الحديث الأوّل:
[٣٧٣]: عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ، وَأَهْوَى النُّعْمَانُ [بِإِصْبَعهِ] (١): "إنّ الَحْلالَ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يقع فِيهِ. أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ. أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجْسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ" (٢).
قوله: "سمعتُ": تقدّمت في الحديث الأوّل من الكتاب.
قوله: "وأهْوَى النّعمان بإصبعه": هنا تقدير يفهم من السياق، أي: "أهوى بإصبعه إلى أذنه". وهي جملة معترضة لا محلّ لها من الإعراب، وتقدّم ذكر الجمل التي لا محلّ لها في الحديث الأول من الكتاب.
ويحتمل أن تكون في موضع الحال من فاعل "قال"، وهو ضمير [مستتر] (٣)، وتكون "قد" معه مقدّرة.
و"أَهْوَى" بمعنى: "أشار". قال الأصمعي: "أهويت بالشيء"، إذا "أومأت به"، ويقال: "أهويت له بالسيف" (٤)، وفي غير هذا الحديث: "أهْوَى بِإصْبَعِهِ إِلَى أُذنِه".
_________________
(١) في نسخ العمدة وصحيح مسلم: "بإصبعيه".
(٢) رواه البخاري (٢٠٥١) في البيوع، ومسلم (١٥٩٩) في المساقاة.
(٣) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "استتر".
(٤) انظر: الصحاح (٦/ ٢٥٣٨).
[ ٣ / ٤٢٠ ]
قوله: "إن الحلال بَيِّنٌ": جملة معمولة للقول، ولذلك كُسِرت "إنَّ".
و"بَيِّنٌ" خبر "إنّ"، وهو من: "بان الشيء"، "بيانًا" فهو "بيِّن"، الجمع: "أبيناء"، مثل: "هيِّن" و"أهيناء" (١). وعطف عليه: "وإنّ الحرام بين".
قوله: "وبينهما مشتبهات": مبتدأ، والخبر متقدّم عليه في الظرف، والتقدير: "وبينهما أحكام مشتبهات".
وهو جمع "مشتبهة"، أي: "ملتبسة" و"مشكلة"، و"المتشابهات": "المتماثلات".
والجملة معطوفة على ما قبلها، وأتت الجمل قبلها مؤكَّدة بـ "إنّ" في قوله: "إن الحلال بيِّنٌ، وإن الحرام بين"، ولم يقل: "وإنّ بينهما مشتبهات"؛ لأنّ حرف التأكيد يناسب ما هو واضح التحليل والتحريم، بخلاف ما هو مُشكِلٌ محتمل؛ فإنَّ الشرع لم يُوضّحه، ووَكَلَ الإنسان فيه إلى الاجتهاد والاحتياط.
قوله: "لا يعلمهن كثير من الناس": "علم" هنا بمعنى: "عرف"، ولذلك تعدّى لواحد، وهو ضمير "الهاء" و"النون". و"كثير" الفاعل، والمراد: "ناس كثير". و"من" للتبعيض.
و"ناس" تقدّم الكلام عليه في الحديث الثّالث من "باب الخسوف".
وقال: "كثير من الناس" ولم يقل: "ناس كثير"؛ لأن المعنى يختلف، وذلك أن اسم الجنس إذا تعرَّف بالألف واللام التي للجنس أفاد الكثرة (٢)، بخلافه إذا نُكِّر؛ فإنه لا يفيدها، فالكثير من الكثير كثير، والكثير من القليل قليل. وأيضًا: فإنّ لفظ "كثير" مقترنًا بـ "مِن" يفيد معنى "أفعل" التفضيل، فكأنه قال: "أكثر الناس".
ومثله: "خير من الناس عمرو"، دلالة "خير" مع "مِن" على التفضيل صريحة
_________________
(١) انظر: الصحاح (٥/ ٢٠٨٣).
(٢) ذكر الرازي أنه يفيد العموم، وهو أبلغ في الدلالة، انظر: تفسير الرازي (٧/ ١١١).
[ ٣ / ٤٢١ ]
في التفضيل، بخلافها بغير "من".
قوله: "فمَن اتّقى الشبهات": "مَنْ" مبتدأ، شرطية.
و"اتَّقَى" أصله "اوتقى"؛ لأنه من "وقى"، "يقِي"، فقلبت "الواو" تاءً، وأُدغمت في "التاء" الأخرى، ولامه "ياء"؛ لأنه من "وقيت".
وجملة "استبرأ" جوابُ الشّرط، وفيه محذوف، أي: "استبرأ طاقته"، أي: "استفرغ". أو يكون "استبرأ" بمعنى: "احتاط"؛ فلا يكون فيه تقدير.
قوله: "وعرضه".
[فائدة:
يقع "العِرْض" بمعنى "النفس"] (١)، يُقَال: "أكرَمتُ عنه عِرْضي"، أي: "صُنت عنه نفسي"، و"فلان نقيُّ العِرْض"، أي: "بريء من أن يُشتَم أو يُعاب". وقيل: "عِرْض الرجُلِ": "حَسَبُه"، و"العِرْضُ" أيضًا: "رائحة الجسد وغيره، طيِّبةً كانت أو خبيثة"، يُقال: "فلانٌ طيِّب العِرض"، و"منتن العِرض"، و"سِقَاءٌ خبيث العِرْض"، أي: "منتن" (٢).
قوله: "ومن وقع في الشبهات": مثله. تقدّم الكلام على "وقع" وما كان مثله -كـ "وَعَد"- في الحديث الرابع من "الإمامة". وهو [تشبيه] (٣).
والمعنى: "ومن لم يتّق الشبهات لابَسَها وهو لا يعلم"، فجعله كالواقع في هوة
_________________
(١) بعضه غير واضح بالأصل، وبعضه مقطوع. وسقط من (ب). وقد أكمل بحسب ما يبدو لي من الأصل، وبحسب المصادر.
(٢) انظر: الصحاح (٣/ ١٠٩١). وراجع: رياض الأفهام (٥/ ٣٩٤)، ولسان العرب (٧/ ١٧٠).
(٣) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "يشبهه".
[ ٣ / ٤٢٢ ]
بعدم احترازه وتبصّره بالطريق المستقيم.
ثم مَثَّلَ ذلك -ﷺ- "كالراعي". يحتمل أن تكون "الكاف" خبر مبتدأ محذوف، أي: "فهو مثل الراعي"، أو تكون نعتًا لمصدر محذوف، أي: "وقع وقوعا مثل وقوع الراعي يرعَى حول الحمى".
ومتى جعلت "الكاف" اسمًا: كان ما اتصلت به في محل جرٍّ بالإضافة، وإن جعلتها حرف جرٍّ تعلّقت بفعل أو معناه، وكان ما بعدها مجرورًا بها.
وتأتي "الكاف" زائدة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] (١)، وقال الشاعر:
. . . . . . . . . . . وَصَالِياتٍ كَكَما يُؤَثْفَيْنْ (٢)
قوله: "يرعى": جملة في محل الحال من "الراعي".
وجمع "الراعي": "رعاة"، مثل: "قاض" و"قضاة"، و"رعيان" مثل: "شاب" و"شُبَّان"، و"رعاء" مثل: "جائع" و"جياع" (٣).
والعاملُ في الحال: معنى التشبيه.
و"حول الحمى"، تقدّم الكلام على "حول" في الحديث الثاني من "الاستسقاء". والعامل فيه: "يرعى".
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٩/ ٣٢٧).
(٢) عجز بيت من الرجز، وهو لخطام المجاشعي، والبيت بتمامه: غَيرُ خِطامٍ ورَمادٍ كِنْفَيْنْ وصالِيات كَكَما يُؤَثْفَيْنْ انظر: فصل المقال في شرح كتاب المثال (٩٧)، والجنى الداني (٧٩ - ٨١)، والمعجم المفصل (١٢/ ٢٢٠).
(٣) انظر: الصحاح (٦/ ٢٣/ ٥٨).
[ ٣ / ٤٢٣ ]
قوله: "يوشك أن يقع فيه": "أوشَك" من أفعال المقَاربة، أُسند إلى "أنْ"؛ فسدَّ عن اسمها وخبرها، وإعرابُه فاعِل.
وفي الحديث: "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ" (١).
جعل ابن الحاجب "أوشك" مثل "كاد" و"عسَى" في الاستعمال (٢).
واعترض عليه ابنُ مالكٍ، فقال: إنما "أوشك" مثل "عسى".
ولم يوجَد خبرها بغير "أنْ" إلّا في بيت واحد بعد التتبع [الكثير] (٣) وبذل المجهود في طلبه من دواوين العرب وكلامهم، وهو قوله:
يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّته فِي بعضِ غِرَّاتِه يُوافِقُها (٤)
يريد: "أن يوافقها" (٥).
قوله: "ألا وإن لكُل مَلك حمى": "ألا" استفتاح وتنبيه (٦)، وقد تقدّمت.
وقوله: "وإن": معطوفٌ على قوله: "إن الحلال بين"، ثُم قطعه عنه بـ "ألا"، وكذلك ما بعده. و"حمى" اسم إن، وخبرها في المجرور قبله.
_________________
(١) صحيح: رواه البخاري برقم (١٩).
(٢) انظر: الكافية في علم النحو (ص ٤٩)، الصبان (١/ ٣٨٥).
(٣) غير منقطة بالأصل. وفي (ب): "الكبير".
(٤) البيت من المنسرح، وهو لأمية بن أبي الصلت. ونسب لعمران بن حطان، ولرجل من الخوارج. انظر: شرح المفصل (٤/ ٣٨٥، ٣٨٦)، الكامل في اللغة والأدب (١/ ٦٢)، المعجم المفصل (٥/ ١٦٠).
(٥) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢٠١، ٢٠٢)، عقود الزبرجد (٢/ ٣٦٠، ٣٦١)، إعراب القرآن وبيانه (٣/ ٣٢٦، ٣٢٧)، شرح المفصل (٤/ ٣٨٥، ٣٨٦)، وشرح الأشموني (١/ ٢٧٨ وما بعدها)، وأوضح المسالك (١/ ٢٩٨ وما بعدها).
(٦) انظر: مغني اللبيب (ص ٩٥، ٩٦)، الجنى الداني (ص ٣٨١).
[ ٣ / ٤٢٤ ]
والحمى التي كانت الملوك تحميه، قال فيه ابن الأثير: كان الشريف في الجاهلية إذا نزل أرضًا [في] (١) حيه استعوى كلبًا، فيحمي مدى عوائه، لا يشركه فيه أحد، وهو يشارك القوم في سائر ما يرعون فيه، فنهى النبي -ﷺ- عن ذلك؛ فقال: "لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ" (٢) أي: "لا يحمى إلا ما هو للَّه كخيل الغزاة وإبل الصدقة والإبل التي يحمل عليها في سبيل اللَّه". (٣)
فعلى هذا يكون قوله -ﷺ-: "ألا وإن لكل ملك حمى": [أن] (٤) "يحمي فيه ما هو للَّه".
وهو مصدر بمعنى "محمي". وتثنية "حمى": "حميان"، وسمع الكسائي: "حموان"؛ لأنه من باب "فتى" و"رحى"، مما لامه "ياء"، وإن كانت قد جاءت لغة شاذة في تثنية "رحى" قالوا فيها: "رحوان" على لُغة مَن قال: "رحوت بالرحى"، وهي قليلة. (٥)
قوله: "ألا وإن في الجسد مضغة": مثل الذي قبله.
و"المضغة": "القلب"؛ لأنه قطعة من الجسد. ويقال: "مضغ الطعام"، "يمضغه". و"المضاغ" بالفتح "ما يمضغ"، يقال: "ما عندنا مضاغ". (٦)
قوله: "إذا صلحت": يقال: "صلح الشيء، يصلح"، "صلوحًا" مثل "دخل،
_________________
(١) سقط من النسخ. والمثبت من المصدر.
(٢) صحيح: البخاري (٢٣٧٠)، من حديث الصَّعْب بْنَ جَثَّامَةَ.
(٣) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٤٤٧).
(٤) غير واضحة بالأصل، ولعلها: "أي". والمثبت من (ب).
(٥) انظر: الصحاح (٦/ ٢٣١٩، ٢٣٥٧)، المصباح (١/ ١٥٣)، لسان العرب (١٤/ ١٩٨، ٢٠٠).
(٦) انظر: الصحاح (٤/ ١٣٢٦)، النهاية لابن الأثير (٤/ ٣٣٩).
[ ٣ / ٤٢٥ ]
يدخل، دخولًا". وعن الفراء: "صَلُحَ" بالضم. (١)
و"كُلّه": تأكيد للجسد. و"كل" من ألفاظ التأكيد، ومثله: "جميع" و"عامة" لغير المثنى؛ فإنه يؤكّد بـ "كلا" و"كلتا"، ويجب أن يتصل بها ضمير المؤكّد. ويؤكد بها لرفع احتمال "البعض". [ويجوز] (٢): "جاءوا كلهم"، و"اشتريت العبد كُله"، ويمتنع: "جاء زيد كُله". (٣)
قال ابنُ هشام: والتوكيد بـ "جميع" غريب، وكذلك التوكيد بـ "عامة". (٤)
فائدة:
قوله ﵇: "الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ" (٥) تأكيد للضّمير في "خير". وأمّا قولك: "تعب [كله] (٦) الحياة"، فـ "الحياة" مبتدأ، و"تعب" خبر، أي "متعبة"، ففيه ضمير، و"كُلّه" تأكيد لذلك الضمير، أي "الحياة [هي] (٧) متعب كُله". (٨)
* * *
قوله: "ألا وهي القلب": قال بعضهم: "القلب": جسم صنوبري معلّق بالوتين. وليس المراد نفس المضغة، إنما المراد المعنى القائم بها، الذي هو محلّ
_________________
(١) انظر: الصحاح (١/ ٣٨٣).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: أوضح المسالك (٣/ ٢٩٣ وما بعدها)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٥٥٢)، شرح القطر (ص ٢٩٣)، شرح التصريح (٢/ ١٣٤).
(٤) انظر: أوضح المسالك (٣/ ٢٩٦، ٢٩٧)، مغني اللبيب (ص ٦٦٢).
(٥) صحيحٌ: مسلم (٣٧/ ٦٠) من حديث عِمْرَان بْنِ حُصَيْنٍ.
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
(٨) راجع: أسرار العربية (ص ٢١٢)، شرح المفصل (٢/ ٢٢٧ وما بعدها)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (٢/ ٣٦٩).
[ ٣ / ٤٢٦ ]
الخطاب والتكليف، وهذا يدلّ على أنّ العقل فيه؛ لأنّ الفساد والصّلاح في جميع الجسَد محال عليه. (١)
وفي "قلب النخلة" ثلاث لُغات، بتثليث "القاف". وجمعه: "قِلَبَة" و"قَلَبَة" بكسر القاف وفتحها. (٢)
الحديث الثاني:
[٣٧٤]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَى القَوْمُ فَلَغَبُوا، وَأَدْرَكْتُهَا، فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا، وَبَعَثَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِوَرِكِهَا وَفَخِذهَا، فَقَبِلَهُ" (٣).
قوله: "أنفجنا أرنبًا": هو بفتح "الهمزة" وفتح "الفاء" وسكون "الجيم"، أي: "أثرته، فثار". ويقال: "نفج الأرنب" لازمًا. (٤) والجملة من فعل وفاعل ومفعول.
