أولًا: رأي سيبويه وابن مالك:
لم يصرّح سيبويه بتعريف محدد للضرورة، وإنما كان يكتفي ببعض العبارات التي فهم منها بعض شرّاح "الكتاب" ودارسيه مفهوم الضرورة عنده من خلال تناوله لبعض المسائل، وبخاصة الباب الذي عقده في أول الكتاب بعنوان "ما يحتمل الشعر"١.
فمن خلال بعض النصوص حدّد العلماء رأي سيبويه في "الضرورة" وهو أنه يجوز للشاعر ما لا يجوز له في الكلام بشرط أن يضطر إلى ذلك، ولا يجد منه بدًا، وأن يكون في ذلك ردُّ فرع إلى أصل، أو تشبيه غير جائز بجائز٢.
قال سيبويه - عند قول أبي النجم العجلي -:
قد أصبحتْ أمُّ الخيارِ تدَّعي عليَّ ذنبًا كلُّه لم أصنعِ٣
_________________
(١) ١ انظر: الضرورة الشعرية في النحو العربي ١٣٢. ٢ انظر: شرح الجمل ٢/٥٤٩، الارتشاف ٣/٢٦٨، الضرورة الشعرية في النحو العربي ١٣٤. ٣ من "الرجز". وقال بعض المحققين: بهذه الرواية - أي رفع "كل" يتم المعنى الصحيح؛ لأنه أراد التبرؤ من الذنب كله، ولو نصب لكان ظاهر قوله: إنه صنع بعضه. وأمُّ الخيار: زوجته. الديوان ١٣٢، الكتاب ١/٦٩، الخصائص ١/٢٩٢، ٣/٦١، شرح المفصل ٢/٣٠، ٦/٩٠.
[ ٣٩٧ ]
"هذا ضعيف، وهو بمنزلته في غير الشعر؛ لأن النصب لا يكسر البيت ولا يخل به ترك إظهار الهاء"١.
ولا يبعد مفهوم ابن مالك (ت ٦٧٢هـ) للضرورة عن مفهوم سيبويه المتقدم وهو أن الضرورة: ما لا مندوحة للشاعر عنه بحيث لا يمكن الاتيان بعبارة أخرى.
صرَّح بهذا في شرح التسهيل وشرح الكافية الشافية.
فوصل "أل" بالمضارع - على سبيل المثال - جائز عنده اختيارًا لكنه قليل، فذكر أن قول الفرزدق:
ما أنتَ بالحكمِ التُرضى حكومته ولا الأصيلِ ولا ذي الرأي والجدلِ٢
وقول ذو الخِرَق الطهوي ٣:
يقول الخنا وأبغض العجم ناطقًا إلى ربنا صوت الحمار اليجدعُ٤
_________________
(١) ١ الكتاب ١/٤٤. ٢ البيت من "البسيط" من أبيات قالها في هجاء رجل من بني عذرة كان قد فضل جريرًا عليه. والحكم: الذي يحكّمه الخصمان ليفصل بينهما. والأصيل: الحسيب. والجدل: شدة الخصومة والقدرة على غلبة الخصم. والبيت في: الإنصاف ٢/٥٢١، المقرب ١/٦٠، شرح شذور الذهب ١٦، تخليص الشواهد ١٥٤، شرح ابن عقيل ١/١٥٧، التصريح ١/٣٨، ١٤٢، الخزانة ١/٣٢، الدرر ١/٢٧٤. ٣ اسمه خليفة بن حمل بن عامر بن حنظلة. شاعر جاهلي. (المؤتلف والمختلف ١٠٩، الخزانة ١/٤٤) . ٤ من "الطويل". الخنا: الفاحش من الكلام. والعجم: جمع أعجم أو عجماء وهو الحيوان؛ لأنه لا ينطق. اليُجدَّع: هو الذي قطعت أذناه؛ فإن صوت الحمار حالة تقطع أذنه أكثر وأقبح، لما يقاسيه من الألم. انظر: نوادر أبي زيد ٢٧٦، أمالي السهيلي ٢١، المقاصد النحوية ١/٤٦٧، الهمع ١/٢٩٤، الخزانة ١/٣١، ٣٤، ٣٥، ٥/٤٨٢، الدرر ١/٢٧٥.
[ ٣٩٨ ]
غيرُ مخصوص بالضرورة؛ لتمكن قائل الأول من أن يقول:
"ما أنت بالحكم المرضي حكومته"
ولتمكن الآخر من أن يقول:
"إلى ربنا صوت الحمار يُجدعُ"
فإذ لم يفعلا ذلك مع استطاعته ففي ذلك إشعار بالاختيار وعدم الاضطرار١.
وهذا الاتجاه في فهم الضرورة قد نُسب إلى ابن مالك وشُهر به، حتى إن كثيرًا ممن خالف هذا المنهج وجّه نقده إلى ابن مالك وحده ولم يتعرّض لسيبويه٢، كقول أبي حيان: "لم يفهم ابن مالك معنى قول النحويين في ضرورة الشعر " إلخ ٣.
وإن المتأمل ليستوقفه النظر حيال قبول الناس لهذا الرأي في فهم الضرورة؛ إذ لم يجد كثرة من الأنصار له على الرغم من أن أشهر الذين قالوا به هما سيبويه وابن مالك، والأول كان يعيش في عصر الاستشهاد ويستقي شواهده من المصادر الحية أو ممن سمعها من المصادر الحية، والآخر يعد أمَّة لا في الاطلاع على كتب النحاة وآرائهم فحسب، بل أيضًا في اللغة وأشعار العرب بله القراءات ورواية الحديث النبوي٤.
_________________
(١) ١ انظر: شرح التسهيل ١/٢٠٢، وانظر كذلك: ١/٣٦٧، وشرح الكافية الشافية ١/٣٠٠. ٢ انظر: الضرورة الشعرية في النحو العربي ١٣٧. ٣ التذييل والتكميل ج (١) لوحة ١٦٧. ٤ انظر: المدارس النحوية لشوقي ضيف ٣٠٩، ٣١٠، وانظر: الضرورة الشعرية في النحو العربي ١٣٧.
[ ٣٩٩ ]
(ومعنى هذا أنّ رأي هذين الإمامين لما امتازا به من سعة رواية ونفاذ رأي ينبغي أن يكون له وزنه في دراسة اللغة؛ لأنه نابع من فهم لخصائصها أصيل وحسّ بها غير مدخول) ١.
لكن هذا الرأي قد تعرَّض لنقد شديد من المتأخرين كأبي إسحاق الشاطبي (٧٩٠هـ)، وأبي حيان، وابن هشام (٧٦١هـ)، والشيخ خالد الأزهري (٩٠٥هـ)، وعبد القادر البغدادي (ت١٠٩٣هـ) .
وملخص رد الشاطبي على ابن مالك يتمثل في الآتي:
أولًا: أن النحاة قد أجمعوا على عدم اعتبار هذا المنزع، وعلى إهماله في النظر القياسي جملة، ولو كان معتبرًا لنبهوا عليه.
