوضح المسالك ٣ / ٣٦٢، المقاصد النحوية ١/٥٧٨، ٤/٤٤٩، الهمع ٢/١٩، شرح الأشموني ١/١٩٦، الخزانة ٢/١٩٢. ٣ انظر: الارتشاف ٢ / ٥٦١، وانظر: توضيح المقاصد ٤ / ٢٦٠. ٤ انظر التذييل والتكميل ج ٥ لوحة ١٦٢، ١٦٣. وانظر: الخزانة ٢ / ١٩٢.
[ ٤٨٥ ]
قوله: "يحسر الماءُ"١، فيُكتفى بذلك، لانتظام الجملتين من حيث العطف بالفاء في نظم جملة واحدة٢.
وهو الراجح عندي. وقد عدَّ النحاة هذا من روابط الجملة الواقعة خبرًا بالمبتدأ نحو: زيدٌ جاءت هند فضربها٣.
_________________
(١) ١ انظر: المقرب ١ / ٨٣، المغني ٦٥١، أوضح المسالك ٣ / ٣٦٢، الخزانة ٢ / ١٩٢. ٢ انظر: التذييل والتكميل ج ٥ لوحة ١٦٣. ٣ انظر: المقرب ١ / ٨٣، الارتشاف ٢ / ٥١، المغني ٦٥١.
[ ٤٨٦ ]
حذف جواب الشرط:
لأداة الشرط - عند البصريين - صدر الكلام، فلا يسبقها شيء من معمولات فعل الشرط، ولا فعل الجواب غير معمول الجواب المرفوع.
وقال أكثر البصريين: ولا يجوز كذلك تقديم الجواب على الأداة، لأنه ثانٍ أبدًا عن الأول متوقف عليه.
فإن تقدم شبه الجواب على الأداة فهو دليل عليه وليس إياه، وإنما الجواب محذوف مدلول عليه بما قبله نحو: أنت ظالم إن فعلت، والتقدير: أنت ظالم إن فعلت فأنت ظالم.
ولا يكون هذا الحذف اختيارًا إلا إذا كان فعل الشرط ماضيًا لفظًا أو معنى بأن كان مضارعًا مقترنًا بـ"لم"١ نحو: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَ رْجُمَنَّكَ﴾ ٢.
قال ابن مالك في شرح الكافية الشافية٣: " ولا يكون فعل الشرط مضارعًا غير مجزوم بـ"لم" عند حذف الجواب إلا في ضرورة.
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١ / ٤٣٥ - ٤٣٨، توضيح المقاصد ٤ / ٢٦٥، ٢٦٦، المساعد ٣ / ١٨٦، شرح ابن عقيل ٤/ ٤٢، التصريح ٢ / ٢٥٤، الهمع ٤ / ٣٣٣، ٣٣٤. ٢ من الآية ٤٦ من سورة مريم. ٣ ٣ / ١٦١٩.
[ ٤٨٦ ]
أما في التسهيل فقد ذكر مرةً أن حذفه دون تحقق هذا الشرط مخصوص بالشعر١، وذكر مرة أخرى أنه قليل٢.
وقد وقع في الألفية شيء كثير من حذف الجواب مع فوات شرط هذا الحذف، وهو كون الشرط فعلًا ماضيًا.
ولا أزعم أني قد حصرت هذه المواضع كلها، ولكني وقفت على اثني عشر منها.
ففي باب "الموصول" قال:
إنْ يُستطل وصلٌ وإنْ لم يُستطل فالحذفُ نزرٌ وأبَوْا أنْ يُختزلْ٣
-فـ "إنْ يُستطل" - بالبناء للمفعول - فعل الشرط مجزوم بـ "إنْ"
و"وَصْلٌ" نائب عن الفاعل بـ"يُستطل"، وجواب الشرط محذوف للضرورة لكون الشرط هنا مضارعًا٤.
وقال في باب "التنازع":
ولا تجيء مع أوَّلٍ قد أُهملا بمضمرٍ لغير رفعٍ أُوهِلا
بل حذفَه الزم إنْ يكن غيرَ خبر وأخِّرَنْه إنْ يكن هو الخبرْ٥
فقوله: "إن يكن غير خبر" و"إن يكن هو الخبر" حذف في الموضعين جواب "إنْ" التي فعلها مضارع. وهو ضرورة٦.
وقال في باب "المفعول معه":
_________________
(١) ١ انظر: التسهيل ٢٣٨. ٢ انظر: المصدر السابق ٢٤٠. ٣ الألفية ص ١٥. ٤ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ٢١. ٥ الألفية ص ٢٦. ٦ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ٥١، حاشية الصبان ٢ / ١٠٤.
[ ٤٨٧ ]
والعطف إنْ يمكن بلا ضعفٍ أحقْ والنصبُ مختارٌ لدى ضعفِ النسقْ١
-فـ "إنْ" حرف شرط، و"يمكن" فعل الشرط، وجوابه محذوف للضرورة، لكون الشرط غير ماض٢.
وقال في باب "عطف النسق":
وبانقطاعٍ وبمعنى بَلْ وَفَتْ إنْ تكُ مما قُيِّدت به خَلَتْ٣
فجملة "خلت" في موضع نصب خبر "تك" وجواب الشرط محذوف مع فوات شرط حذفه وهو مضي الشرط ضرورة٤.
وقال في "المنادى المضاف إلى ياء المتكلم":
واجعل منادًى صَحَّ إن يُضف لِيا كعبدِ عبدي عبدَ عبدا عَبْديا٥
-فإن "يُضف" - بالبناء للمفعول - فعل الشرط، وجوابه محذوف للضرورة لكون الشرط هنا مضارعًا٦.
وجاء حذف جواب الشرط مع فوات شرط حذفه مرتين في باب "الندبة":
الأولى: قوله:
والشكلَ حتمًا أوْلهِ مُجانِسا إنْ يكنِ الفتحُ بوهمٍ لابسا٧
_________________
(١) ١ الألفية ص ٢٨. ٢ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ٥٦. ٣ الألفية ص ٤٣. ٤ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ص ٩٠. ٥ الألفية ص ٤٥. ٦ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ص ٩٧. ٧ الألفية ص ٤٦.
[ ٤٨٨ ]
والثانية: قوله:
وواقفًا زِدْ هاءَ سكتٍ إنْ تُرِدْ وإنْ تشأْ فالمدَّ والها لا تَزِدْ١
فـ"ترد" فعل الشرط وجواب الشرط محذوف ضرورة٢.
وقال في باب "إعراب الفعل":
وبعدَ غيرِ النفي جزمًا اعتمد إنْ تُسقطِ الفا والجزاءُ قد قُصدْ٣
-كما قال في باب "عوامل الجزم":
والفعلُ من بعد الجزا إنْ يقترنْ بالفا أو الواوِ بتثليثٍ قَمِنْ٤
فقوله: "والفعل" مبتدأ، و"قمن" خبره، وجواب الشرط محذوف للضرورة، لأن شرط حذف الجواب اختيارًا مضيُّ الشرط لفظًا أو معنىً٥.
وقال في باب "الوقف":
فـ"يُعدم" - بالبناء للمفعول - فعل الشرط، وجوابه محذوف للضرورة، لكون الشرط مضارعًا٦.