و"الأرنب" معروف. وجاء في حديث [استسقاء] (٥) عمر: "حَتَّى رَأَيْتُ الأَرِينَة تَأْكُلُهَا صِغَارُ الْإِبِلِ". (٦)
قال ابن الأثير: هكذا يرويه أكثر المحدّثين. وفي معناه قولان: -
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٧٦)، رياض الأفهام (٥/ ٣٩٦).
(٢) انظر: رياض الأفهام (٥/ ٣٩٧)، الصحاح (١/ ٢٠٥)، لسان العرب (١/ ٦٨٨).
(٣) رواه البخاري (٥٤٨٩) (٥٥٣٥) في الذبائح والصيد، ومسلم (١٩٥٣) في الصيد والذبائح.
(٤) انظر: الصحاح (١/ ٣٤٥)، النهاية لابن الأثير (٥/ ٨٨)، المصباح (٢/ ٦١٦).
(٥) بالنسخ: "استسقى". والمثبت من النهاية لابن الأثير.
(٦) رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٢٦/ ص ٣٦٠)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ص ٦٣)، وابن هبيرة في الإفصاح عن معاني الصحاح (٧/ ص ١٠٧)، من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن السعدي سعد بن بكر عن أبيه، ومن حديث أبي وجرة السعدي عن أبيه.
[ ٣ / ٤٢٧ ]
أحدهما: أنها واحدة "الأرانب"، حملها السيل حتى تعلّقت بالشجر، فأكلت. وهو بعيد؛ لأنّ الإبل لا تأكل اللحم.
والثاني: أنها نبت لا يكاد يطول، فأطاله هذا المطر حتى صار للإبل مرعى. (١)
قوله: "بمر الظهران": و"مر الظهران" معروف بقرب مكّة، ينزله الحاج اليوم. (٢) وهو على مرحلة. وسماه في "الصّحاح" (٣) "بطن مرّ"، وهو يُسمّى كذلك اليوم. (٤)
وتركيبه تركيب مزج، مثل "بعلبك"، وتقدّم ذكرها في الثاني من أول الكتاب. وحكم الأوّل: أن يفتح، كـ "بعلبك"، والثاني يعرب إعراب ما لا ينصرف، وتجوز فيه الإضافة؛ فيضاف الأوّل إلى الثّاني، ويجوز أن يُبنيا على الفتح، وعلى هذا اللغات الثلاث، إن كان آخر الأوّل معتلًا -كـ "معدي كرب" و"قالي قلا"- وجَب سكونه مُطلقًا. (٥)
قوله: "فسَعَى القَوم": "السعي" هنا بمعنى "الاشتداد" و"التبادر إليه". (٦)
_________________
(١) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٤١، ٤٢).
(٢) انظر: رياض الأفهام للفاكهاني (٥/ ٣٩٩)، معجم البلدان (٤/ ٦٣)، النهاية لابن الأثير (٤/ ٣١٨)، لسان العرب (٥/ ١٧٢).
(٣) انظر: الصحاح (٢/ ٨١٤).
(٤) انظر: إرشاد الساري (١/ ٤٦٣)، (٦/ ١٥)، (٨/ ٢٩٢)، والنهاية لابن الأثير (٤/ ٣١٨)، ولسان العرب (٥/ ١٧٠، ١٧٢).
(٥) انظر: رياض الأفهام (٥/ ٣٩٩)، عقود الزبرجد (١/ ٣٦٧)، معجم البلدان (٤/ ٦٣)، أوضح المسالك (١/ ١٣٢، ١٣٣)، شرح المفصل (٣/ ١٦٢ وما بعدها)، (٤/ ١٨)، علل النحو (ص ٤٦٥)، شرح الأشموني (١/ ١١٦)، حاشية الصبان (١/ ١٩٥)، شرح التصريح (١/ ١٣٠، ١٣١)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٤٥٥ وما بعدها)، المفصّل (ص ٢٤، ٢٢٣)، الهمع (١/ ٢١٠)، ضياء السالك (١/ ١٢٨، ١٢٩).
(٦) انظر: مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ٢٢٥)، الصحاح للجوهري (٦/ ٢٣٧٧)، لسان العرب (١٤/ ٣٨٥).
[ ٣ / ٤٢٨ ]
"فلغبوا": أي: "أعيوا". قال في "الصّحاح": يُقال: "لغَب، يلغُب" بالضم. و"لَغِب" بالكسر "يَلغَب" و"يلغب" "لغوبا" لُغَة ضَعيفة و"ألغبته": أنصبته" (١).
وهذه الجمل معطوفات على "سعى" و"لغبوا" و"أدركتها فأخذتها".
قوله: "فأتيت بها أبا طلحة": علامة النصب في "أبا" الألف، وعلامة الجر في "طلحة" الفتحة.
قوله: "فبعث إلى رسول اللَّه -ﷺ- بوركها وفخذها": في بعض النسخ: "وَفَخِذَيْهَا" (٢)، يُريد: "هَديّة له -ﷺ-". "فقبله" الضمير يعود على "المبعوث" المفهوم من المعنى.
ومثله في التقدير: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]. (٣)
الحديث الثالث:
[٣٧٥]: عَنْ أسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: "نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ" (٤).
وَفِي رِوَايَةٍ: "وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ" (٥).
الإعراب:
"أسماء": لا ينصرف للعلمية والتأنيث. وينصرف "أسماء" جمع "اسم"؛ لأنّ
_________________
(١) انظر: الصحاح (١/ ٢٢٠).
(٢) انظر: العمدة (ط الثقافة، ص ٢٦٠)، العمدة (ط المعارف، ص ١٨١).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٩٩)، (٢/ ١٩٢)، شرح التسهيل (١/ ١٥٧)، الهمع (١/ ٣٣).
(٤) رواه البخاري (٥٥١٠) في الذبائح، ومسلم (١٩٤٢) في الصيد والذبائح.
(٥) رواه البخاري (٥٥١١) في الذبائح والصيد.
[ ٣ / ٤٢٩ ]
ألفه ليست للتأنيث، بل هي بدَل من "الواو". (١)
و"بنت": تقَدّم الكلام عليها في الحديث الأوّل من "الحيض".
و"قالت" في محلّ خبر "أن" مُقدّرة، أي: "أنها قالت".
و"أبو بكر" تقدّم مثله في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب.
قوله: "نحرنا على عهد رسول اللَّه -ﷺ-": ضمير الفاعل يعود على "الذي باشر النحر منهم". وإنما أتى الكلام [بضمير] (٢) الجماعة في قوله: "نحرنا"؛ لكونه عن رضًا منهم. (٣)
قوله: "على عهد رسول اللَّه": أي: "على زمن رسول اللَّه".
و"العهد": يكون بمعنى "اليمين" و"الأمان" و"الذمة" و"الحفاظ" و"رعاية الحرمة" و"الوصية"، لا يخرج عن هذا جميع ما ورد في الأحاديث (٤).
فيكون المراد بـ "عهد رسول اللَّه": أي "ما عرف وحفظ في ذلك الوقت".
ويحتمل أن تكون "على" بمعنى "في"، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، أي: "في ملك سليمان". (٥)
ويُقَال: "أتيته على عَهد فُلان"، أي: "في عهده"، ذكره الهروي في
_________________
(١) انظر: شرح المفصل (١/ ٣٨٢)، (٥/ ٣٥٨).
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "لضمير".
(٣) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٢٨٦).
(٤) انظر: الصّحاح (٢/ ٥١٥، ٥١٦)، النهاية لابن الأثير (٣/ ٣٢٥)، القاموس المحيط (ص ٣٠٣)، لسان العرب (٣/ ٣١١، ٣١٤).
(٥) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٢٢)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٨٠٨)، اللمحة (١/ ٢٢٩)، الهمع (٢/ ٤٣٩).
[ ٣ / ٤٣٠ ]
"الأزهية". (١)
قوله: "فرسًا": مفعول بـ "نحر". و"الفرس" تذكّر وتؤنّث (٢)؛ ولذلك قال: "فأكلناه"، ولو قال: "فأكلناها" جاز.
قال: "وفي رواية": أي: "وجاء في رواية".
"ونحن بالمدينة": جملة في محلّ الحال من ضمير الفاعل، أي: "أكلناه. . . ". ويحتمل أن يكون حالًا من الضّمير في "نحرنا"، أي: "نحرنا ونحن في المدينة".
وجملة " [فأكلناه"] (٣): معطوفة على "نحرنا" في حال كوننا بالمدينة. وتقدّم أنه محكي لمتعلّق حرف الجر؛ فيكون له محلّ آخر محكيّ. واللَّه أعلم.
الحديث الرّابع:
[٣٧٦]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهَ: "أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ" (٤).
وَلِمُسْلِمٍ وَحْدَهُ: قَالَ: "أَكَلْنَا زَمَنَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَحُمُرَ الْوَحْشِ، وَنَهَى النَّبِيُّ -ﷺ- عَنْ الْحِمَارِ الأَهْلِيِّ" (٥).
قوله: "نهى عن لحوم الحمُر": جملة في محلّ خبر "أن"، و"أن" في محلّ معمول
_________________
(١) انظر: الأزهية في علم الحروف، لعليّ بن محمّد النّحوي الهرويّ، تحقيق عبد المعين الملّوحيّ، ط مجمع اللغة العربية، دمشق، ١٤١٣ هـ، (ص ٢٧٥، ٢٨٥)، اللمحة (١/ ٢٢٩)، الصحاح (٦/ ٢٤٣٨)، المخصص (٤/ ٢٤٠)، أساس البلاغة للزمخشري (١/ ٦٨٢)، ظاهرة التقارض في النحو العربي (٥٩/ ٢٧٥).
(٢) انظر: البلغة في الفرق بين المذكر والمؤنث (ص ٧٦)، خزانة الأدب (٣/ ١٥)، المزهر في علوم اللغة وأنواعها (٢/ ١٩٧).
(٣) بالنسخ: "فأكلنا".
(٤) رواه البخاري (٥٥٢٠) في الذبائح والصيد، ومسلم (١٩٤١) في الصيد والذبائح.
(٥) رواه مسلم (١٩٤١) في الصيد والذبائح.
[ ٣ / ٤٣١ ]
متعلّق حرف الجر. وجمع "اللحوم" لاختلافها. ولو قال: "لحم الحمر" جاز.
قوله: "الأهلية": وجاء: "الإنسية" (١)، قيل: صوابه بكسر "الهمزة"، من ["الإنس"] (٢)، وقيل: من "الأُنس" بضم "الهمزة"؛ فيضم في التثنية. (٣)
قوله: "وأذِن في لحُوم الخيل": أي: "أذن النبي -ﷺ-". تقدّم الكلام على "أذن" في العاشر من "باب فسخ الحج".
قوله: "ولمسلم وحده": أي: "منفردا بذلك عن البخاري". وصح نصبه على الحال؛ لأنه بمعنى النكرة.
ويجوز أن يكون منصوبًا على المصدَر، كما قيل في قولهم:
أرْسَلَهَا العِراكَ. . . . . . . . . . . . . . . . (٤)
أي: "معتركة".
فكأنه قال: " [توحّد] (٥) بذلك توحدًا"، أي "ينفرد انفرادًا"، ثم حذف الفعل. [يُقال] (٦): "مررتُ به. . . . .
_________________
(١) متفقٌ عليه: البخاري (٤٢١٦)، ومسلم (١٤٠٧/ ٢٩)، من حديث علي بن أبي طالب كرم اللَّه وجهه.
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: إرشاد الساري (٤/ ٢٧٨)، مشارق الأنوار (١/ ٤٤)، النهاية لابن الأثير (١/ ٧٤، ٧٥)، مجمع بحار الأنوار (١/ ١٠٩)، لسان العرب (٦/ ١٣).
(٤) جزء من صدر بيت من الوافر، وهو للبيد بن رَبيعةَ. والبيت هو: فأرْسَلَهَا العِراكَ ولم يَذُدْهَا ولم يُشْفِقْ على نَغَصِ الدِّخالِ انطر: الكتاب (١/ ٣٧٢)، شرح المفصل (٢/ ١٨)، (٣/ ٥٢)، لسان العرب (١٠/ ٤٦٥).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "فقال".
[ ٣ / ٤٣٢ ]
[متوحدًا"] (١)، ثم حذف زوائد المصدر، فصار: "مررتُ به وحده"؛ لأنّ "ينفرد" بمعنى "توحّد". (٢)
وقيل: هو منصوبٌ على الظرفية. (٣)
وقيل: [نصب] (٤) على المصدَرية، وضع موضع الحال.
ولا فعل له من لفظه. (٥)
قال أبو حيّان: هو اسم وضع موضع المصدر الموضوع موضع الحال، فـ "وحده" موضوع موضع "إيحاد" الموضوع موضع "مُوَحّدٍ". (٦)
ومذهب سيبويه أنه إذا جاء بعد فاعل ومفعول أنه حال من الفاعل. (٧)
ومذهب المبرد جواز كونه حالًا من المفعول. (٨)
_________________
(١) بالنسخ "توحدًا". وانظر: الهمع (٢/ ٣٠٣)، وشرح التصريح (١/ ٥٧٨)، والصبان (٢/ ٢٥٦).
(٢) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢٤٩)، الكتاب (١/ ٣٧٣)، أسرار العربية (ص ١٥٢)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٢٨٥ وما بعدها)، شرح المفصل (٢/ ١٧ وما بعدها)، شرح التسهيل (٢/ ٣٢٦)، شرح الأشموني (٢/ ٨)، شرح الشذور للجوجري (٢/ ٤٥٥)، شرح التصريح (١/ ٥٧٨)، أوضح المسالك (٢/ ٢٥٧، ٢٥٨)، المقتضب (٣/ ٢٣٧، ٢٣٩)، الهمع (٢/ ٣٠٣).
(٣) انظر: شرح المفصل (٢/ ١٩).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: البحر المحيط (٧/ ٥٧)، شرح المفصل (٢/ ٢٠)، الأصول في النحو (١/ ١٦٥)، المفصل (ص ٩١)، توضيح المقاصد (٢/ ٦٩٦).
(٦) انظر: البحر المحيط (٧/ ٥٧)، عقود الزبرجد (٢/ ٩٢)، الهمع (٢/ ٣٠٣)، توضيح المقاصد (٢/ ٦٩٦).
(٧) انظر: البحر المحيط (٧/ ٥٧).
(٨) انظر: البحر المحيط (٧/ ٥٧).
[ ٣ / ٤٣٣ ]
وقيل: هو مصدر لـ "أوحد"، على حذف الزيادة. (١)
وقيل: مصدر لـ "وَحَد". (٢) وذهب [إليه] (٣) الزمخشري، وقال: إنه يسدّ مسدّ الحال، وأصله: "يَحِد" "وَحْدَه". (٤)
قلتُ: فتكون هنا حَالًا من "مُسلم".
قوله: "قال: أكلنا": فاعل قال: "جابر"، الذي روى عنه راوي مسلم، والتقدير: "وروي في لفظ لمسلم. . . "؛ فيتعلّق "في" بـ "روي"، و"لمسلم" بـ "لفظ" أو بصفة له. و"قال" في محلّ خبر "أن" محذوفة، أي: "أنه قال".
و"أكلنا": معمول القول.
و"زمن" ظرف زمان. والمراد: "زمن فتح خيبر". و"الزمن" يقع على القليل والكثير، ويجمع على: "أزمان" و"أزمنة" و"أزمُن". (٥)
و"الخيل": اسم جنس، ويجمع على: "خيول". (٦)
و"لحم حمر الوحش" معطوفٌ عليه، فيه إضافة الموصوف إلى صفته، أي: "الحمر الوحش".
و"الحُمُر": جمع: "حمار"، ويُجمَع "الحمر" على: "حُمُرات". (٧)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٧/ ٥٧).