ثانيًا: أن الضرورة لا تعني عند النحويين أنه لا يمكن في الموضع غير ما ذكر؛ لأنه ما من ضرورة إلا ويمكن أن يعوض من لفظها غيره، دليل ذلك الراء في كلام العرب، فإنها من الشياع في الاستعمال بمكان لا يُجهل، ولا يكاد ينطق أحد بجملتين تعريان عنها. وقد هجرها واصل بن عطاء٢ (١٣١هـ) لمكان لثغته فيها، بل كان يناظر الخصوم ويخطب على المنبر فلا يُسمع في نطقه راءٌ، حتى صار مثلًا. وإن الضرورة الشعرية لهي أسهلُ من هذا بكثير، وإذا كان الأمر هكذا أدى إلى انتفاء الضرورة في الشعر وذلك خلاف الإجماع، وإنما معنى الضرورة أن الشاعر قد لا يخطر بباله إلا لفظة ما اقتضت ضرورة النطق بها في ذلك
_________________
(١) ١ الضرورة الشعرية في النحو العربي ١٣٧، ١٣٨. ٢ أبو حذيفة واصل بن عطاء الغزّال. رأس المعتزلة. ولد بالمدينة سنة ٨٠هـ، ونشأ بالبصرة. (أمالي المرتضى ١/١٦٣ - ١٦٥، وفيات الأعيان ٦/٧-١١، النجوم الزاهرة ١/٣١٣، ٣١٤) .
[ ٤٠٠ ]
الموضع زيادة أو نقص أو غير ذلك، في الوقت الذي قد يتنبه غيره إلى أن يحتال في شيءٍ يزيل تلك الضرورة.
ثالثًا: أنه قد يكون للمعنى الواحد أكثر من عبارة بحيث يلزم في إحداها ضرورة ولكنها هي المطابقة لمقتضى الحال، وهنا يرجع الشاعر إلى الضرورة؛ لأن اعتناء العرب بالمعاني أشد من اعتنائهم بالألفاظ. وإذا تبيَّن في موضع ما أن ما لا ضرورة فيه يصلح هنالك، فمن أية جهة يعلم أنه مطابق لمقتضى الحال؟
رابعًا: أن العرب قد تأبى الكلام القياسي لعارض زحاف فتستطيب المزاحف دون غيره أو بالعكس فتركب الضرورة لذلك١.
ومن أقوال ابن هشام في الرد على ابن مالك قوله: "إذا فُتح هذا الباب - يعني زعم القدرة على تغيير بنية الشعر وألفاظه - لم يبق في الوجود ضرورة، وإنما الضرورة عبارة عما أتى في الشعر على خلاف ما عليه النثر"٢.
ومن أقواله أيضًا: إن كثيرًا من أشعار العرب يقع عن غير روية، وهو مما يدعو إلى عدم التمكن من تخيّر الوجه الذي لا ضرورة فيه.
كما أن الشعر لمّا كان مظنة للضرورة استُبيح فيه ما لم يُضطرّ إليه، كما أُبيح قصر الصلاة في السفر؛ لأنه مظنة المشقة مع انتفائها أحيانًا والرخصة باقية٣.
هذا الكلام قاله ابن هشام في رده على ابن مالك إذ زعم أن إيراد الضمير المتصل بعد "إلاَّ" في قول الشاعر٤:
_________________
(١) ١ انظر: شرح الألفية للشاطبي ج٢ لوح ٥٧. ٢ تخليص الشواهد ٨٢. ٣ انظر: المصدر السابق ٨٣. ٤ لم أجد من سمَّاه.
[ ٤٠١ ]
وما نبالي إذا ما كنتِ جارتَنا ألاّ يجاورنا إلاَّكِ ديارُ١
ليس ضرورة، لتمكن قائله من أن يقول:
"ألا يكون لنا خلٌّ ولا جارُ" ٢
ثم إن الشاعر قد يتاح له في حرارة التجربة الشعرية غير عبارة عن الفكرة الواحدة، لكنه لا يختار من الألفاظ إلا ما يأنس فيه الملاءمة التامة للمعنى الذي ينشده وإن ساوره قلق فني في دقة لغته، وقدرتها على التعبير عنه. فإذا ثبت هذا وأنه هو واقع الشعر اللغوي فإن التفكير بنفي الضرورة، ومحاولة استبدالها بما لا ضرورة فيه أمرٌ من الصعوبة بمكان على الشاعر، ناهيك عن الناقد اللغوي، والنحوي وذلك لتفاوت القدرات على تخيّل الألفاظ، واستحضارها من المعاجم الذهنية المختلفة في سعتها، وتنوعها، وصفائها٣.
وقد حاول بعض المحدثين٤ الاعتذار لابن مالك بأنه كان يعمل ثقافته، وفكره حين بيّن رأيه في الضرورة الشعرية. فكان يضع في اعتباره لهجات العرب المتباينة، والقراءات القرآنية، والحديث النبوي الشريف بحيث إذا ورد فيها شيء قال النحاة عن نظيره في الشعر إنه ضرورة لم يعدّه هو كذلك، بل
_________________
(١) ١ البيت من "البسيط". يقال: ما بها ديَّار، أي ما بها أحد. والشاهد في قوله: " إلاَّك " حيث أوقع الضمير المتصل بعد "إلاَّ" للضرورة الشعرية، والقياس: إلا إياك والبيت في: الخصائص ١/٣٠٧، ٢/١٩٥، المفصل ١٢٩، أمالي ابن الحاجب ٢/١٠٥، المغني ٥٧٧، التصريح ١/٩٨، ١٩٢، شرح الأشموني ١/١٠٩، الدرر ١/١٧٦. ٢ انظر: شرح التسهيل ٢/٢٧٦. ٣ الضرورة الشعرية. دراسة لغوية نقدية ١٤٧ (بتصرف) . ٤ هو الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف في كتابه: الضرورة الشعرية في النحو العربي ص١٤١.
[ ٤٠٢ ]
يرجع كل ظاهرة إلى أصلها، وأحيانًا ينصّ على أنه لهجة قبيلة معينة وضرورة عند غيرهم. فنراه - مثلًا - يقول عن تسكين هاء الغائب واختلاس حركتها: "وقد تسكن أو تختلس الحركة بعد متحرك عند بني عُقَيل، وبني كلاب اختيارًا، وعند غيرهم اضطرارًا"١.
وقد ذكر في كتاب "التسهيل" جملة من المسائل يعدّها بعضهم ضرورة ولا يراها هو كذلك كحذف نون الوقاية من "ليس"، و"ليت"، و"عن"، و"قد"، و"قط"٢، وزيادة "ال" في العلم، والتمييز، والحال٣، وإسكان عين "مع"٤، والفصل بينها وبين تمييزها٥، وتأكيد المضارع المثبت٦، ومجيء الشرط مضارعًا، والجواب ماضيًا٧، وإجراء الوصل مجرى الوقف٨.
وفي بعض كتبه الأخرى يشير إلى أن بعض الظواهر تكثر في الشعر دون النثر٩.
(ولعله في هذا متأثر بسيبويه. وهذا يشعر بأنهما يدركان أن للشعر نظامًا خاصًا به في صرفه، ونحوه ينبغي أن يدرس وحده منفصلًا عن النثر، ولكن النظرة السائدة إلى وحدة اللغة جعلت هذه الملاحظة تقف عند حدّ الإدراك الذي لم يؤيده التنفيذ العملي) ١٠.
_________________
(١) ١ التسهيل ٢٤. ٢ انظر: المصدر السابق ٢٥. ٣ انظر: التسهيل ٤٢. ٤ انظر: المصدر السابق ٩٨. ٥ انظر: المصدر السابق ١٢٤. ٦ انظر: المصدر السابق ٢١٦. ٧ انظر: المصدر السابق ٢٤٠. ٨ انظر: المصدر السابق ٣٣١. ٩ الضرورة الشعرية في النحو العربي ١٤١، ١٤٢ (بتصرف) . ١٠ المصدر السابق ١٤٢.
