الحديث الأوّل والثّاني:
[٢٥٠]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ" (١). (٢)
[٢٥١]: [عن] (٣) حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الْبَيِّعَانِ بِالخيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا -أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا- فَإنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي [بَيْعِهِمَا] (٤). وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا" (٥).
قوله: "عن رسول اللَّه -ﷺ-": "عن" هنا وما بعدها إلى آخر الحديثِ في محلِّ رفعٍ لمتعلِّق "عن" الأولى، التقدير: "رُوي عن عبد اللَّه بن عمر هذا اللفظ". ويَحتمِل أن يُقدَّر "أنه رُوي عن النبي". والأولُ أقلُّ في الحذف، وأَدقُّ إعرابًا، فيكون "أنه رُوي" جملةً محذوفةً معمولةً لـ "روي" المقدَّرِ، وسياق الكلام يدلّ على ذلك. ومتى قُدِّر "أنه رُوي" يكون "أنه قال" في محلّ مفعولٍ به للفعلِ المقدَّرِ.
قولُه: "إذا تبايع الرجلان فكلُّ": "كلُّ" مبتدأ، والخبر في قوله: "بالخيار"، و"منهما" يتعلَّقُ بصفةِ لـ "واحد"، وجَوابُ "إذا": "فكلُّ". وجاء جوابها جملةً اسميةً بـ "الفاءِ"، وهذا مما رُجِّح به عملُ فعلِ "إذا" على جوابها، وفي مثل هذا يجعلون العامل
_________________
(١) بعده في المتن المطبوع (ط دار الثقافة، ص ١٧٥): "وما في معناه من حديث".
(٢) أخرجه البخاري (٢١١٢) في البيوع، ومسلم (١٥٣١) في البيوع.
(٣) سقط من النسخ. وفي موضعه بياض صغير بالأصل.
(٤) سقط من النسخ. والمثبت من مصدر التخريج ومتن العمدة المطبوع.
(٥) رواه البخاري (٢٠٧٩) في البيوع، ومسلم (١٥٣٢) في البيوع.
[ ٣ / ٥ ]
من معنى الجملة، فالتقديرُ هنا: "إذا تبايع الرجلان اختار كلُّ واحدٍ منهما"، أو: "فلْيَخْتَرْ".
قالوا: ويحذف جوابُ الشرطِ جوازًا إذا كان فعل الشّرط ماضيًا، كما وقع ههنا، أو كان منفيًّا بـ "لم"، نحو: "إن لم يقم زيدٌ فعمروٌ قائمٌ" (١).
قولُه: "ما لم يتفرقا": "ما" هنا ظرفية مصدَريّة، والمراد هنا: "تأقيتُ الخيارِ".
قولُه: "وكانا جميعًا": هذه الجملة مؤكِّدة لما قبلها، لكن الجملة الأولى منفيةٌ، والثانية مثبَتةٌ، فالمؤكِّد للمفهوم المنطوقُ. ويحتمل أنّ "الواو" للحَال، أي: "في حالِ كونِهما جميعًا"، فتكون حالًا مُؤكِّدة. وتقدّم الكَلام على ["جميعًا"] (٢) في الحديث الثّاني من "باب الجنابة"، وفي الثّالث من "باب صلاة الخوف".
قوله: "أو يخيِّر أحدُهما الآخرَ": هذا معطوفٌ على قوله: "ما لم يتفرقا"، أي: "ما لم يتفرّقا، وما لم يخير أحدُهما الآخرَ"، فهو مجزوم بالعطف على "يتفرقا".
قوله: "فيتبايعا على ذلك": معطوفٌ على قوله: "أو يخير" المجزوم، أي: "ما لم يتبايعا على ترك الخيار"، أي: "أوّل العقد". ويَحتمِل أن يكون الفعلُ مجزومًا بلام الأمر مقدَّرة، أي: "فليتبايعا على ذلك". وقد جاء من ذلك قوله:
محمّدٌ تفْدِ نفْسَك كُلُّ نَفْسٍ . . . . . . . . . . . . . (٣)
أي: "لتفدِ نفسَك" (٤). وهذا يُوافق مُقتضى الحديثِ، ويُؤكِّد معناه.
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٥/ ٤٥١).
(٢) بالنسخ: "جميعها".
(٣) البيتُ من الوافر، وهو لأبي طالب. وعجزه: "إِذَا مَا خِفْتَ مِنْ شَيْءٍ تَبَالَا". وقد سبق تخريجه. انظر: معاني القرآن للأخفش (١/ ٨٢)، الإعلام لابن الملقن (١/ ٦٤٩)، سر صناعة الإعراب (٢/ ٦٩)، والمعجم المفصل (٦/ ٣٩).
(٤) انظر إرشاد الساري (٤/ ٣٥٩)، الكتاب (٣/ ٨)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين =
[ ٣ / ٦ ]
قوله: "فقد وجب البيع": المعنى: "أو يتبايعا على أن لا خيار للمجلس، فقد وجب البيع، وسقط الخيار بهذا الشرط". فالجملة مؤكِّدة لقوله: "أو يخير أحدهما الآخر"، أو لقوله: "فيتبايعا على ذلك"، إلا إذا جعل "يتبايعا" [مجزومًا] (١) بـ "لام" الأمر؛ فإنّ المعنى لا يُساعده، وتكون "فقد وجب البيع" جوابَ الأمرِ.
الحديث الثّاني:
[٢٥٢]: عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا -أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا-[فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا، فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا] (٢) " (٣).
"البيعان" مبتدأ، و"بالخيار" الخبر. و"ما" ظرفية، العامل فيها الخبر المقدَّر. و"الباء" في قوله: "بالخيار" بمعنى "على"، والتقدير: "البيعان مُقيمان على الخيار ما لم يتفرقا". و"الباء" تجيء بمعنى "على"، حتى قالوا في قولهم: "مررتُ بزيد": أنها بمعنى "على"، أي: "مررتُ على زيد" (٤).
قوله: "البيعان": يريد: "البائع والمشتري"، يُسمَّى كلُّ واحدٍ منهما بيِّعًا وبائعًا (٥).
قوله: "أو قال: حتى يتفرَّقا": الشّك من الرّاوي، أي: "أو قال النبي -ﷺ-: حتى يتفرَّقا"، فالفعلُ منصوب بإضمار "أن" بعد "حتى". و"حتى" هنا بمعنى "إلى
_________________
(١) = النحويين (٢/ ٤٤٢)، شرح التسهيل لابن مالك (٤/ ٦٠)، مغني اللبيب (ص ٢٩٧، ٨٤٠)، الجنى الداني (ص ١١٢)، شرح المفصل (٤/ ٢٩٢)، (٥/ ١٤٤، ١٤٥).
(٢) بالنسخ: "مجزوم".
(٣) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج. وقد ذُكر مع نص الحديث السابق.
(٤) رواه البخاري (٢٠٧٩) في البيوع، ومسلم (١٥٣٢) في البيوع.
(٥) انظر: مغني اللبيب (ص/ ١٣٧).
(٦) انظر: غريب الحديث للخطابي (٢/ ٢٠٧)، مشارق الأنوار (١/ ١٠٧).
[ ٣ / ٧ ]
أن"، والفعل معها مستقبل، وعلامةُ النصبِ حَذْفُ "النونِ".
قوله: "فإن صَدَقا": يعني: "البيعان في بيعهما"، أي: "في قولهما، وذَكرا عيبَ سلعتهما"، وهو بمعنى: "وبيّنا".
قوله: "بورك لهما في بيعهما": الفعل مبني لما لم يُسمَّ فاعلُه، وفعله: "بارك". وهذا الفعل من "بارك" استُعمل ماضيه ومضارعه.
وأمّا "تبارك" فإنه لا يُستعمَل إلا مع اللَّه تعالى، وذلك إذا كان بمعنى التنزيه، فإن كان بمعنى "التبرك بالشيء"، مثل: "تباركت بقدوم زيد"، "أتبارك به"؛ فإنه يجوز، وإن كان إطلاقهم يأبى ذلك (١). وقد تقدّم في الحديث الثاني من "باب التشهد".
و"بارك" لمّا بُني ضُم أوّلُه للبناء، فانقلبت "الألِفُ" واوًا؛ لأجْل الضّمة، كـ "ضارب" و"بائع".
قوله: "وإن كتما وكذبا": يُقال: "كتمتُ الشيء كتمًا وكتمانًا، وأكتمه أيضًا". وجملةُ "محقت بركة بيعهما" جواب الشّرط، وهو مبني لما لم يُسمَّ فاعله.
و"المَحْقُ": "المَحْو"، و"النقص". يُقَال: "مَحَقَهُ"، أي: "ذَهَب ببركته". و"أمحقه" لُغةٌ فيه رديئةٌ. (٢)
قوله: "بركة بيعهما": "البيع" هنا المراد به المبيع من الطرفين كليهما، أو من أحدهما إن كان الكَتْمُ والكذب من جهة واحدة.
* * *
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٨/ ٧٩)، الصحاح (٤/ ١٥٧٥).
(٢) انظر: الصحاح (٤/ ١٥٥٣)، النهاية لابن الأثير (٤/ ٣٠٣).
[ ٣ / ٨ ]
باب ما نُهيَ عنه من البيوع
الحديث الأوّل:
[٢٥٣]: عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- "نَهَى عَنْ المُنَابَذَةِ"، وَهِيَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بِالْبَيْعِ إلَى الرَّجُلِ قَبْلَ أن يُقَلِّبَهُ، أَوْ يَنْظُرَ إلَيْهِ، "وَنَهَى عَنْ الْمُلامَسَةِ". وَالمُلامَسَةُ: لَمْسُ الثَّوْبِ لا يُنْظَرُ إِلَيْهِ (١).
قوله: "نهى عن المنابذة": جملةٌ في محلّ خبر "أنّ".
قوله: "وهي طرح الرجل ثوبه": مبتدأٌ وخبرٌ، و"ثوبه" مفعول لـ "طرح"، وفاعله "الرجل". فالمصدر مضاف إلى فاعله، والتقدير: "وهو أن يطرح الرجل ثوبه". وهذا تفسير من أبي سعيد للمُنابذة.
وقد فُسرت بغير هذا، فقيل: "هو أن يقول الرجل: انبِذْ إليَّ الثوبَ، وأَنبِذُه إليك؛ ليجب البيع". وقيل: "هو أن تقول: إذا نبذتُ إليك الحصى فقد وجب البيع"؛ فيكون البيع مُعاطاة من غير عقد (٢).
يُقال: "نبذتُ الشيءَ"، "أنبِذُه"، "نبذًا"، فهو "منبوذٌ"، إذا "رميته" و"أبعَدته" (٣).
وكذلك قالوا في "الملامسة": "هي أن تقول: إذا لمستَ ثوبي، أو لمستُ ثوبَك فقد وجب البيعُ". وقيل: "هو أن يَلمِسَ المتاعَ من وراء ثوبٍ، ولا يَنظُر إليه، ثم يوقع البيع عليه". نُهي عنه؛ لأنّه غَرَر (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢١٤٤) في البيوع، ومسلم (١٥١٢)، في البيوع.
(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٦).
(٣) انظر: النهاية لابن الأثير (٥/ ٦).
(٤) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ١١١)، النهاية لابن الأثير (٤/ ٢٦٩، ٢٧٠).
[ ٣ / ٩ ]
قوله: "بالبيع": "الباء" هنا سَببية (١)، أي: "بسبب البيع". أو بمعنى "اللام" (٢)، أي: "لأجل البيع".
قوله: "إلى الرجل": يتعلّق بالمصدر، وهو "البيع". وقيل: ظرف للطرح.
ويحتمل أن يعمل فيه "البيع"، فإن علّقت "إلى الرجُل" بـ "طَرْحُ" لم يجز؛ للفصل بين المصدر وما عمل فيه بمعمول المصدر الأوّل.
وجملة: "أن يُقلّبه" في محل جر، أي: "قبل تقليبه". "أو [ينظر] (٣) إليه": معطوف عليه. ويحتمل أن يكون "أو" بمعنى "الواو".
وضمير الفاعل في قوله: ["يُقلبه"] (٤) و"ينظر إليه" يعود على "الرجل المشتري".
قوله: "ونهى عن الملامسة": أي: "النبيُّ -ﷺ-".
ثم بيَّن "أبو سعيدٍ" صفتَها، فقال: "والملامسةُ: لَمْسُ الثوبِ". فـ "لمس" مصدر مضاف إلى المفعول.
قوله: "لا ينظُرُ إليه": جملةٌ في محل الحال من الفاعل المقدَّر للمصدر، أي: "أن يَلمِس الرجلُ الثوبَ في حالِ كونِه غيرَ ناظرٍ إليه".
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب (ص/ ١٣٩).
(٢) انظر: حروف المعاني والصفات للزجاجي (ص/ ٨٧).
(٣) بالنسخ: "النظر".
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "تقليبه".
[ ٣ / ١٠ ]
الحديث الثاني:
[٢٥٤]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "لا تَلَقَّوا الرُّكْبَانَ، وَلا يَبِعْ بَعضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وَلا تُصَرُّوا الْغَنَمَ، وَمَنْ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَينِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ" (١).
وَفِي لَفْظٍ: "هُوَ بِالخيَارِ ثَلاثًا" (٢).
قوله: "لا تلقَّوا الركبان": "لا" ناهية. "تلقَّوا" أصله: "تتلقيوا" فحُذف منه "التاء" الأصلية، وبقيت "تاء" المضارعة؛ لأنها جاءت لمعنًى، ثم إنّ "التاء" لما تحرّكت وانفتح ما قبلها قُلبت ألفًا، ثم حُذِفت؛ لسكونها وسكون "الواو".
و"تلقي الركبان": هو أن [يَستقبِلَ] (٣) الحضَريُّ البدويَّ قبل وصوله إلى البلد، ويخبره بكَسَاد ما معه كذبًا؛ ليشتري منه سلعتَه بالوَكْسِ، أو أقل من ثمن المِثْل، وذلك تغريرٌ محرَّمٌ (٤).
"ولا يبعْ بعضُكم على بيعِ بعضٍ": معناه: أن يحصُلَ التراضي بين المتبايعين، ويتراكنا، فيجيءُ مَن يُفسدُ ذلك التراضي، ويقول: عندي في السلعة كذا، لما هو أكثرُ من الذي تراضيا عليه.
فـ "لا" ناهية، و"يبع" مجزوم بالنهي، و"بعضُكم" الفاعل. و"على بعض" متعلِّق بـ "لا يبع"، ومعنى الاستعلاء ظاهر في التفسير المتقدّم.
قوله: "ولا تناجشوا": معطوفٌ على ما قبله.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢١٥٠) في البيوع، ومسلم (١٥١٥) (١١) في البيوع.
(٢) أخرجه مسلم (١٥٢٤) (٢٤)، (٢٥) في البيوع.
(٣) سقط من النسخ. والمثبت من "النهاية" لابن الأثير.
(٤) انظر: النهاية لابن الأثير (٤/ ٢٦٦).
[ ٣ / ١١ ]
و"النَّجَشُ": "أن يمدَح السّلعة لينفقَها، أو يزيدَ في ثمنِها، وهو لا يُريد شراءها لنفع غيره فيها". والأصل فيه: "تنفيرُ الوحش من مكانٍ إلى مكانٍ". ومنه في الحديث: "لَا تَطلُعُ الشَّمْسُ حَتَّى ينْجُشُها ثَلثمائة وَسِتّون مَلكًا" (١)، أي: "يَستثيرونها" (٢).
قوله: "ولا يبعْ حاضرٌ لبادٍ": "حاضر" [صفة] (٣) لموصوفٍ محذوفٍ، أي: "لا يبع رجلٌ حاضرٌ لرجلٍ بادٍ". وحَذْفُ الموصوفِ إذا عُلِم جائزٌ (٤). وقد تقدّم ذكر المواضع التي يُحذف فيها الموصوف في الثاني من "التيمم"، وفي الثامن من "باب صفة الصلاة".
قوله: "ولا تُصَرّوا [الإبلَ] (٥) ": قال القاضي: كذا ضبطنا هذا الحرف على المتقنين من شيوخنا "تُصَرُّوا" بضمِّ "التاء"، وفتح "الصاد" المهملة، وبعد "الراء" واو وألِف، وفتح "لام" "الإبل"، على المفعول. وكان بعضهم -وهو شيخنا (٦) أبو محمّد بن عتاب، وحكاه لنا عن أبيه- يقول؛ ليقرِّبَ فهمَه على الطلبة، ويرفعَ إشكالَه: هو مثل: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] (٧). وهو الصّوابُ على مذهب الكافّةِ في شرح "المصرَّاة" واشتقاقها.