والنقلُ إنْ يُعدمْ نظيرٌ مُمتنعْ وذاكَ في المهموز ليس يمتنعْ٧
وقال في باب "الإمالة":
وهكذا بَدَلُ عَيْنِ الفعل إنْ يَؤُلْ إلى فِلتُ كماضي خَفْ ودِنْ٨
وقال في باب "الإبدال":
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص ٤٦. ٢ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ٩٩، ١٠٠. ٣ الألفية ص ٥١. ٤ المصدر السابق ص٥٢. ٥ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ١١٤، حاشية الصبان ٤ / ٢٤. ٦ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ١٣٧. ٧ الألفية ص ٦٠. ٨ الألفية ص ٦٤.
[ ٤٨٩ ]
ومدًّا ابدل ثانيَ الهمزيْن مِنْ كِلْمةٍ ان يَسْكُن كآثِرْ وائتمِنْ١
فإنَّ "يَسْكُن" فعل الشرط، وجوابه محذوف للضرورة، لكونه مضارعًا٢.
وثمت أبيات أخرى من الألفية ذكر الأزهري أنها مما حُذف فيها جوابُ الشرط للضرورة لكون الشرط مضارعًا غير أني أعرضت عنها صفحًا، لأن الشرط - وإن كان مضارعًا لفظًا - إلاّ أنه ماضٍ من حيث المعنى، وذلك لتقدم "لم" عليه، كقوله في باب "تعدي الفعل ولزومه":
وحذفَ فضلةٍ أجز إن لم يَضِرْ كحذفِ ما سيق جوابًا أو حُصِرْ٣
وقوله في باب "النسب":
واجبُرْ بردِّ اللامِ ما منه حُذفْ جوازًا ان لم يك رَدُّه أُلِفْ٤
_________________
(١) ١ الألفية ص ٦٧. ٢ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ١٤٥. ٣ الألفية ص ٢٦. وانظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ٤٩. ٤ الألفية ٦٢. وانظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ١٣٥. وانظر - أيضًا - الصفحات ٢١، ٤٨، ٧١، ٩٥، ١٠١، ١٣٥، ١٣٦، ١٣٧، ١٤٣ من الألفية.
[ ٤٩٠ ]
حذف الفاء من جواب الشرط، وحذف جواب الشرط:
قال ابن مالك في باب "الكلام وما يتألف منه":
والأمرُ إنْ لم يكُ للنون مَحَلْ فيه هو اسمٌ نحو صَهْ وحَيَّهلْ١
_________________
(١) ١ الألفية ص ١٠.
[ ٤٩٠ ]
فقوله "هو اسم" مبتدأ وخبر، والجملة منهما في محل جزم جواب الشرط. وإنما لم يأتِ بالفاء للضرورة. والجملة من الشرط وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ أو تُجعل جملة "هو اسم" في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو قوله: "والأمرُ"، وتكون جملة جواب الشرط محذوفة دلَّت عليها جملة المبتدأ وخبره. وهذا أيضًا ضرورة، لأن من شرط حذف الجواب أن يكون الشرط فعلًا ماضيًا. فالبيت لا يخلو من الضرورة١.
ونظير ذا تمامًا قول الناظم في باب "النداء":
والضمُّ إنْ لم يلِ الابنُ علما أو يلِ الابنَ علم قد حُتما٢
فقوله: "قد حُتما" - بالبناء للمفعول - يحتمل أن يكون خبر المبتدأ، وجواب الشرط محذوف، والتقدير: والضمُّ قد حُتم إن لم يلِ فهو محتم، وفيه ضرورة، لأن شرط حذف الجواب أن يكون الشرط فعلًا ماضيًا، فحيث كان مضارعًا كان حذف الجواب مخصوصًا بالشعر.
ويحتمل أن يكون "قد حُتم" هو جواب الشرط، والشرط وجوابه خبر المبتدأ، وترك الفاء ضرورةً، لأن الجواب ماضٍ مقرونٌ بـ"قد"، ولا تحذف منه الفاء في هذه الحالة إلاَّ في الضرورة. فليست إحدى الضرورتين بأولى من الأخرى إلا بكثرة الاستعمال٣.
ومثل ترك الفاء للضرورة - أيضًا - قوله في باب "العلم":
_________________
(١) ١ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ٧، فتح الرب المالك ٦٢، منحة الجليل ١ / ٢٥، ٢٦. ٢ الألفية ص ٤٤. ٣ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ٩٥.
[ ٤٩١ ]
وإنْ يكونا مفرديْنِ فأضِفْ حتمًا وإلاَّ أتبعِ الذي رَدِفْ١
فإن جملة "أتبع" هي جواب الشرط، وهي طلبية يجب أن تكون مقرونةً بالفاء، ولا تحذف إلاَّ للضرورة٢.
ومثل الجملة الطلبية الواقعة جوابًا للشرط قوله في باب "لا" النافية للجنس:
والعطفُ إن لم تتكرر "لا" احكما له بما للنعت ذي الفصل انتمى٣
فإن قوله: "احكما" فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفًا لأجل الوقف، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وقد حذف منها ألفًا ضرورة وهي لازمة لكون الجواب جملةً طلبية٤.
وكذلك قوله في باب "عوامل الجزم":
والفعلُ من بعد الجزا إن يقترنْ بالفا أو الواوِ بتثليث قَمِنْ٥
فإن قوله: "والفعل" مبتدأ، و"قمن" خبره، وجواب الشرط محذوف للضرورة، لأن شرط حذف الجواب - اختيارًا - مضيُّ الشرط لفظًا أو معنى.
ويحتمل جعل "قمن" خبر مبتدأ محذوف، والجملة جواب الشرط، وحذف الفاء للضرورة٦.
_________________
(١) ١ الألفية ص ١٣. ٢ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ١٧، منحة الجليل ١ / ١٢٢. ٣ الألفية ص ٢١. ٤ انظر: منحة الجليل ٢/١٩. ٥ الألفية ص ٥٢. ٦ انظر: حاشية الصبان ٤ / ٢٤.
[ ٤٩٢ ]
وقال في باب "التصغير ":
وألف التأنيث ذو القصر متى زاد على أربعةٍ لن يثبتا١
فجملة "لن يثبت" في محل جزم جواب الشرط وكان من حقها أن تقترن بالفاء، لكن الناظم حذفها لضرورة إقامة الوزن. وجملة الشرط والجواب في محل رفع خبر المبتدأ، أو تكون الجملة هي خبر المبتدأ، وجواب الشرط محذوف للضرورة، لكون الشرط غير ماض٢.
فهذه الأبيات من الألفية تنتظم مسألتين:
الأولى: حذف الفاء من جواب الشرط للضرورة.
والأخرى: حذف جواب الشرط دون توافر لشرطه عند الجمهور.
ومن أشهر المواضع التي لا يصلح فيها الجواب أن يكون شرطًا٣ كونه جملة اسمية كقوله تعالى: ﴿وَإنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ٤ أو كان فعلًا دالًا على الطلب نحو: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعوني﴾ ٥.
والطلب يشمل الأمر، والنهي، والتحضيض، والعرض، والدعاء، والاستفهام.
أو كان ماضيًا مقرونًا بـ"قد" لفظًا، أو تقديرًا، أو مقرونًا بحرف تنفيس، أو بحرف نفي غير "لا" و"لم"، أو كان الفعل جامدًا.
_________________
(١) ١ الألفية ص ٦١. ٢ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ١٣١، منحة الجليل ٤ / ١٤٥. ٣ انظر هذه المواضع في: شرح الكافية الشافية ٣ / ١٥٩٤ - ١٥٩٧، شرح الرضي ٢ / ٢٦٣، الارتشاف ٢/٥٥٤، ٥٥٥، شرح التحفة الوردية ٩٣٠، ٩٣١، شرح ألفية ابن معطي ١/٣٣٣، الهمع ٤ / ٣٢٧. ٤ من الآية ١٩ من سورة الأنفال. ٥ من الآية ٣١ من سورة آل عمران.