[ ٤٠٣ ]
ثانيًا: رأي ابن جني والجمهور:
يرى أبو الفتح عثمان بن جني (٣٩٢هـ) وكثير من النحويين أن الضرورة ما وقع في الشعر سواء كان للشاعر عنه مندوحة أم لا؟ ولم يشترطوا في الضرورة أن يضطر الشاعر إلى ذلك في شعره، بل جوّزوا له في الشعر ما لم يجز في الكلام؛ لأنه موضع قد أُلفت فيه الضرائر. دليل ذلك قول الشاعر١:
كم بجودٍ مقرفٍ نال العلا وكريمٍ بخله قد وضَعَهْ ٢
-في رواية من خفض "مقرف"، حيث فصل بين "كم" وما أضيفت إليه بالجار والمجرور، وذلك لا يجوز إلا في الشعر، ولم يضطر إلى ذلك إذ يزول الفصل بينهما برفع "مقرف" أو نصبه٣.
ومما استدل به صاحب هذا المذهب - أيضًا - قول الآخر٤:
فلا مزنةٌ ودقت ودقَها-ولا أرضَ أبقلَ إبقالَها ٥
_________________
(١) ١ هو أنس بن زُنَيْم. شاعر صحابي. عاش إلى أيام عبيد الله بن زياد. (المؤتلف والمختلف ٥٥، الإصابة ١/٨١، ٨٢، الخزانة ٦/٤٧٣) . ٢ البيت من "الرمل" من قصيدة قالها الشاعر لعبيد الله بن زياد بن سميّة. المقرف: النذل اللئيم الأب. ومعنى البيت: إن الجود قد يرفع اللئيم بينما كريم الأب قد يتضع بسبب بخله. والبيت في: الكتاب ١/٢٩٦، المقتضب ٣/٦١، الأصول ١/٣٢٠، الإنصاف ١/٣٠٣، شرح المفصل ٤/١٣٢، شرح شواهد الشافية ٥٣، الدرر ٤/٤٩، ٦/٢٠٤. ٣ انظر: ضرائر الشعر لابن عصفور ١٣. ٤ هو عامر بن جُوَيْن الطائي. شاعر، فارس، من أشراف طيّىء في الجاهلية. (رغبة الآمل ٦/٢٣٥، الأزمنة والأمكنة ٢/١٧٠، الخزانة ١/٥٣) . ٥ البيت من " المتقارب " في وصف أرض مخصبة بما نزل بها من الغيث. المزنة: هي السحابة المثقلة بالماء، والودق: المطر. وقوله: أبقلت إبقالها: أي نبت بقلها. =انظر البيت في: الكتاب١/٢٤٠، الخصائص ٢/٤١١، المغني ٨٦٠، ٨٧٩، أوضح المسالك ٢/١٠٨، المقاصد النحوية ٢/٤٦٤، التصريح ١/٢٧٨، الخزانة ١/٤٥، ٤٩،٥٠.
[ ٤٠٤ ]
ألا ترى أنه حذف التاء من أبقلت، وقد كان يمكنه أن يثبت التاء وينقل حركة الهمزة فيقول: أبقلت ابقالها١.
قال ابن جني في قول الشاعر٢:
فزججتها بمزجة زجَّ القلوصَ أبي مزاده ٣
- (فصل بينهما بالمفعول به)، هذا مع قدرته على أن يقول:
زجّ القلوص أبو مزاده
كقولك: سرَّني أكلُ الخبز زيدٌ فارتكب هاهنا الضرورة مع تمكنه من ترك ارتكابها٤.
_________________
(١) ١ انظر: شرح الجمل ٢/٥٥٠. ٢ لم أقف على اسمه. ٣ قال البغدادي: "يقال: زججته زجًّا: إذا طعنته بالزُّجّ - بضم الزاي - وهي الحديدة في أسفل الرمح. وزج القلوص: مفعول مطلق، أي زجًا مثل زج. والقَلوص - بفتح القاف - الناقة الشابة. وأبو مزادة: كنية رجل". وقول العيني: الأظهر أن الضمير في زججتها يرجع إلى المرأة؛ لأنه يخبر أنه زج امرأته بالمزجة كما زج أبو مزادة القلوص كلامٌ يُحتاج في تصديقه إلى وحي، وقد انعكس عليه الضبط في "مزجَّة" فقال: هي بكسر الميم، والناس يلحنون فيها فيفتحون ميمها " الخزانة ٤/٤١٥. والبيت في: معاني القرآن ١/٣٥٨، ٢/٨١، وفيه "متمكنًا" بدل: "بمزجة"، مجالس ثعلب ١/١٢٥، الخصائص ٢/٤٠٦، الإنصاف ٢/٤٢٧، المقاصد النحوية ٣/٤٦٨. ٤ الخصائص ٢/٤٠٦.
[ ٤٠٥ ]
وإلى هذا المذهب ذهب كل من الأعلم الشنتمري (٤٧٦هـ)، والرضي١ (٦٨٦هـ)، وأبو حيان، وابن هشام٢، والبغدادي، والشيخ محمد الأزهري المعروف بـ "الأمير" (١٢٣٢هـ) .
قال الأعلم: "والشعر موضع ضرورة يحتمل فيه وضع الشيء في غير موضعه دون إحراز فائدة ولا تحصيل معنى وتحصينه، فكيف مع وجود ذلك"٣؟
وقال أبو حيان - في التذييل والتكميل -: "لا يعني النحويون بالضرورة أنه لا مندوحة عن النطق بهذا اللفظ، وإلا كان لا توجد ضرورة؛ لأنه ما من لفظ أو ضرورة إلا ويمكن إزالتها ونظم تركيب آخر غير ذلك التركيب، وإنما يعنون بالضرورة أن ذلك من تراكيبهم الواقعة في الشعر المختصة به، ولا يقع ذلك في كلامهم النثريّ، وإنما يستعملون ذلك في الشعر خاصة دون الكلام"٤.
أما البغدادي فيقول عن الضرورة: "والصحيح تفسيرها بما وقع في الشعر دون النثر سواء كان عنه مندوحة أوْ لا"٥.
وخالف الأمير قول ابن مالك بحجة أنه - كما يقول -: "يسد باب الضرورة، فإن الشعراء أمراء الكلام قل أن يعجزهم شيء. على أنه لا يلزم الشاعر وقت الشعر استحضار تراكيب مختلفة"٦.
وما احتج به أصحاب هذا الرأي لم يسلم من المعارضة من قبل أنصار الرأي الأول كاعتراضهم على الاحتجاج بقول الشاعر:
_________________
(١) ١ انظر: الخزانة ١/٣٣. ٢ انظر: تخليص الشواهد ٨٢. ٣ تحصيل عين الذهب ٨٦. ٤ التذييل والتكميل ج٢ لوحة ٣٧. وانظر: الهمع ٥/٣٣٢. ٥ الخزانة ١/٣١. ٦ حاشية الأمير على المغني ١/٤٨.
[ ٤٠٦ ]
بأنه يحتمل أن يكون الذي اضطره إلى حذف التاء أنه ليس من لغته النقل، فلو قال: أبقلت ابقالها من غير نقل على لغته لم يصل للوزن١.