قال القاضي: وقد رُوّيناه عن بعضهم في غير "مسلم": "لا تَصُرُّوا الإبلَ" بفتح
_________________
(١) رواه أبو الشيخ الأصبهاني في "العظمة" (٤/ ١١٤٩، ١١٥٠)، من حديث ابن المسيب، وهي في هذا الكتاب: "ينخسها" لا "ينجشها"؛ فلعله تصحيف في أحدهما.
(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢١).
(٣) سقط من النسخ.
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٠٤).
(٥) كذا بالنسخ. وتقدّم بالمتن أنها: "الغنم". ولكن هذا وارد في "صحيح مسلم".
(٦) هذا من كلام القاضي عياض.
(٧) انظر: مشارق الأنوار (٢/ ٤٣).
[ ٣ / ١٢ ]
"التاء" وضم "الصاد"، من "الصَّرِّ". وعن بعضهم: بضم لام "الإبل"، و"تُصَرّ" بغير "واو" بعد "الراء" على ما لم يسمَّ فاعلُه، من "الصَّر" أيضًا، وهو: "الربطُ" (١).
قال الشيخ تقيّ الدّين: لا تصحّ هذه الرّواية (٢) مع اتصال ضمير الفاعل، وإنما تصحّ مع إفراد الفعل، ولا نعلم رواية حُذف فيها هذا الضمير.
واللفظة مأخوذة من "صَريتُ في الحوض الماءَ"، إذا "جمعته"، و"صريته" بالتخفيف والتشديد. و"المصراة": هي "التي تربط أخلافُها ليجتمع اللبنُ".
ولا خلاف أنّ التصرية حرام؛ لأجل الغش والخديعة للمشتري (٣).
قلتُ: الأصل في "تصروا": "تصرِّيوا"؛ لأنه من "صريت"، استُثقلت الضمة على "الياء"، وقبلها كسرة، فحُذفت، ثم ضُمت "الراء" لأجل "الواو" (٤). وأمّا مَن رواه: "لا تَصرّوا" بفتح "التاء": فبيِّنٌ.
والذي قاله الشّيخُ تقيُّ الدِّين صحيحٌ، أنها لا تجوز: "لا تُصرّوا الإبلُ" على بناء الفعل للمفعول، ورفع ["الإبل"] (٥)، على لُغةِ: "أكَلُوني البراغيث" (٦).
فيَحتمِل أنْ يكون "الإبلُ" بالرّفع بَدَلًا من "الواو". ويَحتمِل أن يكون "الواو" علامةً، و"الإبل" مفعول لم يسمَّ فاعلُه.
وعلى ما قاله القاضي: تكون من "صرَّى"، مثل "زكَّى" رباعيًّا؛ فيكون "الواو" فاعلًا في "تصروا"، و"الألِف" مفعول.
_________________
(١) انظر: مشارق الأنوار (٢/ ٤٣).
(٢) المراد: رواية "لا تُصَرُّوا الإبلُ"، كما سيظهر بعد قليل.
(٣) انظر: إحكام الإحكام (٢/ ١١٥).
(٤) انظر: إرشاد الساري (٤/ ٦٥)، عقود الزبرجد (٣/ ٦).
(٥) في المخطوط: "إلا".
(٦) انظر: شرح التسهيل (٢/ ١١٦)، شرح المفصل (٢/ ٢٦٩).
[ ٣ / ١٣ ]
قوله: "ومَن ابتاعها": "مَن" مبتدأ، مِن أسماء الشرط، والخبرُ في فعل الشرط، على المختار، وقد تقدّم الكلام على "مَن" الشّرطية، وعلى خبرها، في الحديث العاشر من أوّل الكتاب، وفي الرابع منه.
و"ابتاعها" فعل، وفاعل، ومفعول، الفاعل: ضمير مُستتر يعود على "من"، والمفعول: ضمير "المصرَّاة".
قوله: "فهو": جوابُ الشرطِ.
قوله: "بخير النظرين": حرف الجر يتعلق بالخبر، و"الباء" للإلصاق (١)، أي: "فهو مشترٍ بخير النظرين". ويحتمل أن تكون "الباء" بمعنى "في"، أو بمعنى "على" (٢). و"النظرين" مضاف إليه، وعلامةُ الجر: "الياء".
و"النظرين" [بمعنى] (٣) "الأمرين"، إما إمساك المبيع أو رَدُّه، أيهما كان خيرًا واختاره فَعَلَه، وهذا نظرٌ معنويٌّ، لا صوريٌّ.
قوله: "بعد أن يَحْلُبَها": العامل في "بعد" الخبرُ المقدَّرُ، أي: "فهو كائن بخير النظرين". و"بعد أن يحلبها" مَقدَّر بمَصْدر، أي: "بعد حَلْبِها".
قوله: "إن رَضِيَها أَمْسَكَها": هذه الجملة مفسِّرة لـ "خير النظرين". فـ "أمسكها" جواب الشرط، وجوابُ [الثانية] (٤): "رَدَّها".
[قوله] (٥): "وصَاعًا من تمرٍ": ويحتمل أن تكون "واو" العطف على الضّمير المفعول في "ردّها".
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب (ص/ ١٣٧).
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص/ ١٤١، ١٤٢).
(٣) غير واضحة بالأصل، وتشبه: "يعني". والمثبت من (ب).
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "المباينة".
(٥) الظاهر عندي أنها زائدة بالنسخ. فتكون الجملة: "ردّها وصاعًا. . . ".
[ ٣ / ١٤ ]
قوله: "وفي لفظ": أي: "ورُوي في لفظ"، أو: "جاء في لفظ". أو يكون متعلقًا بخبر عن الجملة على الحكاية. وقد تكرّر له نظائر كثيرة.
قوله: "وهو بالخيارِ": "هو" ضمير المشتري، و"بالخيار" يتعلق بخبر عنه، و"ثلاثًا" منصوب على الظرفية، أي: "ثلاث ليال".
وغَلّب في العدد الليالي على الأيام، ولو غَلَّب الأيام فقال: "ثلاثة".
الحديث الثالث:
[٢٥٥]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه -ﷺ- "نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ"، وَكَانَ بَيْعًا يَتبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتَجَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا.
قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَبِيعُ الشَّارِفَ -وَهِيَ الْكَبِيرَةُ الْمُسِنَّةُ- بِنِتَاجِ الْجَنِينِ الَّذِي فِي بَطْنِ نَاقَتِهِ (١).
قال الشّيخ تقيُّ الدِّين: في تفسير "حَبَل الحبَلة" وجهان: -
أحدُهما: أن يبيع إلى أن تحمل الناقةُ وتضعُ، ثم تحمل هذا البطن الثاني. وهذا باطل؛ لأنه بيع إلى أجْل مجهول.
والثاني: أن يبيع نتاج النتاج. وهو باطلٌ أيضًا؛ لأنّه بيع معدوم (٢).
و"الحبلة" جمع "حابل". وأمّا "حبل المرأة": فجمعه: "نساء حبلة" (٣).
قوله: "وكان بيعًا يتبايعه أهلُ الجاهلية": "بيعًا" خبر "كان" واسمها ضمير يعود على "بيع حبل الحبلة"، و"يتبايعه" جملة في محلّ الصفة، وبها تم المعنى، و"أهل"
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢١٤٣) في البيوع، ومسلم (١٥١٤) في البيوع.
(٢) انظر: إحكام الإحكام (٢/ ١٢٢).
(٣) انظر: شرح النووي على مسلم (١٠/ ١٥٧)، رياض الأفهام (٤/ ٢٣٩).
[ ٣ / ١٥ ]
فاعل "يتبايعه". وتقدّم الكَلام على "أهل" في الخامس من "كتاب الصيام".
قوله: "كان الرجلُ يبتاعُ الجزورَ": جملة "كان الرجل" جملة كبرى، وجملة "يبتاع الجزور" صغرى، [وكلاهما] (١) مفسِّرة للجُملة التي قبلها، والجملة التي قبلها مفسِّرة للجملة التي قبلها.
قوله: "إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها": هذا الفعل مبنيٌّ لما لم يسم فاعله، يقال: "نُتِجَتْ" فهي "منتوجة"، و"نَتَجَتْ نِتَاجًا"، وقد "نَتَجَها أهلُها نَتْجًا". ويقال: "نَتُوجًا"، ولا يقال: "مُنْتِج" (٢).
ومن ذلك أفعالٌ لم تبن للفاعل، كـ "جُنَّ"، و"لُقِيَ" و"غُمّ الهلال" و"عُنِيتُ بحاجتك" (٣).
قوله: "التي في بطنها": محلّه رفع، مفعول لم يُسمَّ فاعله، والعائدُ الضمير في الاستقرار المتعلِّق به حرف الجر.
قوله: "قيل: إنه كان": الضمير في "إنه" يعود على الرجل؛ لتقدُّمِ ذكرِه، والجملةُ في موضع المفعول الذي لم يُسمَّ فاعلُه لـ "قيل"، ويحتمل أن يكون المفعولُ محذوفًا، أي: "قيل قولٌ". وتقدّم الكلامُ عليه في الرابع من "الجنائز". وجملة "كان" في محل خبر "إن"، وجملة "يبيع" خبر "كان"، و"الشارف" مفعول "يبيع"، واسم "كان" ضمير يعود على "الرجُل البائع" المتقدِّم ذكرُه.
قوله: "وهي: الكبيرةُ المُسنَّة": تفسير للشارف، و"المسنة" خبر بعد الخبر، أو صفة على مذهب من يجيز تعدّد الخبر وصفة الصفة. ويجوز أن تكون "المسنة" بدلًا،
_________________
(١) بالنسخ: "وكليهما"، وهو من إمالة الألف.
(٢) انظر: الصحاح (١/ ٣٤٣).
(٣) انظر: الصحاح (٥/ ١٩٩٨)، (٦/ ٢٤٤٠)، المخصص (٤/ ٤٠١)، التبيين عن مذاهب النحويين (ص ٢٦٩)، وشرح الأشموني (٢/ ٢٦٩).
[ ٣ / ١٦ ]
أو عطف بيان.
قوله: "بنتاج": "الباء" باء المقابلة (١)، و"نتاج" مصدر مُضاف إلى مفعوله، وحرف الجر يتعلق بـ "يبيع". و"الذي" مع صلته صفة للجنين، و"في بطن" يتعلّق بالصلة، والعائد الضمير في الاستقرار المقدَّر.
الحديث الرّابع:
[٢٥٦]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- "نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ" (٢).
قوله: "نهى عن بيع": الجملة في محل خبر "أن"، و"بيع" مصدر مضاف إلى المفعول، أي: عن أن تباع الثمرة. وجملة "أن رسول اللَّه" في محلّ معمول متعلّق حرف الجر، أي: "رُوي عن عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه -ﷺ-" محكي إلى آخر الحديث.
قوله: "حتى يبدوَ صلاحُها": "حتى" حرف غاية ونصب؛ لأنها مُقدّرة بـ "إلى أن"، والفعل معها مستقبل (٣).
قال محيي الدّين النواوي: تقع في كثير من كتب المحدِّثين: "حتى يبدوَا" بالألِف في الخطّ، وهو خَطأ، والصّوابُ حذفُها (٤).
قلت: فيجوزُ أن تكُون لُغةً.
وقد قُرئ: "أَوْ يَعْفُوَا الذي بيَدِه عُقْدَة النّكَاح". (٥)
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب (ص/ ١٤١).
(٢) رواه البخاري (٢١٩٤) في البيوع، ومسلم (١٥٣٤) في البيوع.
(٣) انظر: مغني اللبيب (ص/ ١٦٨ - ١٧٠).
(٤) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (١٠/ ١٧٨).
(٥) سورة [البقرة: ٢٣٧]. وهي قراءة الحسن، بسكون الواو. انظر: اللباب لابن عادل =
[ ٣ / ١٧ ]
ومن ذلك قوله:
فآليت لَا أَرْثي لها مِنْ كَلَالَةٍ وَلَا مِنْ حَفًى حَتَّى يُلَاقِيَ مُحَمَّدا (١)
وقُرئ: "وإني خِفْتُ المواليْ" بسكون "الياء" (٢).
وتقدّم الكلام على "حتى" في الثاني من الأوّل، وعلى "يبدو" في الحديث الحادي عشر من "صفة الصلاة".
وتتعلق "حتى" بـ "بيع"؛ لأنه مصدر منحل إلى "أن" والفعل.
وفي تعلّق "حتى" بـ "نهى" بُعْد من جهة المعنى؛ لأنّ نهيه -ﷺ- لم يكن مستمرًّا مع الزّمان إلى غاية بُدوِّ الصّلاح، وأمّا منع البيع فينتهي إلى بدوِّ الصّلاح.
و"الصّلاح": ضد "الفساد". يُقال: "صَلَحَ، يَصْلُحُ، صُلُوحًا"، مثل: "دَخَلَ، يَدْخُلُ، دُخولًا". وحكى الفرّاء: "صلُح" بالضم (٣).
قال في "الصحاح": و"الصِّلاح" بكسر "الصاد"، مصدر "المصالحة"، والاسم: "الصُّلْحُ"، يُذكَّر ويُؤنَّث (٤).
قوله: "نهى البائعَ والمشتري": هذه الجملة بدل من جملة قوله: "نهى عن بيع
_________________
(١) = (١٧/ ٤٦٧)، منار الهدى في بيان الوقف والابتدا للأشموني (ص ٢٢٣).
(٢) البيت من الطويل، وهو للأعشى. ويُروى فيه: "نلاقي". انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٥٤٥)، خزانة الأدب (١/ ١٧٧)، المعجم المفصل (٢/ ٢٠٥).
(٣) سورة [مريم: ٥]. وكتب بنسخ العدة: "إني". وقد قرأ بها الوليد بن مسلم، ووافقه ابْن مِقْسَمٍ، وقرأ بها الزهري. انظر: اللباب لابن عادل (١٣/ ٨)، الكامل في القراءات والأربعين الزائدة عليها (ص ٥٩٥)، الوافي في شرح الشاطبية في القراءات السبع (ص ١٩٢).
(٤) انظر: الصحاح (١/ ٣٨٣).
(٥) انظر: الصحاح (١/ ٣٨٣).
[ ٣ / ١٨ ]
الثمرة" وفيها تفسيرٌ لما أُجمِل؛ لأنَّ "البيعَ" يُطلق على "الشراء"، يقال: "بعتُ الشيءَ"، بمعنى: "اشتريته" (١)، فجاءت الجملة مبيِّنةً لهذا الإجمال.
الحديث الخامس:
[٢٥٧]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- "نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حتَّى تُزْهِيَ". قِيلَ: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: "حتَّى تَحْمَرَّ". قَالَ: "أَرَأَيْتَ إنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يسْتَحلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ ! " (٢).
جملة "نهى" في محلّ خبر "أنّ".
وتقدّم الكلام على "حتى" ومتعلّقها.
قوله: "وما تُزهي؟ ": "ما" استفهامية، و"تُزهي" الخبر عن "ما"، أي: "وما إنماؤها؟ ". فـ "تُزهِي" هنا محكي لفظه، كقوله لمن قال: "رأيتُ زيدًا": "مَن زيدًا؟ "، فـ "زيدًا" خبر عن "من"؛ لأنه حكى لفظ "زيد" الأوّل (٣).
وكذلك هنا حكى "تُزهِي" الأوّل؛ فجعله اسمًا خبرًا.
والأصل: "تزهُو"؛ لأنه من "الزهو". فكان لقلب الواو "ياء" مُوجبان، أحدُهما: وقوعها رابعة. والثاني: كسر ما قبلها، فهو كـ "يُدْعي" و"يُغْزي" إذا عُدِّيت بهمزة النقل، فلما انقلبت الواو "ياءً" صار "تُزْهِي" (٤).
ويُقال: "زهى النخل" زهوًا. و"أزهى" لُغة (٥).
_________________
(١) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ١٧٤).
(٢) رواه البخاري (٢١٩٨) في البيوع، ومسلم (١٥٥٥) في المساقاة.
(٣) انظر: الكتاب لسيبويه (٢/ ٤١٣)، شرح التسهيل لابن مالك (١/ ٤٩)، شرح الكافية الشافية (٤/ ١٧١٩).
(٤) انظر: رياض الأفهام (٤/ ٢٥٢).