[ ٤٩٣ ]
قال ابن القواس: "وإنما لزمت الفاء لأنه لما امتنع تأثير أداة الشرط في هذه الأمور أُتي بالفاء للربط توصلًا إلى المجازاة بها، وكانت الفاء دون الواو، لأن معناها التعقيب من غير مهلة، والجزاء يجب عقيب الشرط"١.
وقد اختُلف في حذف هذه الفاء من جواب الشرط إذا كان شيئًا مما تقدم على ثلاثة مذاهب:
الأول: مذهب جمهور النحويين وهو أنه لا يجوز حذفها إلا في الضرورة، ويمتنع في سعة الكلام.
وممن نصَّ على هذا سيبويه٢، والصيمري٣، وابن عصفور٤، وابن مالك٥، وأبو حيان٦، وابن هشام٧.
الثاني: المنع مطلقًا في الضرورة والاختيار. نقله أبوحيان عن بعض النحويين٨.
ومذهب ابن الناظم - وتبعه الأزهري٩ - أنه يجوز ترك هذه الفاء في الضرورة أو في الندور١٠، ومثَّل للندور بما أخرجه البخاري من قول النبي
_________________
(١) ١ شرح ألفية ابن معطي ١ / ٣٣٣. ٢ انظر: الكتاب ١ / ٤٣٥. ٣ انظر: التبصرة والتذكرة ١ / ٤٠٩. ٤ انظر: شرح الجمل ٢ / ١٩٩. ٥ انظر: شرح الكافية الشافية ٣ / ١٥٩٨. ٦ انظر: الارتشاف ٢ / ٥٥٥. ٧ انظر: أوضح المسالك ٤ / ٢١٠. ٨ انظر: التذييل والتكميل ج٥ لوحة ١٥٠. ٩ انظر: التصريح ٢ / ٢٥٠. ١٠ انظر: شرح الألفية لابن الناظم ٧٠١، ٧٠٢.
[ ٤٩٤ ]
ﷺ لأُبيّ بن كعب١ لما سأله عن اللقطة: "فإن جاء صاحُبها وإلاَّ استمتع بها"، أي فإن جاء صاحبها فردها إليه وإن لم يجيء فاستمتع بها٢.
والمذهب الأول هو الراجح لدي. أمَّا ما ورد في الحديث فقد أخرجه البخاري مرتين، الأولى بإثبات الفاء: "وإلا فاستمتع بها"٣ وكذا في صحيح مسلم في كتاب "اللقطة"٤، والترمذي في كتاب "الأحكام"٥.
والأخرى برواية: "وإلا استمتع بها" بإسقاط الفاء٦.
أما حذف جواب الشرط فيجوز إذا كان ثمَّ قرينة نحو قوله تعالى: ﴿وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ ٧، تقديره: فافعل. وقوله: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ ٨ أي تطيرتم.
وهو كثير في لسان العرب عندما يدل دليل على حذفه نحو: "أنت ظالم إن فعلت" تقديره: أنت ظالم إن فعلت فأنت ظالم٩.
قال ابن مالك في الألفية:
_________________
(١) ١ هو أُبيُّ بن كعب بن قيس بن عبيد وكنيته أبو المنذر. وهو من كتّاب الوحي، وأقرأ الصحابة. شهد بدرًا، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ. توفي بالمدينة سنة ٢١هـ في أشهر الأقوال. (صفة الصفوة ١ / ٤٧٤ - ٤٧٧، تذكرة الحفاظ ١ / ١٦، ١٧، غاية النهاية ١ / ٣١) . ٢ انظر: شرح الألفية لابن الناظم ٧٠١، ٧٠٢. ٣ صحيح البخاري. كتاب اللقطة (١) ٣ / ٢٤٩. ٤ صحيح مسلم. كتاب اللقطة (٩) ٣ / ١٣٥٠. ٥ الجامع الصحيح. كتاب الأحكام (٣٥) ٣ / ٦٥٨. ٦ صحيح البخاري. كتاب اللقطة (١٠) ٣ / ٢٥٤. ٧ من الآية ٣٥ من سورة الأنعام. ٨ من الآية ١٩ من سورة يس. ٩ انظر: شرح الكافية الشافية ٣ / ١٦٠٨، الارتشاف ٢ / ٥٦٠، شرح ابن عقيل ٤ / ٤٢.
[ ٤٩٥ ]
والشرطُ يغني عن جواب قد عُلم١
واشترط البصريون، والفراء لحذف الجواب مع وجود الدليل مضيَّ الشرط لفظًا أو معنى.
فالأول مثل: أنت ظالم إن فعلت. والثاني: ما كان فعلًا مضارعًا مقرونًا بـ"ل" نحو: أنت ظالم إن لم تفعل، فلا يجوز: أنت ظالم إن تفعل٢.
ومذهب الكوفيين - ما عدا الفراء - جواز كون الشرط مضارعًا غير منفي بـ"لم" قياسًا.
واستدلوا بقول الكميت بن معروف الأسدي:
لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم ليعلم ربي أن بيتي واسعُ٣
فجاء بجواب القسم المقترن باللام وهو قوله: "ليعلم ربي"، وحَذَف جواب الشرط مع كون فعل الشرط - وهو قوله: "تك" - مضارعًا غير منفي بـ"لم".
كما استدلوا بقول الشاعر٤:
يُثني عليك وأنت أهلُ ثنائه ولديك إنْ هو يستزدك مزيدُ٥
_________________
(١) ١ الألفية ص ٥٢. ٢ انظر: المقتضب٢/٧١، توضيح المقاصد٤/٢٦٥،٢٦٦، أوضح المسالك٤/٢٢١، شرح الأشموني ٤/٣٠. ٣ البيت من "الطويل". وهو في: معاني القرآن ١/٦٦، ٢/١٣١، المساعد ٣/١٦٤، المقاصد النحوية ٤/٣٢٧، التصريح ٢/٢٥٤، شرح الأشموني ٤/٣٠، الخزانة ١٠/٦٨، ١١/٣٣١. ٤ انظر: توضيح المقاصد ٤ / ٢٦٦، التصريح ٢ / ٢٥٤، شرح الأشموني ٤ / ٣٠. ٥ هو عبد اللَّه بن عَنَمة بن حرثان الضبّي. من شعراء المفضليات. شاعر مخضرم. وشهد القادسية في الإسلام سنة ١٥هـ. (الإصابة ٢/٣٤٧، الخزانة ٨/٤٧١، ٤٧٢) .
[ ٤٩٦ ]
حيث جاء الفعل المضارع "يستزدك" مجردًا من "لم". وهذا وأمثاله عند البصريين والفراء معدود في الضرائر١. وعند ابن مالك قليل٢.
وبذلك يتبيّن أن ما أورده بعض المعربين للألفية على الناظم في حذف جواب الشرط في غير موضعه، من قبل أن الشرط في الأبيات السابقة متوافر فيه ما ذكره المحققون وهو كونه مضارعًا منفيًا بـ"لم" في قوله:
والأمرُ إن لم يك للنون محل
وقوله: والعطفُ إن لم تتكرر "لا" احكما
وقوله: والضمُّ إن لم يلِ الابن علما
على أن الناظم يجيز - ولو بقلة - مجيء الشرط مضارعًا غير منفي بـ"لم" كما تقدم، فمن باب الأولى أن يجيز مجيئه مقرونًا بها.