ولعل أهم ثمرة للخلاف بين الجمهور من جهة، وسيبويه وابن مالك من جهة أخرى؛ أن الضرورة واسعة المدلول حسب رأي الجمهور؛ فهي تشتمل كل ما ورد في الشعر، أو كَثُر فيه سواء أكانت له نظائر في النثر أم لا. فكثرت أنواع الضرائر نتيجة لهذا؛ لأنهم لا يريدون تمزيق القاعدة، أو الإكثار من القواعد فاستندوا إلى هذا الحكم (الضرورة في كل بيت يخالف القاعدة. وأما على رأي سيبويه، وابن مالك فإن ما يجد الشاعر عنه بدلًا لا يعدُّ ضرورة، بل نوع من التغيير يجوز في الشعر والنثر على حد سواء) ٢.
_________________
(١) ١ انظر: شرح الجمل ٢/٥٥٠. ٢ انظر: الضرورة الشعرية في النحو العربي ١٥٢، ١٥٣.
[ ٤٠٧ ]
ثالثًا: رأي أبي الحسن الأخفش:
يرى أبو الحسن الأخفش (٢١٥هـ) أن الشاعر يجوز له في كلامه وشعره ما لا يجوز لغيره في كلامه؛ لأن لسانه قد اعتاد الضرائر، فكثيرًا ما يقول: جاء هذا على لغة الشعر، أو يحمل على ذلك قوله تعالى: ﴿قَوارِيرًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ ١في قراءة من قرأ٢ بصرف "قوارير"٣.
_________________
(١) ١ من الآية ١٦ من سورة الإنسان. ٢ قرأ أبو جعفر ونافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم: (قواريرًا. قواريرًا مِنْ فِضَّةٍ (بالتنوين فيهما في الوصل. ووقفوا عليهما بالألف. (السبعة ٦٦٣، المبسوط ٤٥٤، النشر ٢/٣٩٥) . قال ابن عصفور: (وهذا لا حجة فيه لاحتمال أن يكون التنوين في قوله: " قواريرًا" بدلًا من حرف الإطلاق، فكأنه في الأصل " قواريرا" وحرف الإطلاق يكون في الشعر وفي الكلام المسجوع إجراءً له مجرى الشعر، فأجريت رؤوس الآي مجرى الكلام المسجوع في لحاق حرف الإطلاق فيكون مثل قوله تعالى: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾، و﴿فَأَضَلُّونا السَّبِيلا﴾ . شرح الجمل ٢/٥٥٠. ٣ انظر: شرح الجمل ٢/٥٥٠.
[ ٤٠٧ ]
وقال تعالى: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾ ١، و﴿فَأَضَلُّونا السَّبِيلا﴾ ٢ بزيادة الألف لتتفق الفواصل، كزيادة الألف في الشعر للإطلاق٣.
وهذا الاتجاه في الرأي يقلل من وجود ما يسمى بالضرورة من قبل أنه يبيح للشاعر في كلامه المعتاد ما لا يباح لغيره إلا في الاضطرار لاعتياد لسانه الضرائر على حدِّ تعبيره٤.
ويعترف أبو الحسن من جانب آخر بتأثير هؤلاء الشعراء في غيرهم بوصفهم طبقة ذات مكانة اجتماعية تقلدها العامة وتقتدي بها وبذلك تشيع الظاهرة في الشعر، والنثر على السواء، وعليه فلا محل إذن للقول بأنها ضرورة٥.
_________________
(١) ١ من الآية ١٠ من سورة الأحزاب. ٢ من الآية ٦٧ من سورة الأحزاب. ٣ انظر: معاني القرآن ١/٢٤١، ٢/٦٦٠، والارتشاف ٣/٣٧٨. ٤ انظر: الضرورة الشعرية في النحو العربي ١٥٥. ٥ انظر: المصدر السابق ١٥٥.
[ ٤٠٨ ]
رابعًا: رأي ابن فارس:
يختلف موقف أحمد بن فارس (٣٩٥هـ) من ضرائر الشعر عن موقف النحويين جميعهم؛ إذ لا يكاد يعترف بما يسميه النحاة ضرورة، فيتعيّن على الشاعر أن يقول بما له وجه في العربية، ولا ضرورة فيه حينئذٍ. فإن لم يك ثمت وجه منها رُدَّ وسمّي باسمه الحقيقي وهو الغلط أو الخطأ، ولا داعي للتكلف واصطناع الحيل للتخريج١.
قال في كتابه الصاحبي: "وما جعل الله الشعراء معصومين يُوَقُّون الخطأ والغلط، فما صحَّ من شعرهم فمقبول، وما أبته العربية، وأصولها فمردود"٢.
_________________
(١) ١ انظر: المصدر السابق ١٥٧. ٢ الصاحبي ٤٦٩.
[ ٤٠٨ ]
وقد ألف ابن فارس مصنفًا لهذا الغرض سمَّاه "ذمُّ الخطأ في الشعر" ولخَّص فيه موقفه من الضرورة الشعرية. ومن جملة ما قاله:
"إنَّ ناسًا من قدماء الشعراء ومن بعدهم أصابوا في أكثر ما نظموه من شعرهم وأخطأوا في اليسير من ذلك، فجعل ناس من أهل العربية يوجهون لخطأ الشعراء وجوهًا، ويتمحلون لذلك تأويلات حتى صنعوا فيما ذكرنا أبوابًا، وصنفوا في ضرورات الشعر كتبًا"١.
ويرى أنه لا فرق بين الشاعر، والخطيب، والكاتب، فالشعراء يخطئون كما يخطىء سائر الناس، ويغلطون كما يغلطون، ولا يعدو أن يكون ما ذكره النحويون في إجازة ذلك والاحتجاج له ضربًا من التكلف٢.
ويعرّض ابن فارس بما استشهد به سيبويه٣ من قول الشاعر٤:
فلست بآتيه ولا استطيعه ولاكِ اسقني إن كان ماؤك ذا فضلِ٥
فيتساءل: لم لا يجوز لواحد منا - إذن - أن يقول للآخر: لست أقصدك ولاك اقصدني أنت٦؟
_________________
(١) ١ ذم الخطأ في الشعر ١٧، ١٨. ٢ انظر: المصدر السابق ٢٣. ٣ انظر: الكتاب ١/٩. ٤ هو النجاشي الحارثي قيس بن عمرو بن مالك من بني الحارث بن كعب. يكنى أبا الحرث وأبا محاسن. كان فاسقًا رقيق الإسلام. (الشعر والشعراء ١/٣٢٩ - ٣٣٣، الإصابة ٣/٥٥١، ٥٥٢) . ٥ البيت من "الطويل" من كلمة قالها الشاعر في وصف ذئب حين استضافه للطعام والشراب فقبل الذئب الشراب إن كان فاضلًا عن الحاجة، واعتذر عن عدم قبوله الطعام. انظر: المعاني الكبير ١/٢٠٧، سر الصناعة ٢/٤٤٠، المنصف ٢/٢٢٩، الأزهية ٢٩٦، أمالي المرتضى ٢/٢١١، الإنصاف ٢/٦٨٤، المغني ٣٨٤، الخزانة ٥/٢٦٥، ١٠/٤١٨، ٤١٩. ٦ انظر: ذم الخطأ في الشعر ٢١.