(٥) انظر: رياض الأفهام (٤/ ٢٥٢)، الصّحاح (٦/ ٢٣٧٠).
[ ٣ / ١٩ ]
فقوله: "قال": أي: "النبي -ﷺ-": "حتى تحمر"؛ فـ "حتى" حرفُ غاية، و"تحمر" منصُوبٌ بإضمار "أن" بعدها، ويتعلّق بـ "بيع"؛ لأنّه مصْدَر، أي: "عن أن تبيعوا حتى تُزهِي".
قوله: ثم "قال -ﷺ-: أرأيت إن منع اللَّه الثمرة": "أرأيت" هنا بمعنى: "أَخبِرْني"؛ فهي عِلْمية، تتعدّى إلى مفعولين، الثاني [استفهام] (١).
ومتى كانت بمعنى "أخبرني" جاز أن لا تلحقها "الكاف"؛ وتختلف "التاء" باختلاف المخاطَب، وجاز أن تلحقها؛ ويكون الاختلاف في "الكاف"، وتبقى "التاء" مفتوحة (٢).
ومذهبُ البصريين أنّ "التاء" ضمير الفاعل، و"الكاف" حرف، أغنى الاختلاف فيهما عن اختلاف "التاء".
ومذهبُ الكسائي أنّ "التاء" فاعل، و"الكاف" ضمير المفعول الأوّل.
ومذهبُ الفرّاء أنّ "التاء" حرفُ خطاب، كهي في "أنت"، و"الكاف" بعده في موضع الفاعل استعيرت من ضمائر النصب للرفع (٣).
إذا ثبت ذلك: فيحتمل أن يكُون المفعُول الأوّل -على مذهب الكسائي- محذوفًا، تقديره: "أرأيتكم". والمفعولُ الثّاني من معنى قوله: "بم يأخُذ أحَدكم" أي: "يأخُذها بلا عوض".
قوله: "بم": حُذفت "الألِف" من "ما" الاستفهامية على القَاعِدة (٤).
وحرف الجر يتعلّق بـ "يستحلّ"، وكان حقّه أن يتأخّر عن العَامل، إلا أنّ
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "استفهامًا". وقد يكون أصل الجملة: "يكون استفهامًا". وانظر: البحر المحيط (٦/ ٦٨).
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٥٠٨)، الجنى الداني (ص/ ٩٢)، الهمع (١/ ٣٠٢).
(٣) انظر: البحر المحيط (٤/ ٥٠٨)، همع الهوامع (١/ ٣٠٢).
(٤) انظر: مغني اللبيب (ص/ ٣٩٣).
[ ٣ / ٢٠ ]
الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.
وتقدّر "الفاء" في قوله: "بم يستحل؟ "، أي: "فبم يستحل؟ "؛ فيكون جَوابًا. وحَذْفُ "الفاء" من الجواب كثير (١)، منه قوله:
مَن يَفْعَل الحسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها . . . . . . . . . . (٢)
ومنه قوله في الحديث: "إنّك إنْ تَذَرَ وَرَثتَكَ أَغْنيَاءَ خَيرٌ مِن أنْ تَذَرَهُم عَالةً" (٣)، أي: "فهو خيرٌ" (٤).
والصّوابُ الذي اختاره أبو حيّان أن يكُون الجواب في مثل هذا محذوفًا (٥)، أي: "إن منع اللَّه الثمرة فأخبروني ماذا يصنع. . .؟ ".
ونظيره: "أنت ظالم إن فعلت"، أي: [". . . إن فعلت فأنت ظالم"] (٦).
وقد اختار الزّمخشري في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ (٧)
_________________
(١) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٩٣)، إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص ٥٥)، سر صناعة الإعراب (١/ ٢٧٥)، شرح التسهيل (٤/ ٧٦)، خزانة الأدب (٩/ ٤٩)، أمالي ابن الشجري (١/ ١٢٤)، مغني اللبيب (ص ٨٠)، الهمع (٢/ ٥٥٥ وما بعدها).
(٢) صدر بيت من البسيط، وهو لكعب بن مالك، وقيل: لعبد الرحمن بن حسان. وعجزه: "والشَّرُّ بالشَّرَّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ". انظر: الكتاب (٣/ ٦٤، ٦٥)، أمالي ابن الشجري (٢/ ١٤٤)، سر صناعة الإعراب (١/ ٢٧٥)، المعجم المفصل (٤/ ٧٣)، (٨/ ١٨٢، ٢٠٧).
(٣) متفقٌ عليه: البخاري (١٢٩٥)، ومسلم (٥/ ١٦٢٨).
(٤) انظر: شواهد التوضيح (ص/ ١٩٣).
(٥) انظر: البحر المحيط (٣/ ٢٠).
(٦) هي في البحر المحيط (٣/ ٢٠): "أنت ظالِمٌ إن فعلتَ فأنت ظالِمٌ".
(٧) بالنسخ: "أرأيتم".
[ ٣ / ٢١ ]
[الأنعام: ٤٠] أن يكُون جَوابُ الشّرط: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠] (١). ورُدَّ: بأنّ جوابَ الشرط لا يكون استفهامًا (٢).
وقال الحوفي: جوابُ الشرط: "أرأيتكم"، وقُدّم لدخُول "همزة" الاستفهام (٣).
واختار أبو حيّان إضمار الجواب (٤)، كما تقدّم.
ويحتمل أن تكون "أرأيت" هنا بمعنى: "أتأمّلت"؛ فلا يكون لها مفعول. وقد اختار ذلك ابن عطية في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] (٥).
وقد تقدّم الكلام على "أرأيت" هذه التي بمعنى "أخبرني" في الحديث الأوّل من "باب صفة صلاة النبي -ﷺ-".
الحديث [السادس] (٦):
[٢٥٨]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ تُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ".
قَالَ (٧): فَقُلْتُ لابنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا (٨).
قوله: "نهى": التقدير: "أنه نهى". فجملة "نهى" في محلّ خبر "أن". و"أن تُتلقى
_________________
(١) انظر: الكشاف (٢/ ٢٢، ٢٣).
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٥٠٩، ٥١٠).
(٣) انظر: البحر المحيط (٤/ ٥٠٩).
(٤) انظر: البحر المحيط (٤/ ٥١٠، ٥١١)، (٦/ ٦٨، ٦٩).
(٥) انظر: المحرر الوجيز (٢٤/ ٤٦٩).
(٦) بالنسخ: "السابع".
(٧) هذا من المواطن التي تُستدرك على مصنف "العُمدة"، لأنه يعود على غير مذكور.
(٨) أخرجه البخاري (٢١٥٨) في البيوع، ومسلم (١٥٢١) في البيوع.
[ ٣ / ٢٢ ]
الركبان" في محلّ نصب، أو في محلّ جرّ، على الخلاف بين سيبويه والخليل (١).
قوله: "وأن يبيع حاضر": معطوفٌ على "أن تُتلقى". والفعلان منصوبان بـ "أن"، والأوّل مبنيٌّ لما لم يُسمَّ فاعله، وعلامة النصب فتحة مُقدّرة.
قال ابن الأثير: "الحاضر": "المقيم في المدن والقرى"، و"البادي": "المقيم بالبادية". والمنهيُّ عنه: أن يأتي البدوي البلدة ومعه قوتٌ يبغي التسارع إلى بيعه، فيقول له الحضريُّ: "اتركه عندي لأغالي في بيعه". فهذا الصنيع محرّم؛ لما فيه من الإضرار بالغير (٢).
قلت: وهذا التفسير خلافُ تفسير ابن عباس.
وهاهنا سُؤالٌ: إن قيل: لِمَ جاء "تُتلقى" مبنيًّا للمفعول، "وأن يبيع" مبنيًّا للفاعل، ولم يجئ الكلام: "أن يَتلقى حاضرٌ باديًا" ولا "أن يُباع لبادٍ"؟
والجواب: أنّ التغليظ في تلقي الركبان جاء أشدّ منه في بيع الحاضر للبادي، حتى قيل: يُفسَخ البيع؛ فأتى الفعلُ مبنيًّا ليفيد معنى التشديد، وذلك أنّ قولك: "افعل ما قيل لك" أبلغ من قولك: "افعل ما قلتُ لك".
قالوا: ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ [الحديد: ٨]، قُرئ بالوجهين (٣). قالوا: وبالبناء أبلغ.
قوله: "ما": استفهامية في محلّ رفْع بالابتداء، والخبرُ المستفهمُ عنه، وهو
_________________
(١) انظر: شرح الكافية الشافية (٢/ ٦٣٤).
(٢) انظر: النهاية لابن الأثير (٥/ ٦).
(٣) قرأ الجمهور: "وقد أخذ" مبنيًا للفاعل، "ميثاقكُم" بالنصب. وقرأ أبو عمرو "أُخِذ" مبنيًا للمفعول، "ميثاقُكُم" رفعًا. وانظر: البحر المحيط لأبي حيان (١٠/ ١٠٢)، الحجة في القراءات السبع (ص ٣٤١).
[ ٣ / ٢٣ ]
المضاف والمضاف إليه، والجملة معمولة لـ "قلت"، و"ما" أقسامها تقدّم الكلام عليها في أوّل حديث من "التيمم".
قوله: "قال": أي: "ابن عباس": "لا يكون له سمسارًا": جملة "لا يكون له سمسارًا" معمُولة للقول، والتقدير: "تفسيره -أو معناه-: لا تكون".
فـ "لا تكون" في الأصل خبر مُبتدأ محذوف. و"سمسارًا" خبر "كان"، واسمها ضمير يعود على "الحاضر" الذي تقدّم ذكره.
و"له" يتعلّق بـ "كان" عند من أجاز عمل "كان" في الفضلات (١)، أو الصّفة لـ "سمسارًا"، تقدّم، وانتصب على الحال، والتقدير: "لا يكون سمسارًا" أي: "مُتقدِّمًا له في البيع".
و"السمسار": "القيِّم بالأمر". و"القيِّم بالأمر": "الحافظُ له". وهو في البيع: "اسمٌ للذي يدخل بين البائع والمشتري متوسطًا لإمضاء البيع" (٢).
[الحديث السابع] (٣):
[٢٥٩]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ المُزَابَنَةِ، أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ، إنْ كَانَ نَخْلًا بِتَمْرٍ كَيْلًا. وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا، أَوْ كَانَ زَرْعًا: أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ. نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ" (٤).
قوله: "قال: نهى": جملتان إحداهما -وهي الأولى- في محلّ معمول متعلّقٌ حرف الجر، والثانية معمُولة للقول.
_________________
(١) انظر: همع الهوامع (١/ ٣٥٩).
(٢) انظر: النهاية لابن الأثير (٢/ ٤٠٠).
(٣) بالأصل: "قوله". والمثبت من (ب).
(٤) أخرجه البخاري (٢١٧١) في البيوع ومسلم (١٥٤٢) في البيوع.
[ ٣ / ٢٤ ]
و"عن المزابنة": تتعلّق بـ "نهى".
قوله: "أن يبيع": بدَلٌ من "المزابنة"، فمَحلّ "أن" جَر، ويحتمل القطع، أي: "وهي أن يبيع"؛ فيكون محلّ "أَنْ" رفعًا، وفاعل "يبيع" مُقدَّر، أي: "يبيع أحدكم تمر حائطه". فالضمير في "حائطه" يعود على ذلك المقدَّر.
قوله: "إن كان نخلًا": "إن" حرف شرط. و"إن كان نخلًا": "كان"، واسمها، وخبرها، اسمها ضمير يعود على "الحائط"، و"نخلًا" خبرها. والجملة معترضة لا محلّ لها، وجوابُ الشرط مُقدّر، أي: "إن كان نخلًا فقد نهى عنه"، أو: "فالنهي عنه". وكذا يُقدّر فيما بعده من الإعراب. وقد تقدّم ذكر الجمل التي لا محلّ لها في الحديث الأوّل من الكتاب.
قوله: "بتمرٍ": يتعلّق بـ "يبيع"، و"كيلًا" مصدر "كال" "يكيل".
وفي الكلام حالٌ محذوفٌ، أي: "تمر حائطه رطبًا، إن كان نخلًا، بتمرٍ يَكيله كيلًا"، [فالضّمير] (١) في "يكيله" يعود على "التمر"، والضّمير في "حائطه" يعود على "أحدكم".
وضمير الفاعل في "يكيله" يحتمل أن يعود على "أحدكم"، أي: "يكيله لنفسه من المشتري". ويصحّ أن يكون "يكيله" بمعنى: "يكتاله". ويحتمل أن يعُود على "البائع"؛ لأنّ الكيل عليه، والبائع مفهوم من المعنى.
والشرط جوابه محذوف، أي: "إن كان نخلًا فقد نهى عن أن يبيعه".
قوله: "وإنْ كان كَرْمًا أن يبيعه بزبيب": أي: "وإن كان الحائط كَرْمًا، فقد نهى أن يبيعه بزبيب". فـ "أن" في محلّ نصب، أو جَر، على ما تقدّم. وجوابُ الشّرط: "فقد نهى".
_________________
(١) غير واضحة بالأصل، ولعلها: "والضمير". والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٢٥ ]
قوله: "وإن كان زرعًا أن يبيعه": يُقدَّرُ فيه ما قُدِّر في الذي قبله.
و"بكيل" يتعلّق [بـ "يبعه"] (١)، و"طعام" مُضاف إليه، وفيه إضَافة الصّفة إلى الموصوف، أي: "بطعامٍ مكيلٍ". فـ "كيل" بمعنى: "مكيل"، أو بمعنى: "ذي كيلٍ".
وإن كانت الرواية بالتنوين: "بكيلٍ طعامٍ" كان بَدَلًا، وهو حَسَنٌ.
قوله: "نَهى عن ذلك كلِّه": جملةٌ مستأنَفةٌ، والإشارة إلى "المزابنة" وصفاتها، و"كُلّه" تأكيد لذلك، وأكّد ذلك بـ "كُلّ"؛ لأنّ المشار إليه مُتعَدّد.
و"المزابنة": مأخوذة من "الزَّبْنِ"، وهو "الدَّفْعُ"، كأنّ كُلّ واحد من المتبايعَيْنِ يَزْبِنُ صاحبَه عن حقِّه بما يزداد منه. وإنَّما نُهِي عنه لما في ذلك من الغَبْنِ والجهَالةِ (٢).
الحديث الثّامن:
[٢٦٠]: عَنْ أبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- "نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ" (٣).
قوله: "نَهى عن ثمنِ الكلبِ": خبر "أن".
وما بقي من الحديث معطوفات على ما قبلها.
وهل هذا ومثله من باب عطف المفردات، أو من باب عطف الجمل؟
الأكثرون على أنه من باب عطف المفردات؛ فيكون "ومهر" معطوفٌ على "ثمن"، "وحلوان" معطوفٌ عليه.
وإن كان من عطف الجمل، يكون التقدير: "نهى عن ثمن الكلب، ونهى عن
_________________
(١) في المخطوط: "بيعه". والمثبت يناسب السياق.
(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٩٤).
(٣) رواه البخاري (٢٢٣٧) في البيوع، ومسلم (١٥٦٧) في المساقاة.
[ ٣ / ٢٦ ]
مهر البغيِّ، ونهى عن حُلوان الكاهن".
وعلى هذا الخلاف ينبغي حكمُ العمل، هل هو فيها كُلها للعامل الأوّل، أو لكُل واحد من المعطوفات عامل مُقدَّر يفسره الأوّل؟ والتقدير في الجميع: "نهى أُمتَه عن كذا"؛ فالمفعولُ محذوف.
وحرف الجر يتعلّق بـ "نهى".
يُقال: "بَغَتِ المرأة"، "تبغي"، "بِغاءً"، إذا "زَنَتْ" (١).
قال الشّيخ تقيّ الدّين: "مَهْرُ البغيِّ": "ما يُعطَى على الزنا"، سُمِّيَ مهرًا على سبيل المجاز، أو استعمالًا للوضع اللغوي. ويَحتمِل أن تكُون من مجاز التشبيه إن لم يكُن "المهْر" في الوضع "ما يُقابل به النكاح".
و"حُلْوَان الكَاهِن": هو "ما يُعطاه على كهانته". والإجماعُ قائمٌ على تحريم هذين (٢).
و"البغيّ" وزنه "فعول"؛ لأنّ أصله: "بَغُويٌ"، فلما اجتمعت "الواو" و"الياء"، وسُبقت إحداهما بالسكون، قُلبت "الواو": "ياءً"، وأدغمت "الياء" في "الياء"، وكسرت "الغين" اتْباعًا لكسرة "الياء" قبلها لتصحّ السّاكنة (٣).