_________________
(١) ١ من "الكامل". يقول: هو يثني عليك ويشكر نعمتك، ولو عاد لوجد معادًا، إذ لا تضجر ولا تسأم من الأفضال والجود. والبيت في: الحماسة لأبي تمام ١/٥١١، شرح ديوان الحماسة للتبريزي ٣/٤٤، المساعد ٣/١٤٤، ١٦٥، توضيح المقاصد ٤/٢٦٦، شرح الأشموني ٤/٣٠، الخزانة ٩/٤١. ٢ انظر: التسهيل ٢٤٠.
[ ٤٩٧ ]
تقديم معمول الجزاء على الشرط:
في هذه المسألة خلاف بين البصريين، والكوفيين حيث أجاز الكوفيون تقديم معمول الجزاء على أداة الشرط نحو: زيدًا إن تضربْ أضربْ. ومنعه البصريون.
واحتج المجيزون بأن الأصل في الجزاء أن يكون مقدمًا على "إن"، إذ إن قولك - مثلًا -: "إن تضرب أضرب" الأصل فيه - عندهم -: أضربُ إن تضرب. فلما تأخر الجواب انجزم على الجوار، وإن كان من حقه أن يكون مرفوعًا١. واستشهدوا لذلك ببعض الشواهد، كقول زهير بن أبي سلمى:
_________________
(١) ١ انظر: الإنصاف ٢ / ٦٢٣، شرح الرضي ٤ / ٩٦، ائتلاف النصرة ١٣٠.
[ ٤٩٧ ]
وإنْ أتاهُ خليلٌ يومَ مسألةٍ يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ١
التقدير فيه: يقول إن أتاه خليل يومَ مسألة، فلولا أنه في تقدير التقديم لما جاز أن يكون مرفوعًا٢.
"وإذا ثبت هذا - وأنه في تقدير التقديم - فإنه يجب جواز تقديم معموله على حرف الشرط، لأن المعمول قد وقع في موقع العامل"٣.
وأما البصريون فلا يجوز عندهم – كما تقدم – أن يقال: "زيدًا إنْ تضربْ أضربْ" لا يجوز عندهم نصب "زيد" لا بالشرط، ولا بالجزاء٤.
وقالوا: إن ما يعمل فيه فعل الشرط كائنٌ من جملته، فلا يجوز تقديمه على حرف الشرط٥.
ومن احتجاجاتهم أيضًا أن أداة الشرط كأداة الاستفهام و"ما" النافية ونحوهما مما له الصدارة، فكما لا يجوز تقديم ما بعد الاستفهام عليه فكذلك لا يجوز تقديم ما بعد أداة الشرط عليها.
وكذلك فإن الشرط سبب في الجزاء، والجزاء مسبِّبه، ومحال أن يتقدم المسبِّب على السبب.
_________________
(١) ١ البيت من " البسيط " من قصيدة يمدح فيها الشاعرُ هرمَ بن سنان المري. الخليل: الفقير. المسألة: طلب العطاء. ويروى: " مسغبة " مكان " مسألة " والحَرِم: بمعنى الحرام. أي إذا طلب من عطاء لم يعتل بغيبة مال ولا حرمة على سائله. والبيت في: الديوان ٩١، الكتاب ١ / ٤٣٦، المقتضب ٢ / ٧٠، الأصول ٢ / ١٩٢، المحتسب ٢ / ٦٥، شرح المفصل ٨ / ١٥٧، المقاصد النحوية ٤ / ٤٢٩، التصريح ٢ / ٢٤٩. ٢ انظر: الإنصاف ٢ / ٦٢٦. ٣ المصدر السابق ٢ / ٦٢٧. ٤ انظر: الإيضاح العضدي ٣٢١. ٥ انظر: المقتصد ٢ / ١١٢٠.
[ ٤٩٨ ]
وإذا ثبت أن مرتبة الجزاء إنما هي بعد الشرط وجب أن تكون مرتبة معموله كذلك، لأن المعمول تابعٌ للعامل١.
وأما قول زهير:
وإنْ أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ يقولُ
فلا يعني رفعه أنه على نية التقديم وإنما رفعه لأن فعل الشرط ماض، وفعل الشرط إذا كان ماضيًا، نحو: إنْ قمتَ أقوم فإنه يجوز أن يبقى الجواب على رفعه، لأنه لمَّا لم يظهر الجزمُ في فعل الشرط ترك الجواب على أول أحواله وهو الرفع.
وابن مالك مخالفٌ للكوفيين في تجويزهم تقديم معمول الجزاء على الأداة فقال في شرح التسهيل.
"لـ"إنْ" الشرطية صدر الكلام، فلا يتقدم عليها ما بعدها فلذلك لو تقدم على أداة الشرط مفعول في المعنى لفعل الشرط أو الجزاء وجب رفعه بالابتداء وشغل الفعل بضمير مذكور أو مقدر"٢.
وقد جاء في الألفية بما لم يجزه وهو تقديم معمول الجزاء على الشرط في قوله في باب "المعرَّف بأداة التعريف":
وحذفَ ألْ ذي إنْ تُنادِ أو تُضِفْ أَوْجِبْ. وفي غيرهما قد تنحذفْ٣
فإن قوله: "أوْجبْ" جواب الشرط على حذف الفاء للضرورة، والتقدير: إن تنادِ مصحوب "أل" أو تضفه فأوجب حذف "أل". فقدَّمَ معمول الجواب على الشرط ضرورة٤.
_________________
(١) ١ انظر: المقتصد ٢ / ١١٢٠، الإنصاف ٢ / ٦٢٧. ٢ شرح التسهيل ٤/٨٦. ٣ الألفية ص١٥. ٤ تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ٢٤.
[ ٤٩٩ ]
قصر الممدود:
أجاز العلماء للشاعر قصر الممدود في حال الضرورة، وقد لجأ ابن مالك في منظومته إلى هذه الضرورة في مواضع كثيرة حتى أكاد أقول بأنه يصعب حصرها وربما كان في البيت الواحد أكثر من موضع، وهي من الضرائر اليسيرة التي لا يترتب عليها - في الغالب - اختلافُ إعراب أو تغيُّرُ معنى.
وحسبي أن أشير إلى بعض هذه المواضع فقط لأمرين، أحدهما: خشية الإطالة، والثاني: أن إدراك بقية المواضع غير خافٍ على المتأمل.
قال في باب "الكلام وما يتألف منه":
بالجرِّ والتنوين والندا وألْ ومسندٍ للاسمِ تمييزٌ حَصَلْ١
فقصر كلمة "النداء" وهي ممدودة، لضرورة الوزن.
وقال في الباب نفسه:
بِتا فعلتَ وأَتَتْ ويا افعلي ونونِ أقبلنَّ فعلٌ ينجلي٢
فقصر الناظم تاء "فعلت" وياء "افعلي" وهما في الأصل ممدودان وذلك لضرورة الوزن أيضًا.
وقال في باب "المعرب والمبني":
وارفع بواوٍ وانصبنَّ بالألفْ-واجرُرْ بياءٍ ما من الأسما أصِفْ٣
_________________
(١) ١ الألفية ص٩. ٢ المصدر السابق ص٩. ٣ المصدر السابق ص١٠.
[ ٥٠٠ ]
فكلمة "الأسماء" ممدودة لكن ضرورة الوزن قد ألجأت الناظم إلى قصرها.