[ ٤٠٩ ]
ولكن الملاحظ أن ابن فارس في كتابه "الصاحبي" على الرغم من إعادته، وتكريره بعض ما قاله في "ذم الخطأ في الشعر" - يبدو أكثر رفقًا وأقل حدة في موقفه من الضرورة فهو قد أكّد عدم عصمة الشعراء من الخطأ١. ولكنه لم ينكر الضرورة على الإطلاق، فما عدّه النحاة ضرورة قسّمه ابن فارس في هذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام٢:
الأول: ما يباح للشعراء دون غيرهم كقصر الممدود، والتقديم، والتأخير، والاختلاس، والاستعارة. فأما اللحن في الإعراب أو إزالة كلمة عن نهج الصواب فليس لهم ذلك٣.
الثاني: ما يُعدُّ من خصائص العربية، ومظهرًا من مظاهر الافتنان فيها، ويسميه ابن فارس بأسماء مختلفة كالبسط، والقبض، والإضمار. ولعله في مثل هذا ينظر إلى اللهجات المختلفة. وهذا ما دعاه إلى عدم القول بأنها ضرورة أو من خصائص الشعر. كقول الشاعر٤:
محمد تفد نفسك كل نفس-إذا ما خفت من أمرٍ تَبالا٥
وهذا مما يعدّه النحاة ضرورة.
_________________
(١) ١ انظر: الصاحبي ٤٦٩. ٢ انظر: الضرورة الشعرية في النحو العربي ١٥٨-١٦٢. ٣ انظر: الصاحبي ٤٦٩. ٤ اختُلف في قائله؛ إذ نسبه الرضي إلى حسان بن ثابت، ونسبه ابن هشام في شرح شذور الذهب ٢١١ إلى أبي طالب، كما نُسب إلى الأعشى. ولم أجده في دواوين الثلاثة. ٥ البيت من " الوافر ". والتبال: الإهلاك، وأصله: الوبال - بالواو - فأبدلت الواو تاءً. والمعنى: إذا خفت وبال أمرٍ أعددت له. والبيت في: الكتاب ١/٤٠٨، المقتضب ٢/١٣٢، اللامات ٩٦، أسرار العربية ٣١٩، أمالي ابن الشجري ٢/١٥٠، ١٥١، شرح المفصل ٧/٦٠، ٩/٢٤، شرح التسهيل ٤/٦٠.
[ ٤١٠ ]
الثالث: ما يُعدَّ خطأ وغلطًا عنده، كقول الشاعر١:
ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبونُ بني زيادِ٢
والراجح عندي هو ما ذهب إليه جمهور النحويين من أن الضرورة ما وقع في الشعر سواء أكان للشاعر عنه مندوحة أم لا؛ لأن الشعر كلام موزون بأفاعيل محصورة يستلزم بناؤه على هذه الصورة المقيدة بالوزن، والقافية، أن يلجأ قائله أحيانًا إلى الضرورة.
صحيح أنه ما من ضرورة إلا ويمكن أن يعوض من لفظها غيره لكن الشاعر غير مختار في أموره كلها، فقد لا يخطر بباله في ذلك الموضع إلا هذه اللفظة المؤدية إلى الضرورة. وكثير من أشعار العرب يقع في غير روية، وهو مما يدعو إلى عدم التمكن من تخير الوجه الذي لا ضرورة فيه، ولا يلزم الشاعر - وقت الإنشاد - استحضار التراكيب المختلفة ليوازن بينها ويختار منها ما خلا من الضرورة ويبتعد عما سواه.
_________________
(١) ١ هو قيس بن زهير العبسى. كان سيد قومه ويلقب بـ"قيس الرأي " لجودة رأيه. وهو صاحب "داحس" وهي فرسه. راهن حذيفة بن بدر الفزاري فصار آخر أمرهما إلى القتال والحرب. (معجم الشعراء ٣٢٢، الكامل لابن الأثير ١/٣٣٦، ٣٣٧) . ٢ البيت من "الوافر" من قصيدة قالها الشاعر فيما كان قد شجر بينه وبين الربيع بن زياد العبسي من أجل درع أخذها الربيع من قيس فأغار قيس على إبل الربيع وباعها في مكة. الأنباء: الأخبار. وتنمي بمعنى تبلغ. واللبون من الشاء والإبل: ذات اللبن. والمراد بزياد هو زياد بن سفيان بن عبد الله العبسي. ويروى البيت: "ألا هل اتاك" مكان "ألم يأتيك" ولا شاهد فيه على هذه الرواية. والبيت في: الكتاب ٢/٥٩، معاني القرآن ١/١٦١، أمالي ابن الشجري ١/١٢٦، ١٢٧، ٣٢٨، الإنصاف ١/٣٠، المقرب ١/٥٠، ٢٠٣، ضرائر الشعر ٤٥، شرح شواهد الشافية ٤٠٨.
[ ٤١١ ]
الضرورة لا تنحصر بعدد معيّن:
لعل أقرب تعريف يمكن إطلاقه على الضرورة الشعرية هو: الخروج على القواعد النحوية، والصرفية؛ لإقامة الوزن وتسوية القافية١.
والضرورة بابها الشعر، وشعر العرب لم يحط بجميعه كما روي عن أبي عمرو بن العلاء (١٥٤هـ) أنه قال: ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلاَّ أقله، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير٢.
وإذا كان الأمر هكذا فإنه لا يمكن حصر الضرائر بعدد دون آخر، فلا يلتفت إلى من حصر الضرائر في عشرٍ ولا مائة٣.
والشاعر غير مقيّد بحدود ما يجده لدى الشعراء الآخرين من ضرورات فيزيد في المواضع التي زادوا فيها ويحذف حيث حذفوا، أو يغيّر على نحو ما غيروا، فقد يعترض في بعض نظمه الكثير مما لا يجد له نظيرًا عند غير٤.
ومما ساعد على وجود الضرائر وكثرتها اختلافُ نظرة العلماء إلى مصادر الاستشهاد، ومواقفهم المختلفة منها.
واختلفت نظرتهم كذلك إلى مدلول الضرورة الشعرية ذاتها فسلكوا في فهمهم لها وجهات متباينة فصارت الظاهرة الواحدة ضرورة شعرية على رأي في حين أنها لا تُعدُّ كذلك في رأي مغاير٥.
الضرورة تنقسم إلى حسنة وقبيحة:
الحكم النحوي ينقسم إلى رخصة وغيرها، والرخصة هاهنا ما جاز للشاعر استعماله للضرورة التي تتفاوت حسنًا وقبحًا. فالضرورة المستحسنة هي التي لا
_________________
(١) ١ انظر: الضرورة الشعرية في النحو العربي ١٣. ٢ انظر: الضرائر للآلوسي ٢٤. ٣ انظر: المصدر السابق ٢٤، ٢٥. ٤ انظر: في الضرورات الشعرية ١٤. ٥ انظر: الضرورة الشعرية في النحو العربي ١٢٨.
[ ٤١٢ ]
تستهجن ولا تستوحش منها النفس، كتسكين العين في جمع فَعْلَة بالألف والتاء حيث يجب الإتباع، كقول الشاعر١:
علَّ صروفَ الدهرِ أو دُولاتِها
يُدِلْننا اللمة مِنْ لماتِها
فتستريحَ النفسُ من زَفْراتِها٢
وهذا من أسهل الضرورات.