و"فعول" هنا بمعنى "فاعلة"، ولذلك أتى بغير "هاء" التأنيث، وهي صفة لمؤنّث، كما يأتي "فعيل" للمُؤنث بغير "هاء"، إذا كان بمعنى "مفعول" نحو: "امرأة قتيل" (٤).
_________________
(١) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ١٤٤).
(٢) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ١٢٥).
(٣) انظر: رياض الأفهام (٤/ ٢٧٤).
(٤) انظر: رياض الأفهام (٤/ ٢٧٤).
[ ٣ / ٢٧ ]
وجمع "بغيٍّ": "بغايا".
[و"حُلوان] (١) الكَاهِن": "ما يُعطى على كهانته". يُقال منه: "حلوته حُلوانًا"، إذا "أعطيته"، أصله من "الحلاوة"، شُبِّه بـ "الشيء الحلو"، من حيث إنه يأخُذه سهلًا بلا كُلفة، ولا في مُقابلة مشقّة. يقال: "حَلَوْتُه"، إذا "أطعمته الحلوى"، و"عسَلتُه" إذا "أطعمته العَسلَ" (٢).
الحديث التاسع:
[٢٦١]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -﵁-، قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ -ﷺ- عَنْ الْمُخَابَرَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ، وَعَنْ المُزَابَنَةِ، وَعَن بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا، وَأَنْ لا تُبَاعَ إِلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، إلَّا العَرَايَا" (٣).
هذا الحديث لم يذكره الشّيخ تقيّ الدّين، وهو ثابت في نُسخ "العُمدة" كُلّها، ولعلّ الشّيخ ترك الكَلام عليه لأنّ معناه في الأحاديث قبله. ولو سلم: فكان الواجب عَدَّه في جملة ما عدَّ من الأحاديث، ويَعتذر على ترك شرحه والكَلام عليه، مع أنه محلّ الكلام فِقهًا ولغةً وأصلًا، وسأذكرُ ما ظهر من ذلك.
قوله: "المُحاقلة": "بيعُ الحِنطةِ في سنبلها بحنطةٍ" (٤).
قوله: "نَهى النبيُّ": التقدير: "أنه قال: . . . " ليكون معمول متعلّقٌ حرف الجر. وجملة "نهى" في محلّ معمول القول.
و"عن المخابرة": يتعلّق بـ "نهى".
_________________
(١) في المخطوط: "إن". والمثبت من "رياض الأفهام".
(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (١٠/ ٢٣١)، رياض الأفهام (٤/ ٢٧٥)، إرشاد الساري (٤/ ١١٥)، الإعلام لابن الملقن (٧/ ١١٦).
(٣) أخرجه البخاري (٢٣٨١) في المساقاة، ومسلم (١٥٣٦)، في البيوع.
(٤) انظر: رياض الأفهام (٤/ ٢٦٥).
[ ٣ / ٢٨ ]
و"المخابرة": قيل: هي "المزارعة على نصيبٍ مُعيّن، كالثلث والربع". و["الخُبْرَة"] (١): "النصيب".
وقيل (٢): "الأرض الرِّخْوة ذات الجحَرَةِ". أرض "خَبرَة" و"خَبْرَاءُ". و"الخَبَارُ": "الأرضُ الرَّخْوَة" (٣).
وقيل: أصلُ "المخابرة" من "خيبر"، لأنّ النبي -ﷺ- أقرّها في أيدي أهلها على النصف من محصولها، فقيل: "خابرهم"، أي: "عَامَلَهم في خيبر" (٤).
و"المحاقلة": ذكَر صاحب "العُمدة" فيها أنها "بيع الحنطة في سنبلها بحنطة" (٥)، ولعلّه من تمام الحديث. ويُسمّيها الزّارعون: "المحارَثة" (٦).
وقيل: هي "المزارعَة على نصيبٍ معلوم، كالثّلث، والرّبع، ونحوهما".
وقيل: هو "بيعُ الطّعام في سنبله بالبُرِّ".
وقيل: هي "بيعُ الزّرع قبل إدرَاكه".
وإنما نُهي عنها لأنها من المكيل، ولا يجوز فيه إذا كانا من جنس واحد إلا مثلًا بمثلٍ، ويدًا بيدٍ، وهذا مجهولٌ لا يُدرى أيهما أكثر كيلًا، وفيه النسيئة (٧).
و"المحاقلة": مُفاعلة من "الحقل"، وهو "الزرع إذا تشعّب قبل أن يغلُظ ساقُه".
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "الخبر". والمثبت من المصادر.
(٢) هذا كما في "الصحاح" هو تعريف "الخبار"، لا "الخبرة".
(٣) انظر: الإعلام لابن الملقن (٧/ ١٠٣)، مشارق الأنوار (١/ ٢٢٩)، الصحاح (٢/ ٦٤١، ٦٤٢)، المغرب (ص ١٣٧).
(٤) انظر: الإعلام لابن الملقن (٧/ ١٠٣)، النهاية لابن الأثير (٢/ ٧).
(٥) انظر: عمدة الأحكام (ط الثقافة، ص ٢٦٨).
(٦) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٤١٦).
(٧) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٤١٦).
[ ٣ / ٢٩ ]
وقيل: هو من "الحقل"، وهي: "الأرض التي تُزرَع". ويُسميه أهل العراق: "القَرَاح" (١).
أمّا "المزابنة": فقد تقدّم الكلام عليها، وفسّرها في الحديث (٢).
وألفاظ هذا الحديث كُلها معطُوفات. وتنوّعَت، فمنها ما اكتفي فيه بحَرف العَطف عن ذكْر العَامل، وهو "المحاقلة"، ومنها ما أعاد فيه العامل، وهو "وعن [المزابنة] (٣) "، "وعن بيع الثمرة حتى يبدو صَلاحها"، والأصلُ ترك إعادة العامل، إلّا في طول الكَلام، أو خَوفِ لَبْسٍ يدخُل على السّامع.
قوله: "وأن لا تُباع": معطوفٌ أيضًا بإسقاط "عن"، أي: "وعن أن لا تُباع". فيجري الخلاف في محلّ "أن"، على ما تقدّم، فسيبويه يقول: جر، والخليل والكسائي يقولان: نصب.
قوله: "حتى يبدو": الفعلُ منصوب بإضمار "أن" بعد "حتى"؛ لأنها بمعنى "إلى أن"، والفعلُ معها مستقبل. و"يبدو" تقدّم الكَلام عليه في الحادي عشر من "باب صفة الصّلاة".
[قوله] (٤): "إلا بالدينار والدرهم": هذا الاستثناء مُفرغ؛ لأنّ المجرور بعد "إلّا" متعلِّق بـ "أن لا يباع"، ومتى عمل ما قبل "إلّا" فيما بعدها كان الاستثناء مُفرغًا (٥).
قوله: "إلا العَرايا": أعلم أنه إذا تكرّر حرف الاستثناء، وكان الاستثناء الأوّل
_________________
(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤١٦).
(٢) هنا احتمال سقط من النسخ، والظاهر أنه: "السابع"، أو "قبل السابق".
(٣) بالنسخ: "المزارعة".
(٤) بياض بالأصل بقدر كلمة. وسقط من (ب).
(٥) انظر: شرح شذور الذهب للجَوجري (٢/ ٤٨١).
[ ٣ / ٣٠ ]
مفرغًا، عَمِل ما قبل الأوّل فيما بعده على حسب ما يقتضيه من رفع أو نصب أو جر، وما يأتي بعد ذلك من المستثنيات تنصب، لكن لا يتعيّن الأوّل؛ لتأثير العامل، وهذا في غير حديثنا يُمكن؛ لأنّ حرفَ الجر معناه في متعلّقه، فلا يدخُل على ما لا يكون لمتعلّقه فيه معنى.
وأمّا في مثل: "ما قام إلا زيدٌ، إلا بكرٌ، إلا عمرٌو" فلك أن ترفع الأوّل بالفعل على أنه فاعل، وتنصب الباقي، ولك أن تقول: "ما قام إلا زيدًا، إلا عمرو، إلا بكرًا". ولكن الراجح: إعمالُ الفعل في الأوّل (١).
أما إذا تكرّرت المستثنيات من المنفي غير المفرغ، فإن كان التَّكرار للتأكيد فلا يخلو من أن يقع بعد "إلا" الثانية اسم مماثل لما قبلها، نحو:
. . . . . . . . . . لا تمرُر بهم إلا الفتى، إلا العَلَا (٢)
فتلغى "إلا" الثانية؛ لأنّ "الفتى" مُستثنى من الضمير المجرور بـ "الباء"، والأرجَح كونه تابعًا له في جرّه. ويجوز كونه منصوبًا على الاستثناء، و"العَلا" بَدَل من "الفتى"، بَدَل كلٍّ من كلٍّ؛ لأنهما لمسمًّى واحد، و"إلّا" الثانية مُؤكّدة.
أو يكون التَّكرار للتأكيد بعد أن يدخُل على الثّانية "الواو" العاطفة، نحو قولك: "ما جاء إلّا زيد، وإلا عمرو". فهذا تلغى فيه "إلا" الثانية، وتكون معطوفة
_________________
(١) انظر: شرح التسهيل (٢/ ٢٩٥ وما بعدها)، أوضح المسالك (٢/ ٢٣٤ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٧١١ وما بعدها)، الجنى الداني (ص ٥١٤)، شرح الأشموني (١/ ٥٠٣، ٥١١ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٥٥١ وما بعدها)، الهمع (٢/ ٢٦٥).
(٢) هذا عجز بيت من كلام الناظم، الذي يبين فيه حُكم "إلا" المكرّرة للتوكيد، وهو بتمامه: وألغ "إلا" ذات توكيد كلا تمرر بهم إلا الفتى إلا العلا انظر: ألفية ابن مالك (ص ٣١).
[ ٣ / ٣١ ]
بـ "الواو" على ما قبلها، و"إلّا" زائدة للتأكيد، ولا يلحَق هذا بالقسْم الأوّل المفرغ ما قبل "إلّا" لما بعدها؛ لأنّ الغرَض هُنا للتأكيد (١).
إذا ثبت ذلك: فهذا التقسيم في الاستثناء الواقع بعد نفي للتأكيد، ولم يتقدّم على المستثنى منه. فإن تقدّم المستثنى على المستثنى منه، وتعدّدت المستثنيات نُصِبَتْ كلّها، نحو: "ما قام إلّا زيدًا، إلّا عمرًا، إلّا بكرًا أحدٌ".
وإن تأخّرت، وكان الكلام مُوجبًا نصبتها كُلَّها، نحو: "قاموا إلّا زيدًا، إلّا عمرًا، إلّا بكرًا".
وإن كان الكَلام منفيًّا غير مُوجب، ولم يكُن تأكيدًا، ولا مُفرَّغًا أُعطي واحد منها ما يُعطاه لو كان مُنفردًا لم يتكرّر، ونُصب ما عَداه، نحو: "ما قاموا إلا زيدًا، إلا عمرًا، إلا بكرًا". ولك في واحد منها الرفع، ولكن الرّاجح الأوّل، والنصب مرجوحٌ، ويتعيّن في الثاني النصب (٢).
والألِف واللام في "الدينار" و"الدرهم" للجنس.
الحديث العاشر:
[٢٦٢]: عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثْ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ" (٣).
قوله: "ثمن الكلب": الألِف واللام للجنس، ويُخصُّ من ذلك كلبُ الصيدِ
_________________
(١) انظر: أوضح المسالك (٢/ ٢٣٤ وما بعدها)، شرح الأشموني (١/ ٥١٠ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٧١٣)، شرح ابن عقيل (٢/ ٢١٩ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٥٥١)، وتوضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٦٧٢).
(٢) انظر: أوضح المسالك لابن هشام (٢/ ٢٣٦)، شرح المفصل (٢/ ٧٧ وما بعدها)، شرح التسهيل (٢/ ٢٩٦)، شرح الأشموني (١/ ٥١٢)، الهمع (٢/ ٢٦٥، ٢٦٦)، وشرح التصريح (١/ ٥٥٣).
(٣) ليس الحديث عن البخاري، وهو عند مسلم (١٥٦٨) (٤١) في المساقاة.
[ ٣ / ٣٢ ]
والماشيةِ؛ لأنه مُرخَّص في اتخاذه. كما خُصَّ كسبُ الحجَّام [بالكراهةِ] (١)، وقيل (٢) لمن يبيع دَم ما يفصده من الحيوان لمن يستجيز أكْله من الكَفَرة (٣).
فـ "ثمن الكلب" مبتدأ، ومُضاف إليه، و"خبيث" خبره.
يُقال: "خَبُثَ الرجلُ"، "خُبْثًا"، فهو "خبيثٌ"، أي: "خبٌّ رديء". و"أخبثَه غيرُه": "عَلَّمه الخُبْثَ وأفسده". و"أخبث" أيضًا "اتخذ أصحابًا خُبثاء"، فهو "خبيثٌ"، "مخْبثٌ" و"مخبثان". يُقال: "يا مخبثان". و"فلان لَخِبْثَة"، كما يقول: "لَزِنْيَة". ويُقال في النداء: "يا خُبَثُ"، كما يُقال: "يا لُكَعُ"، يُريد: "يا خبيثُ" (٤).
قال الخطابي: قد يَجمعُ الكلامُ بين القرائن في اللفظ، ويُفرِّقُ بينهما في المعنى، ويُعرفُ ذلك من الأغراض والمقاصد.
فأمَّا "مهرُ البغي" و"ثمن الكلب": فيراد بالخبيث [فيها] (٥) "الحرام"؛ لأنّ الكَلب [نجس] (٦)، والزنا حَرام، فَبَذْلُ العِوض عليها وأخْذُه حَرامٌ.
وأمّا "كسْب الحجام": فيراد بالخبيث فيه "الكراهة"؛ لأنّ الحجامة مُباحَة.
وقد يكون الكلام في الفصل الواحد بعضه على الوجُوب، [وبعضه على الندب] (٧)، وبعضه على الحقيقة، وبعضه على المجاز، ويُفرّق بينهما بدلائل الأصول، واعتبار معانيها، انتهى (٨).
ولو قال: "ثمن الكلب، ومهر البغى، وكسب الحجام خبيث" أدّى المعنى،
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "بالكراهية".
(٢) أي: "مع أنه قيل إنّ كسْب الحجّام هو ما كان لمن. . . ".
(٣) انظر: رياض الأفهام (٤/ ٢٨٨، ٢٨٩).
(٤) انظر: الصحاح (١/ ٢٨١)، لسان العرب (٢/ ١٤٢).
(٥) كذا بالنسخ. وفي المصدر: "فيهما".
(٦) في المخطوط: "قوله". والمثبت من المصدر.
(٧) سقط من المخطوط، والمثبت من المصادر.
(٨) انظر: معالم السنن (٣/ ١٠٣)، النهاية لابن الأثير (٥/ ٦).
[ ٣ / ٣٣ ]
ولكنه أراد -ﷺ- تخصيص كُلّ نوع بالخبث.
وقد يتوقّف الحكم في الذي يُجمع بالعطف على المجموع، لا على إفراده، كقولك: "إن دخل الدارَ زيدٌ، وعمرٌو، وبكرٌ، فلهم درهم". فلا يستحق مَن دخل منهم الدار على انفراده الدرهم، ولا شيئًا منه حتى يدخل مع قرينيه (١).
ولهذا نظائر من الكتاب والسنة.
فيتبين بذلك أنّ وصف كُلّ صنف في الحديث بـ "الخبث" له معنى زائد على العطف من غير تَكرار العامل.
قلت: ومن هذا ما ابتلى به قُرّاء الحرم الشريف، فإنّ غالب عيشهم ورزقهم من وظائف يوقَف عليها أوقاف، ويشترط الواقف أن يكون عشرة أو ثلاثة يقرءون جميعًا في وقت واحد متراسلين، متفقين في مخارج الحروف والكلمات، فيتخلف من الوظيفة بعضُ مَن هو مِن الجماعة، ويحضر بعضُهم؛ فيقرأ مَن حضر، فيختل بذلك العدد المشروط والهيئة الاجتماعية، وعلى هذا لا يستحق مَن حضر وقرأ ما شُرط له؛ لتخلُّفِ الشرط. وهذه بلية عظيمة، ومحنة جليلة، لَطَفَ اللَّهُ بنا، ولا واخذنا، وقد أفتى بذلك جماعة من العُلماء لم تحضرني أسماؤهم، واللَّه أعلم.