(٢) انظر: البحر المحيط (٧/ ٥٧).
(٣) سقط من النسخ.
(٤) انظر: الكشاف (٢/ ٦٧١)، البحر المحيط (٧/ ٥٧).
(٥) انظر: الصحاح (٥/ ٢١٣١)، لسان العرب (١٣/ ١٩٩).
(٦) انظر: الإعلام لابن الملقن (١٠/ ٩٢)، الصحاح (٤/ ١٦٩١)، المصباح (١/ ١٨٦)، لسان العرب (١١/ ٢٣١).
(٧) انظر: الصحاح (٢/ ٦٣٧)، لسان العرب (٤/ ٢١٢).
[ ٣ / ٤٣٤ ]
قال ابنُ الأثير في حديث [ابن عبّاس] (١): "قَدّمَنَا النّبي -ﷺ- لَيْلَةَ جَمْع عَلى حُمُرَات" (٢)، قال: هو جمع صحّة لـ "حُمر". (٣)
قوله: "ونهى النبي -ﷺ- عن الحمار": أي: "عن أكل الحمار"، "الأهلي".
الحديث الخامس:
[٣٧٧]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ لَيَالِيَ خَيْبَرَ، فَلَمَّا كَانَ [يَوْمُ] (٤) خَيْبَرَ وَقَعْنَا فِي الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَانْتَحَرْنَاهَا، فَلَمَّا غَلَتْ بِهَا الْقُدُورُ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ "اكْفِئُوا الْقُدُورَ، وَلا تَأْكُلُوا مِنْ لحمِ الْحُمُرِ شَيْئًا" (٥).
قوله: "قال: أصابتنا مجاعة": جملة "أصابتنا" معمولة للقول، والقول محله نصب بـ "أن" مُقدّرة. وقد تقدّم.
و"المجاعة": مفعلة، من "الجوع". (٦)
و"ليالي" ظرف، وهو جمع: "ليلة". (٧)
و"خيبر": لا ينصرف، للعَلَمية والتأنيث. (٨)
_________________
(١) بالنسخ: "شريح"، والصّواب المثبت. وذكر ابن الأثير في النهاية بعد حديث ابن عباس حديثًا لشريح، فلعل هذا سبب الخطأ.
(٢) صحيح: سنن أبي داود (١٩٤٠)، وسنن ابن ماجه (٣٠٢٥)، والسنن الكبرى للنسائي (٤٠٥٦)، من حديث ابن عباس. وصحّحه الألباني في الإرواء (٤/ ٢٧٦/ رقم ١٠٧٦).
(٣) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٤٣٩).
(٤) سقط من النسخ.
(٥) رواه البخاري (٥٥٢٨) في الصيد والذبائح، ومسلم (١٩٣٧) في الصيد والذبائح.
(٦) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٣١٦)، لسان العرب (٨/ ٦١).
(٧) انظر: شرح المفصل (١/ ٤٢٢، ٤٢٣)، المصباح (٢/ ٥٦١).
(٨) انظر: البحر المحيط (٥/ ٣٩٢).
[ ٣ / ٤٣٥ ]
قوله: "فلما كان يوم خيبر": "كان" هنا التامة. و"اليوم" فاعل.
وتقدّمَت "كَان" في الحديث الأوّل من الكتاب، و"ليالي" في العاشر من "فسخ الحج إلى العُمرة".
قوله: "وقعنا": جواب "لما". و"لما" حرف وجوب لوجوب، أو ظرف. (١) وقد تقدّمت في الحديث الرّابع من "المذي".
قوله: "في الحمر": أي: "في أكل" أو "في ذبح الحمر".
قوله: "فانتحرناها": أي: "نحرناها". وأتى بصيغة "افتعل" لتفيد معنى "التكلف"، أي: "تكلفناها للضرورة". والجملة معطوفة على "وقعنا".
قوله: "فلما غلت بها القدور": تقدّم الكلام على "لما" في الرابع من "المذي".
و"غَلَت": فعل، وعلامة التأنيث. ومصدره: "غليًا" و"غليانًا". ولا يُقال: "غَليت"، قال أبو الأسود الدؤلي:
وَلَا أَقُولُ لِقِدْرِ القَوْمِ قَدْ غَلِيَتْ وَلَا أَقُولُ لِبَابِ الدَّارِ مَغْلُوقُ (٢)
أي: "إنى فصيح لا ألحن".
ويُقال: "غَلا في الأمر"، "يغلو"، "غلوًا"، أي: "جَاوَز فيه الحد". و"غَلا السّعر": "غلاء". (٣)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ١٢٢)، (٣/ ٤١٩)، (٦/ ٢٠٧)، الجنى الداني (ص ٥٩٥ وما بعدها)، شرح أبيات سيبويه للسيرافي (١/ ٣٠، ٣١)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٦٤٢ وما بعدها).
(٢) البيتُ من البسيط. انظر: الصّحاح للجوهري (٤/ ١٥٣٨)، لسان العرب (١٠/ ٢٩١)، المعجم المفصل (٥/ ١٨٢).
(٣) انظر: الصحاح (٦/ ٢٤٤٨)، المصباح (٢/ ٤٥٢).
[ ٣ / ٤٣٦ ]
و"القُدور": جمع "قِدْر". وأتى بتاء التأنيث؛ لكون الفاعل جمع تكسير لمؤنث، ولو ذَكّر فقال: "غلا القدور" جاز. والأوّل أفصَح. (١)
قوله: "أن اكفئوا القدور": "أن" هنا المفسرة؛ لأنها تقدّمها معنى القول. ويصح أن تكون مصدرية، أي: "بأن أكفئوا".
ومثله: قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا﴾ (٢) [الأعراف: ٤٤]. ومثله قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا﴾ (٣) [الأعراف: ٥٠]. ومثله قوله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٤٤]. لكن يجوز في هذه الأخيرة أن تكُون مخفّفة من الثقيلة. (٤)
وتقدّم الكلام على "أن" المخفّفة في الثّاني من "باب تسوية الصفوف".
و"اكفئوا": "الهمزة" وصل؛ لأنّ المعنى: "اقلبوا". و"كفأ" بمعنى "قَلَب" ثلاثي. قال الجوهري: وزَعَم ابن الأعرابي أنّ "أكفأته" لُغة. (٥)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٦٦)، شرح ابن عقيل (٢/ ٩٥)، المصباح (٢/ ٤٩٢)، شرح القطر (ص ١٨٠)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٤١، ٢٤٢).
(٢) كتبت بالنسخ: "أن أفيضوا".
(٣) كتب بالنسخ: "أصحاب الجنة أصحاب النار".
(٤) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٥٧٠، ٥٧١، ٥٧٢)، البحر المحيط (٥/ ٥٦، ٦١)، تفسير ابن عطية (٢/ ٤٠٣).
(٥) انظر: الصحاح (١/ ٦٨). وراجع: رياض الأفهام (١/ ١٥٣)، (٥/ ٤٠٨).
[ ٣ / ٤٣٧ ]
[الحديث السّادس:
[٣٧٨]: عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ -﵁-، قَالَ: "حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لُحُومَ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ"] (١). (٢)
الحديث السّادس:
[٣٧٩]: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَليدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ فَأَهْوَى إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النَّسْوَةِ اللَّاتِي، فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ: أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدَهُ، فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ". قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ، فَأَكَلْتُهُ، وَالنَّبِيُّ -ﷺ- يَنْظُرُ (٣).
قوله: "دخلت": جملة معمولة للقول. وما بعد "دخل" هل هو ظرف أو مفعول به؟ الأصحّ: الأوّل. و"أنا" تأكيد لضمير الفاعل، مصحّح للعطف عليه. ويجوز نصب "خالد" على أنه مفعول معه. و"مع" ظرف. وتقدّم الكلام على "دخل" في الحديث الرابع من "الاستطابة".
قوله: "بيت": مفعول أو ظرف على ما تقدّم في "دخل". و"بيت" تقدّم الكلام عليه في الثّالث [من "الاستطابة"، وعلى "مع" في الأوّل من "المسح] (٤) على الخفين".
_________________
(١) سقط هذا الحديث أو أسقطه ابن فرحون من نسخته، ولم يتكلّم عليه بشرح أو إعراب، وقد آثرت إلحاق المتن، للفائدة. ولن يتم تغيير ترقيم الأحاديث التالية حتى أوّل الباب التالي نظرًا للعزو الذي قام به المصنف في الكتاب.
(٢) رواه البخاري (٥٥٢٧) في الذبائح، ومسلم (١٩٣٦) في الصيد والذبائح.
(٣) رواه البخاري (٥٥٣٧) في الذبائح، ومسلم (١٩٤٥) في الصيد والذبائح.
(٤) تآكل بالأصل بمقدار سبع كلمات تقريبًا، والمثبت ما يفهم منها، مع الرجوع للفهرس ونسخ العمدة والشرح.
[ ٣ / ٤٣٨ ]
و"ميمونة": لا ينصرف؛ للعَلمية والتأنيث.
و"محنوذ" صفة لـ "ضب"، أي: "مشوي". (١)
وحرفُ الجر يتعلق بـ "أتي". [و"أتي"] (٢) مبنى لما لم يُسم فاعله، والمفعول الذي لم يسم فاعله: "ضمير النبي -ﷺ- ".
قوله: "فأهوى إليه رسول اللَّه -ﷺ- بيده": تقدّم في الأوّل من "الأطعمة" معنى "أهوى". و"إليه" يتعلّق بـ "أهوى". و"بيده" يتعلّق بحال، أي: "متناولًا بيده"، أو يتعلّق بـ "أهوى".
و"النسوة": اسم جمع. وقيل: جمع تكسير، من أوزان جموع القلة. قالوا: ولا واحد له. (٣)
قال الزّمخشري: "نسوة" اسم مفرد، وتأنيثه غير حقيقي. قال: ولذلك لا تلحق فعله إذا أسند إليه "تاء" التأنيث، فتقول: "قَال نسوة". (٤)
وقيل: أمّا على أنه جمع تكسير، فيجوز إلحاق العلامة وتركها، كما تقول: "قام الهنود" و"قامت الهنود". وقد تضم "نون" النسوة؛ فتكون إذ ذاك اسم جمع. (٥)
وذكر أبو البقاء أنه قُرئ [بضمها] (٦) في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ [يوسف: ٣٠]. (٧)
_________________
(١) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٤٥٠).
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "وأن".
(٣) انظر: تفسير ابن عطية (٣/ ٢٥٢)، البحر المحيط (١/ ٣٠٥)، (٦/ ٢٦٦).
(٤) انظر: تفسير الزمخشري (٢/ ٤٦٢).
(٥) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٦٤)، اللباب في علوم الكتاب (١١/ ٧٧).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) انظر: التبيان في إعراب القرآن (٢/ ٧٣٠)، جامع البيان في القراءات السبع للداني =
[ ٣ / ٤٣٩ ]
قال غيره: [وتكسيره] (١) للكثرة على "نسوان". (٢)
و"النساء" جمع كثرة، ولا واحد له من لفظه. (٣)
قوله: "اللاتي": جمع "التي"، وصلته الاستقرار، وبه يتعلق حرف الجر، أي: "اللاتي استقروا في بيت ميمونة" أو "كانوا أخبروا رسول اللَّه -ﷺ- بما يريد أن يأكل"، حرف الجر يتعلّق بـ "أخبروا".
قوله: "اللاتي": قال أبو حيان: جمع في المعنى للتي. (٤)
وقال أبو البقاء: هو جمع "التي" على غير قياس. (٥)
وقيل: صيغة موضوعة للجمع، وجموعها كثيرة أغربها: "اللاآت". وتعرب إعراب "الهندات". (٦)
قوله: "أخبروا رسول اللَّه -ﷺ- بما يريد أن يأكُل": تقدّم الكلام على "أخبر" في الخامس من "فضل الجماعة". وقد تعدّى هنا لمفعول، والثاني بحرف الجر. و"ما" موصوله، وصلته: "يريد"، والعائد ضمير الفاعل. و"أن يأكل" في محلّ مفعول "يريد"، أي: "بما يريد أكله". والصّلة والموصول في محلّ جر بالياء. وحرفُ الجر يتعلّق بـ "أخبروا".
_________________
(١) = (٣/ ١٢٣٠).
(٢) بالنسخ: "وتكسير". والمثبت من البحر المحيط.
(٣) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٦٤).
(٤) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٦٤)، الإعلام لابن الملقن (١٠/ ٣٣٧)، الصحاح (٦/ ٢٥٠٨)، لسان العرب (١٥/ ٣٢١).
(٥) انظر: البحر المحيط (٣/ ٥١٦).
(٦) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٣٣٨).
(٧) انظر: اللباب في علوم الكتاب (٦/ ٢٣٦، ٢٣٧).
[ ٣ / ٤٤٠ ]
قوله: "فرفع رسول اللَّه -ﷺ- يده": يعنى بعد أن أهوى بها إلى الطّعام. وهو معطوفٌ على محذوف، أي: "فأخبروه فرفع".
وفاعل "قلت": ضمير عبد اللَّه بن عباس. و"أحرام؟ " معمول للقول، و"الهمزة" للاستفهام، وتقدّم ذكر أدوات الاستفهام في الحديث الرّابع من "الجنابة"، ودخلت على الخبر مُتقدمًا على المبتدأ، وبدخولها عليه وَجَب تقديمه.
والخبر له ثلاث حالات:
أحدها: التأخير، وهو الأصل، كـ "زيد قائم".
واعلم أنه يجب تأخيره في أربع مسائل:
أحدها: أن يخاف التباسه بالمبتدأ، وذلك إذا كانا معرفتين أو متساويين ولا قرينة، نحو: "زيد أخوك" و"أفضل منك أفضل مني".
فإن وجدت قرينة، مثل: "أبو يوسف أبو حنيفة". و:
بنونا بَنو أَبْنَائِنَا وبناتنا بنوهن أَبنَاء الرَّجَال الأباعد (١)
لم يجب، وذلك أن المشبّه به هو الخبر، فالمراد: "أبو يوسف مثل أبي حنيفة"، فيكون "أبو يوسف" هو المبتدأ، أو يكون "بنونا بنو أبنائنا" عكسه، المبتدأ "بنو أبنائنا"؛ لأنّ التقدير: "بنو أبنائنا مثل بنينا".
الثانية: أن يخاف التباس المبتدأ بالفاعل، نحو: "زيد قام" بخلاف "زيد قائم". الثالثة: أن يقترن الخبر بـ "إلّا" لفظا أو معنى. فاللفظ: نحو قولك: "ما زيد إلّا رجل"، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. والمعنى: "إنما
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو للفرزدق. انظر: خزانة الأدب (١/ ٤٤٤)، الكليات للكفوي (ص ١٠١٣)، المعجم المفصل (٢/ ٤٠٥).
[ ٣ / ٤٤١ ]
أنت فاضل".
الرابعة: أن يستحقّ التصدّر إمّا بنفسه، كالتعجب، نحو: "ما أحسن زيدًا! ".
أو يكون اسم استفهام، نحو: "من في الدار؟ ".
أو اسم شرط، نحو: "من يقم أقم معه".
أو "كم" الخبرية، نحو: "كم عبد ملكت! ".
أو يستحق التقدم بغيره، إمّا متقدمًا عليه، وهو "لام" الابتداء، نحوة "لزيد منطلق".
وإمّا [بمتأخر] (١) عنه، نحو: "غلام مَن في الدار" و"غلام من يقم أقم معه" و"مال كم رجال عندك" (٢). فاستحق المبتدأ التقديم بإضافته إلى الاستفهام وإلى الشرط وإلى "كم" الخبرية.