ومن الضرائر المستحسنة: صرف ما لا ينصرف، وذلك أن أصل الأسماء كلها الصرف. ومنه قول النابغة الذبياني:
فلتأتينك قصائدٌ وليركبن جيشٌ إليك قوادم الأكوارِ٣
_________________
(١) ١ لم أقف على اسمه. ٢ أبيات من مشطور الرجز. وقوله: "صروف الدهر" أي نوائبه. و"الدولة": التغير والانتقال من حال إلى آخر. يدلننا: ينصرننا. و"اللمة": الشدة. ونصبها هنا على نزع الخافض، أي: على اللمة. انظر: معاني القرآن ٣/٩، ٢٣٥، اللامات ١٣٥، سر الصناعة ١/٤٠٧، الخصائص ١/٣١٦، الإنصاف ١/٢٢٠، لمع الأدلة ٨٢، رصف المباني ٣٢٢. ٣ البيت من "الكامل". من قصيدة يتوعد فيها الشاعر زُرْعة بن عمرو الكلابي؛ يتهدده بقصائد الهجو وبالحرب. "القوادم": جمع قادمة، والقادمة: مقدم الرّحْل. و"الأكوار": جمع كور، وهو رحل الناقة. يقول: واللَّه لأغيرنّ عليك بقصائد الهجو ورجال الحرب. وجعل الجيش يدفع القوادم؛ لأنهم كانوا يركبون الإبل في الغزو حتى يحلوا بساحة العدو فينزلون عنها إلى الخيل، فجعل الجيش هو المزعج للإبل المتحركة، الدافع لها. والبيت في: الديوان ٩٩، الكتاب ٢/١٥٠، المقتضب ١/١٤٣، الأصول ٣/٤٣٦، المنصف ٢/٧٩، الخصائص ٢/٣٤٧، الإنصاف ٢/٤٩٠.
[ ٤١٣ ]
وقصر الجمع الممدود تشبيهًا بحذف الياء من "فعاليل" ونحوه، كقول الشاعر١:
فلو أنَّ الأطبا كانُ حولي وكان مع الأطباءِ الأُساةُ٢
ومدّ المقصور كقول الشاعر٣:
سيُغنيني الذي أغناك عني فلا فقرٌ يدومُ ولا غِناءُ٤
وأما الضرورة المستقبحة فمثل عدل الأسماء عن وضعها الأصلي بتغييرٍ ما فيها من زيادة أو نقص يترتب عليه التباس جمع بجمع مثلًا كرد "مطاعم" إلى مطاعيم أو عكسه، فإنه يؤدي إلى التباس "مطعم" بـ "مطعام".
وكالنقص المجحف كما في قول لبيد بن ربيعة:
درس المنا بمُتالعٍ فأبانِ فتقادمت بالحَبْسِ فالسُّوبانِ٥
_________________
(١) ١ لم أجد من سماه. ٢ البيت من "الوافر". والأُساة: جمع آسٍ كقضاة: جمع قاضٍ. انظر البيت في: معاني القرآن للفراء ١/٩١، مجالس ثعلب ١/٨٨، الكشاف ٣/٤٢، الإنصاف ١/٣٨٥، شرح المفصل ٧/٥، ٩/٨٠، المقاصد النحوية ٤/٥٥١، الهمع ١/٢٠١، الخزانة ٥/٢٢٩، ٢٣١، الدرر ١/١٧٨. ٣ لم أقف على قائله. ٤ البيت من " الوافر ". الإنصاف ٢/٧٤٧، ضرائر الشعر ٤٠، أوضح المسالك ٤/٢٩٧، التصريح ٢/٢٩٣، شرح الأشموني ٤/١١٠، الاقتراح ١٥٩. ٥ البيت من " الكامل ". درسُ المنازل: عفاؤها وانمحاؤها. ومُتالع: اسم موضع، وقيل: اسم جبل بنجد. وأبان: اسم جبل، والحبس والسوبان: اسما موضعين. والفاء بمعنى الواو كما في: بين الدخول فحومل والبيت في: الديوان ١٣٨، اللسان (تلع ٨/٣٧، (أبن ١٣/٥، المقاصد النحوية ٤/٢٤٦، التصريح ٢/١٨٠، الهمع ٥/٣٣٤، شرح الأشموني ٣/١٦١، الدرر ٦/٢٠٨.
[ ٤١٤ ]
يريد: المنازل١. فرخَّمه في غير النداء بحذف حرفين منه هما الزاي واللام.
وكقول العجاج:
واطنًا مكةَ من وُرْقِ الحمَي ٢
يريد: الحمام.
فلا يحسن بالشعراء الأخذ بمثال هذه الضرورات لقبحها، حتى وإن ارتكزت على شواهد معتبرة؛ لأن بتر اللفظ على هذا النحو يمسخ صورته المألوفة. كما أن الأخذ بمثل هذه الضرائر يفضي إلى اختلاط الصيغ وعدم وضوح القصد، وابتعاد الذهن عن الوصول إلى اللفظ بحدوده المعروفة.
فالأولى اقتصار الشاعر على الأخذ بالحسن من الضرورات، وهي التي يكون فيها الحذف أو الزيادة، أو التغيير الذي يطرأ ضمن القياس المعروفة نظائره، والذي يهدي فيه التركيب إلى المراد بسهولة لكثرة شواهده وأمثلته٣.
ثم إنه لا يجوز للشاعر أن يلحن لتسوية قافية ولا لإقامة وزن بأن يرفع منصوبًا أو ينصب مخفوضًا، أو يحرك مجزومًا، ويسكن معربًا. وليس له أن يُخرج شيئًا عن لفظه إلا أن يكون يخرجه إلى أصل قد كان له فيرده إليه؛ لأنه كان حقيقته، ومتى وجد هذا في شعر كان خطأً ولحنًا ولم يدخل في ضرورة الشعر٤.
_________________
(١) ١ انظر: الاقتراح للسيوطي ٢١، ٤٢. ٢ البيت من "الرجز". القواطن: جمع قاطنة وهي المقيمة، من قطن المكان يقطنه إذا أقام فيه. و"الوُرْق": جمع ورقاء، وأراد الحمام الأبيض الذي يضرب لونه إلى السواد. و"الحمي" - بفتح الحاء وكسر الميم - يريد: الحمام فغيّرها إلى الحمي، فاقتطع بعض الكلمة للضرورة، وأبقى بعضها لدلالة المبقّى على المحذوف منها: والرجز في: الديوان ٢٩٥، الكتاب ١/٨، ٦٥، ما ينصرف وما لا ينصرف ٥١،الخصائص ٣/٢٣٥، شرح المفصل ٦/٧٥، التصريح ٢/١٨٩، الدرر ٣/٤٩. ٣ انظر: في الضرورات الشعرية ٦، ٧. ٤ انظر: الأصول ٣/٤٣٦، ما يحتمل الشعر من الضرورة ٣٤.