* * *
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (٨/ ١٩٤).
[ ٣ / ٣٤ ]
باب العرايا وغير ذلك
الحديث الأوّل:
[٢٦٣]: عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- "رَخَّصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا" (١).
وَلِمُسْلِمٍ: "بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا" (٢).
قوله: "رخّص": جملة في محلّ خبر "أن"، "لصاحب" يتعلق بـ "رخَّص".
و"العريَّة" مشدّدة "الياء": "النخلة"، "فَعِيلَة" بمعنى "مفعولة". وإنَّما دخلت فيها "الهاء"؛ لأنها أفردت وصارت في عِدَاد الأسماء، مثل: "النطيحة" و"الأكيلة" (٣).
و"أن يبيعها": في محل نصب، أو جر، على ما تقدّم.
وحَذْفُ حرفِ الجر مع "أن" جائز واقع كثيرًا، ومع غير "أن" في أفعال مخصوصة، وهي "أمر"، و"استغفر"، و"سمى"، و"كني"، و"دعا"، تقول: "أمرتُه الخيرَ"، و"أمرتُه بالخيرِ"، و"استغفرتُ اللَّهَ ذنبي"، و"استغفرتُ اللَّهَ من ذنبي"، وكذا ما بقي (٤).
_________________
(١) رواه البخاري (٢١٨٨) في البيوع، ومسلم (١٥٣٩) (٦٠) في البيوع.
(٢) رواه مسلم (١٥٣٩) (٦١) في البيوع.
(٣) انظر: رياض الأفهام (٤/ ٢٩٥)، الصحاح (٦/ ٢٤٢٣، ٢٤٢٤).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٠٣، ٤٥٦)، (٢/ ٣٤٣)، (٦/ ١١٢)، (٩/ ٤٣٨)، اللباب لابن عادل (١/ ٤٤٩)، إرشاد الساري (١/ ٧٨)، (٨/ ٢٧٥)، شواهد التوضيح (ص ٢٥٣)، الكتاب لسيبويه (١/ ٣٧ وما بعدها)، المقتضب (٢/ ٣٥ وما بعدها، ٣٢١)، الأصول في النحو (١/ ١٧٧ وما بعدها)، المفصل (ص ٣٨٧، ٣٨٨)، شرح المفصل (٤/ ٥١٤ وما بعدها)، المقرب لابن عصفور (١/ ١٢١)، نتائج الفكر (ص ٢٥٥، ٢٥٩، ٢٦٠)، اللمحة (١/ ٣٢٥ وما بعدها)، أوضح المسالك (٢/ ٥٩ وما بعدها، =
[ ٣ / ٣٥ ]
قوله: "بخَرْصِها": "الباء" في "بخرصها" باء المقَابلة (١)، والمراد: "أن يبيعها بقدْر خرصها"، أو "كيل خرصها".
[قوله] (٢): "ولمسلم": يحتمل أن يتعلّق بفعل محذوف، أي: "وجاء لمسلم"؛ فيكون "بخرصها" فاعِل على الحكاية، وإن قَدَّرتَ "رُوي" فيكون مفعولًا لما لم يُسمَّ فاعله، على الحكاية أيضًا.
ولك أن تجعل الجمْلة من "بخرصها تمرًا. . . إلى آخره" مبتدأ، والخبر متعلّق المجرور على الحكاية، أي: "ولفظ كذا لمسلم"، أي: "كائن لمسلم"، فيكون الإسناد إلى اللفظ، لا إلى المدلول.
وحرفُ الجر في "بخرصها" يتعلّق بمحْذوف، أي: "رخَّص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها تمرًا يأكلونها رُطبًا"؛ فهو من تمام الكلام، إلا أنّه أفرد ما انفرد به مُسلم، وجمع ما اجتمع عليه البخاري ومُسلم، فالمجرور في المعنى متعلّقٌ بـ "يبيعها"، إلا أنّه بالقطع انتقل إعراب جملته من معنى الوضع إلى معنى الحكاية.
و"بخرصها" مصدَر مُضَاف إلى المفعول.
قوله: "يأكلونها": ضميرُ الفاعل في "يأكُلونها" يعُود على جنس المعرين لها؛ لأنهم الذين يُباح لهم ذلك عند مالك (٣) -﵁-، أو على جنس المشترين، وإن لم يتقدّم لهم ذكْر؛ فالكلام يدلّ عليهم. والضّمير المنصوب يعود على العريّة المتقدّم ذكرها.
_________________
(١) = ١٦٣)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٧١٢ وما بعدها)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٤٥٦، ٤٧٧، ٤٨٥)، شرح ابن عقيل (٢/ ١٢٤ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٣٧٧ وما بعدها)، الهمع (١/ ٥٤٩)، (٣/ ١٣ وما بعدها، ٥٢)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٩٣ وما بعدها).
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص/ ١٤١).
(٣) بياض بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: رياض الأفهام (٤/ ٢٩٧)، الكافي لابن عبد البر (٢/ ٦٥٥).
[ ٣ / ٣٦ ]
فيكون تقدير الكَلام: "رَخّص لصاحب العريَّة -وهو الذي أُعطيها- أن يبيعها بخرص كيلها تمرًا من المعرِّي له يأكلها المعرَّى رُطبًا".
فجملة: ["يأكلونها"] (١) مُضمّنة معنى التعليل، أي: "ليأكلوها رطبًا"، فلما حُذف حرف التعليل -وهي: "لام كي"- رُفع الفعلُ.
وليس ذلك شرطًا، بل لهم أنْ يؤخّروها حتى يأكلوها تمرًا.
وأمّا على مذهب الشافعي: فالتقدير: "رخّص لصاحب العرية -وهو مالكها- أن يبيعها بخرص كيلها تمرًا، من المشتري، بكيله [تحتها] (٢)؛ ليأكُلها المشتري رُطبًا" (٣).
و"تمرًا" و"رطبًا": منصوبان على الحالِ.
الحديث الثاني:
[٢٦٤]: عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -﵁-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- "رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ" (٤).
قوله: "رَخَّص": جملة في محلّ خبر "أن" و"في بيع" يتعلَّق بـ "رخَّص"، وهو مصدر مضاف إلى المفعول.
و"العرايا": جمع "عَرِيَّة". وتقدّم أنها "فعيلة" بمعنى "مفعولة"، من "عَراه
_________________
(١) بالنسخ: "يأكلها". وعودها على ما في التقدير السابق بعيد، لما سيذكره بالتضمين. واللَّه أعلم.
(٢) كذا يظهر لي بالأصل، غير منقوط. ولعل المعنى ما في "الحاوي" للماوردي (٥/ ٢١٦): أنّ العرايا بيع الرّطَب على رؤوس النخل بكيلها تمرًا على الأرض، وهو ما في "الأم" (٧/ ٢٠٦). ولعل الكلمة أن تكون: "بخرصها" أو "بحزرها" أو "بحقها".
(٣) انظر: الأم (٣/ ٥٤)، الحاوي (٥/ ٢١٨)، تكملة المجموع (١١/ ٢ وما بعدها).
(٤) رواه البخاري (٢١٩٠) في البيوع، ومسلم (١٥٤١).
[ ٣ / ٣٧ ]
يَعروه"، إذا "قصده". ويحتمل أن تكون "فعيلة" بمعنى "فاعلة"، من "عريَ يَعْرَى"، إذا "خلع ثوبَه"، كأنها عَرِيَت من جملة التحريم، فـ "عريت"، أي: "خرجَتْ" (١).
قوله: "في خمسةِ أَوْسُقٍ": بدَل من "العرايا"، ولا يتعلّق بـ "رخَّص"؛ لأنّ حَرفي جرٍّ لمعنًى لا يتعلّقان بعامل واحد (٢). ويَحتمِل أن يتعلّق "في خمسة" بحال من "العرايا"، أي: "كائنة في خمسة".
قوله: "أو دون خمسةِ أَوْسُقٍ": وتقدّم الكَلام على "الوَسْقِ"، وهو: ستون صاعًا، وهو ثلثمائة وعشرون رطلًا عند أهْل الحجاز، وأربعمائة وثمانون رطلًا عند أهل العراق، على اختلافهم في مقدار الصّاع والمُدُّ.
والأصلُ في "الوَسْقِ": "الحِمْل"، و"كلُّ شيءٍ وَسَقْته" فقد "حملته". و"الوَسْقُ" أيضًا: "ضمُّ الشيء إلى الشيء"، ومنه في الحديث: "اسْتَوسِقُوا كَمَا يُسْتَوْسَقُ جُرْبُ الْغَنَمِ" (٣)، أي: "استجمعوا" (٤).
وأُثبتت "التاء" في "خمسة"؛ لأنّه عَدَد مُذكّر.
قوله: "أو دون خمسةِ أَوْسُقٍ": التقدير: "أو في دون خمسة أوسق". تقدّم الكلام على "دون" في الحديث الثالث من "الكسوف". و"أو" هنا للشك، والظّاهر أن الشّك من الرّاوي، ويدلّ على ذلك اختلافهم في "الخمسة" إذ لو لم يكن شكّ لما كان في "الخمسة" خِلاف (٥).
_________________
(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٢٥).
(٢) راجع: إرشاد الساري (٢/ ٢٨٧).
(٣) رواه الواقدي في كتاب "المغازي" (١/ ٢٦٠)، من حديث كعب بن مالك يوم غزوة أحُد، والخطابي في كتاب "غريب الحديث" (١/ ١١٢).
(٤) انظر: النهاية لابن الأثير (٥/ ١٨٥).
(٥) انظر: فتح الباري لابن حجر (٤/ ٣٨٨)، إرشاد الساري للقسطلاني (٤/ ٨٤)، رياض الأفهام (٤/ ٣٠٢).
[ ٣ / ٣٨ ]
الحديث الثالث:
[٢٦٥]: عَنْ عَبْدِ اللَّهَ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ" (١).
وَلِمُسْلِمٍ (٢): "وَمَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ المُبْتَاعُ" (٣).
قال الشيخ تقيُّ الدِّين: يُقال: "أَبَرْتُ النخلةَ"، "آبرُها"، وقد يُقال بالتشديد. و"التأبيرُ": "التلقيحُ". انتهى (٤)
يُقال: فهي "مؤبَّرة" و"مأبورة". ورجُل "آبر"، اسم فاعل، من "أبر" المخفّف (٥).
و"النخل": اسمُ جنس. و"النخيل" جمعٌ، وليس بجنس. و"النخل" يُذَكَّر ويؤنَّث، قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] و﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]. وقد سمّى النبيُّ -ﷺ- النخلةَ "شجرةً"، فقال: "مَا شَجَرَةٌ لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا؟ " (٦). (٧)
_________________
(١) رواه البخاري (٢٢٠٤) في البيوع، ومسلم (١٥٤٣).
(٢) هذا يوهم أن هذه الزيادة لم يذكرها البخاري في صحيحه، وليس كذلك، بل هي في الصحيحين، كما نبه عليه في فتح الباري. وقد ذكرها البخاري في "باب الرجل يكون له ثمر أو شرط في حائط أو نخل" والذي أوقع المصنف في الوهم، هو عدم ذكر البخاري لها في "باب البيع" واقتصاره على القطعة الأولى.
(٣) رواه مسلم (١٥٤٣) (٨٠) في البيوع.
(٤) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ١٢٩).
(٥) انظر: رياض الأفهام (٤/ ٣٠٨)، الإعلام لابن الملقن (٧/ ١٥٥)، الصحاح (٢/ ٥٧٤)، النهاية لابن الأثير (١/ ١٣، ١٤).
(٦) متفق عليه: البخاري (٦١)، ومسلم (٢٨١١/ ٦٣)، من حديث ابن عمر.
(٧) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٤٢)، رياض الأفهام (٤/ ٣٠٧)، جمهرة اللغة (١/ ٦٢١)، =
[ ٣ / ٣٩ ]
قوله: "مَن باع": تقدّم ذكر "مَن"، وأنها من أسماء الشرط، وموضعها رفع بالابتداء، والخبر في جملة "باع"، وجواب "مَن": "فثمرها للبائع".
"إلّا أنْ يشترط المبتاع": الاستثناء هُنا من الأحْوال، أي: "فثمرتها للبائع في كُلّ حالة بيع، إلّا حالة اشتراط المبتاع". ويكون المحلّ منصوبًا على الاستثناء، أي: "فثمرتها للبائع".
ويحتمل أن يكون الاستثناء مُنقطعًا، لأنّ الاشتراط ليس من جنس الثمرة، ولأنّ للاشتراط معنى، والثّمرة عين مال من الأموال.
ويحتمل أن يكون التقدير: "فثمرتها للبائع؛ بسبب أنها أُبِّرت، إلا بسبب اشتراط المبتاع"، فيكون الاستثناء بهذا الاعتبار مُتصلًا.
وجملة "قد أبرت" في محلّ الصفة لـ "نخل"، وتصحّ الصّفة بالماضي مُقترنًا بـ "قد"، كقوله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] إذا قدّر: "ومنهم طائفة"؛ ليسوغ الابتداء بالنكرة. وقيل: المسوِّغ "واو" الحال في قوله: ﴿وَطَائِفَةٌ﴾. (١)
و"أُبِّرت": مبنيٌّ لما لم يُسمَّ فاعله.
قوله: "فثمرها للبائع": هو جوابٌ للشرط، و"البائع" يتعلّق بخبر المبتدأ.
قوله: "ولمسلم: ومَن ابتاع عبدًا": تقدّم قريبًا مثله.
و"مَن" مبتدأ، و"ابتاع" في موضع الخبر، "عبدًا" مفعول به، "فماله" مبتدأ، والخبر في قوله: "للذي باعه"، والجملة معطوفة على "مَن ابتاع نخلًا" على رواية مسلم.
_________________
(١) = المخصص (٥/ ١٨٢)، تهذيب اللغة (٧/ ٢٤٩).
(٢) انظر: شرح التسهيل (١/ ٢٩٠)، مغني اللبيب (ص ٤٧١، ٦١٣، ٦١٤، ٨٨١، ٨٨٢)، شرح الأشموني (١/ ١٩٣)، شرح التصريح (١/ ٢١٠).
[ ٣ / ٤٠ ]
قوله: "إلا أن [يشترط] (١) المبتاع"، وقد تقدّم.
الحديث الرّابع:
[٢٦٦]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ" (٢).
وَفي لَفْظٍ: "حَتَّى يَقْبِضَهُ" (٣). وَعَنْ ابْن عَبّاسٍ مِثْله (٤).
قوله: "أنّ رسول اللَّه -ﷺ-": في محلّ معمول متعلِّق حرف الجر، و"قال" في محل خبر "أن".
وجملة "من ابتاع" في محلّ معمول القول، و"مَن" شرطية في محل رفع بالابتداء، والخبر في فعلها. وجوابُ الشرط: "فلا يبعه"، فـ "لا" ناهية، وعلامة الجزم في "يبعه" حذف "الياء".
و"حتى" حرفُ غايةٍ ونصبٍ؛ لأنها بمعنى "إلى أن"، والفعلُ معها مُستقبل، وتقدّم الكلام على "حتى" وعملها وما جاء فيها في ثاني حديث من أوّل الكتاب.
قوله: "وفي لفظ": متعلِّق بفعلٍ مُقدَّر، إمّا: "جاء"، وإمّا: "رُوي". ويختلف إعراب ما وقع بعد المجرور بحسَب اختلاف المقدَّر، فإن قَدَّرتَ: "جاء" كان "حتى يقبضه" فاعل على الحكاية، وإن قَدَّرتَ: "رُوي" كان مفعولًا لم يُسمَّ فاعلُه. ولك أن تُقدِّر الجملة مبتدأً، والخبر في قوله: "وفي لفظ".
قوله: "وعن ابن عباس مثله": أي: "رُوي في لفظ". فـ "عن" يتعلَّق بـ "روي"،
_________________
(١) بالنسخ: "يشترطه".
(٢) رواه البخاري (٢١٢٦) في البيوع، ومسلم (١٥٢٦) في البيوع.
(٣) رواه مسلم (١٥٢٦) (٣٦) في البيوع.
(٤) رواه مسلم (١٥٢٥) في البيوع.
[ ٣ / ٤١ ]
و"مثله" مفعول لم يُسمَّ فاعلُه لـ "روي".
و"يستوفي" ماضيه: "استوفي"، وهو بمعنى: "توفّاه".
والضّمير في "مثله" يعُود على "الحديث"، أي: "مثل حديث عبد اللَّه بن عمر". والتقدير: "وجاء في لفظ: حتى يقبضه".