ويجب [تقديمه] (٣) في أربعة مسائل:
أحدها: أن يكون الخبر مسوغًا للابتداء به، ويقع في [تأخيره] (٤) لبس، نحو: "في الدار رجل"، فيحتمل أن يكون المجرور صفة إذا قلت: "رجل في الدار".
وكذلك يقع اللبس في [تأخيره] (٥) في مثل: "عندي أنك قائم"، فإنّ تأخير
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت بالاستعانة بالمصدر.
(٢) حصل خلط وتقديم وتأخير هنا، فكان من الواجب أن يكون هنا قول ابن فرحون التالي: "أو مضافا إلى لازمها نحو صبيحة أي يوم سفرك أو مشبها بلازمها نحو الذي يأتيني فله درهم فإن المبتدأ مشبه باسم الشرط وعمومه واستقبال الفعل الذي بعده وكونه سببا لما بعده ولهذا دخلت الفاء في الخبر"، وهذا هو موضع العبارة في أوضح المسالك.
(٣) بالنسخ: "تأخيره". والمثبت من المصدر.
(٤) بالنسخ: "تقديمه". والمثبت من المصدر.
(٥) بالنسخ: "تقديمه". والمثبت من المصدر.
[ ٣ / ٤٤٢ ]
الخبر هنا، وتقديم "أن" المفتوحة تلبس بالمكسورة المؤكّدة وبـ "أن" المفتوحة بمعنى "لعل".
الثانية: أن يقترن المبتدأ بـ "إلا" أو معناها، نحو: "ما لنا إلا اتباع [أحمدا"] (١)، و"إنما عندك زيد".
الثالثة: أن يكون لازم الصدر، نحو: "أين زيد؟ ".
[أو مضافًا إلى لازمها، نحو: "صبيحة أي يوم سفرك"، أو مشبهًا بلازمها، نحو: "الذي يأتيني فله درهم"، فإن المبتدأ مشبه باسم الشرط لعمومه واستقبال الفعل الذي بعده وكونه سببًا لما بعده، ولهذا دخلت "الفاء" في الخبر] (٢).
الرابعة: أن يعود ضَمير من المبتدأ على بعض الخبر، كقوله تعالى: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. (٣)
وقد تقدّم شيء من ذلك في السابع من "كتاب الصيام".
_________________
(١) بالنسخ: "أحمد". والمثبت من المصدر.
(٢) ليس هذا هو الموضع الصحيح للعبارة، وقد سبق بيان ذلك. وقد قال ابن مالك: "ومما يمنع تقديم الخبر اقترانه بالفاء نحو: الذي يأتيني فله درهم، لأن سبب اقترانه بالفاء شبهه بجواب الشرط، فلم يجز تقديمه، كما لا يجوز تقديم جواب الشرط". انظر: شرح التسهيل (١/ ٢٩٨)، شرح الأشموني (١/ ٢٠٢)، الهمع (١/ ٣٨٦).
(٣) انظر: أوضح المسالك (١/ ٢٠٥ وما بعدها). وراجع: البحر المحيط (١/ ٥٦٢)، شرح التصريح (١/ ٢١٣ وما بعدها، ٥٨٢)، شرح التسهيل (١/ ٢٩٦ وما بعدها)، (٢/ ١٥٢)، شرح الأشموني (١/ ١٩٩ وما بعدها)، شرح ابن عقيل (١/ ٢٤٠ وما بعدها)، شرح المفصل (١/ ٢٣٤ وما بعدها)، (٤/ ٥٢٧)، الأصول في النحو (١/ ٢٦٥)، همع الهوامع (١/ ٣٨٤ وما بعدها)، (٢/ ٩)، دليل الطالبين لكلام النحويين (ص ٤١)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٦٦ وما بعدها)، النحو الوافي (١/ ٤٩٧ وما بعدها).
[ ٣ / ٤٤٣ ]
قوله: "قال: لا": تقدّم أنّ "لا" حرف جواب في الأول من "كتاب الحيض"، والجملة بعدها محذوفة، أي: "لا، ليس هو بحرام".
قوله: "ولكنه لم يكن": "لكن" حرف استدراك (١)، ومعناها ههنا تأكيد الخبر كأنه لما قال: "لا ليس هو حرام" قيل: "لم وأنت لم تأكله؟ "، قال: "لأنه لم يكن بأرض قومي"، فمعناها تأكيد وتوضيح (٢)، وقد عدّ ذلك من معانيها.
وتقدم الكلام على "لكن" في السادس من "الزكاة".
و"الفاء" في قوله: "فأجدني" فاء السببية. و"أجدني" من أفعال القلوب، فاعله ومفعوله عائدان على "النبي -ﷺ-". ومثل هذا لا يجوز في غير أفعال القلوب. وفي "فقدتني" و"عدمتني" خلاف. (٣)
و"أعافه" في محلّ المفعول الثاني.
قوله: "قال [خالد] (٤): فاجتررته" بمعنى: "جررته". (٥)
وجملة "والنبي -ﷺ- ينظر" في محلّ الخبر من الفاعل.
_________________
(١) انظر: الجنى الداني (ص ٦٢٠).
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٨٣).
(٣) انظر: شرح التسهيل (٢/ ٩٢، ٩٣)، شرح المفصل (٤/ ٣٣٤)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٥٦٥)، الهمع (١/ ٥٦٣).
(٤) سقط من النسخ.
(٥) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٢٩٣).
[ ٣ / ٤٤٤ ]
الحديث السابع:
[٣٨٠]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: "غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- سَبْعَ غَزَوَاتٍ، نَأْكُلُ الْجَرَادَ" (١).
قوله: "مع رسول اللَّه": يتعلق بـ "غزونا". والأكثرون على أنها ظرف زمان، وتقدم الكلام عليها في الحديث الأوّل من "المسح على الخفين".
و"سبع غزوات" مصدر؛ لأنه عدد المصدر. (٢)
يقال: "غزا يغزو غزوا" فهو "غاز". و"الغزوة": المرة من "الغزو"، والاسم "الغزاة". وجمع "الغازي": "غزاة" و"غُزًّى" و"غزيّ". (٣)
قال أبو البقاء: القياس: "غزاة"، كقاض و"قضاة"، ولكنه جاء على "فعل"، كشاهد و"شُهّد".
وقرئ "غُزَى" (٤) بتخفيف "الزاي" على حذف أحد المضعّفين تخفيفًا أو على حذف "التاء"، قاله ابن عطية، واعترض، فانظره في موضعه. (٥)
وجملة "نأكل الجراد" في محلّ الحال من فاعل "غزونا".
و"الجراد" معروف، الواحدة: "جرادة"، يقع على الذكر والأنثى. وليس الجراد بذكر للجرادة، إنما هو اسم جنس، كالبقرة والبقر، والتمرة والتمر، والحمام والحمامة، وما أشبه ذلك؛ فحقّ مذكّره أن لا يكُون مؤنّثه من لَفظه لئلا يلتبس الواحد المذكّر
_________________
(١) رواه البخاري (٥٤٩٥) في الذبائح والصيد، ومسلم (١٩٥٢) في الصيد والذبائح.
(٢) انظر: شرح التسهيل (٢/ ١٧٨).
(٣) انظر: النهاية لابن الأثير (٣/ ٣٦٦).
(٤) سورة [آل عمران: ١٥٦].
(٥) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٣٠٤).
[ ٣ / ٤٤٥ ]
بالجمع. (١)
والظّاهر أن المعنى: "نأكل الجراد": "نتقوت الجراد فيها"، ولا بُد من الضمير حتى يعود على ذي الحال. وتقدّم في الثالث من "باب المذي" العائد من الجمل الحالية على صاحبها على اختلاف حالاتها.
الحديث الثامن:
[٣٨١]: عَنْ زَهْدَمِ بْنِ مُضَرِّبٍ الْجَرْمِيِّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى، فَدَعَا بِمَائِدَةٍ، وَعَلَيْهَا لَحْمُ دَجَاجٍ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ، أَحْمَرُ، شَبِيةٌ [بِالْمَوَالِي] (٢)، فَقَالَ: هَلُمَّ، فَتَلَكَّأَ، فَقَالَ: هَلُمَّ، فَإِنِّي "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَأْكُلُ مِنْهُ" (٣).
قوله: "كنا عند أبي موسى": تقدّم الكلام على "كنا" في الحديث الخامس من "باب جامع الصلاة"، وعلى "عند" في الحديث الأوّل من "باب السواك".
وتصلح للزّمان، في نحو قولهم:
عنْدَ الصَّبَاح يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى . . . . . . . . . . . (٤)
ولا تُصغّر، كـ "قبل" و"بعد". (٥) وتقدّم ذكر الأسماء التي لا تصغّر في الحديث
_________________
(١) انظر: الصحاح (٢/ ٤٥٦).
(٢) بالنسخ: "الموالي". والشرح ونسخ العمدة على المثبت.
(٣) رواه البخاري (٥٥١٨) في الذبائح والصيد، ومسلم (١٦٤٩) (٩) في الأيمان.
(٤) البيتُ من الرجز، ونُسب لغير واحد من الرجاز، وقد سبق. انظر: المزهر في علوم اللغة وأنواعها (١/ ١٤٥)، شمس العلوم (٥/ ٣٠٦١)، لسان العرب (١٤/ ٤١٧)، معجم اللغة العربية المعاصرة (٢/ ١٠٦٣).
(٥) انظر: الإعلام لابن الملقن (١/ ٥٥٢)، اللمحة (١/ ٢٨٥، ٤٥٣). وانظر في ما لا يصغر: الكتاب (٣/ ٤٧٧ وما بعدها)، المفصل (ص ٢٥٧)، شرح المفصل (٣/ ٤٣٢ وما بعدها)، المقتضب (٢/ ٢٧١ وما بعدها)، (٤/ ٣٥٣)، =
[ ٣ / ٤٤٦ ]
الرابع من "باب تسوية الصفوف".
و"عند" هنا تتعلق بخبر "كان".
و"موسى": اسم أعجمي لا ينصرف للعلمية والعجمة، فعلامة جره فتحة مقدرة. قيل: أصله "موشى" بالشين المعجمة، فعُرّب. (١)
قوله: "فدعا بمائدة": أي: "دعا رجلا بمائدة"، فالباء "باء" المصاحبة، أي: "مصاحبًا لمائدة".
ويقال: "مائدة" و"ميدة". و"المائدة": هي "الخوان التي عليها الطعام"، وهي "فاعلة" من "ماد يميد" إذا "أعطاه" و"أطعمه"، كقولهم: "ماره يميره"، "عاره يعيره". و"امتاد منه": "افتعل". ويسمى "الطعام" أيضًا "مائدة" على الجواز؛ لأنه يؤكَل على "المائدة"، كقولهم للمطر: "سماء"، وللشّحم: "ندا". (٢)
وقيل: إنما سميت "مائدة"؛ لأنها تميد بالآكلين، أي: "تميل"، ومنه قوله تعالى:
_________________
(١) = الأصول في النحو (١/ ١٠٠)، شرح الكافية الشافية (٤/ ١٩١٦)، شرح التسهيل (٣/ ٤٠)، شرح التصريح (٢/ ١٢، ٥٥٩، ٥٦٠)، شرح الشافية للرضي (١/ ٢٩٠ - ٢٩٤)، شرح الشافية للأستراباذي (١/ ٣٦٩)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٤٢٠)، شرح الشذور لابن هشام (ص ١٣٠)، الهمع (١/ ٣٦٣)، (٢/ ١٩٢، ١٩٣)، (٣/ ٣٨٧، ٣٩١)، النحو الوافي (٤/ ٦٨٦ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (١/ ٧٣، ٧٤)، (٢/ ٨٥، ٩٣).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٣١٦، ٣٢١)، اللباب في علوم الكتاب (٢/ ٦٩)، الصحاح (٦/ ٢٥٢٤)، المصباح (٢/ ٥٨٥)، لسان العرب (١٥/ ٣٩١، ٣٩٢).
(٣) انظر: تفسير البغوي (ط إحياء التراث، ٢/ ١٠١، ١٠٢)، السراج المنير للخطيب الشربيني (١/ ٤٠٥)، الإعلام لابن الملقن (١٠/ ١٢٠)، مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٣٩١)، الصحاح (٢/ ٥٤١)، (٦/ ٢٣٨٢، ٢٥٠٧)، لسان العرب (٣/ ٤١١)، (١٤/ ٣٩٩)، (١٥/ ٣١٤).
[ ٣ / ٤٤٧ ]
﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]. (١)
قوله: "عليها لحم": جملة في محلّ صفة لـ"مائدة"، وتقدُّم الخبر في المجرور مُصحّح للابتداء بالنكرة.
و"الدجاج" يجوز فيه كسر "الدال"، والفتح أفصح. يقال: "دجاجة" للذّكر والأنثى. ودخلت "الهاء" لأنه واحد من جنس مثل: "حمامة" [وبطة] (٢) (٣).
قوله: "من تيم الله": يتعلّق بصفة لـ"رجُل". و"أحمر" صفة.
وتقَدُّم الصّفة المقدّرة على الصّفة الظاهرة جائز فصيح، ومنعه ابن عصفور، وجَعَل قول امرئ القيس:
وَفَرْعٍ يَزِينُ الْمَتْنَ أسْوَدَ فَاحِم أثيثٍ كقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ (٤)
من الضرورة. (٥)
و"أحمر" لا ينصرف؛ للصّفة والوزْن. (٦)
_________________
(١) انظر: تفسير الخازن (٣/ ٧٠)، البحر المديد (٣/ ١١٥)، السراج المنير للخطيب الشربيني (١/ ٤٠٥)، رياض الأفهام (٥/ ٤١٨)، النهاية لابن الأثير (٤/ ٣٧٩)، لسان العرب (٣/ ٤١١).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: رياض الأفهام (٥/ ٤١٩)، الصحاح (١/ ٣١٣).
(٤) البيتُ من الطويل. وقد سبق. انظر: اللباب في عُلوم الكتاب (٧/ ٣٩١، ٣٩٢)، خزانة الأدب (١٠/ ١٢٧)، شرح المعلقات السبع، للزوزني، (ص ٥٤)، ديوان امرِئ القيس (ص ٤٣)، المعجَم المفصل (٦/ ٥٣٩).
(٥) انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٩٩)، اللباب في عُلوم الكتاب (٧/ ٣٩١)، (١٤/ ٤٦٢)، تفسير الألوسي (٣/ ٣٣١)، شرح ابن عقيل (١/ ١٥٤، ١٥٥، ١٥٦).
(٦) انظر: شرح المفصل (١/ ١٢٤)، شرح الأشموني (٣/ ١٣٩)، المفصل (ص ٣٥)، تاج =
[ ٣ / ٤٤٨ ]
قوله: "شبيه بالموالي": صفة أخرى. وحرف الجر يتعلّق بـ"شبيه".
قوله: "فقال": فاعله ضمير "أبي موسى"، "هلم" أي: "إلى الأكل".
وفي "هلم" لغتان، إحداهما: للحجازيين، أنها لا تلحقها الضمائر، بل تكون على صيغة واحدة للمفرد والمثنى والمجموع والمذكّر والمؤنث، وعلى هذه اللغة يكون اسم فعل، وبنيت لوقوعها موقع الأمر.
الثانية: للتميميين، أنها تلحقها الضمائر على حدّ لحوقها بالأفعال، وهي عندهم فعل لا يتصرف.
والتزمت العَرب فتح ميمها في اللغة الحجازية.