وقال في باب "الأسماء الستة":
وشرطُ ذا الإعرابِ أنْ يُضَفْنَ لا لليا كجا أخو أبيك ذا اعتلا١
ففي هذا البيت ما ذكرته آنفًا من وجود غير لفظة مقصورة للضرورة، فهو هاهنا قد قصر - مضطرًا - ثلاثة ألفاظٍ هي: "لليا"، و"كجا"، و"اعتلا" وأصل الكلام بالمد:
للياء كجاء أخو أبيك ذا اعتلاء
وقال في باب "ما ولا ولات":
إعمالَ ليس أُعملتْ ما دون إنْ مع بقا النفي وترتيب زُكِنْ٢
الأصل: مع بقاء النفي، بالمدّ، لكنه قصر لضرورة الوزن.
وقال في باب "ظنَّ وأخواتها":
وجوّزِ الإلغاءَ لا في الابتدا وانوِ ضميرَ الشأنِ أو لامَ ابتدا٣
فقوله: "في الابتدا"، و"لام ابتدا" كلاهما بالقصر للضرورة.
ومنه قوله في باب "جمع التكسير":
والسينَ والتا من كمُسْتَدْعٍ أزلْ إذ ببنا الجمعِ بقاهما مُخِلْ٤
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص١١. ٢ المصدر السابق ص١٨. ٣ الألفية ص٢١. ٤ المصدر السابق ص٦٠.
[ ٥٠١ ]
حيث قصر ثلاث كلمات ممدودات في الأصل وهو قوله: "والتا"، وقوله: "ببنا" وقوله: "بقاهما"، والأصل فيهن: "والتاء"، و"ببناء"، و"بقاؤهما".
ومن ذلك قوله في باب "الإمالة":
دونَ مزيدٍ أو شذوذٍ ولما تليه ها التأنيثِ ما الها عَدِما١
فقوله: "ها"، هي فاعل "تليه"، وقوله: "الها" مفعول مقدم بالفعل "عَدِم"، وكلاهما مقصور لضرورة الوزن.
وأختتم هذه النماذج بما قاله في باب "الحكاية":
وقُل لمن قال: أتت بنْت: مَنَهْ والنونُ قبل تا المثنى مُسْكَنَهْ
والفتحُ نزرٌ وصِلِ التا والألفْ بِمَنْ بإثرِ ذا بنسوةٍ كَلِفْ٢
فقد قصر ابن مالك كلمة "تا" في البيت الأول الواقعة مضافًا إليه بإضافة "قبل" إليها، وكذا كلمة "التا" في البيت الثاني الواقعة مفعولًا به للفعل "صل". كل ذلك إنما كان لضرورة الوزن.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص٦٤. ٢ المصدر السابق ص٥٥.
[ ٥٠٢ ]
حذف حرف الصلة للاكتفاء بالحركة منه:
ذكر بعض من تكلم في ضرائر الشعر من العلماء أنه يجوز للشاعر حذف الياء وهي لام الفعل اجتزاءً بالكسرة١.
كما قال أبو خُراش الهذلي:
ولا أدرِ مَنْ ألقى عليه ثيابَه ولكنه قد سُلَّ عن ماجدٍ محضِ٢
_________________
(١) ١ انظر: ما يجوز للشاعر في الضرورة ٢١٨، ٢١٩، شرح الجمل ٢/٥٨٥. ٢ من " الطويل " من قصيدة للشاعر في رثاء أخيه عروة. وفي شرح ديوان الهذليين وأمالي القالي وأمالي المرتضى: "ولم أدرِ" وعليه فلا شاهد على ما نحن فيه. والبيت في: شرح ديوان الهذليين ٣ / ١٢٠٧، ١٢٣٠، الكامل ٢ / ٧١٣، أمالي القالي ١/٢٧١، أمالي المرتضى ١/١٩٩، ما يجوز للشاعر في الضرورة ٢١٩، الإنصاف ١/٣٩٠.
[ ٥٠٢ ]
يريد: ولا أدري: لأن الفعل غير مجزوم فحذف الياء مجتزئًا بالكسرة التي قبلها، لأنها تدل عليها.
وقد وقع في ألفية ابن مالك شيء من ذلك، إذ قال في باب "الإضافة":
وبعضُ الاسماءِ يُضاف أبدا وبعضُ ذا قد يأتِ لفظًا مفردا١
أراد: قد يأتي. بإثبات الياء، لأنه فعل مضارع مرفوع، إلا أنه قد حذف لامه وهي الياء ضرورة٢.
قال الزمخشري: "والاجتزاء بالكسرة عن الياء كثير في لغة هذيل"٣.
وعدّ ابن الشجري هذا الحذف شاذًا في غير الفواصل والقوافي٤.
وهذه المسألة قريبة من سابقتها أو هي منها. والراجح فيها لدي ما ترجح هناك من أنه يجوز حذف الياء في غير ما ضرورة، وذلك لمجيئه في القرآن الكريم وهو أفصح كلام بلا ريب، قال المولى ﷿: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ﴾ ٥، ﴿يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلاَّ بِإذْنِهِ﴾ ٦. قرأ نافع وأبو عمرو والكسائي: "يأتي" بإثبات الياء وصلًا، وحذفها وقفًا. وقرأ ابن كثير بإثباتها وصلًا ووقفًا. وقرأ باقي السبعة بحذفها في الحالين٧.
_________________
(١) ١ الألفية ص ٣٣. ٢ انظر: منحة الجليل ٢ / ٥١. ٣ الكشاف ١ / ٢٣٥. ٤ انظر: أمالي ابن الشجري ٢ / ٢٨٩. ٥ من الآية ١٤٦ من سورة النساء. ٦ من الآية ١٠٥ من سورة هود. ٧ انظر: السبعة في القراءات ٣٣٨، البحر المحيط ٥ / ٢٦١، الدر المصون ٦ / ٣٨٧.
[ ٥٠٣ ]
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ﴾ ١ و﴿فَمَا تُغْنِ النُّذٌرْ﴾ ٢.
على أنه قد تقدم عن الزمخشري أن هذا كثير في لغة هذيل.
_________________
(١) ١ من الآية ٤١ من سورة ق. ٢ من الآية ٥ من سورة القمر.
[ ٥٠٤ ]
زيادة ألف الإطلاق في آخر الكلمة:
ومما ذكره جمهور العلماء في باب الضرائر الشعرية أنه يجوز للشاعر أن يلحق القافية المطلقة حرفًا١، كقول جرير:
أقلي اللوم عاذل والعتابا وقولي إن أصبت لقد أصابا٢
فألحق هذه الألف في الروي؛ لأن الشعر وضع للغناء والترنم٣؛ إذ اعتاد الشعراء أن يترنموا في أواخر الأبيات قبل حرف الروي ليمتد بها الصوت، ويقع فيه تطريب لا يتم إلا بمد الحرف. وأكثر ما يقع ذلك في الأواخر٤.
قال السيرافي:
"وهذه الزيادة غير جائزة في حشو الكلام، وإنما ذكرناها لاختصاص الشعر بها دون الكلام، وهي جيدة مطردة، وليس تخرجها جودتها من ضرورة الشعر إذ كان جوازها سبب الشعر٥.