وتقدّم أنّ "مثل" و"شبه" و"ضد" و"ند" و"أفعل من" و"واحد أمه" و"عبد بطنه" واسم الفاعل المضاف بمعنى الحال أو الاستقبال، كلها لا تتعرّف بالإضافة، في المعروف (١).
الحديث الخامس:
[٢٦٧]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ: "إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالمَيْتةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ". فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ؟ فَإِنَّهُ تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبحُ بِهَا النَّاسُ. فَقَالَ: "لَا، هُوَ حَرَامٌ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عِنْدَ ذَلِكَ: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ لمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا، جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ" (٢).
قوله: "سمع رسُول اللَّه -ﷺ- يقُول": "سمع" في محلّ خبر "أن"، و"سمع" هنا متعلِّقة بالذوات، فيكون "يقول" في محلّ المفعول، على اختيار الفارسي ومَن تبعه، أو في محلّ الحال، على اختيار ابن مالك وأبي حيّان ومَن تبعهم (٣)، وقد تقدّم الكلام على
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٦٠)، (٤/ ٦٣٦)، اللباب لابن عادل (١/ ٢٢١)، إرشاد الساري (١/ ٣٩٦)، (٧/ ٦)، عقود الزبرجد (٢/ ٣٧٤)، شرح التسهيل (٣/ ٢٢٧)، التبيين عن مذاهب النحويين (ص ٤١٦ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٢٠٩، ٢١٠)، شرح التصريح (١/ ٥٥٦)، وأوضح المسالك (٣/ ٧٤)، والنحو الوافي (٣/ ٢٥).
(٢) رواه البخاري (٢٢٣٦) في البيوع، ومسلم (١٥٨١) في المساقاة.
(٣) انظر: البحر المحيط (٣/ ٤٧٢، ٤٧٣)، (٧/ ٤٤٦، ٤٤٧)، (٨/ ١٦٣)، عُمْدة القَاري =
[ ٣ / ٤٢ ]
"سمع" في أوّل حديث من الكتاب.
قوله: "عام الفتح": ظرف الزمان مُقدَّرٌ بـ "في"، [أي] (١): "قال في عام الفتح". والعاملُ فيه: "سمع".
قوله: "إنّ اللَّه ورسُوله": "إنّ" مكسورة؛ لأنها بعد القول [وقد. . . . . فتحها بعد القول في الصحيح؛ لأنّ. . .] (٢) إذا كان فعلًا مُضارعًا بـ "تاء" خطاب تقدّمته أداة استفهام لم يفصل بينهما بفاصل، وينصب حينئذ فعلين، نحو: "أتقول زيدًا مُنطلقًا؟ "، و: "أتقول إنّ زيدًا مُنطلقًا؟ " (٣).
ويجب فتحها لتسد مسَدّ مفعولي "يقول". وتقدّم الكلام على المواضع التي تفتح فيها "أن" وتكسر في الرّابع من أوّل الكتاب.
قوله: "ورسوله": بالنصب، عطف على اسم "أن"، ويجوز الرفع عطفًا على المحلّ عند الكسائي، ويجري في إعرابه إذا رفع ما قيل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ [المائدة: ٦٩]، وفيه أوْجُه، منها القويُّ، ومنها الضّعيف (٤).
قوله: "وحَرَّم بيعَ الخمرَ": جملة في محلّ خبر "أن".
_________________
(١) = (١/ ٢٣)، (٦/ ٢٧٣)، إرشاد السّاري (٨/ ١٨٨)، (٩/ ٤٠١)، (١٠/ ١٥)، الإعلام لابن الملقن (١/ ١٦٥، ١٦٦)، شواهد التوضيح (ص ١٨٢)، شَرح التسهيل (٢/ ٨٤).
(٢) خرم بالأصل. وفي (ب): "أو".
(٣) غير واضح في المخطوط. وهو بهامش الأصل، وبه خروم. وهذا ما يظهر لي منها، وبعده حوالي ثلاث كلمات.
(٤) انظر: شرح التسهيل (٢/ ١٧٨ وما بعدها)، توضيح المقاصد (١/ ٥٦٩)، وحاشية الصبان (٢/ ٣٢٧)، وهمع الهوامع (٢/ ٤٤٦).
(٥) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٣٢٥)، شرح التسهيل (٢/ ٥٠)، مغني اللبيب (ص ٦١٧)، شرح المفصل (٤/ ٥٤٢).
[ ٣ / ٤٣ ]
وفاعل "حرّم": ضمير "اللَّه" تعالى. ومثله قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، فأفرد الضمير؛ لأنّ اللَّه ورسوله في حُكم الواحد؛ لأنَّ رِضَا اللَّهِ عنه مُرتبطٌ برِضَا رسولِه (١).
أو يكون التقدير: "إنّ اللَّه حَرَّم، وإنّ رسولَه حَرَّم"، فهما جملتان.
ويحتمل أن يكون التقدير: "إن اللَّهَ ورسولَه حرَّما بيع"، ثم حذف "الألِف" التي هي ضمير الإثنين عندما وقف؛ لينفرد الفعل بضمير اللَّه تعالى.
وفي ذلك تعظيم للنبي -ﷺ-؛ حيث جعل تحريمه وتحريم الرسول واحد، وهو نظيرُ قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] (٢).
وقد أجازوا في الوقف على المنصوب السّكُون، وهي لُغة ربيعة، فقالوا: "رأيتُ رجُل". فهذا هنا أسْهَل؛ لأنّه هنا أبقى الحركة التي كانت قبل الحذف. وحسَّن هذا الحذف دلالة ما قبله عليه. والأوّل أحْسَن (٣).
وقد قال -ﷺ- للخطيب لما قال: "ومن يعصهما فقد غوى": "بِئْسَ خَطِيبُ القَوْم أَنْتَ" (٤)، كأنّه أنكر عليه جمعه بين ضميري "اللَّه" تعالى و"النبي" -ﷺ- (٥).
ومن هذا قوله في الحديث: "مِن أعْظَمِ الفِرَى أن يُرِيَ عَيْنَيه مَا لم تَرَ" (٦).
_________________
(١) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (١/ ٢٦٨)، (٥/ ٢٩٨)، (٦/ ١٥)، رياض الأفهام (٤/ ٣٢٦، ٣٢٧)، مغني اللبيب (ص ٤٢).
(٢) انظر: البحر المحيط (٥/ ٢٩٩)، اللباب لابن عادل (٤/ ٢٩٨).
(٣) انظر: اللباب لابن عادل (١٠/ ١٣٢)، شرح الكافية الشافية (٤/ ١٩٨٠)، الخصائص (٢/ ٩٩، ١٠٠)، التبيين عن مذاهب النحويين (ص ١٩١)، اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٢٠٠، ٢٠١)، شرح المفصل (٥/ ٢١٢)، الصبان (١/ ٦٩)، الهمع (٣/ ٤٢٧)، شرط التصريح (٢/ ٣١٣).
(٤) صحيح: مسلم (٨٧٠/ ٤٨)، من حديث عدي بن حاتم.
(٥) انظر: إكمال المعلم (٣/ ٢٧٥)، إرشاد الساري (١/ ٩٨).
(٦) صحيح: البخاري (٣٥٠٩)، والمسند (١٧٠٢١)، والطبراني في المعجم الكبير =
[ ٣ / ٤٤ ]
والأصلُ: "مَا لم تريا" (١)، فهذا مثل الحديث على التأويل الأوّل؛ لكَونه حَذف ضَمير الفَاعل.
قوله: "والأصْنَام": معطُوفٌ على "بيع"، وكذلك "الميتة"، و"الخنزير"؛ فتكون منصُوبة؛ لأنّه لا يُعهَد بيع الأصنام في ملّة الإسلام، والمراد: "عبادة الأصنام".
ويحتمل الجر، أي: "وحرّم بيع الأصنام"؛ فيكُون قد حَذَف المضَاف، وأبقَى المضَاف إليه على إعرابه، وهو قليلٌ، كقراءة مَن قرأ في الشّاذ: "وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةِ" (٢) بالجر، أي: "ثواب الآخرة". ولكن النّصب فيه أوْجَه، والمعطُوفات ظاهرٌ إعرابها (٣).
قوله: "فقيل": تقدّم الكَلام على القول وبنائه للمفعول في الحديث الرّابع من "الجنائز". وحذف فاعل "قيل" للإبهام، أي: "قال بعض الحاضرين"، أو للجَهل به.
ومفعوله الذي لم يُسمّ فاعله، قيل: هو جملة الاستفهام، على مذهب مَن يجوِّز وقوع الفاعل جملة. وقيل: هو مُضمر يُفسِّره سياقُ الكلام، تقديره: "هو"، والجملة مفسِّرة للقول، فلا موضع لها. وقيل: القائم (٤) مصدرُ القول، أي: "قيل قول"، ثم فُسر بالجملة (٥).
وجملة قوله: "يا رسول اللَّه" مع ما بعدها معمُولة للقول.
_________________
(١) = (٢٢/ ص ٧٢)، من حديث وَاثِلَةَ بن الأَسْقَعِ.
(٢) انظر: عقود الزبرجد (٣/ ٢٧٢).
(٣) سورة [الأنفال: ٦٧]، وقد قرأ بها سليمانُ بن جماز المدني. انظر: اللباب لابن عادل (٩/ ٥٦٩)، التبيان في إعراب القرآن (٢/ ٦٣٢).
(٤) انظر: الكشاف (٢/ ٢٣٧)، التبيان في إعراب القرآن (٢/ ٦٣٢)، إرشاد الساري (٥/ ١٤٩)، شرح التسهيل (١/ ٣٨٨)، (٢/ ٣٩٥) مغني اللبيب (ص ١١٩)، شرح الأشموني (٢/ ١٧٦)، الانتخاب لكشف الأبيات المشكلة الإعراب (ص ٢٤).
(٥) أي: القائم مقام الفاعل هو ضمير المصدر، كما في "إرشاد الساري" (١٠/ ٥٤).
(٦) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٢٧، ٢٨)، (٢/ ٧٠٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٥١٦)، إرشاد الساري (١٠/ ٥٤).
[ ٣ / ٤٥ ]
قوله: "أرأيتَ شحومَ الميتةِ": "أرأيت" هنا بمعنى: "أخبرني". وقد تقدّمت في الحديث الأوّل من "باب صفة الصلاة"، وتقدّمت قريبًا.
ومفعولها الثاني من شرطه أن يكون مقرونًا باستفهام، وهو هنا محذوفٌ يدلّ عليه الكلام، تقديره: "أرأيت شحوم الميتة أنستعملها، فإنها تُطلى بها السفن؟ "؛ فـ "تطلى بها" خبر "إن"، وصحّح الإخبار بها الضّمير في "بها"؛ لأنه لا بُد في الجملة الواقعة خبرًا من ضمير يعود على المبتدأ، واسم "إنّ" مبتدأ في الأصل، فتقدير الكلام: "الشحوم تُطلى بها السفن"، ثم أكّد الكلام بـ "إنّ"، والمعطوفُ على الخبر خبر.
قوله: "ويَستصبح بها الناسُ": مبني للفاعل، بخلاف "تُطلى بها السفن"، "وتُدهَن بها"؛ فإنهما مبنيان للمفعول، وسببُ ذلك أنهما يتعديان لمفعول به، و"استصبح" غير متعد لمفعول، لكنه لو قال: "يُستصبَح بها الناسُ" على بنائه للمفعول جاز؛ فيكون القائم مقام المفعول الذي لم يُسمّ فاعله المجرور.
ويتخرّج رفع "الناس" على إضمار فِعْلٍ، كأنّه قال: "مَن يستصبح بها؟ " فقيل: "الناسُ". أي: "يستصبح بها النّاسُ"، كقوله تعالى: "يُسَبَّح لَه فيها بالغُدو والآصَال، رِجَالٌ" (١)، على قراءةِ مَن بنَاه للمفعُول، والتقدير: "يُسَبّحه رجَالٌ" (٢). ومنه:
_________________
(١) سورة [النور: ٣٦، ٣٧]. وقد قرأ ابن عامرٍ وأبو بكر بفتح باء "يسبَّح" مُجَهَّلًا، وقرأ الباقون بكسرها "يسبِّح" مُسمّى الفاعلَ. انظر: شرح طيبة النشر للنويري (٢/ ٤٧٦)، اللباب لابن عادل (٧/ ٥٦٦)، الهادي شرح طيبة النشر (٣/ ٨٨).
(٢) انظر: التبيان في إعراب القرآن (٢/ ٩٧١)، البحر المحيط (٣/ ٥٤٩)، (٤/ ٣٩١)، (٨/ ٦٤)، اللباب لابن عادل (١٤/ ٣٩٣)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٥٩٢، ٥٩٣)، مغني اللبيب (ص ٨٠٧)، أوضح المسالك لابن هشام (٢/ ٨٥، ٨٦)، الهمع للسيوطي (١/ ٥٧٩)، شرح التصريح (١/ ٤٠٠، ٤٠١).
[ ٣ / ٤٦ ]
ليُبْكَ يزيدُ ضارعٌ لخُصومةٍ . . . . . . . . . . (١)
قالوا: ويُستثنى من ذلك: "يُوعَظ في الدار زيد".
ثم أصل المسألة، قال الجَرمي وابن جني: ينقاس. وتُوبِعا. وقيل: سماعية. ومن مثلها: "أكل الطعام زيد"، و"شرب الماء عمرو"، و"أوقدت النار بكر" (٢).
قوله: "فقال: لا": أي: "فقال النبيُّ -ﷺ-: لا"، أي: "لا تفعلوا". [و"لا"] (٣) حرف جواب، تقدّم الكلام عليها في الأوّل من "كتاب الحيض".
قوله: "هو حَرامٌ": أي: "الذي ذكرتموه من الطلي، والاستصباح، وغير ذلك، حرام"؛ فالضّمير يعود على معلوم عندهم. والمراد: الجنس.
قوله: "ثم قال رسول اللَّه -ﷺ- عند ذلك": "عند" هنا ظرف زمان، وتكون للمكان، وهو الغالبُ عليها، وذلك بحَسب ما يُضاف [إليه] (٤)، وتقدّمت في الحديث الأوّل من "باب السواك".
قوله: "ذلك": إشارة إِلَى ذكرهم وقولهم. فـ "عند" على هذا ظرف زمان.
_________________
(١) صدر بيت من الطويل، نسب للحارث بن نهيك، وللحَارث بن ضرار النَّهْشَلِي، أو للحارث بن صرار، وللبيد بن ربيعة، ولنهشل بن حري، ولضرار بن نهشل، ولزرد بن ضرار، وللمهلهل. وعجزه: "ومختبطٌ مِمَّا تطِيحُ الطوائِحُ". انظر: الكتاب (١/ ٢٨٨، ٣٦٦)، الحماسة البصرية (١/ ٢٦٩)، شرح التسهيل (٢/ ١١٨، ١١٩)، مغني اللبيب (ص ٨٠٧)، شرح التصريح (١/ ٤٥١)، شرح المفصل (١/ ٢١٣، ٢١٤)، خزانة الأدب (١/ ٢٧٧، ٣٠٣)، الهمع (١/ ٥٧٩)، المعجم المفصل (٢/ ٧٥).
(٢) انظر: أوضح المسالك (٢/ ٨٦، ٨٧)، شرح التصريح (١/ ٤٠١، ٤٠٢)، الهمع (١/ ٥٨٠)، حاشية الصبان (٢/ ٧٠).
(٣) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "فلا".
(٤) كذا بالأصل. وفي (ب): "إليها". ويصح المثبت بإرادة اللفظ.
[ ٣ / ٤٧ ]
والعامل في "عند": "قال".
قوله: "قاتَل اللَّهُ اليهودَ": هذه الجملة معمولة للقول.
و"قاتل" جاء بمعنى "لعن". يقال: قاتلته قتالًا وقيتالًا. وجاء "فاعَل" لغير المفاعلة، نحو: "طارَقتُ النعلَ" و"عاقَبتُ اللصَّ" (١).
قوله: "إنَّ اللَّهَ لما حَرَّم شُحومَها": "إنّ" واسمها. و"لما" ظرف بمعنى "حين"، وقيل: حرفُ وجوب لوجوب، وقيل: وجود لوجود (٢). و"حرّم" في محلّ جرٍّ إن كانت "لما" ظرفًا، والجملة خبر "إنّ"، والأصل: "إنّ اللَّه حرّم"، فدخَلت "لما" لمعنى الظرفية، فصارت الجملة كلها خبرًا عن "إنّ".