ومذهب البصريين أنها مركّبة من "ها" التي للتنبية، ومن "ألمم" أي "أقصد"، فأدغمت "الميم" في "الميم"، وتحركت "اللام"، فاستغنى عن "همزة" الوصل، فبقيت "هالم"، ثم حذفت ألف "ها" التي للتنبيه اعتبارًا لسكون "اللام" في الأصل.
ومذهب الفراء أنها مركّبة من "هل" و"أم"، فنقلت حركة "الهمزة" إلى لام "هل"، وحذفت الهمزة، فبقي "هلم".
وتقول للمؤنثات: "هلممن". وحكى الفراء: "هَلُمِّينَ"، وهذا على اللغة التميمية.
وتكون لازمة بمعنى "أقبل"، ومتعدّية بمعنى "أحضروا". وجاءت في القرآن على اللغة الحجازية، ومتعدّية، قال تعالى: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٠]. (١)
_________________
(١) = العروس (٢٤/ ٢١، ٢٢)، المغرب (ص ٥١٩)، النحو المصفى (ص ٤٧).
(٢) انظر في الكلام على "هلم": البحر المحيط (٤/ ٦٦٥)، (٨/ ٤٦٣)، اللباب في علوم الكتاب (٨/ ٥٠٢ وما بعدها)، عقود الزبرجد (١/ ٢٧٨ وما بعدها)، اللباب في علل البناء =
[ ٣ / ٤٤٩ ]
إذا ثبت ذلك: فـ"هلم" هنا اسم فعل، أي: "هلم للأكل"، فهي مبنية لوقوعها موقع الأمر، وهي هنا لازمة لم تتعدّى إلى مفعول.
قوله: "فتلكأ": أي: "توقف الرجل". "فقال له أبو موسى: هلم" أي: "أقبل". "فإني رأيت رسول الله": "الفاء" سببية، والرؤية هنا بصرية؛ فتتعدّى لواحد.
وجملة "يأكله" في محل حال من "رسول الله".
وجملة "رأيت" في محلّ خبر "إن".
الحديث [العاشر] (١):
[٣٨٢]: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: "إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا" (٢).
قال الشّيخ تقيّ الدِّين: "يلعق" الأول بفتح "الياء" متعديًا إلى مفعول واحد، و"يُلعقها" الثاني بضم "الياء" متعديًا إلى مفعولين. (٣)
قلت: المفعول الثاني محذوف، أي: "فليلعقها غيره".
و"أن النبي - ﷺ -" معمول متعلق حرف الجر.
وجملة "قال" في محل خبر "أن". و"أن" تقدّمت في الحديث الثّاني من الأوّل، وجوابها: "فلا يمسح يده"، ويجري الخلاف في فعلها وعمله فيها على الخلاف في
_________________
(١) = والإعراب (٢/ ٨٩ وما بعدها)، شرح الأشموني (٣/ ١٠١)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٦٥٠ وما بعدها)، شرح شافية ابن الحاجب للرضي (٢/ ٢٤٤)، الهمع (٩/ ١٠٣ وما بعدها)، المصباح المنير (٢/ ٦٣٩، ٦٤٠).
(٢) بالنسخ: "التاسع". وقد مر سبب التغيير.
(٣) رواه البخاري (٥٤٥٦) في الأطعمة، ومسلم (٢٠٣١) في الأشربة.
(٤) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٢٨٤، ٢٨٥).
[ ٣ / ٤٥٠ ]
محلّه، إن كان جرًّا فلا عمل له فيها، وإن كان جزمًا عمل فيها.
و"أكل" و"أخذ" الأمر منهما: "كل" و"خذ"، وتقدم وجه حذف همزتيهما في الحديث السّادس من "الاستطابة".
ونزيده بيانا، وذلك أنه لما كان الفعل مهموز الأوّل وأدخلت عليه "همزة" الوصل التي تدخل على كل فعل ثلاثي -كقتل يقتل- فإنّ الأمر منه "اقتل"، فالهمزة الأولى من "أأكل" مجتلبة للوصل، والثانية "فاء" الكلمة، ففي الأمر تحذف الثانية لاجتماع المثلين حذف شذوذ، فوليت "همزة" الوصل "الكاف"، وهي متحركة؛ فحذفت "همزة" الوصل لزوال موجبها، وهي "الهمزة" الساكنة (١)
قال أبو البقاء: ولا يُقاس عليها؛ فلا تقول في الأمر من "أجر": "أأجر"، ولا "جر". (٢)
قوله: "فلا يمسح يده": "لا" ناهية والفعل معها مجزوم.
قوله: "حتى يلعقها": "حتى" حرف غاية ونصب، وتقدم الكلام على "حتى" في الحديث الثاني من أول الكتاب. و"أو يُلعقها" معطوف.
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٥٤)، اللباب في علوم الكتاب (١/ ٥٥١)، اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٣٦٢ وما بعدها)، شرح ابن عقيل (٤/ ٢٧٦، ٢٧٧)، الجمل في النحو (ص ٢٤٨)، الصحاح (٢/ ٥٥٩)، علل النحو (ص ١٨٣، ٥٥٩)، شرح التصريف للثمانيني (ص ٣٩٣)، شرح ابن عقيل (٤/ ٢٧٧)، شرح شافية ابن الحاجب لركن الدين الأستراباذي (٢/ ٦٩٩)، الهمع (٣/ ٤٦٣)، لسان العرب (٣/ ٤٧٢).
(٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب (١/ ٥٥١)، اللباب في علل البناء (٢/ ٣٦٣)، إيجاز التعريف في علم التصريف (١٩٥).
[ ٣ / ٤٥١ ]
بَاب الصَّيْد
الحدِيث الأَوّل:
[٣٨٣]: عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، قَالَ: أَتَيتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ وَفِي أَرْضِ صَيْدٍ، أَصِيدُ بِقَوْسِي، [وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، وَبِكَلْبِي الْمُعَلمِ] (١)؛ فَما يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: "أَمَّا مَا ذَكَرْتَ -يَعْني: مِنْ آنِيةِ أَهْلِ الْكِتَابِ- فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلا تَأْكلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ [عَلَيْهِ] (٢) فكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ الْمُعَلَّم فَأَدْرَكْتَ ذَكاتَهُ فكُلْ" (٣).
قوله: "إنّا بأرْض قَوْم": جملة معْمُولة للقَول، والقَولُ معطُوفٌ على "أتَيتُ"، و"أتيتُ" معمُول للقَول، والقَولُ معمُول و"أنّ" المقَدَّرَة التي في محلّ معمُول متعَلّق حَرْف الجر. و"بأرْض" يتعَلّق بخَبر "أنّ". و"قَوْم" تقَدّم الكَلام عليه في الخامس من "دُخول مَكّة". و"أهْل كِتَاب" صِفَة و"قَوْم". و"أهْل" تقَدّم الكَلام عليه في الخامس من "كتاب الصِّيام".
قوله: "أفنأكل في آنيتهم؟ ": "الهمزة" للاستفهام. و"الفَاء" عَاطِفَة، وقيل: زائدة. وقد [تقَدّمت] (٤) همزة الاستفهام في أوّل حديث من "باب الصوم في السفر"، وتقَدّمت "الفَاء" في الحديث الثّالث من "كتاب النكاح". و"في آنيتهم" يتعَلّق بـ"نأكُل".
_________________
(١) بالنسخ: "وبكلبي المعلم، وبكلبي الذي ليس بمعلم". والمثبت من "العمدة" (ص ٢٦٣)، وعليه الشرح.
(٢) سقط من النسخ. والمثبت من "العمدة" (ص ٢٦٣).
(٣) رواه البخاري (٥٤٧٨) في الذبائح والصيد، ومسلم (١٩٣٠) في الصيد.
(٤) بالنسخ: "تقَدّم".
[ ٣ / ٤٥٢ ]
قوله: "وفي أرْض صَيْد": هو مِن باب إضافة الموصُوف إلى صِفة (١)؛ لأنَّ التقدير: "في أرْض ذَات صَيد"؛ فحَذَف الصّفة وأقَام المضَاف إليه مقامها، وأحَلّ المعطُوفَ محلّ المعطُوف عليه. (٢)
قوله: "أصِيد بقَوْسي": جملة مُستأنفة لا محلّ لها، والتقدير: "أصيد فيها [بسَهم] (٣) قَوسي" (٤). ويحتمل أنْ تكُون في محلّ صِفَة لـ"أرْض"، و"الباء" باء الاستِعَانة. وكذلك: "بكَلْبِي". وجملة الصّلة والموصُول صِفَة لـ"كَلبي".
و"ليس" من أخَوَات "كَان"، واسمها ضَمير يعُود على "كَلْبي"، "بمُعَلم" الخبر، و"الباء" زائدة، أي: "الذي ليس هو مُعَلمًا". وجملة ["ليس"] (٥) صِلَة "الذي". و"الذي" صِفَة لـ"كَلبي".
و"بكَلْبي المعَلّم" معطُوفٌ على الأوّل، أي: "وأصيد بكَلبي المعَلّم".
قوله: "فما يَصْلح لي؟ ": "مَا" استفهَامية في محلّ رَفْع بالابتداء. وجملة "يَصْلُح" في محلّ الخبر، و"لي" يتعَلّق بـ"يَصْلُح"، والفَاعلُ ضَمير مُستتر يعُود على ["مَا"] (٦) على تقدير مُضَاف، أي: "يَصْلُح لي أكْلُه مِن ذلك".
قوله: "قَالَ": أي: "النّبي - ﷺ -" "أَمّا مَا ذَكَرْت": "أمّا" حَرْفُ تفْصيل (٧)،
_________________
(١) راجع: تحفة الأحوذي (٨/ ٢٦٢)، الإعلام لابن الملقن (٣/ ٣٧٦)، عقود الزبرجد للسيوطي (١/ ٤٥٣)، شرح المفصل (٢/ ١٦٧ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٧٩٧).
(٢) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٢٥٩).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٢٥٩)، مرقاة المفاتيح (٦/ ٢٦٤٥).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) انظر: الجنى الداني (ص ٥٢٢).
[ ٣ / ٤٥٣ ]
تقَدّمت في الحديث السّادِس من "باب الاستِطَابَة". و"مَا" موصولة في محلّ رَفع بالابتداء، وصِلتها "ذَكَرْت"، والعَائدُ محذُوف، أي: "ذَكَرْته" (١). وجملة "يعني: من آنية أهْل الكتاب" مُعترضة من تفسير الرّاوي. وخبرُ "مَا" التي هي بالمبتدأ: جملة "فإن وَجَدتم غيرها إلى آخره".
"وَجَدتم" هُنا بمعنى "أصَبتم"، وتقَدّمَت في الحديث الثّاني من "باب الاستطابة". يُقَال: "وَجَده"، "يَجِده"، "وجُودًا". و"يَجُده" بالضّم لُغَة عَامرية لا نظير لها في المثال. (٢)
قوله: "فلا تَأكُلوا": جَوَابُ "إنْ". و"فيها" يتعَلّق بـ"تأكُلوا" وعطف عليه. و"تجِدوا" مجزومٌ بـ"لم" لا بـ"إنْ"؛ لاختصاص "لم" بالمضَارع ولقُرْبها منه، بخِلافِ "إنْ" (٣).
قوله: "ومَا صِدْت بقَوْسِك فذَكَرت": "الفَاء" هُنا عَاطِفة على "صِدْت". و"مَا" شَرطيّة. و"الفَاءُ" في "فكُل" جَوابُ الشّرط. ومحلّ "مَا" نَصْب مفعُول مُقَدّم، أي: "أيُّ شَيءٍ أرَدْت صَيده فكُل". وكذلك إعراب "مَا صِدْت بكَلْبِك" يجري فيه ما تقَدَّم.
قوله: "غير [المُعَلّم] (٤) ": نصْب على الحال، أي: "صِدْتَه بكَلبِك في حَال كونه غير مُعَلّم". ويُروَى: "بكَلْبِكَ الغَيْر مُعَلَّم" (٥) على أنّه صفة لـ"كَلبك"، وقد نصّوا على
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٢٥٩).
(٢) انظر: الصحاح (٢/ ٥٤٧).
(٣) انظر: شرح التسهيل (٤/ ٦٣)، شرح المفصل (٤/ ٢٦٣)، مغني اللبيب (ص ٥١)، نتائج الفكر (ص ١١٠).
(٤) بالنسخ: "معلم".
(٥) لم أقف على هذه الرواية.
[ ٣ / ٤٥٤ ]
أنّ الألف واللام لا تدخُل على "غير" وأنها لا تتعَرّف باللام ولا بالإضَافة (١)، فإنْ ثبت في الرّواية دخُول الألِف واللام عليها فيكُون النّحويون محجُوجين بها، وإلا فيُتَأوّل على أنّ الألِف واللام فيه زائدتان؛ ولذلك أضَاف إليه "مُعَلّم".
الحدِيث الثّانِي:
[٣٨٤]: عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحارِثِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُرْسِلُ الْكِلابَ الْمُعَلَّمَةَ، فَيُمْسِكْنَ عَلَيَّ، وَأَذْكُرُ اسْمَ اللَّهَ؟ فَقَالَ: "إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ" [قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: "وَإِنْ قَتَلْنَ، مَا لَمْ يَشْرَكهَا كلْبٌ لَيْسَ مِنْهَا"] (٢). قُلْتُ له: فَإِنِّي أرْمي بِالمعْرَاضِ الصَّيْدَ فأُصِيبُ؟ فَقَالَ: "إذَا رَمَيْتَ بِالمعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلا تَأْكُلْهُ" (٣).
وَحَدِيثُ الشَّعْبِى عَنْ عَدِيٍّ نَحْوُهُ، وَفِيهِ: "إلَّا أنْ يَأْكلَ الْكَلْبُ، فَإِنْ أَكَلَ فَلا تَاْكُلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ. وَإِنْ خَالَطَهَا كِلابٌ مِنْ غيرِهَا: فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ".
وَفِيهِ: "إذَا أَرْسلْتَ كَلْبَكَ الْمُكَلَّبَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قتَلَ وَلَمْ يَأْكلْ مِنْهُ فكُلْهُ، فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاتُهُ".
وَفَيهِ أيْضًا: "إذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ".
وَفِيهِ: " [وَإِنْ] (٤) غَابَ عَنْكَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ -وَفِي رِوَايَةٍ: الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاثَةَ-
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (٧/ ٦)، عقود الزبرجد (٢/ ٣٧٤)، شرح التسهيل (٣/ ٢٢٧)، التبيين عن مذاهب النحويين (ص ٤١٦ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٢٠٩، ٢١٠)، شرح التصريح (١/ ٥٥٦).
(٢) متآكل بالأصل. والمثبت من "العُمدة" (ص ٢٦٣).
(٣) رواه البخاري (٥٤٧٦) في الذبائح والصيد، ومسلم (١٩٢٩) في الصيد والذبائح.
(٤) بالنسخ: "فإن". والمثبت من "العُمدة".
[ ٣ / ٤٥٥ ]
فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إلَّا أثَرَ سَهْمِكَ فكلْ إنْ شِئْتَ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ لا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ، [أَو] (١) سَهْمُكَ؟ " (٢).
قوله: "عَن همّام بن الحارث": الألِف واللام في "الحارث" للَمْح الصّفَة. (٣) وأقسَامُ الألِف واللام تقَدّمَت في الحديث الخامس مِن أوّل الكتاب. والتقديرُ هنا: "رُوي عن همّام بن الحارث أنّه رَوَى عن عَدي بن حَاتم أنّه قَالَ". فـ"أنّه" الأولى في محلّ رَفْع، والثّانية في محلّ نَصْب.