[ ٤١٥ ]
الفصل الثاني: الضرورات الشعرية في ألفية ابن مالك
ربما ورد في ألفية ابن مالك بعض التجاوزات غير الإعرابية، كأن يقع الناظم في عيب من عيوب الشعر، أو يتجوَّز في بعض الألفاظ، أو يجمع بين متنافيين، وهذه الأشياء لم أُعن بها في هذا البحث، من قبل أنها لا تدخل في نحو ولاصرف، ولكني مضطر لذكر بعض النماذج المثبتة لذلك:
فمن عيوب الشعر قول الناظم - في باب "إنَّ" وأخواتها -:
وتصحبُ الواسطَ معمولَ الخبرْ والفَصْلَ واسمًا حلَّ قبله الخبرْ١
حيث تكرَّر لفظ القافية ومعناها واحد، وهو من عيوب القافية، المسمى
بـ"الإيطاء"٢، كما قال امرؤ القيس في قافية:
سرحةُ مرقبِ
فوق مرقبِ٣
وذلك قوله:
على الأيْنِ جيَّاشٍ كأنَّ سراتَه على الضُّمرِ والتعداءِ سرحةُ مَرقَبِ
له أيْطلا ظبيٍ وساقا نعامةٍ وصَهوةُ عَيْرٍ قائمٍ فوقَ مَرْقَبِ
وإذا اتفقت الكلمتان في القافية واختلف معناهما لم يكن إيطاءً٤.
_________________
(١) ١ الألفية ص٢٠. ٢ انظر: حاشية ابن حمدون على شرح المكودي ١/١١١، فتح الرب المالك ٢٧٣. ٣ الديوان ٤٦، ٤٧. ٤ انظر: العمدة لابن رشيق ١/١٦٩، ١٧٠، الكافي في العروض والقوافي ١٦٢.
[ ٤١٧ ]
ومنه ما جاء في باب "الضمير" حين كان يتحدث عن نون الوقاية فقال:
وليتني فشا وليتي ندرا ومع لعلَّ اعكس وكن مخيّرا
في الباقي ات واضطرارًا خَفَّفا منيِّ وعنيِّ بعضُ من قد سلفا١
فقوله: "في الباقيات" متعلق بـ"مخيرا"، واتصال آخر الكلمة من البيت بأول كلمة من البيت الذي بعده يُسمَّى تضمينًا، وهو قبيح في الشعر٢.
ومثله قوله في باب "الإبدال":
والواوُ لامًا بعد فتح يا انقلبْ كالمعطيانِ يُرْضَيانِ.ووجبْ
إبدالُ واوٍ بعد ضمٍ من ألفْ-ويا كموقن بذا لها اعتُرفْ٣
وإنما سُمي هذا بالتضمين، لأنك ضمَّنت البيت الثاني معنى الأول، لأن الأول لا يتم إلا بالثاني، كقول النابغة الذبياني:
وهُمْ وردوا الجفارَ على تميمٍ وهم أصحابُ يومِ عكاظ إنِّي
شهدتُ لهم مواطنَ صالحاتٍ وثقت لهم بحسن الظن مني٤
وكلما كانت اللفظة المتعلقة بالبيت الثاني بعيدةً من القافية كان أسهل عيبًا٥.
ومن التجوّز في الألفاظ ما يلي:
١ - قال في باب " الابتداء ":
وبعد " لولا " غالبًا حذفُ الخبرْ حتمٌ، وفي نصِّ يمينٍ ذا استقرْ٦
_________________
(١) ١ الألفية ص١٣. ٢ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ١٦، حاشية الصبان ٤/٣٠٦. ٣ الألفية ص٦٨. ٤ الديوان ١٢٣. ٥ انظر: العمدة ١/١٧١، الكافي في العروض والقوافي ١٦٦، مفتاح العلوم للسكاكي ٥٧٦. ٦ الألفية ص١٧.
[ ٤١٨ ]
فجمع بهذا بين متباينين هما قوله: "حتم" و"غالبًا"، فأشكل الجمع بينهما من قبل أن حتمية الحذف تقتضي عدم الانفكاك، وغالبيته تقتضي خلاف ذلك١.
٢ - تجوَّز الناظم في تسمية ما بعد " بل ولكن "معطوفًا إذ قال في باب "كان وأخواتها":
ورفعَ معطوفٍ بلكنْ أو ببلْ من بعد منصوبٍ بما الزم حيثُ حلْ٢
وفي الواقع أن ما بعدهما غير معطوف، وإنما هو خبر لمبتدأ محذوف. فإذا قيل: ما زيدٌ قائمًا بل قاعدٌ، وما عمرو منطلقًا لكن مقيمٌ، فإن التقدير: بل هو قاعد، ولكن هو مقيم. و"بل"، و"لكن" حرفا ابتداء٣.
٣ - قال في باب "إن وأخواتها":
وإنْ تُخفَّفْ أنَّ فاسمها استكنْ والخبرَ اجعلْ جملةً من بعد أنْ٤
فتجوَّز في قوله: "استكن"، لأن الضمير المنصوب لا يستكن، كما أن الحرف لا يُستكن فيه الضمير، وإنما هو محذوف لامستكن. قاله بدر الدين المرادي٥ (٧٤٩هـ) .
٤ - قال في باب " الاشتغال ":
وبعد عاطفٍ بلا فصل على معمول فعل مستقر أوّلا٦
_________________
(١) ١ انظر: فتح الرب المالك ٢١٥. ٢ الألفية ص١٨. ٣ انظر: توضيح المقاصد ١/٣١٥، شرح المكودي ٤١، شرح الأشموني ١/٢٥٠. ٤ الألفية ص٢٠. ٥ انظر: توضيح المقاصد ١/٣٥٥. ٦ الألفية ص٢٥.
[ ٤١٩ ]
فتجوَّز في قوله: "على معمول فعل"، لأن العطف حقيقة إنما هو على الجملة الفعلية١.
يعني أن الاسم المشتغل عنه إذا وقع بعد عاطف تقدمته جملة فعلية ولم يُفصل بين العاطف والاسم اختير نصبه نحو: قام زيدٌ وعمرًا أكرمتُه، وذلك طلبًا للمناسبة بين الجملتين، لأن مَنْ نَصَبَ فقد عطف فعلية على فعلية، ومن رفع فقد عطف اسمية على فعلية، وتناسب المتعاطفين أولى من تخالفهما٢.
٥ - وقال في باب "إعراب الفعل":
وإن على اسمٍ خالصٍ فعلٌ عُطفْ تنصبُهُ " أنْ " ثابتًا أو منحذفْ ٣
فجعل الفعل هو المعطوف، والمعطوف في الحقيقة إنما هو المصدر٤، أي المؤول من "أنْ" والفعل، كما في قول الشاعرة٥:
ولبسُ عباءةٍ وتقرَّ عيني أحبُّ إليَّ من لُبْسِ الشُّفوفِ٦
_________________
(١) ١ انظر: توضيح المقاصد ٢/٤٢، شرح الأشموني ٢/٧٩. ٢ انظر: شرح الأشموني ٢/٧٩. ٣ الألفية ص٥٢. ٤ انظر: توضيح المقاصد ٤/٢٢٢. ٥ هي ميسون بنت بحدل الكليبية. زوج معاوية بن أبي سفيان. شاعرة بدوية. توفيت نحو (٨٠هـ) . (الكامل لابن الأثير ٣/٢٦١، الخزانة ٨/٥٠٥، ٥٠٦) . ٦ من "الوافر" من جملة أبيات قالتها الشاعرة في الحنين إلى أهلها وإلى حالتها الأولى والتذمر من الحاضرة. " الشفوف ": جمع شَِفّ - بكسر الشين وفتحها -: ثياب رقاق تصف البدن. والبيت في: الكتاب ١/٤٢٦، المقتضب ٢/٢٧، الأصول ٢/١٢٤، الصاحبي ١٤٦، الاقتضاب ١١٥، الجنى الداني ١٥٧، التصريح ٢/٢٤٤.