و"جملوه" جوابُ "لما".
قوله: "ثم باعوه فأكلوا ثمنه": عطف بـ "ثم" ثم بـ "الفاء"، أمّا "ثم" فلِما في الكلام من المهلة، لأنّ البيع لا يُتصوّر فيه التعقيب، والأكل يُتصوّر فيه التعقيب، وأيضًا فيه تنبيه على اختيارهم المخالفة، وسُرعة مبادرتهم إِلَى ذريعة الأكل. ولذلك قال: "فأكلوا ثمنه"، ولم يقُل: "ثمنها"، فالضّمير يعود على "المحَرّم".
وإنما قال: "فأكلوا "، ولم يقُل: "أخذوا ثمنه" ولا "تملكوا ثمنه"؛ [تنبيهًا] (٣) على خَسَاسة قَدْرِهم وسُوء نَظَرهم.
_________________
(١) انظر: النهاية لابن الأثير (٤/ ١٢، ١٣)، الصحاح (٥/ ١٧٩٨).
(٢) انظر: الجنى الداني (ص ٥٩٤)، مغني اللبيب (ص ٣٦٩)، الهمع (٢/ ٢٢٢)، الأصول في النحو (٢/ ١٥٧)، شرح التصريح (١/ ٧٠٠)، الكليات للكفوي (ص ٧٩٠)، والصبان (٢/ ٣٩١).
(٣) بالنسخ: "تنبيه".
[ ٣ / ٤٨ ]
الحديث السّادس:
[٢٦٨]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلاثَ. فَقَالَ: "مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" (١).
قوله: "قَدِمَ رسولُ اللَّه -ﷺ-": جملة في محلّ معمولِ القولِ.
قوله: "وهم يُسلِفون في الثمار": الجملة في محل الحال من محذوف، أي: "قدم على أهل المدينة وهم يُسلفون".
و"السَّلَمُ" و"السَّلَفُ" واحدٌ، وسُمِّيَ سَلَمًا لتسليمه رأسَ المال بغير عِوَض حاضر. ومنه سُمِّي: سَلَفًا. و"السَّلَف": ما تقَدّم. ومنه سُمِّيَ "سَلَف الرجُل" للمُتقدِّم من آبائه (٢).
قال عياض: كَره ابنُ عُمر أنْ يُسَمَّى "السّلفُ" سَلمًا، يقول: "السّلَمُ إِلَى اللَّهِ" (٣)، ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [النحل: ٨٧]. كأنّه [ضَنّ] (٤) بالاسم أن يُمتهن في غير طاعة (٥).
وصاحبُ الحال: "أهل" المقدَّر. والعاملُ في الحال: الفعل الذي عمل في صاحب الحال، وهو "قَدِم" وقيل: معنى الجر. ويَحتمِل أن يكون الحال من "النبي -ﷺ-"، أي:
_________________
(١) رواه البخاري (٢٢٣٩)، ومسلم (١٦٠٤) في المساقاة.
(٢) انظر: مشارق الأنوار (٢/ ٢١٩)، رياض الأفهام (٤/ ٣٣٦).
(٣) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (١١١٤٢)، والبغوي في "مسند ابن الجعد" (١٤٩٠)، موقوفًا على ابن عمر. ولفظه: "كَانَ يَكْرَهُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ: أَسْلَمَ كَذَا وَكَذَا، وَيَقُولُ: إِنَّمَا الْإِسْلَامُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ".
(٤) بالنسخ: "ضمن". والمثبت من "إكمال المعلم".
(٥) انظر: إكمال المعلم (٥/ ٣٠٥)، رياض الأفهام (٤/ ٣٣٦).
[ ٣ / ٤٩ ]
"قدم وهم يُسلفون"؛ ويكون حالًا مقدَّرة.
قوله: "السنةَ، والسنتين، والثلاثَ": ظروف زمان، أي: "إِلَى منتهى السنة، والسنتين، ومنتهى ثلاث سنين". و"ثلاث" عَدَد الظروف، وعَدَد الظرف ظرف، والعاملُ فيها: "يُسلفون".
قوله: "فقال": أي: "النبي -ﷺ- "، معطوفٌ على "قَدِم".
قوله: "مَن أَسْلَف": مبتدأ، والخبر في الفِعْل. و"في شيء" يتعلَّق بـ "أسلف". وتقَدّم الكلام على "شيء" في الثاني من "باب المرور". وجوابُ الشرط: "فليسلف". وتقدّم الكَلام على "مَن" الشّرطية، ومحلّ خبرها في الرّابع من أوّل الكتاب.
قوله: "في كَيْلٍ": أي: "في مكيل"؛ فـ "الكيل" مصدر بمعنى "مفعول"، أي: "مكيول" و"مَعْلوم" لهما.
ويَحتمل أن تكون "الواو" (١) بمعنى "أو"، أي: "في كيل معلوم، أو وزن معلوم"، كقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، أي: "مثنى، أو ثلاث، أو رباع" (٢).
ويحتمل أن تكون "الواو" بمعنى "الباء" أي: "فليسلف في كيل معلوم بوزن معلوم". وقد جاءت "الواو" بمعنى "الباء" كثيرًا، من ذلك قولهم: "أنت أعْلَم ومالك"، أي: "بمالك". وكقولهم: "بعتُ شاة ودرهمًا"، أي: "بدرهم"، وإنما نصب "درهمًا" لأجل العطف، وكذلك لو قلت: "بعتُ الشاة شاة ودرهم" بالرفع؛ لأجْل العطف (٣).
_________________
(١) في قوله: "ووزن معلوم".
(٢) انظر: البحر المحيط (٣/ ٥٠٥)، إرشاد الساري (٣/ ١٠٠)، (٨/ ٢٧)، شواهد التوضيح (ص ١٧٥)، عقود الزبرجد للسيوطي (٢/ ١٠)، شرح التسهيل لابن مالك (١/ ٣١٧)، مغني اللبيب (ص ٨٥٧).
(٣) انظر: البحر المحيط (٥/ ٤٩٨)، اللباب لابن عادل (١٠/ ١٩١)، مغني اللبيب (ص =
[ ٣ / ٥٠ ]
وعلى هذا: تكون الإشارة إلى وزن المسْلِم للمسْلَم له.
ويَحتمِل أن يكون الوزن المعلوم هو المسْلَم فيه، فلا يصح تقدير "الباء".
قوله: "إِلَى أَجَلٍ معلوم": يتعلّق بـ "يُسلف"، وهو الظاهر.
وَلَا يصح أن يتعلق بـ "معلوم" الأول؛ لأنه يفيد العلم بالكيل إلى أَجَل، والعلم به بزمن الأَجَل.
ولا يتعلّق بـ "كيل"؛ لأنّ الكيل لا يستمر إِلَى أَجَل معلوم. ولا يتعلّق بحالٍ من ضمير الأوّل؛ لأنه يُفيد الكيل والعلم به بزمن الأَجَل.
ولا يتعلّق بـ "معلوم" الثاني؛ لأنّ الوزن لا يلزم أن يكون معلومًا إلى أَجَل. فإن جَعلْتَ الوزن المذكور من جهة المسلَّم له، أي "في موزون معلوم إلى أَجَل" صحّ أن يتعلّق "إلى أجل" بـ "معلوم" الثّاني، أو بحال من ضميره.
* * *
_________________
(١) = ٤٦٩، ٨٢٤، ٨٢٥)، شرح التسهيل (٢/ ٣٢٤)، الهمع (٢/ ٢٤٣).
[ ٣ / ٥١ ]
باب الشروط في البيع
الحديث الأوّل:
[٢٦٩]: عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ، فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلٍّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي. فَقُلْتُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ، وَيكون وَلاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ، فَأَبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَالِسٌ. فَقَالَتْ: إنِّي عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيهم، فَأَبَوْا إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْوَلاءُ. فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: "خُذِيهَا وَاشْرطِي لَهُمُ الْوَلاءَ، فَإِنَّما الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ. ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ ! كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّما الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" (١).
قوله: "جاءتني بريرة": الجملة معمُولة للقول.
وجملة: "فقالت" معطُوفة على "جاءت".
و"بريرة" اسم منقول، على وزْن "فعيلة"، فيحتمل أن تكُون "فعيلة" بمعنى "فاعلة"، أو بمعنى "مفعُولة"، وامتنع للعَلَمية والتأنيث.
وإنما قُلت: منقُولًا؛ لأنّ "بريرة" واحدة "البرير"، و"البرير": "ثمر الأراك" (٢)، فليس من الصّفة في شيءٍ، ولذلك لم يُغيِّره النبي -ﷺ- كما غيَّر "برة" بـ "زينب" (٣). (٤)
_________________
(١) رواه البخاري (٢١٦٨) في البيوع، ومسلم (١٥٠٤) (٨) في العتق.
(٢) انظر: الصحاح (ب ر ر).
(٣) صحيحٌ: مسلم (٢١٤١/ ١٧)، من حديث أَبِي هريرة.
(٤) انظر: فتح الباري (٥/ ١٨٨)، رياض الأفهام (٤/ ٣٤٤)، الإعلام لابن الملقن (٧/ ٢٢٥)، الصحاح (٢/ ٥٨٨).
[ ٣ / ٥٢ ]
وجملة "كاتبت" معمولة للقول.
وتقدّم الكلام على "أهل" في الحديث الخامس من "كتاب الصيام".
و"على تسع" يتعلّق بـ "كاتبت" أي: "على أداء تسع". "أواق" مُضافٌ إليه، وهو تمييز العَدد؛ ولتأنيثه سَقَطت العَلامَة.
قوله: "في كُلّ عَام": "العَام" اسم للسنة. سُميَ عامًا لأنّ الشّمس والقمر، والليل والنهار تعوم فيها في الفلك، قال تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]. وهو مصدر "عام، يعوم" "عومًا" و"عامًا". وسُمِّي حَوْلًا؛ لأنّ الأشياء تحول فيه (١).
والمجرور يحتمل أن يتعلّق بصفة لـ "أواق"، وتكون "أوقية" فاعل بالمجرور؛ لأنه اعتمد على الصفة، وهو اختيار سيبويه.
وقد تقدّم أنّ الظروف والمجرورات إِذَا اعتمدت -بأن تكُون صفة لموصُوف، أو خبرًا لذي خبر، أو حالًا لذي حال، أو صلة لموصول- عمِلَتْ عَمَلَ الفعلِ (٢).
ويحتمل أن تكون "أوقية" مبتدأ، والخبر في المجرور، وبه يتعلّق حَرْف الجر، والجملة صِفَة و"أواق"، وَلَا بُد من عائد؛ فيقَدّر: "في كلّ عام أوقية منها".
وانظر هل [الوصف] (٣) لـ "تسع" المميّز، أو لـ "أواق" المميّز؟ وهل من فرق
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٢/ ٦٢٢، ٦٢٣)، رياض الأفهام (٤/ ٣٢٥)، إرشاد الساري (٥/ ٢٥٥)، الإعلام لابن الملقن (٧/ ١٧٥ وما بعدها)، الصّحاح (٥/ ١٩٩٣، ١٩٩٤)، التعاريف (ص ٢٣٣)، لسان العرب (٢/ ٤٧١)، القاموس المحيط (ص ١١٤١)، تاج العروس (٣٣/ ١٥٥، ١٥٧).
(٢) انظر: الكتاب لسيبويه (١/ ١٢٧ وما بعدها)، الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ٤٤ وما بعدها)، موصل الطلاب (ص ٨٢)، الكليات للكفوي (ص ٥٩٠).
(٣) طمس بالأصل. وفي (ب): "الصفة".
[ ٣ / ٥٣ ]
بينهما؟
الذي يظهر هنا: أنّ الوصف لـ "أواق"، لا لـ "تسع"؛ لأنّ وصف التمييز يَسري على المميز، ووصف العَدد المميز لا يَسري إلى تمييزه.
ويدُلّك على ذلك أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ [يوسف: ٤٣]: [إنّ] (١) "سمان" صفة لـ "بقرات" (٢).
قال أبو حيّان: فالعَدد مميز بنوع من الجنس، ولو نصب "سمانًا" لكان صفة لـ "سبع"، فيكون التمييز بالجنس لا بالنوع، ويلزم من وصف "البقرات" بالسمان وصف "السبع" به، ولَا يلزم من وصف "السبع" به وصف "البقرات" به (٣).
وفرق بين: "ثلاثةُ رجالٍ كِرَامٍ" بجر "كِرَام"، وبينه برفعها، فعلى الأوّل المعنى: "ثلاثةٌ من الرجالِ الكرامِ"؛ فيلزم وصف "الرجَال" بالكَرَم، وعلى الثاني: "ثلاثة كرامٍ من الرجَال"، فلا يلزم وصف "الرجَال" بالكَرَم (٤).
وذكْر "الأوقية" مع "الأواق" تقدّم في الحديث الثّاني من "الزكاة".
قالوا: و"الوقية" لُغة ليست بالعالية، والأفصح: "أوقية" (٥)، وسيأتي.
قوله: "فأعينيني": معطوفٌ على "كاتبت". وهو فعل أمر، وفاعل، ومفعول، ونون الوقاية، الفاعل "الياء" بين النونين، و"الياء" الأخيرة المفعول.
قوله: "فقلتُ: إنْ أحبَّ أهلُكِ": "إِنْ" حرف شرط، و"أَنْ" مصدَرية مُقدّرة مع ما بعدها بمفعول لـ "أحب"، أي: "إن أحب أهلك عدّها لهم"، بمعنى:
_________________
(١) بالنسخ: "أي". وقد تصح إذا كان ما بالجملة قبلها: "أنهم قالوه".
(٢) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٨٠).
(٣) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٨٠).
(٤) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٨٠).
(٥) انظر: رياض الأفهام (٤/ ٣٤٦)، إحكام الأحكام (١/ ٣٧٧)، إرشاد الساري (٤/ ٣٦)، النهاية لابن الأثير (١/ ٨٠)، (٥/ ٢١٧)، لسان العرب (١٥/ ٤٠٤).
[ ٣ / ٥٤ ]
"أعجّلها لهم".
قوله: "ويكون ولاؤك لي": معطوفٌ على "أعدّها"، فتكون "النون" منصوبة بالعَطف على "أعدّ". ويجوز الرّفع على القطع، وهو أقوَى في المعنى هنا؛ لأنّ العطف يُدخل "الكَوْن" في المحبة، وليس هو المراد، إنّما المراد: "إن أحبوا العدّ كان الولاء لي"، فهو مقطوع.
قوله: "فَعَلْت": جَوابُ الشّرط.
قوله: "فذهبت بريرة إِلَى أهْلِها": معطوفٌ على "فقلت". ولو قالت: "فذَهَبَت إِلَى أهلها" صَحّ؛ لأنّ المضمَر أوْلى من المظْهر، إلَّا لتعذّر المضْمر؛ لكن الموضع موضع بسْط عِلم، وتبيين حُكم؛ فالمظهر به أنْسَب.
قوله: "فقالت": معطوفٌ على "ذهبت"، و"لهم" يتعلّق بـ "قالت"، و"اللام" لام التبليغ. ومعمولُ القول محذوفٌ، أي: "فقالت لهم الذي قالت عائشة".
قوله: "فأبوا": معطوفٌ على "قالت"، و"عليها" متعلّق بـ "أبوا".
و"أبى" يتعدّى بنفسه، تقول: "أبى زيدٌ الطعامَ"، قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ [الكهف: ٧٧].
فلَمَّا كان في "أبى" معنى النفي ساغ تعدّيها بـ "على"، لأنّ معنى الكلام: "فامتنعوا من ذلك كله إلّا الولاء عليها".
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢] إنّ "أبى" فيها معنى "الجحْد"؛ فلذلك جاء الاستثناء مُفرغًا (١).
قوله: "فجاءت من عندهم": أي: "فجاءت بريرة من عندهم"، معطوفٌ على ماقبله، و"من عندهم" يتعلّق بـ "جاءت".
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٤٩)، (٥/ ٤٠٩).
[ ٣ / ٥٥ ]
"ورسول اللَّه -ﷺ- جالس": الجملة [في] (١) محلّ الحال من ضَمير "جاءت"، و"الواو" واو الحال. وتقدّم الكلام على الجمَل الواقعة حالًا في الثالث من "المذي".
و"عند" تقدّم الكلام عليها في الحديث الأوّل من "السّواك". ويجوز في عينها الضم والفتح والكسر، وهو الأكثر، ولا تنجَر إلّا بـ "من"، كما جاءت هنا (٢).