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ٢ / ٢٩٨، ما يحتمل الشعر من الضرورة ٣٩، ٤٠، شرح الجمل ٢ / ٥٥٣، الارتشاف ٣ / ٢٧٢، الهمع ٥ / ٣٤٢. ٢ من "الوافر" مطلع قصيدة في هجاء الراعي النميري. "عاذل" أي يا عاذل، منادي مرخم حذف منه حرف النداء. العتاب هنا: اللوم في سخط. والبيت في: الديوان ٥٨، الكتاب ٢ / ٢٩٨، المقتضب ١ / ٢٤٠، الأصول ٢/٣٨٦، الخصائص ١ / ١٧١، ٢ / ٩٦، المنصف ١ / ٢٢٤، ٢ / ٧٩، أمالي ابن الشجري ٢/٢٤١. ٣ انظر: الكتاب ٢ / ٢٩٩. ٤ انظر: ما يحتمل الشعر من الضرورة ٣٩، ٤٠. ٥ ما يحتمل الشعر من الضرورة ٤٠.
[ ٥٠٤ ]
ومن هذا القبيل ما جاء في ألفية ابن مالك في باب "المعرب والمبني" حيث قال:
ومُعربُ الأسماء ما قد سَلمِا-من شَبَه الحرف كأرضٍ وسُما
وفعل أمر ومُضِيٍّ بُنيا وأعربوا مضارعًا إن عَريا١
قضت ضرورة الشعر عليه بزيادة الألف في آخر الفعلين "سَلِم" و"عري"
وقال في الباب نفسه:
فالأوَّل الإعرابُ فيه قُدِّرا جميعُهُ وهو الذي قد قُصِرا٢
زاد ألف الإطلاق في الفعلين "قُدِّر" و"قُصِر".
وقال في باب "النكرة والمعرفة":
في الباقيات واضطرارًا خفَّفا منِّي وعنِّي بعضُ من قد سَلَفا٣
أراد: "خَفَّفَ" و"قد سَلَفَ" فمدَّ من أجل الضرورة.
ومثل ذا قوله في باب "الابتداء":
والأصلُ في الأخبار أنْ تُؤخَّرا وجَوَّزوا التقديمَ إذْ لا ضَرَرا٤
الأصل: "تُؤخَّرَ" و"لا ضَرَر".
وقوله في باب "كان وأخواتها":
ككانَ ظلَّ باتَ أضحى أصبحا أمسى وصارَ ليسَ زالَ بَرحِا٥
زاد ألف الإطلاق في الفعلين "أصبح" و"برح".
_________________
(١) ١ الألفية ص ١٠. ٢ المصدر السابق ص ١١. ٣ المصدر السابق ص ١٣. ٤ المصدر السابق ص ١٦. ٥ المصدر السابق ص ١٧.
[ ٥٠٥ ]
وقوله في باب "إنَّ وأخواتها":
ولا يلي ذي اللامَ ما قد نُفِيا ولا مِن الأفعال ما كرضيا١
الأصل: "نُفي" و"كرضي".
وقوله في باب "ظنَّ وأخواتها":
وَهَبْ تعلَّمْ والتي كصيَّرا أيضًا بها انصِب مبتدًا وخبرا٢
حيث زاد ألف الإطلاق في الفعل "صيَّر".
وقال في باب "أعلَمَ وأرى":
وكأرى السابقِ نبَّا أخبرَا حدَّثَ أنبأ كذاك خبَّرا٣
اقتضت ضرورة النظم زيادة الألف في الفعلين "أخبرَ" و"خبَّر".
وثمت نماذج كثيرة في الألفية ليست بخافية على القارئ. من أجل ذا أكتفي بما ذكرت خشية الإطالة.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص ٢٠. ٢ الألفية ص ٢١. ٣ المصدر السابق ص ٢٢.
[ ٥٠٦ ]
قطع همزة الوصل:
وهو من الضرائر اليسيرة التي لا تُغير إعرابًا ولا تُحيل معنًى كذلك ولكنه لا يسوغ إلا لضرورة الشعر.
قال الزمخشري: "وإثبات شيء من هذه الهمزات في الدرج خروج عن كلام العرب، ولحن فاحش؛ فلا تقل: الإسم والإنطلاق والإستغفار ومن إبنك وعن إسمك. وقوله١:
_________________
(١) ١ هو قيس بن الخطيم بن عدي الأوسي، أبو يزيد. شاعر الأوس. أدرك الإسلام وتريَّث في قبوله، فقتل قبل أن يدخل فيه. (طبقات فحول الشعراء ١/٢٢٨، المؤتلف والمختلف ١١٢، معجم الشعراء ٣٢١، ٣٢٢) .
[ ٥٠٦ ]
إذا جاوَزَ الإثنين سِرٌّ١
من ضرورات الشعر"٢.
فيجوز للشاعر عند الضرورة قطع ألف الوصل في الدرج إجراءً لها مجراها في حال الابتداء بها. وأكثر ما يكون ذلك في أوائل أنصاف الأبيات؛ لأنها إذ ذاك كأنها في ابتداء الكلام٣.
والقطع بهذه الهيئة أسهل من القطع في حشو البيت؛ لأن المصراع كثيرًا ما يقوم بنفسه حتى يكاد يكون بيتًا كاملًا٤ فكأن الهمزة وقعت أولًا.
أما القطع في حشو البيت فهو قليل كما تقدم. ومنه قول قيس بن الخطيم:
إذا جاوز الإثنين سرٌّ فإنه بِنَثٍّ وتكثير الوشاة قمينُ
فقطع الألف من "الاثنين" وهي ألف وصل٥.
وقد لجأ إلى ذلك ابن مالك في ألفيته حين قال في باب "ما لا ينصرف":
وألغينَّ عارضَ الوصفيَّهْ كأربعٍ وعارضَ الإسميّهْ٦
فقطع الهمزة في قوله: "الاسمية" وهي همزة وصل ليتيسَّر له إقامة الوزن.
_________________
(١) ١ بيت من "الطويل" وتمامه: إذا جاوز الإثنين سرٌّ فإنه بِنَثِّ وتكثير الوشاة قمينُ نثَّ الحديث ينثه نثًا إذا أفشاه. وروي: "بِبَثٍّ" أي بنشر. وروي أيضًا: "بنشر" والضمير في "فإنه" للسرّ، والباء متعلقة بـ "قمين" بمعنى جدير وخليق. والوشاة: جمع واشٍ وهو النمام الذي ينقل الكلام على جهة الإفساد. والبيت في: الديوان ١٦٢، الكامل ٢/٨٨٣، سر الصناعة ١/٣٤٢، شرح المفصل ٩/١٩، ١٣٧، ضرائر الشعر لابن عصفور ٥٤، المقاصد النحوية ٤/٥٦٦، الهمع ٦/٢٢٤. ٢ المفصل ٣٥٦. ٣ انظر: المنصف ١/٦٧، ضرائر الشعر لابن عصفور ٥٣، الهمع ٦/٢٢٤. ٤ انظر: المنصف ١/٦٧. ٥ انظر: ضرائر الشعر لابن عصفور ٥٤. ٦ الألفية ص٥٤.