[ ٤٢٠ ]
فالواو في "وتقر" واو العطف، و" تقر" فعل مضارع منصوب بـ"أنْ" مضمرة جوازًا بعد الواو العاطفة على اسم صريح، أي خالص من التأويل بالفعل.
٦ - وقال في باب "جمع التكسير":
في نحو رامٍ ذو اطِّرادٍ فُعَلَهْ وشاع نحوُ: كاملٍ وكَمَلَهْ١
ومقصوده أن من أمثلة جمع الكثرة "فُعَلَة" وهو مطرد في كل وصف على "فاعل" معتل اللام لمذكر عاقل نحو: رامٍ ورُماة وقاضٍ وقُضاة.
ومنها كذلك "فَعَلَة" وهو مطرد في كل وصف على "فاعل" صحيح اللام لمذكر عاقل نحو: كاملٍ وكَمَلَة وكاتبٍ وكتَبَة.
فالاطراد كائن في الوصفين إلا أن الناظم استعمل مع الأول الاطراد واستعمل مع الثاني الشِّياع والشياع لا يلزم منه الاطراد مع أنه مطرد نحو: ساحر وسَحَرة وبارٍّ وبَرَرَة. ولذلك فإنه لو قال:
في نحو رامٍ ذو اطراد فُعَلَهْ كذاك نحو: كامل وكَمَلَهْ
لكان أنصّ، لأن الشياع لا يقتضي بالضرورة الاطراد مع أنه مطرد كما تبين٢.
٧ - ولعله يدخل فيما نحن فيه ما يرد في بعض عبارات الألفية من قصور، كقوله في باب "لا النافية للجنس":
وركب المفرد فاتحًا كلا حولَ ولا قوة ٣
_________________
(١) ١ الألفية ص٥٨. ٢ انظر: توضيح المقاصد ٥/٥٠. ٣ الألفية ص٢١.
[ ٤٢١ ]
قال المرادي: "وفي عبارته هنا قصور حيث قال: "فاتحًا"، بل الصواب: على ما ينصب به ، ولو قال وركب المفرد كالنصب لأجاد"١.
والقصور الذي أشار إليه المرادي حاصل من عدم شمول عبارة الناظم المثنى وجمع المذكر السالم، لأنهما يُبنيان على الياء، وكذا جمع المؤنث السالم لبنائه على الكسر.
كذلك لم أُعْن بما يحتمل وجهين أحدهما ضرورة، فإذا حُمل على الآخر لم يعد كذلك، كقوله في باب "الابتداء":
وبعد " لولا " غالبًا حذفُ الخبرْ حتمٌ، وفي نصِّ يمينٍ ذا استقرْ٢
فقوله: "استقر" في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو قوله: "ذا"، وإظهار "استقرَّ" هنا للضرورة ٣، كما في قول الشاعر٤:
لكَ العِزُّ إنْ مولاك عزَّ وإن يَهُنْ فأنت لدى بحبوحةِ الهونِ كائنُ ٥
_________________
(١) ١ توضيح المقاصد ١/٣٦٥. ٢ الألفية ص١٧. ٣ الأصل عند الجمهور أن الخبر إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا أن يكون كل منهما متعلقًا بكون عام واجب الحذف، فإن كان متعلقهما كونًا خاصًا وجب ذكره إلاّ أن تقوم قرينة تدل عليه إذا حذف، فيجوز ذكره وحذفه. انظر: شرح ابن عقيل ١/٢٥٠، الهمع ٢/٤٠. ٤ لم أقف على اسمه. ٥ من " الطويل ".بحبوحة كل شيء: وسطه. والهون: الذل والهوان. والشاهد فيه: التصريح بالخبر " كائن " الذي تعلق به الظرف " لدى " وهو شاذ، والقياس حذفه. والبيت في: المغني ٥٨٢، شرح ابن عقيل ١/٢١١، المقاصد النحوية ١/٥٤٤، الهمع ٢/٢٢، ٥/١٣٥، شرح شواهد المغني ٢/٨٤٧، الدرر ٢/١٨، ٥/٣١٣.
[ ٤٢٢ ]
أعرب المكودي قوله: "اعتقد" معطوفًا على "يجب"، وجاز عطف الفعل "اعتقد" - مع كونه طلبًا - على الفعل "يجب" مع كونه خبرًا، لأن يجب في معنى أوجب١.
وألزمه الأزهري حذف الجواب مع كون الشرط مضارعًا، ووقوع ما هو بمعنى الطلب خبرًا، والأول ممتنع إلا في الضرورة، والآخر خلاف الأكثر.
قال: ولو جعل "يجب" جواب الشرط، والشرط وجوابه خبر المبتدأ لسلم من هذا. وعطفُ الإنشاء على الأخبار أجازه الصفار٢ (٦٣هـ) وجماعة٣، ومنعه ابن مالك في شرح التسهيل٤ تبعًا للبيانيين٥.
وقال في باب "جمع التكسير":
وزائدَ العادي الرباعي احذفْهُ ما لم يكُ لينًا إثرَهُ اللَّذ خَتَما٦
فقوله: "اللَّذْ" لغة في "الذي" وهو مبتدأ مؤخر، وجملة "ختما" إمّا أن يكون الفعل فيها مبنيًا للمفعول فتكون الجملة صلة المصول، والعائد محذوف مجرور بالباء - وإن لم تتوافر شروط الحذف - للضرورة، والتقدير: خُتم به٧.
_________________
(١) ١ انظر: شرح المكودي ٨٠. ٢ أبو القاسم قاسم بن علي بن محمد البَطَلْيوسي، الشهير بالصفَّار. صاحب ابن عصفور والشلوبيني. شرح كتاب سيبويه شرحًا حسنًا. (البلغة ١٧٣، ١٧٤، بغية الوعاة ٢/٢٥٦، كشف الظنون ٢/١٤٢٨) . ٣ انظر: المغني ٦٢٧، الهمع ٥/٢٧٣. ٤ انظر: ٢/٢٥٠. ٥ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ٥٦. ٦ الألفية ص٦٠. ٧ انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ١٢٩.
[ ٤٢٤ ]
وإما أن يكون الفعل مبنيًا للمعلوم، والفاعل ضمير مستتر راجع إلى الحرف الذي ختم الكلمة وعلى هذا لا إشكال ولا ضرورة.
قال المكودي - معربًا على البناء للفاعل -: "ومفعول "ختَم" محذوف، والتقدير: ما لم يكن الزائد لينًا الذي ختم الكلمة بعده"١.
أما التجاوزات الإعرابية فهي محل التطبيق في هذا البحث. ولست أزعم أني استقصيت جميع الضرائر التي لجأ إليها الناظم في منظومته ولكن حسبي أني اجتهدت في حصرها أو حصر معظمها على أقل تقدير.
وحاولت قدر الإمكان تقديم هذه الضرائر مراعيًا باب المسألة النحوية محل الدراسة، دون النظر إلى ترتيب البيت في الألفية، إذ لو راعيتُ ذلك لترتب عليه فصلٌ بين الضرائر المتشابهة، من قبل أن الضرورة الواحدة قد ترد في أكثر من موضع من الألفية.
ثم إن مراعاة ترتيب أبيات الألفية لا ينبني عليه كبير فائدة.
وبعد:
فدونك هذه الضرائر أو التجاوزات التي وقعت للناظم في ألفيته:
_________________
(١) ١ شرح الألفية للمكودي ٢٠٦.
[ ٤٢٥ ]