و"قُلتُ" معمُولُ "قَالَ".
وجملة "أرْسِل" في محلّ خَبر "إنّ". وجملة "فيُمسِكن" معطُوفة على "أُرْسِل". وجملة "وأذْكُر اسم الله" في محلّ الحَال مِن فَاعِل "أُرْسِل"، أي: "أُرسِل وأنا أذْكُر الله".
قوله: "فقَالَ": أي: "رَسُول الله - ﷺ -" "إذا أرْسَلت": "إذا" العَامِلُ فيها فِعْلها أو جوابها كما تقَدّم قريبًا، وهي معمُولَة للقَول. و"كَلْبَك" مفعُولُ "أرْسَلت"، و"المعَلّم" صِفَته.
وجملة "وذَكَرت اسمَ الله" في محلّ الحَال مِن فَاعِل "أرْسَلت"، و"قَد" مَعه مُقَدّرَة، أي: "أرْسَلت وقَد ذَكَرْت". ويحتمل أن تكُون معطُوفة على ما قبلها.
وجوابُ "إذا": "فكُل". و"مَا" موصُولة بمَعنى "الذي"، صِلَتها "أمْسَك"، والعَائدُ ضَمير مفعُول محذُوف، أي: "مَا أمْسَكَه". و"عَليْك" يتعَلَّق بـ"أمْسَك"، والصِّلة والموصُول في محلّ نَصْب بـ"كُل".
_________________
(١) بالنسخ: "أم". والمثبت من "العُمدة"، وعليه الشرح.
(٢) رواه البخاري (٥٤٧٥) في الذبائح والصيد، ومسلم (١٩٢٩) في الصيد والذبائح.
(٣) انظر: الجنى الداني (ص ١٩٦)، شرح ابن عقيل (١/ ١٨٤).
[ ٣ / ٤٥٦ ]
قوله: "وإن قتلن؟ ": جَوابُ شَرْط محذُوف يدُلُّ عَليه مَا قبله، أي: " [أَوَئِن] (١) قَتَلن تَأمُرني بأَكْلِه؟ " (٢).
"قَالَ" - ﷺ -: "وإنْ قَتَلن، ما لم يَشْرَكَها كَلْبٌ ليس مِنْهَا": "النّون " في "قَتَلن" فَاعِلُ "قتل". وجَوابُ "إنْ" محذوف، أي: "وإنْ قَتَلن فكُل". و"مَا" هُنا شَرْطيّة ظَرفيّة، أي: "كُلْ إن قَتَلن كُلّ وَقتٍ لم يَشْرَكها فيه كَلب". وجملة "ليس منها" في محلّ صِفَة لـ"كَلب"، واسمُ "ليس" ضمير "الكَلب"، و"منها" يتعَلّق بالاستقرار المقَدّر خَبرًا.
قوله: "قُلتُ له: فإنّي أرْمي بالمعراض": جملة "أرْمِي" في محلّ خَبر "إنّ".
و"المعراض" بكسر "الميم" وسكون "العَين" المهملة وبـ"الضّاد" المعجَمَة: خَشَبة في رأسها كالزُّجّ، يُلقيها الفَارِس على الصّيد، [فرُبما] (٣) أصَابته الحديدة فقتلته وأرَاقَت دَمَه؛ فهذا يجُوز أكْله، كالسيف والرّمْح، ورُبما أصَابته الخشبة [فترُضّه] (٤). وقيل: هو عُود محَدّد كالرُّمْح ليس فيه حَديد، فإنْ أصَاب بذلك المحَدّد أُكِل، وإن أصَاب بالعَرْض لم تُؤْكَل؛ لأنّه وَقيذ. (٥)
قوله: "إذا رَميت بالمعراض": أي: "رَميت الصّيد بالمعراض"، فـ"الباء" باء الآلة، " [فخَزَق] (٦) " معطُوفٌ على "رَميت"، وهو بـ"الزّاي".
_________________
(١) بالنسخ: "أو إن". وفي "إرشاد الساري": "وإن".
(٢) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٢٥٨).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "بعرضه".
(٥) انظر: المعونة على مذهب عالم المدينة للثعلبي (١/ ٦٨١)، مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ٧٣). وراجع: التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢٦/ ٣٣٠)، إرشاد الساري (٨/ ٢٥٧)، تاج العروس (١٨/ ٤١٤).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٤٥٧ ]
قوله: "فكُلْه": جَوَابُ "إذا".
و"إنْ أصَابه" شَرْط، وجَوَابُه: "فَلا تَاْكله".
قوله: "وحَديثُ الشَّعبي عَن عَدِيّ نحوه": يتعَلّق حَرْفُ الجر بـ"حَديث"، والخبرُ: "نحوه".
قوله: "وفيه": أي: "وزَادَ [فيه] (١) "، أي: "بعْد قوله: إذا أرْسَلْت كَلبَك المعَلّم فكُلْ إلى قوله: إلّا أنْ يأكُل منه". فيتعَلّق حَرْف الجر بـ"زَاد" المقَدَّر.
قوله: "إلا أنْ يأكُل منه": "أنْ" هُنا في محلّ مفعُول له، أي: "إلّا لأَجْل أنْ يَأكُل منه فَلا تَأكُل منه". ومثله: "نَشَدتُك بالله إلّا فَعَلْتَ كَذا"، أي: "إلا للفِعْل" (٢).
ويحتمل أنْ يكُون استثناء مُنقَطعًا؛ لأنّ ما بعد "إلّا" أكْل الكَلْب، وليس هُو مِن جنس أَكْل الإنسَان؛ لأنّ المراد بأكْل الإنسان تملّكه وحَوزه، لا نفس الأَكْل، بخلافِ مَا يقَع مِن الكَلب؛ فهُو مِن غير [الجنس] (٣).
ويحتمل الاتصَال، أي: "كُلْ إلّا أنْ يَأكُل"، بقَطْع النّظر عن اختلافِ الأكْلَين.
قوله: "إلا أنْ يأكُل الكَلب": مفهُومه: "فلا يأكُل"، وإنما أكّد المفهُومَ بالمنطُوق.
قوله: "فإنّي أخَاف أنْ يكُون إنما أمْسَك على نفسه": أي: "لا على مَن أرْسَلَه"؛ فـ"أنْ يكُون" مفعُول "أخَاف"، أي: "إني أخَاف أنْ يكُون أمْسَك على نفسه"، إنْ قُلنا:
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢١٨)، (٧/ ٥٤٨)، إرشاد الساري (١٠/ ١٦)، عقود الزبرجد (٢/ ٤٣٨)، شرح التسهيل (٢/ ٢٧٤)، شرح المفصل (٢/ ٨٠)، الهمع (٢/ ٤٩٩).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٤٥٨ ]
"كَان" لها مَصْدَر، وهو المختَار عند ابن مالك (١)، وإنْ قُلنا: لا مَصْدَر لها كَان التقدير: "فإنّي أخَاف إمْسَاكه". (٢)
قوله: "فإنْ أكل فَلَا تَأكُل": "لا" نَاهية، و"الفَاءُ" جَوَابُ الشّرط.
قوله: "وإنْ خَالَطها كِلاب مِن غيرها": حَرْفُ الجر يتعَلّق بصِفَة لـ"كِلَاب".
قوله: "فإنما سَمّيت على كَلبك": "الفَاء" في قوله "فإنما" فيها معنى السّببية، أي: "لا تأكُل بسَبب عدم تسميتك على غير كَلبك"، وأكّد ذلك بقوله: "ولم تُسَم على غَيره"، وهَذا لا مفهُومَ له؛ لأنّه لو سَمّى على كَلب غيره لم ينتفع بذلك. (٣)
قوله: "وفيه: [ق ٢٢٤] إذا أرْسَلت كَلبك [المكَلّب] (٤) ": أي: "وفي هَذا الحديث مِن رواية همام بن الحارث، عن عَدِيّ ".
قوله: "إذا أرْسَلت كلبَك [المكَلّب] (٥) فاذْكُر اسم الله": تقَدّم نظيره في الإعراب. والمراد: "إذا أرَدْت أنْ تُرسِل"، أو "إذا شَرَعت في الإرسَال". والجمْلَة بعد
_________________
(١) انظر: شرح التسهيل (١/ ٣٣٩).
(٢) راجع: الكتاب (٤/ ٣٧٦ وما بعدها)، شرح التصريح (٢/ ٣٠٩)، شرح التصريف للثمانيني (ص ٤٤٠)، شرح المفصل (٥/ ٢٨٠، ٢٩٢، ٤٣٥)، اللباب في عِلَل البناء والإعراب (٢/ ٢٩٥، ٣٦١، ٣٦٧ وما بعدها)، الشافية في علمي التصريف والخط (ص ٨٩)، المقتضب (١/ ٩٦ وما بعدها، ١١٥، ١٥٢ وما بعدها)، سر صناعة الإعراب (١/ ١٥٨)، أسرار العربية (ص ٥٩)، شرح ابن عقيل (٤/ ٢١٨)، الأصول لابن السرّاج (٣/ ٢٩٦ وما بعدها)، التعليقة على كتاب سيبويه (٥/ ٨١)، حاشية الصبّان (١/ ٥٢)، تهذيب اللغة (١١/ ٣٠١، ٣٠٢)، تاج العروس (١/ ٢٩٢ وما بعدها)، دُستور العُلماء (١/ ٨٢)، فتح المتعال (ص ٢٣١ وما بعدها)، المخصّص (٤/ ٤٢٤ وما بعدها)، اللباب في قواعد اللغة وآلات الأدب (ص ١٢٧).
(٣) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٢٦٤).
(٤) بالنسخ: "المعلم". والتصويب من المتن.
(٥) بالنسخ: "المعلم". والتصويب من المتن.
[ ٣ / ٤٥٩ ]
"وَفيه" [محلّها رَفْع] (١) بالابتِدَاء على الحكَاية، والخبرُ في المجرور. وكذا ما يأتي بعد من قوله: "وفيه أيضًا: إذا رَمَيْت بسَهْمِك".
قوله: "فاذكُر اسم الله": الاسمُ هُنا مقصُود لَفظُه ومَعْناه، أي: "قُل: باسم الله"، ويكُون "اسم" [صِلَة] (٢)، والمراد: "فاذكُر الله". (٣)
قوله: "فإن أمْسَك عَليك، فأدْرَكتَه حيًّا، فاذْبَحه": جملة "فأدْرَكتَه" معطُوفة على "أمْسَك"، و"حَيًّا" منصُوبٌ على الحَال مِن ضَمير المفْعُول في "أدْرَكته"، أي: "ذا حَيَاة". وجَوَابُ الشّرْط: "فاذْبَحْه".
قوله: "وإن أدْرَكته قد قَتَل": مثل الذي قَبْله. ومفعُولُ "قتل" محذُوفٌ، أي: "قَد قتلَه"، والجملة في محلّ الحال، مفعُول "أدْرَكْته".
وجملة "ولم يأكُل منه" معطُوفَة على "قتل"، أو في محلّ الحَال مِن فَاعِل "أدْرَكته"، أي: "أدْرَكْته وهُو لم يأكُل منه" [ثُم] (٤) حُذف المبتدأ، وقد تقَدّم مثله.
ومنه في الحديث: "صَلّى بنَا النّبي - ﷺ - مُشْتَمِلٌ بإزَارٍ" (٥)، أي: "وهُو مُشتَمِلٌ". (٦)
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "محل رفع".
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "مباح".
(٣) انظر: تفسير الرازي (٣١/ ١٢٦)، اللباب لابن عادل (٢٠/ ٢٧٢)، البحر المحيط (١٠/ ٥٠٦)، الدر المصون (١١/ ٥٥، ٥٦)، فتح الباري (٨/ ٧١٩)، إرشاد الساري (٧/ ٤١٦)، مرقاة المفاتيح (١/ ٤)، (٧/ ٢٦٩٢).
(٤) طمس بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) مُتفقٌ عليه: البخاري (٣٥٦)، ومسلم (٥١٧/ ٢٧٨)، من حديث عُمَر بن أَبي سَلَمَة، بلفظ: "رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ فى بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ".
(٦) انظر: مرقاة المفاتيح (٢/ ٦٣١)، شواهد التوضيح (ص ١٩٣)، عقود الزبرجد =
[ ٣ / ٤٦٠ ]
قوله: "فإنّ أخْذَ الكَلْب ذَكَاتُه": "أخْذ" مَصْدَر مُضَافٌ إلى فَاعِله، ومفعُوله محذُوفٌ، أي: "أخْذ الكَلْب الصَّيدَ". و"ذَكَاتُه" خَبرُ "إنّ".
قوله: "وفيه أيضًا": [أي] (١): "في الحديثِ مِن رِوَاية همام".
و"أيضًا": مصدر "آض" "يئيض"، إذا "رَجعَ". وأصْلُ "آض": "أيض"، تحرّكت "الياء" وانفَتَح مَا قبْلها؛ فقُلبت ألِفًا. (٢) والدّليلُ على أنّ أصله "أيض": ظهُورها في المصْدَر وفي المستَقْبل.
قوله: "إذا رَميت بسَهْمك فاذْكُر اسم الله": تقَدّم أنّ هَذه الجملة محكيّة، محلّها رَفع بالابتداء، والخبرُ في قوله: "وفيه".
ومثله في الإعراب والتقدير: قوله: "وفيه: وإنْ غَاب عَنْك يومًا أو يومين". و"يومًا" نصب على الظّرْف، وكذلك "يَوْمَين"؛ لأنّ ظَرْفَ الزّمَان هو: "اسمُ الزّمَان، أو [عَدَده] (٣)، أو مَا قَام مَقَامه، أو مَا أُضِيف إليه" (٤). والتقديرُ: "وإنْ غَاب عَنْك زَمَن يَوم أو زَمَن يَومَين".
قوله: "وفي رواية: اليَوْمَين والثلاثَة": وجَوَابُ الشّرط: "فكُلْ إنْ شِئْت".
قوله: "فلم تجِد فيه إلا أثَر سَهْمِك": معطُوفٌ على "غَاب". و"تجِد" هنا بمعنى "تُصِب". و"أثر" تقَدّم في الحادي عشر من "فسْخ الحجّ إلى العُمرة". وجَوابُ "إن شئت "يدُلُّ عليه جَواب "أنْ" الأولى، وهو: "فكُلْ".
_________________
(١) = (١/ ٤٣٤).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٢٣٤)، الصّحاح للجوهري (٣/ ١٠٦٥)، النهاية لابن الأثير (١/ ٥٣)، المصباح المنير للفيومي (١/ ٣٣)، شرح التصريف (ص ٢٨٦).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: تفسير ابن عرفة (١/ ٨٥)، الآجرومية (ص ١٨).
[ ٣ / ٤٦١ ]
قوله: "فإن وَجَدته غَريقًا": أي: "وَجَدت الصّيد غَريقًا". و"غريقًا" حَال؛ لأنّ "وَجَدَ" بمَعنى "أصَاب". و"في الماء" يتعَلّق بـ"غَريق"؛ لأنّه [اسم] (١) فَاعل من الأمثلة الخمْسَة (٢). وجَوَابُ الشّرط: "فلا تأكُل".
قوله: "فإنك لا تدْري الماء قتله أو سَهْمك؟ ": في الكَلام حَذفُ "همزة" الاستفهام، وليست "الهمزة" للتسوية؛ لوقوع الجملة الاسمية بعدها (٣)، وقَد تقَدّم ذلك محرّرًا في الحديث الأوّل من "باب المرور".