[ ٥٠٧ ]
وصل همزة القطع:
وهو عكس ما تقدم وأكثر منه استعمالًا كما ذكر ابن جني١ وغيره. فللشاعر عند الضرورة أن يصل ألف القطع لإقامة الوزن كما قال حاتم الطائي:
أبوهم أبي والامَّهاتُ امهاتُنا فأنعم ومتِّعني بقيس بن جحدرِ٢
يريد: والأمهات أمهاتنا
ولا يقتصر الوصل في الأسماء بل يسوغ في الأفعال أيضًا. أنشد أبو علي الفارسي٣:
إنْ لم أُقاتِلْ فالبسوني بُرقُعا وفَتَخاتٍ في اليدينِ أَرْبَعا٤
يريد: فألبسوني ثم حذف الهمزة٥
_________________
(١) ١ انظر: المحتسب ١ / ١٢٠، الخصائص ٣ / ١٥١. ٢ من "الطويل". حين أطلق النعمان الغساني بني عبد شمس إكرامًا لحاتم بقي قيس بن جحدر بن ثعلبة وهو من لخم وأمه من بني عدي وهو جدّ الطرماح بن حكيم بن قيس بن جحدر، فقال له النعمان: أبقي أحد من أصحابك؟ فأنشد حاتم البيتين التاليين: فككتَ عديًا كلَّها من إسارِها فأفضِلْ وشفِّعني بقيس بن جحدرِ أبوه أبي والأمهات امهاتنا فأنعم فدتك النفسُ قومي ومعشري والإسار: العقال. وشفعني: أي اجعلني شفيعًا له وأتبعه بمن أطلقت. انظر: الديوان ٤٩، رسالة الملائكة ١٣٢، ضرائر الشعر لابن عصفور ٩٨. ٣ انظر: شرح الأبيات المشكلة الإعراب ٣٣٥. ٤ من "الرجز". الفَتْخَة والفَتَخَة: خاتم يكون في اليد والرجل بفصٍّ وغير فص. والرجز في الخصائص ٣ / ١٥١، المحتسب ١ / ١٢٠، رسالة الغفران ١٩٠، الجامع لأحكام القرآن ٥ / ١٠١، ضرائر الشعر لابن عصفور ١٠٠، البحر المحيط ٣ / ٢٠٦. ٥ انظر: المحتسب ١ / ١٢٠.
[ ٥٠٨ ]
وقد ورد في ألفية ابن مالك شيء من ذلك في بعض أبياتها، كقوله في باب:
"الموصول":
موصولُ الاسماء الذي الأنثى التي-واليا إذا ما ثُنِّيا لا تُثبتِ١
وَصَل همزة القطع في قوله: "الاسماء" لإقامة الوزن.
وقوله في الباب نفسه:
في عائدٍ متَّصلٍ إن انتصب بفعلٍ أو وصفٍ كمن نرجو يَهَبْ٢
أراد: أو وصفٍ بالقطع.
وقوله في باب "الابتداء":
وأوَّلٌ مبتدأ والثاني فاعلٌ اغنى في أسارٍ ذانِ٣
وصل همزة القطع في قوله: "اغنى" للضرورة.
وقوله في باب "لا التي لنفي الجنس":
مرفوعًا او منصوبا او مُركَّبا وإن رفعتَ أوَّلًا لا تنصبا٤
وَصَل الهمزة المقطوعة في قوله: "أو مركبا" للضرورة.
وقوله في باب "التمييز":
كشِبْرٍ ارضًا وقفيزٍ بُرّا ومَنَويْنِ عسلًا وتمرا٥
وَصَل الهمزة في "أرضًا" وهي همزة قطع.
وقوله في باب "الإضافة":
وابنِ أو اعرِبْ ما كإذ قد أُجريا واختر بنا متلوِّ فِعلٍ بُنيا٦
_________________
(١) ١ الألفية ص ١٤. ٢ المصدر السابق ص ١٥. ٣ المصدر السابق ص ١٦. ٤ المصدر السابق ص ٢١. ٥ الألفية ص ٣١. ٦ المصدر السابق ص٣٣.
[ ٥٠٩ ]
وَصَل الهمزة من قوله: "أعرب" لضرورة الوزن وأصلها همزة قطع.
وفي الألفية كثير من هذا لكني أقتصر على ما أوردت خشية الإطالة.
[ ٥١٠ ]
حذف الياء والاستغناء بالكسر عنها
حذف الياء والاستغناء بالكسرة عنها:
تقدم أن من ضرائر الشعر الحذف، ومن الحذف حذف الياء من "قاضي" و"جاري" وبابهما في حال الإضافة، والتعريف بالألف، واللام تشبيهًا بما ليس فيه ذلك؛ أي تشبيهًا للألف، واللام، والإضافة بما عاقبتاه وهو التنوين، فكما تحذف الياء مع التنوين كذلك تحذف مع الألف، واللام، والإضافة١.
قال الأعشى:
وأخو الغوانِ متى يشأ يَصْرِ مْنَهُ ويَصِرْنَ أعداءً بُعَيْد ودادِ٢
فقد حذف الياء واجتزأ بالكسرة عنها حين شبّه الألف، واللام بالتنوين؛ لأنهما يتعاقبان، فحكم لهذا بحكم ما عاقبه٣.
فإذا ما جئنا لنطبق هذا على ألفية ابن مالك وجدنا الناظم يفعله أحيانًا فيحذف الياء ويستغني عنها بالحركة المجانسة لها في آخر الكلمة وهي الكسرة، كما قال في باب "أعلم وأرى":
وما لمفعوليْ علمتُ مطلقًا للثانِ والثالثِ أيضًا حُقِّقا٤
_________________
(١) ١ انظر: الأصول ٣/٤٥٦، شرح الجمل ٢/٥٧٩. ٢ من "الكامل". في الديوان: "وأخو النساء" ولا شاهد فيه حينئذ. وصف النساء بالغدر وقلة الوفاء والصبر فيقول: من كان شغوفًا بهن مواصلًا لهن إذا تعرض لصرمهنَّ سارعن إلى ذلك لقلة وفائهن. وأراد: متى يشأ صرمهن يصرمنه، فحذف. والغواني: جمع غانية وهي التي غنيت بشبابها وحسنها عن الزينة. والبيت في: الديوان ١٧٩، الكتاب ١/١٠، الأصول ٣/٤٥٧، الخصائص ٣/١٣٣، المنصف ٢/٧٣، الإنصاف ١/٣٨٧. ٣ انظر: ضرائر الشعر ١٢٠، ١٢١. ٤ الألفية، ص٢٢.
[ ٥١٠ ]
فقوله: "للثانِ" أصله: للثاني، بإثبات الياء غير أنه قد حذفها للضرورة.
وقال في باب "أبنية المصادر":
فأوَّلٌ لذي امتناع كأبى والثانِ للذي اقتضى تقلُّبا١
فهذا نظير سابقه، ومثلهما - كذلك - قوله في باب " عطف النسق ":
وانقُل بها للثانِ حكمَ الأولِ في الخبر المثبتِ والأمر الجلي٢
وقد عدَّ سيبويه هذا وأمثاله من ضرائر الشعر، فقال في باب "ما يحتمل الشعر":
"اعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام من صرف ما لا ينصرف وحذف ما لا يحذف"٣.
أما مذهب أبي زكريا الفراء فهو أن كل ياءٍ أو واو تسكنان وما قبل الواو مضموم وما قبل الياء مكسور فإن العرب تحذفها وتجتزئ بالضمة من الواو وبالكسرة من الياء٤.