الحدِيث الثّالِث:
[٣٨٥]: عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، [عَنْ أَبِيه] (٤) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا -إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أوْ مَاشِيَةٍ- فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُل يَوْمٍ قِيرَاطَانِ" (٥).
قَالَ سَالِمٌ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: "أوْ كَلْبَ حَرْثٍ"، وَكَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ (٦).
قوله: "سمعتُ رسُولَ الله": تقَدّم ذِكْر "سَمع" في أوّل حَديثٍ من الكتاب، وهي هُنا مُتعَلّقة بالذّوات؛ فتكُون جملة "يقُول" في محلّ حَال مِن "رَسُول الله"، وقَال
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) أي: أمثلة المبالغة والتكثير أو صيغها. وانظر: توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٨٥٣)، شرح المفصل (٣/ ٢٧٧)، حاشية الأشموني (٢/ ٤٤٨).
(٣) انظر: شرح الأشموني (٢/ ٣٧٢)، شرح الشذور للجوجري (٢/ ٨٠٥)، شرح التصريح (٢/ ١٦٨)، الصبان (٣/ ١٥٠).
(٤) سقط من النسخ. والمثبت من "العمدة" (ص ٢٦٥).
(٥) رواه البخاري (٥٤٨١) في الذبائح والصيد، ومسلم (١٥٧٤) (٥١) في المساقاة.
(٦) رواه مسلم (١٥٧٤) (٥٤) في المساقاة.
[ ٣ / ٤٦٢ ]
الفَارسيّ: في محلّ مفعُول ثَان لـ"سَمِع". (١)
قوله: "إلا كَلْب صَيد": "إلّا" صِفَة بمَعنى "غير"، أي: "غير كلب صَيد".
وقيَّد ابنُ الحاجِب مجيئها صِفَة بأنْ تكُون تَابعَة لجَمْع [مَنكُور] (٢) غير محصُور، كقَوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وكذلك هي هُنا؛ لأنّ قوله "كَلبًا" أرَاد به جنْس الكِلَاب. ولم يلتزم غيره هَذا التقييد. (٣)
فإنْ قيل: كيف يَصحّ أن تكُون "إلّا" صِفَة وهي حَرْف، وإن كانت بمعنى "غير"، [والحرفُ] (٤) لا يُوصَف ولا يُوصَف به، والواقعُ بعد قوله "إلّا": "الله" هو اسمُ عَلَم، والعَلَم يُوصَف ولا يُوصَف به؟
فالجوَابُ: أنّ شَرْطَ الصِّفَة أنْ تكُون اسمًا؛ لأنها مِن خَوّاص الأسْماء، وأن يكون في ذلك الاسم عُموم، ومعنى فعل، وكُلّ واحدة من هَاتين الكَلمتين على [انفِرادِها] (٥) عَار مِن هَذَا الشّرْط، فإذَا اجتَمَعَا أدّى "زيد" معنى الاسمية وأدّت
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٣/ ٤٧٢، ٤٧٣)، (٧/ ٤٤٦، ٤٤٧)، (٨/ ١٦٣)، عُمْدة القَاري (١/ ٢٣)، إرشاد السّاري (٨/ ١٨٨)، (٩/ ٤٠١)، (١٠/ ١٥)، الإعلام لابن الملقن (١/ ١٦٥، ١٦٦)، شواهد التوضيح (ص ١٨٢)، شَرْح التسهيل (٢/ ٨٤).
(٢) في (ب): "مذكور".
(٣) انظر: البحر المحيط (٨/ ١٩٤، ١٩٥)، (٩/ ٣٦٨)، إرشاد الساري (٨/ ٢٦١)، إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص ١٤١)، الكتاب (٢/ ٣٣١)، الكافية في علم النحو لابن الحاجب (ص ٢٦)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٣١٢)، الجنى الداني (ص ٥١٨)، شرح المفصل (١/ ٥٦)، (٢/ ٧٢ وما بعدها)، شرح التسهيل (٢/ ٢٩٨)، مغني اللبيب (ص ٩٩، ١٠١)، الأصول لابن السراج (١/ ٢٨٥)، شرح الأشموني (١/ ٥١٤ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ١٢٢)، همع الهوامع (٢/ ٢٦٨، ٢٦٩).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) كذا بالنسخ. وفي "إرشاد الساري": "انفرادهما".
[ ٣ / ٤٦٣ ]
"إلّا" مَعنى المغَايَرَة؛ فقَامَا مَقَام الصِّفَة بمجموعهما، بخلاف انفرادهما. ألا تَرَى أنّك تقُول: "دَخَلتُ إلى رَجُل في الدّار"؛ فيكُون الحرْفُ مع الاسم في مَوْضِع الصِّفة لـ"رَجُل"، وكُلّ واحِدٍ منهما على انفِرَادِه لا يجُوزُ أنْ يكُون صِفَة. (١)
قوله: "فإنّه ينْقص كُلّ يَوم": "كُلّ" ظَرْفُ زَمان مُقدّرَة بـ"في". و"قيراطان" مفعُول لم يُسَمّ فَاعِله لـ"ينْقص". فإنْ رُوي "ينقص" ببنَائِه على الفَاعِل كَان "قيراطان" فَاعِلًا. (٢)
قوله: "قَالَ سَالم: وكَان أبو هُريرة": جملة "كَان" معمُولَة للقَول. وجملة "يقُول" خَبر "كَان". وجملة "أو كلْب حَرْث" معمُولَة للقَوْل. والمعنى: "إلّا كَلب صَيْد أو مَاشِية أو حَرْث".
قوله: "وكَان": اسمُ "كَان": "ضَميرُ أبي هُرَيرة"، و"صَاحِب حَرْث" خبرها.
قَالَ الشّيخ تقيّ الدِّين في قَوله: "وكَانَ صَاحِبَ حَرْث": محمُولٌ على أنّه أراد ذِكْر سَبب العِنَاية بهذا الحُكْم حتّى عرف منه مَا جَهِل غيره، والمحتَاجُ إلى الشيء أكثرُ اهتمامًا بمعرفة حُكمه من غيره. (٣)
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٢٦١)، الجنى الداني (ص ٥١٨).
(٢) راجع: إرشاد الساري (٨/ ٢٦١).
(٣) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٢٨٩).
[ ٣ / ٤٦٤ ]
[الحدِيث الرّابع] (١):
[٣٨٦]: عَنْ رَافِع بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النّبي - ﷺ - بِذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ، فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ، فَأَصَابُوا إبلًا وَغَنَمًا، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي أُخْرَيَاتِ الْقَوْمِ، فَعَجِلُوا وَذَبَحُوا وَنَصَبُوا الْقُدُورَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالْقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ قَسَمَ، فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنْ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، فَطَلبُوهُ فأَعْيَاهُمْ، وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ، فأَهْوَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بِسَهْمٍ، فَحَبَسَهُ اللَّهُ. فَقَالَ: "إنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَما غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولُ اللَّهِ، إنَّا لاقُوا الْعَدُوِّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدىً، أَفنذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ قَالَ: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فكُلُوهُ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ، وَسَأُحَدِّثُكُم عَنْ ذَلِكَ، أَّمَّا السِّنُّ: فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفْرُ: فَمُدَى الْحَبَشَةِ" (٢).
قَالَ الشّيخُ تقيّ الدّين: "نَدّ" بمعنى "شرد". و"الأوَابِد" جمع "آبدة"، وقد "تأبّدت" أي "نفرت وتوحّشت من الإنس". يُقَال: "أبَدَت" -بفتح "البَاء" المخفّفة- " [تَأبُد] (٣) " -بضَمّ "الباء" وكسرها- "أُبُودًا". ويُقَال: "جَاء فُلانٌ بآبدة"، أي: "بكَلمة غريبة" أو "خَصْلة للنفوس نَفْرَة عنها". [والكَلمة] (٤) لازِمَة، إلّا أن تجعل "فاعِلة" بمعنى "مفعولة". (٥)
يريد -والله أعلم- أنّ "أبد" من الأفعال اللازِمَة؛ لأنّه لا يبنى منه اسم مفعول، إلا أن تجعل "آبدة" -في قوله: "والأوابد"، جمع "آبدة"- بمعنى "مفعُولة"، أي بمَعنى "مأبُودة"؛ فتكون مُتعَدِّية؛ لبناء اسم المفعول من فِعْلها. وعلى هذا يُقَال
_________________
(١) بالنسخ: "قوله".
(٢) رواه البخاري (٥٥٤٣) في الذبائح والصيد، ومسلم (١٩٦٨) في الأضاحي.
(٣) بالنسخ: "وأبد". والمثبت من "إحكام الأحكام".
(٤) بالنسخ: "الكلمة". والمثبت من "إحكام الأحكام".
(٥) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٢٩٠)، الإعلام لابن الملقن (١٠/ ١٦٥، ١٦٦).
[ ٣ / ٤٦٥ ]
للناقة: "أبدتها" فهي "مَأبُودَة" (١)، وهذا خِلاف الظّاهر.
قَالَ في "الصّحاح": يُقَال: "أبد" فهُو "آبِدٌ". (٢)
قوله: "بذِي الحُلَيفَة": هَذه غير "حُليفة المدينة"، وهي مِن الأسماء المرَكّبة تركيب إضَافة؛ [فيُعْرب] (٣) الأوّل بوجُوه الإعرَاب، والثّاني مخفُوض على الإضَافة، كـ"أبي هُرَيرة" و"أبي قُحَافَة". (٤) وتقَدّم ذلك في الثّاني مِن أوّل الكِتَاب.
قوله: "مِن تهَامَة": "البَاء" في "بذِي الحُليفة" ظَرْفيّة، و"مِن" لبَيَان الجِنْس؛ لأنّها مُقَدّرَة بـ"الذي" أي: "الذي هُو ذُو الحُلَيفَة".
قوله: "فَأصَاب النّاسَ جُوعٌ": معْطُوفٌ على "كُنّا".
[وتقَدّم الكَلامُ على "كُنا"] (٥) في الحديثِ [السادِس] (٦) مِن "جَامِع الصّلَاة".
قوله: "وكَان رَسُولُ الله - ﷺ - في أْخرَيَات": "كَان" واسمها، وخَبرها في المجرور، أي: "كَائِن في أُخْرَيَات".
و"أُخرَيَات" [بمَعنى] (٧) "آخِرهُم". و"آخِرُ القَوْم": "مَن كَان في
_________________
(١) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة (١/ ٥١).
(٢) انظر: الصحاح للجوهري (٢/ ٤٣٩)، لسان العرب (٣/ ٦٩)، المصباح المنير للفيومي (١/ ١).
(٣) تشبه بالأصل: "فتعرب". والمثبت من (ب).
(٤) انظر: أوضح المسالك (١/ ١٣١، ١٣٣)، شرْح الأشموني (١/ ٤٨، ٤٩، ١١٦)، شرح التصريح (١/ ١٢٩، ١٣١)، المفصّل (ص ٢٤)، ضياء السالك (١/ ١٢٨، ١٢٩).
(٥) سقط من النسخ. وقد وضع بهامش الأصل أمام هذا السطر رمز مثل حرف " h".
(٦) بالنسخ: "الخامس". والمثبت الصواب.
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٤٦٦ ]
آخِرهِم". (١)
قوله: "فعَجِلوا وذَبَحُوا ونَصَبُوا القُدُور": معطُوفٌ على "أصَاب النّاسَ جُوعٌ". ويحتمل أنْ يكُون التقديرُ: "ونَصَبوا [للقُدور] (٢) "، أي: "أثافيها". ويحتمل أنْ يكُون المعنى: "نَصَبُوا القُدور للوقيد تحتها"، وهُو الظّاهِرُ.
قوله: "فأمَرَ النّبي - ﷺ - بالقُدور [فأُكفئت] (٣) ": التقديرُ: "فأمَر رَجُلًا بكفء القُدور"؛ لأنّ "أَمَرَ" يتعَدَّى إلى مفْعُول به، وإلى الثّاني بـ"الباء"، ويكون الثّاني مَصْدَرًا أو مُقَدّرًا بمَصْدَر، تقُول: "أمَرتُك الخير" و"أمَرتُك بالخير"، وتقول: "أمَرتُك بزَيد"، ولا تقول: "أمَرْتُك زَيدًا"؛ لأنّ التقدير: "أمَرْتُك بإكْرَام زَيد" أو "بضَرْب زَيد"، فيُحْذَف المصْدَر ويُقَام المضَافُ إليه مَقَامه (٤)، وكذلك جَاء هُنا؛ فلا يجوز: "فأمَرَ القُدُور" إلا بتقدير مُضَاف، أي: "بكَفْءِ القُدور"، فـ"البَاء" الدّاخِلَة على المصْدَر بعد حَذْفه دَخَلت على القَائِم مَقَامه، وهَذا الذي ظهر لي من التقدير ما وَقَفْتُ عليه، لكن
_________________
(١) انظر: فتح الباري (٩/ ٦٢٥)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٨/ ٣٣٨)، الإعلام لابن الملقن (١٠/ ١٦٤)، الصحاح (٢/ ٥٧٦)، المصباح المنير (١/ ٨)، لسان العرب (٤/ ١٣).
(٢) في (ب): "القدور".
(٣) بالنسخ: "فكفئت".
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٩٣، ٢٩٤، ٤٠٣، ٤٥٦)، (٢/ ٣٤٣)، (٦/ ١١٢)، (٩/ ٤٣٨)، اللباب لابن عادل (١/ ٤٤٩)، إرشاد الساري (١/ ٧٨)، (٨/ ٢٧٥)، عُقود الزبرجَد (٢/ ٨٨)، شواهد التوضيح (ص ٢٥٣)، الكتاب (١/ ٣٧، ٣٨)، الأصول في النحو (١/ ١٧٧ وما بعدها)، خزانة الأدب (١/ ٣٣٩)، (٩/ ١٢٣)، نتائج الفكر (ص ٢٥٥، ٢٦٠)، شرح المفصل (٤/ ٥١٤ وما بعدها)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٧١٢ وما بعدها)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٤٧٧)، اللمحة (١/ ٣٢٥ وما بعدها)، الهمع (٣/ ١٣ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٩٥ وما بعدها).
[ ٣ / ٤٦٧ ]
وَجَدتُ القَواعد تَسُوق إليه. والله أعلم.
وأمْرُه - ﷺ - بكَفْءِ القُدور إمّا لأنّها رُكبت ولم يجعل فيها شيء، وإمّا [أنْ] (١) يكُون بعد وَضْع اللحْم فيها؛ فيكون من باب العُقُوبة بالمَال. (٢)
قوله: "ثُمّ قَسم فعَدَل": هو بتخفيف "الدّال" أي: "سَوّى"، تقُول: "عَدَلتُ هَذا بهذا" أي: "سَوّيتُ بينهما"، و"عَدلتُ بين الشيئين" كذلك. (٣)
و"مِن الغَنَم" يتعَلّق بصِفَة لـ"عَشْرة"، و"مِن" للتبعِيض. و"البَاءُ" في قَوله: "ببَعِير" "بَاء" المقَابَلَة.
قوله: "فنَدّ منها بَعير، فطَلبوه، فأَعْيَاهُم": معطُوفات، "الفاء" الأولى للعَطْف مِن غَير تسبيب، والثّانية للعَطْف والتسبيب، والثّالثة للعَطْف على محذُوفٍ، أي: "طَلَبُوه [فَفَاتهم] (٤) ". (٥)
قوله: "وكَان في القَوم خَيْل يَسيرة": ["في"] (٦) هُنا مَعناها "مع"، كما جَاءت في قَوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٩]، أي: "مَع عِبَادي" (٧). وحَرْفُ الجر يتعَلّق بخَبر "كَان"، واسمُهَا: "خَيْل"، و"يَسِيرة" صِفَة لَه.