على أن هناك من أنكر على سيبويه وغيره من النحويين جعلهم هذا ونحوه من ضرورة الشعر؛ لأنه قد جاء في القرآن الكريم حذف الياء في غير رؤوس الآي، وقرأ به جمعٌ من القراء، كقوله - جل وعز - ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ ٥، وفي آيات غيرها كذلك٦.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص٣٦. ٢ المصدر السابق ص٤٣. ٣ الكتاب ١/٩. ٤ انظر: معاني القرآن ٢/٢٧. ٥ من الآية ١٧ من سورة الكهف. وقد قرأ نافع وأبو عمرو بإثبات ياء " المهتدي " وصلًا وحذفها وقفًا. وأثبتها في الحالين يعقوب، ورويت عن قنبل من طريق ابن شنبوذ. وحَذَفَها الباقون في الحالين. انظر: السبعة في القراءات ٣٩١، الدر المصون ٧/٤١٤، النشر ٢/٣٠٩، ٣١٦، الإتحاف ٢٨٨. ٦ انظر: ضرائر الشعر ١٢١.
[ ٥١١ ]
وأمَّا ابن عصفور فيرى أن هذا لا يرد على النحويين ولا يلزمهم؛ من قبل أنهم أرادوا أنَّ من كانت لغته إثبات الياء في "الغواني" وأمثاله فإنه قد يحذفها في الضرورة للعلة المذكورة١ وهي تشبيه المضاف إليه والألف واللام بالتنوين.
والراجح لديَّ أنه لا يدخل ضمن الضرائر الشعرية؛ لوقوعه في أفصح كلام هو القرآن الكريم؛ في رؤوس الآي وغيرها كقوله ﷾: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ ٢، و﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ٣، و﴿الكَبيرُ المُتَعَالِ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَجِفَانٍ كالجَوابِ﴾ ٥، فهذه الآيات في غير الوقف، ولو قيل: إن هذا يكثر في الشعر دون غيره لكان أولى. والله أعلم.
ويشير أبو العلاء المعري (٤٤٩هـ) إلى أن حذف الياء من المضاف إلى الظاهر أحسن من المضاف إلى المضمر؛ لأن الظاهر منفصل، والمضمر يجري مجرى ما هو من الاسم. وحذفها من المجرد من الألف واللام أشذُّ مما هي فيهما؛ لأن الألف واللام قد يسوغ معهما حذف الياء حتى قيل إنها لغة للعرب، وقد قرأ بها القراء٦.
_________________
(١) ١ انظر: المصدر السابق ١٢٢. ٢ من الآية ٣٢ من سورة غافر. ٣ من الآية ١٥ من سورة غافر. ٤ من الآية ٩ من سورة الرعد. ٥ من الآية ١٣ من سورة سبأ. ٦ انظر: عبث الوليد ٢٢٩.
[ ٥١٢ ]
تخفيفُ الحرفِ المُشَدَّد:
أجاز العلماء للشاعر تخفيف كل مثقل٧؛ فله أن يحذف في الشعر ما لا يجوز حذفه في الكلام لتقويم الشعر، كما أن له أن يزيد لتقويمه أيضًا٨، فإذا
_________________
(١) ٧ انظر: الكامل ٢/١٣٦٨. ٨ انظر: ما يحتمل الشعر من الضرورة ٨٩.
[ ٥١٢ ]
حذف بقي ما يدل على أنه قد حذف منه مثله؛ لأن المشدد حرفان، فإذا تمَّ للشاعر الوزن بأحدهما حذف الآخر١، وسواء في ذلك الصحيح والمعتل٢.
فمن التخفيف في الصحيح قول طرفة بن العبد:
أصحوتَ اليومَ أم شاقتك هِرْ ومن الحبِّ جنونٌ مُسْتَعِرْ٣
فهو مضطر إلى حذف أحد الحرفين من "هرّ" لاستواء الوزن ومطابقة البيت، فقابل براءِ "هر" راء "مستعر" وهي خفيفة أصلًا٤.
ومن التخفيف في المعتل قول الراجز٥:
حتى إذا ما لم أجد غير السَّري كنتُ امرءًا من مالك بنِ جعفرِ٦
فخفف ياء "السَّريّ" مضطرًا أيضًا.
وهكذا الشأن فيما يتعلق بألفية ابن مالك؛ إذ وقع فيها شيءٌ من ذلك حين اضطر ناظمها إلى التخفيف في بعض المواضع لتقويم الوزن، سواء كان ذلك في الأحرف الصحيحة أو المعتلة.
_________________
(١) ١ انظر: الأصول ٣/٤٤٨، ما يجوز للشاعر في الضرورة ١٢٢. ٢ انظر: ضرائر الشعر لابن عصفور ١٣٣. ٣ البيت من "الرمل". وهو مطلع قصيدة في الفخر. والخطاب لنفسه. صحوت: أي تركت الصبا والباطل. شاقتك: هاجت شوقك. " هر ": اسم امرأة. المستعر: الملتهب. انظر: الديوان ٥٠، الكامل ٢/١٣٦٨، ما يحتمل الشعر من الضرورة ٨٩، الخصائص ٢/٢٢٨، ٣٢٠، ما يجوز للشاعر في الضرورة ١٢٢، شرح الجمل ٢/٥٧٨، الأشباه والنظائر ١/١٨٨. ٤ انظر: الخصائص ٢/٢٢٨. وانظر أيضًا: ٢/٣٢٠ من الكتاب نفسه. ٥ لم أقف على اسمه. ٦ "السريّ": اسم رجل. وورد الرجز في: الأصول ٣/٤٤٨، المحتسب ٢/٧٧، الموشح ٩٦، مايجوز للشاعر في الضرورة ١٢٢، ضرائر الشعر لابن عصفور ١٣٣.
[ ٥١٣ ]
فمن الأول قوله في باب "إن" وأخواتها:
وأُلحقت بإنَّ لكنَّ وأنْ من دون ليت ولعلَّ وكأنْ١
فخفف النون في "أنَّ" و"كأنَّ" لضرورة الشعر التي جعلت النون ساكنة فيهما.
وقوله في باب "النسب":
والحذفُ في اليا رابعًا أحقُّ من قلبٍ، وحتمٌ قلبُ ثالثٍ يَعِنْ٢
أصل النون في "يعن" مشددة؛ لأنها من عنَّ يَعنُّ بمعنى ظهر إلاَّ أن الناظم قد اضطر لتسكينها لأجل الشعر.
ونظيره قوله في باب "الإبدال":
وجمعُ ذي عين أُعِلَّ أو سَكَنْ فاحكم بذا الإعلال فيه حيث عَنْ٣
وقال في الباب نفسه:
واوًا وهمزًا أوَّلَ الواوين رُدْ في بدء غيرِ شبهِ وُوفِي الأشُدْ٤
فخفف كلًاّ من الدال في الفعل المبني للمجهول وأصله "رُدَّ" بالتضعيف، وكذلك الدال في "الأشد".
ومن الثاني - أعني ما وقع التخفيف فيه من الأحرف المعتلة - قوله في باب "الفاعل":
وقابلٌ من ظرفٍ او من مصدرِ أو حرف جرٍّ بنيابةٍ حري٥
_________________
(١) ١ الألفية ص٢٠. ٢ المصدر السابق ص٦٢. ٣ المصدر السابق ص٦٧. ٤ الألفية ص٦٧. ٥ المصدر السابق ص٢٤.
[ ٥١٤ ]
الأصل فيه: "حريّ" بالتشديد بمعنى خليق، فخفف الياء للضرورة.
وقوله في باب "النسب":
وضاعف الثاني من ثنائي-ثانيه ذو لينٍ كـ "لا" ولائي١
يريد: مثل "لا" وتضعيفه: لائيٌّ؛ بياء النسب المشددة، ولكنها خففت هنا لضرورة الشعر٢.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص٦٣. ٢ انظر: النحو الوافي ٤/٧٢٧.
[ ٥١٥ ]