قوله: "فأهْوَى رَجُلٌ مِنْهُم بسَهْم": يتعَلّق "منهم" بصِفَة لـ"رَجُل". و"الله"
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انطر: إرشاد الساري للقسطلاني (٤/ ٢٨٤، ٢٨٥)، الإعلام لابن الملقن (١٠/ ١٦٤، ١٦٥).
(٣) انظر: الصّحاح (٥/ ١٧٦١)، المصباح (٢/ ٣٩٦).
(٤) تظهر بالأصل: "قفاتهم". وفي (ب): "فقاتلهم".
(٥) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٢٧٥).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٤٧٧)، اللمحة (١/ ٢٢٦)، حروف المعاني والصفات للزجاجي (ص ٨٣).
[ ٣ / ٤٦٨ ]
فَاعِلُ "حَبَسَه". وفَاعِلُ " [فقَالَ] (١) ": "النّبي - ﷺ -".
قوله: "إن لهذه البَهَائم أوَابد": اسم "إنّ": "أوَابِد"، والخبرُ مُقَدّم في المجرور، و"البَهَائِم" [صِفَة] (٢) لاسم الإشَارَة، مجرور بالكَسْرة.
و"أوَابِد" لا ينْصَرف، لأنّه على صِيغَة مُنتَهَى الجمُوع (٣).
قوله: "كأَوَابِد الوَحْش": "الكَاف" يجوز أنْ تكون اسمًا صِفَة لـ"أوَابِد"، ويكون ما بعد "الكاف" [مُضَافًا] (٤) إليه. ويحتمل أنْ تكُون "الكَاف" حَرْف جَر، ومَا بعْدَها مجرورٌ بها، [ويتَعَلّق] (٥) بصِفَة لـ"أوَابِد"، أي: "إنّ لهَذه البَهَائم أوَابِد كَائِنَة كأوَابِد الوَحْش". وإنّما انصَرَف "أوَابد" الثّاني، لأنّه أُضِيف. (٦)
قوله: "فما غَلَبَكُم منها": "مَا" هُنَا شَرْطيّة في محلّ رَفْع على الابتِدَاء، وجوابها: "فاصنَعُوا". والخبرُ يجري فيه الخِلاف الذي تقَدَّم في "مَن" الشّرْطيّة (٧)، فقيل: فِعْلُ الشّرْط، وقيل: جَوَابه، وقيل: فيهما. و"مِنْهَا" يتعَلّق بـ"غَلَبكم".
قوله: "هَكَذا": "الهَاء" للتنبيه، و"كَذا" كَلمتان، "الكَاف" بمعنى "مثل" في محلّ مفعُول، و"ذَا" مُضَاف إليه. والثّاني: "الكَاف" نَعتٌ لمصْدَر محذُوف، أي: "فاصْنَعُوا به صُنْعًا كَذَا"، أي: "مِثْل ذَا". (٨)
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "قال".
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٢٧٥).
(٤) بالنسخ: "مضاف".
(٥) غير منقطة بالأصل. في (ب): "وتتعَلّق".
(٦) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٢٧٥).
(٧) انظر: إرشاد السّاري (٩/ ٤٠١)، عقود الزبرجد (١/ ١٥٥)، مغني اللبيب (ص ٦٠٨، ٦٤٨)، شرح التسهيل (٤/ ٨٦)، همع الهوامع (٢/ ٥٥٤، ٥٦٦)، شمس العلوم (٩/ ٥٩٣٠).
(٨) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٢٧٦).
[ ٣ / ٤٦٩ ]
قوله: "قَال: قُلتُ: يا رَسُول الله، إنّا لاقوا العَدو غَدًا": أي: "قَالَ رَافِع بن خديج". وجملة "يا رَسُول الله" [و"إنّا] (١) لاقوا العَدو غَدًا" في محلّ معْمُول للقَول. وجملة "لاقوا" في محلّ خَبر "إنّ".
وأصْلُ "لاقوا": "لاقيون"، حُذفَت منه "النّون" للإضَافة، فصَار: "لاقيوا"، والعَرَب تعَاف الضّمّة قبلها كَسرة؛ فحَذَفُوا الكسرة، وألْقَوا على "القَاف" ضمّة "اليَاء"؛ فانحَذَفت "الياء" لسكونها وسكون "الواو". (٢)
قوله: "غَدًا": ظَرْفُ زَمَان.
قوله: "وليسَت مَعَنا مُدىً": "مُدَىً" مثل "ضُحَىً"، مقصُور (٣)، مرفُوعٌ على أنّه اسم "ليس"، والخبرُ في "مَعَنا".
قوله: "أفَنَذْبَح بِالْقَصَبِ؟ ": "الهمزة" للاستفهام، و"الفَاء" عَاطفَة على ما قبل همزة الاستفهام. ومنهُم مَن قَدّر المعطُوفَ عليه بعد الهمزة [ق ٢٢٥]، [أي] (٤): "أتأذَن فنَذْبح بالقَصَب؟ " (٥)، وتقَدّم ذِكْر ذلك كثيرًا.
قوله: "قَالَ": أي: "النبي - ﷺ -" "مَا أنْهَر الدّم" "مَا" شَرْطيّة، رُفع بالابتِدَاء. (٦)
و"ذُكِر اسمُ الله عليه": فِعلٌ ومفْعُول لم يُسَمّ فَاعِله. و"عَليه" يتعَلّق بـ"ذُكِر".
_________________
(١) في (ب): "إنا".
(٢) انظر: المنصف لابن جني (ص ٥٥)، المفتاح في الصرف (ص ٥٥)، شرح القطر (ص ٣٣٣)، شرح التصريح (٢/ ٦٨٥).
(٣) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٢٧٦).
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "في".
(٥) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٢٧٦).
(٦) انظر: إرشاد الساري للقسطلاني (٤/ ٢٨٥)، (٨/ ٢٧٦)، الإعلام لابن الملقن (١٠/ ١٦٧).
[ ٣ / ٤٧٠ ]
وجَوَابُ الشّرْط: "فكُلُوه". (١) وتقَدّم الكَلامُ [على "مَا"] (٢) الشّرْطيّة.
قوله: "ليس السّن والظفر": يجوز النصب والرّفع، والنّصبُ أوْجَه على أنّه خَبر "ليس"، يعني: "ليس [من ذلك] (٣) السّنَ". وأمّا الرّفع: فعلى أنّه اسمها، والخبرُ محذُوف، أي: "كذلك". (٤)
و"كذلك" يُقَدّر في: "لا يكُون" وفي "حَاشَا" و"عَدَا". (٥)
وقَالَ الشّيخُ تاج الدِّين الفَاكهاني: "السّن" منْصُوب بالاستثناء. (٦) قُلتُ: وهو خِلافُ ما يجري عليه إعْرَاب المتقَدِّمين.
ومحلّ "ليس السّن" هُنَا حَالٌ مِن ضَمير " [فكُلوه] (٧) ". (٨)
واعْلَم أنّ "ليس" و"لا يكُونُ" في الاستثناء ضُمّنا مَعنى "إلّا"؛ ولذَلك لَزِم إضمَار اسميهما. فإذا قُلتَ: "قَامَ القَومُ ليس زَيدًا" فالتقدير: "ليس بعضُهم زَيدًا" و"لا يكُون بعضُهم زَيدًا". (٩)
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٢٧٦).
(٢) طمس بالأصل. وكتب بهامش (ب): "متآكل من الأصل".
(٣) طمس بالأصل. والمثبت من "رياض الأفهام".
(٤) انظر: رياض الأفهام (٥/ ٤٥٥)، إرشاد الساري (٤/ ٢٨٦)، (٨/ ٢٧٦).
(٥) انظر: شرح التسهيل (٢/ ٣١١).
(٦) انظر: رياض الأفهام (٥/ ٤٥٥)، إرشاد الساري (٤/ ٢٨٦)، (٨/ ٢٧٦).
(٧) بالنسخ: "فكُلوا".
(٨) انظر: شرح المفصل (٢/ ٥١)، شرح الشذور للجوجري (٢/ ٤٧٤).
(٩) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٢٧٦)، شرح التسهيل (٢/ ٣١١)، الجنى الداني (ص ٤٩٥)، شرح المفصل (٢/ ٥٠)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٣٠٧)، شرح الشذور للجوجري (٢/ ٤٧٤)، شرح ابن عقيل (٢/ ٢٣٢)، التبيين عن مذاهب النحويين (ص ٣٦٥).
[ ٣ / ٤٧١ ]
و"ليس" و"لا يكُون" إنْ وَقَعَا بعْد مَعْرِفَة فمَحَلّهما حَالٌ، وإنْ وَقَعَا بعْد نَكِرَة فمَحَلّهما صِفَة للنكِرة بحَسْب إعْرَاب النكرَة، نحو: "مَا جَاءَني امرَأة ليسَت [هندًا] (١) "، فمَحلّ "ليس" رَفْع صفة و"امرأة"، وكذلك لو قُلت: "ما مَرَرتُ بامرأة ليسَت هندًا"، فمَحَلّها جَر نَعْت لـ"امرأة". (٢)
وقيل: لا مَوضِع لهما مِن الإعراب، بل الجمْلَة مُستأنَفَة، وإنما جَاءت الجمْلَة مخصّصة للعُموم الأوّل، كقَولك: "قَام القَومُ، ومَا قَام زَيد"؛ وليس لقَولك: "ومَا قَام زَيد" محلّ؛ لأنّ "الوَاو" للاستئناف. (٣)
قوله: "أمّا السّن فعَظْم": تقَدّم الكَلامُ على "أمّا" في السّادِس مِن "الاستطَابة"، وأنّه لا يقَع بعْدَها إلّا الابتِداء (٤). والخبرُ في قوله: "فعَظْم"، وهُو جَوَابُ "أمّا". وأمّا قَوله: "وأمّا الطفر ": فمِثْله.
_________________
(١) فوقها بالأصل علامة كرقم (٤). وفي (ب): "هند".
(٢) انظر: شرح المفصل (٢/ ٥١)، شرح الشذور للجوجري (٢/ ٤٧٤)، النحو الوافي (٢/ ٣٥٩).
(٣) انظر: شرح المفصل (٢/ ٥١)، شرح الشذور للجوجري (٢/ ٤٧٤، ٤٧٥).
(٤) انظر: الجنى الداني (ص ٥٢٥).
[ ٣ / ٤٧٢ ]
بَاب الأضَاحِي
الحدِيث الأَوّل
[٣٨٧]: عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: "ضَحَّى النَّبِيُّ - ﷺ - بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقَرْنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى، وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا" (١).
قالوا: "الأمْلَح": "الأغْبَر، الذي فيه سَوَادٌ وبَيَاض". (٢)
وفاعِلُ "قَالَ": "أنَس". و"بكَبْشَين": يتعَلّق بـ"ضَحّى". و"أمْلَحَين" و"أقْرَنين" صِفَات، وجملةُ "ذَبَحَهُما بيَده" في محلّ صِفَة أيضًا.
قوله: "الأضَاحي": هو جمعُ "أُضْحِيّة" بضَمّ "الهمزة" وكسرها، وتشديد "اليَاء" فيهما. ويُقَال: "ضَحيّة" بفَتح "الضّاد" وكسر "الحاء" وتشديد "اليَاء". وجمعها: "أضَاحيّ" و"أضْحى". (٣)
قَالَ في "الصّحاح": عن الأصْمعي في "الأضحية" أربَع لُغَات: "أُضْحِيّة" و"إضْحِيّة" و"ضَحِيّة" -على وَزْن " فَعيلَة"- و"أضْحَاة"، والجمعُ: "أضْحىً"، كما يُقَال: "أرْطَاة وأرطَى". (٤)
قوله: "وسَمّى وكَبّر ووَضَع": أي: "وقد سَمّى وكَبّر"؛ فتكون الجملة في محلّ الحَال من فَاعِل "ذَبَحَهُما". ويحتمل أنْ تكُون "الواو" عاطِفَة.
وجمع "صفاحهما" وإنْ كَان وَضعُه - ﷺ - رِجْله إنما كَان على صفحتيهما، إمّا باعتبار أنّ الصّفحتين من كُل واحد في الحقيقة موضوع عليهما القَدَم؛ لأنَّ
_________________
(١) رواه البخاري (١٧١٢) في الحج، ومسلم (١٩٦٦) في الأضاحي.
(٢) انظر: عُمدة الأحكام (ص ٢٦٦).
(٣) انظر: مَشَارق الأنوَار على صحَاح الآثَار (٢/ ٥٦)، المصباح المنير (٢/ ٣٥٩).
(٤) انظر: الصّحاح (٦/ ٢٤٠٧).
[ ٣ / ٤٧٣ ]
[إحديهما] (١) مما يَلي الأخْرَى، والأخْرَى مما يَلي الرِّجْل. (٢)
ويحتمل أنْ يكُون من باب: "قَطَعتُ رُؤوس الكَبْشَين"، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. (٣) ومنه:
وَمَهْمَهَينِ فَدْفَدَيْن مَرْتَيْنْ ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التّرْسَيْن (٤)
فجَمَع بين اللّغَتين؛ فقَالَ: "ظَهْرَاهما"، وقَالَ: "مِثلُ ظُهُور".
و"المهْمَة" "الفَلَاة". و"الفَدْفَد": "البَعِيدة". و"المَرْت": "الفَلاة" أيضًا. و"الوَاو" في "ومَهْمَهَين": وَاو "رُبّ". (٥)
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: إرشاد السّاري (٨/ ٣٠٥)، مرعاة المفاتيح (٥/ ٧٤).
(٣) انظر: إرشاد السّاري (٨/ ٣٠٥)، (٩/ ٤٥٨)، مرعاة المفاتيح (٥/ ٧٤)، الأصول في النحو (٢/ ٣٤٣)، (٣/ ٣٤)، شرح المفصل (٣/ ٢١٢).
(٤) البيتُ من السريع، وتوهّم البعض أنه من الرجز. ويُنسَب لخطام المجاشعي، شاعر إسلامي، وهو الصّحيح. وقيل: لهميان بن قحافة. انظر: الكتاب (٢/ ٤٨)، (٣/ ٦٢٢)، شواهد التوضيح (ص ١١٦)، إيضاح شواهد الإيضاح (٢/ ٥٧٥ وما بعدها)، البيان والتبيين للجاحظ (١/ ١٤٤)، شرح المفصل (٣/ ١٢٠، ٢١١)، خزانة الأدب (٢/ ٣١٣)، (٧/ ٥٤٨، ٥٤٩)، المعجم المفصّل (١٢/ ٢١٨).
(٥) انظر: شواهد التوضيح (ص ١١٦، ٢٥٥، ٢٥٦)، عقود الزبرجد (١/ ٤٥٥)، (٣/ ٢٧٢)، الكتاب (٢/ ٤٨)، (٣/ ٦٢١، ٦٢٢)، أمالي ابن الشجري (١/ ١٦)، (٢/ ٤٩٦)، إيضاح شواهد الإيضاح (٢/ ٥٧٥ وما بعدها)، شرح المفصل (٣/ ٢١٠، ٢١١، ٢١٢)، شرح التسهيل (١/ ١٠٦ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (٤/ ١٧٨٧ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ٣٣٥)، خزانة الأدب (٢/ ٣١٣، ٣١٨)، (٤/ ٣٠٢)، (٧/ ٥٤٤، ٥٤٨، ٥٤٩)، لسان العرب (٢/ ٨٩)، (١١/ ٢٧٥).
[ ٣ / ٤٧٤ ]