قوله: "فقالت: إني عرضتُ ذلك": كُسرت "إنّ" بعد القول، و"عَرضت" في محلّ خبر "إن"، و"ذلك" مفعول "عرضت"، و"عليهم" يتعلّق بـ "عرضت"، و"أبوا" معطوفٌ على "عرضت"، والإشارة إلى ما ذَكَرت لها عائشة.
قوله: "إلّا أن يكُون لهم الولاء": تقدّم أنّ "أبى" فيها معنى "الجحْد"؛ ولذلك حَسُن بعدها "إلّا"، أي: "فامتنعوا إلّا بشرط الولاء".
ثم يحتمل أن يكون "إلّا" في محلّ نصب، أي: "فأبوا البيع إلا بأن يكون لهم الولاء"، و"الباء" باء الثّمَن، ثم حُذفت؛ فانتصب المحلّ.
قوله: "فأخبرت عائشةُ النبي -ﷺ- ": "أخبر" من الأفعال المتعدّية إلى مفعولين، الثاني بحرْف الجر، أي: "أخبرت عائشة النبي -ﷺ- عن أهلها". وهذا يدلّ على أنَّه لم يسمع ما أتت به بريرة عن أهلها حَتَّى أخبرته عائشة -﵂-.
قوله: "فقال": معطوفٌ على "أخبرت". وتقدّم الكَلامُ على "أخبر" و"خبَّر" في الخامس من "فضل الجماعة".
قوله: "فقال: خُذيها": أي: "قال النبي -ﷺ-: خذيها". فـ "خذيها" فعل أمر، وفاعل، ومفعول، الفاعل "الياء"، والمفعول "الهاء". والجملة محكيّة بالقول. وتقدّم الكلام على "أخذ" في الحديث السّادس من "باب الاستطابة". والتقدير: "خذيها
_________________
(١) بالنسخ: "من". ولعل الصواب المثبت.
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص ٢٠٦)، وشرح التسهيل (٢/ ٢٣٥).
[ ٣ / ٥٦ ]
بالثمن الذي ذكرتيه لهم".
"واشترطي لهم الوَلَاء": قيل: "لهم" بمعنى "عليهم"، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]، قيل: المراد: "فعليها" (١).
وقيل: المراد: "واشترطي لأجلهم الولاء"، أي: "لأجل معاندتهم ومخالفتهم للحقّ؛ حتى يعلم غيرُهم أنّ هذا الشرط لا ينفع" (٢).
قوله: "فإنّما الوَلاء لمن أعْتَق": "إنّما" هنا لحصر بعض الصفات في الموصوف، لا للحَصر التام؛ لأنّ الوَلاء يكون لمن أعتق، ولمن جَرّه إليه مَن أعتق (٣). وقد تقَدّم في أوّل حَدِيث من الكتاب الكلام على "إنّما" وعلى أدوات الحصر.
قوله: "ففعلت عائشة": أي: "اشترتها منهم".
قوله: "ثم قام رسول اللَّه -ﷺ- ": هنا حالٌ محذوفة، أي: "قام خطيبًا".
قوله: "في الناس" أي: "في مكان مجتمعهم"؛ فتكون "في" حقيقة في الظرفية. أو: "في جماعتهم"؛ فتكون مجازًا، كما جاءت في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] (٤). وقد تكون ظرفية زمانية.
وقد اجتمع ذلك فيها في قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤] (٥).
_________________
(١) انظر: البحر الحيط (٧/ ١٥، ٤٤٢)، اللباب لابن عادل (٣/ ٣٨٦)، إحكام الأحكام (٢/ ١٣٦)، رياض الأفهام (٤/ ٣٥٠).
(٢) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٢٣٣)، مغني اللبيب (ص ٢٨٠).
(٣) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٢٣٣).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٧)، الجنى الداني (ص ٢٥٠)، مغني اللبيب (٢٢٣، ٢٢٤، ٩٠٢)، شرح الأشموني (٢/ ٨٤)، الهمع (٢/ ٤٤٥).
(٥) انظر: شرح الكافية الشافية لابن مالك (٢/ ٨٠٤)، مغني اللبيب لابن هشام =
[ ٣ / ٥٧ ]
ولك أن تعلّق "في الناس" بالحال المقَدّرة، أي: "قام خطيبًا في الناس".
قوله: "فحمد اللَّه وأثنى عليه": أي: "قال: الحمد للَّه". وفي الحديث: "يقول العبد: الحمد للَّه رب العالمين؛ يقول اللَّه: حمدني عبدي. يقول العبد: الرحمن الرحيم؛ يقول اللَّه: أثنى عليَّ عبدي" (١). فهذا يفسّر معنى الحمدلة ومعنى الثناء.
وعطف "الثناء" على "الحمد" بـ "الواو"؛ لأنهما [لمعنًى] (٢)، وَلَا يكادان يفترقان، وعطف ما أتى به بعد "الحمْد" و"الثناء" بـ "ثُم" المرتّبة، فالمعنى: أنّه لم يَفْصِل بغير ذلك.
قوله: "أمّا بعد": اعلم أنّ "أما بعد" تُستعْمَل كثيرًا في الخطَب والرسائل لفصل كلام من كلام. وقيل: إنها فصل الخطاب المذكور في كتاب اللَّه، وأنّ أوّل من تكلّم بها داود -﵇-. وقيل: أوّل مَن تكلّم بها نبينا -ﷺ-. وقيل: قُسُّ بن ساعدة. وقيل غير ذلك (٣).
والعامل فيها مُشكِل، فقيل في مثل "أمّا بعد: فإنّ زيدًا قائم": العاملُ "قائم"، وإن كان في صلة "أن"؛ لأنّ الظروف يُتسَاهَل فيها، ولذلك لا يَجوز: "أمّا زيدًا فإني ضارب"؛ لأنّه ليس بظرف (٤).
والذي يظهر لي: أنْ يُقَدّر فعْل يدلّ عليه معنى الكَلام، أي: "أمّا بعد كلامي
_________________
(١) = (ص/٢٢٣)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ٤٤٥).
(٢) صحيح: مسلم (٣٩٥/ ٣٨)، من حديث أبي هريرة.
(٣) غير واضحة بالأصل، ولعلها: "بمعنى". والمثبت من (ب).
(٤) انظر: فتح الباري (٢/ ٤٠٤)، شرح النووي على مسلم (٦/ ١٥٦)، إرشاد السّاري (١/ ٧٩)، (٢/ ١٨٢، ١٨٣)، (٨/ ٣١٤)، المنتقى شرح الموطأ (٨/ ٣٠٧)، مرعاة المفاتيح (١/ ٥)، الإعلام لابن الملقن (١/ ١١٥)، تاج العروس (٧/ ٤٣٨).
(٥) انظر: مغني اللبيب لابن هشام (ص ٨٣، ٩١١)، شرح المفصل (٥/ ١٢٥)، الهمع للسيوطي (٢/ ٥٨٠، ٥٨١).
[ ٣ / ٥٨ ]
فاسمَعوا أنّ الأمر كذا" (١).
وأمّا هنا فإنّه وقَع بعدها "ما" الاستفهامية، فقيل: العامِلُ ما في "أمّا" من معنى الشّرط؛ لأنّ الظروف يُتسع فيها.
قلتُ: وفي عمل معاني الحروف -من استفهام، ونفي، وشرط، وتمنٍّ- في الظروف والأحْوَال خِلاف.
وأمّا في حَديثنا هذا: فقد وَقَع استفهام يمنَع من عَمَل ما بعده فيما قبله، فلا يصحّ أن يعمل "يشترطون" لذلك، ولأنّه صفة لـ "رجَال"، و"رجَال" مُضَاف إِلَى خبر "ما" الاستفهامية، والخبر هو المبتدأ في المعنى، فتحرّر من ذلك تأكيد المنع من عَمل "يشترطون"، وتقَوّى أنْ يكُون العاملُ في "أمّا" ما في "أمّا" من معنى الشّرط، أو يُقدّر له فِعل.
قال ابن الأثير: "أمّا بعد" تقديرُ الكَلام فيها: "أمّا بعد حَمَد اللَّه فكذا وكذا". و"بعد" من ظروف المكَان التي تلزمها الإضَافة (٢).
قلتُ: قد تقدّم الكَلام على "قبل" و"بعد" في الحديث الرابع من "تسوية الصفوف".
قال في كتاب "صناعة (٣) الكتاب": أجَاز هشام "أمّا بعد"، بفتح "الدال".
_________________
(١) راجع: إرشاد الساري (١/ ١٥٢).
(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٤٠).
(٣) كذا بالنسخ، والنقل موجود بكتاب "عمدة الكتاب" لأبي جعفر النحاس (ت: ٣٣٨ هـ). وقد عزا مَن ترجم له كتاب "صناعة الكتاب" و"أدب الكتاب"، ولم أر عندهم ذكر "عمدة الكتاب". ونقل النووي في كتاب الأذكار (ص ١٦، ٥٧٥) عن "صناعة الكتاب"، وصرح المحقّق أنه هو "عمدة الكتاب". ولعل بعض نُسخه عُنونت بهذا الاسم. واللَّه أعلم. وراجع: مُعجم الأدباء لياقوت (١/ ٤٦٩)، الوافي بالوفيات (١٣/ ٢١١)، الدليل إلى المتون العلية (ص ٦٦٢).
[ ٣ / ٥٩ ]
قال: ويُقَال: "أمّا بعد، أطال اللَّه بقاءك، فإني"، فتدخُل "الفاء" على "إنّ"، وهذا اختيارُ النحويين. ويجوز: "أمّا بعد، فأطال اللَّه تعالى. . . "؛ فتدخُل "الفاء" على "أطال"، وهي الجملة المعترضة. ويجوز: "أمّا بعد، فأطال اللَّه تعالى. . . فإني"؛ فتدخُل "الفاء" فيهما جميعًا (١).
قوله: "ما بال رجَال": "ما" مبتدأ، و"بال" خبره، و"رجال" مضاف إليه.
و"البال": "القلب". يُقال: "ما خطر فلان ببالي"، أي: "بقلبي". و"البال": "رخَاء النفس"، يُقال: "فلانٌ رَخيُّ البالُ". و"البال": "الحال"، يقال: "ما بالك؟ ". ويُقال: "ليس هذا من بالي"، أي: "مما أباليه". صح من "الصّحاح" (٢).
قوله: "يشترطون شروطًا" في محلّ صفة لـ "رجال".
و"شروطًا": جمع "شرط"، والمراد: "المشروطات". والمصدر يقع بمعنى اسم الفاعل، وبمعنى اسم المفعول، كـ "ضَرْبِ الأمير"، بمعنى "مضروبه" (٣).
فالمراد هنا: "ما بال رجال يشترطون أمورًا".
ويجوز أن يكون "يشترطون" مُتضمّنًا معنى "يذكُرون" أي: "يذكُرون شروطًا ليست في كتاب اللَّه".
و"الشرط" يُجمع على "شروط"، وعلى "شرائط" (٤).
قوله: "ليست في كتابِ اللَّهِ": جملةٌ في محلّ الصفة لـ "شروط". و"ليس" تقدّم الكلام عليها في الحديث الأوّل من "الحيض"، واسمها هنا مستتر يعود على
_________________
(١) انظر: عُمدة الكتاب (ص ٢٤٢، ٢٤٣).
(٢) انظر: الصحاح (٤/ ١٦٤٢).
(٣) انظر: الكتاب (٤/ ٤٣)، شرح المفصل (١/ ٦٣)، (٤/ ٤٩).
(٤) انظر: الصحاح (٣/ ١١٣٦).
[ ٣ / ٦٠ ]
"الشروط".
و"في كتاب اللَّه" يتعلّق بالخبر، أي: "ليست موجُودة في كتاب اللَّه".
قوله: "كلُّ شرطٍ": "كلُّ" مبتدأ متضمن معنى المجازاة، ولذلك دخَلت "الفاء" في الخبر؛ لأنه لا يجوز دخول "الفاء" في الخبر عند البصريين إلَّا إذا تضمّن المبتدأُ معنى الشرط، وذلك في موضعين: في الاسم الموصول بفِعل، أو ظرْف، والنكرة الموصوفة بهما، نحو: "الذي يأتيني فله درهم"، أو "الذي يأتيني في الدار فله درهم". وكذلك: "كُل رجل يأتيني فله درهم"، أو: "كُلّ رجُل في الدار، أو عندك، فله درهم" (١).
فـ "كُلُّ" هُنا لتضمّنها معنى الشّرط دخَلت "الفاء" في خبرها، وهو قوله: "فهو باطلٌ"، وقد تمَّ شرْطها بالصّفة في قوله: "ليس في كتاب اللَّه". وقد تقَدّم حُكم "كُلّ" إِذَا أضيفَت إلى نكِرَة في الحديث الأوّل من الكتاب.
قوله: "وإنْ كَان مائةَ شرطٍ": يحتمل أنْ يكُون معنى ذلك: "وإن أكَّد شرطه بتكراره مائة مرة"؛ فالتأكيد لا يُؤثر تحليلًا؛ لأنّه ليس في كتاب اللَّه.
والمراد: "أنّه ليس في كتاب اللَّه، ولا في سُنة رسُوله"؛ لأنّ "السّنة" في "كتاب اللَّه"؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقد نهى رسُول اللَّه -ﷺ- عن هذا الشّرط.
ويحتمل أن يكُون المراد: "وإن كان مائة شَرط قد اشتهرت بين الناس وشاعَت حتى صارَت بينهم عَادَة، كما كان الولاء واشتهاره، فهي كُلها باطلة".
وتحديده ذلك بـ "مائة شرط" لا مفهُوم له؛ لأنّ العَدَد لا مفهوم له (٢).
_________________
(١) انظر: شرح المفصل (٢/ ٢٤٢)، (٤/ ٢٨، ٥١٧)، شرح الكافية الشافية (٣/ ٣٧٣)، مغني اللبيب (ص ٢٦٨، ٥٨٣)، الهمع (١/ ٤٠٣، ٤٠٥، ٤٠٧).
(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر (١/ ٥٣٧)، إرشاد الساري للقسطلاني (١/ ٤٤٦)، (٤/ ٧٠، ٣٣٢، ٤٥٥).
[ ٣ / ٦١ ]
قوله: "قضاءُ اللَّه": هو ممدودٌ، أي: "ما قضى به وشرعه" "أحقُّ" يعني: "بأن يُتَّبع من قضائهم وشرطهم"، فهو مبتدأٌ وخبرٌ، والخبر أفعل التفضيل، وقد تقدّم الكلام عليه في الأوّل من "الصّلاة".
وكذلك: "وشرطُ اللَّه أوثق": أي: "لمن [يُوثّق] (١) به وتمسّك"، لأنّ ما ليس في كتاب اللَّه لا تمسّك به، ولا ثبوت له.
قوله: "وإنّما الوَلاء لمن أعْتَق": "إنّما" تقدّم الكَلام عليها، و"الوَلاء" مبتدأ، والخبر في المجرور، و"مَن" بمعنى "الذي"، وصِلتُه: "أعتق"، وفيه ضَمير يعُود على "مَن"، والموصُول وصلته في محلّ جَر بـ "اللام".
الحديث الثّاني:
[٢٧٠]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ فَأَعْيَا، فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ. فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ -ﷺ- فَدَعَا لِي، وَضَرَبَهُ، فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ. قَالَ: "بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ". قُلْتُ: لا. ثُمَّ قَالَ: "بِعْنِيهِ"، فَبِعْتُهُ بِأُوقِيَّةٍ، وَاسْتَثْنَيْتُ حمْلانَهُ إِلَى أَهْلِي. فَلَمَّا بَلَغْتُ أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ، فَنَقَدَ لي ثَمَنَهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَأَرْسَلَ فِي إثْرِي، فَقَالَ: "أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لآخُذَ جَمَلَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ، فَهُوَ لَكَ" (٢).
قوله: "فأراد أن يسيبه": فاعِل "فأرَاد" ضمير "جابر"، وكذلك فاعل "يسيِّبه"، و"أنْ" وصِلتها في محلّ مفعول بـ "أرَاد"، أي: "أراد إرساله"، لا أنْ يجعله سائبًا.
قوله: "فلحقني": فيه خُروج من ضمير الغَيبة إلى ضمير المتكلّم، لأنّ التقدير: "روي عن جابر أنه كان يسير"، فالرّاوي يخبر عن "جابر" بضمائر الغيبة، ثم انتقل إلى ضمائر المتكلّم، وهذا أسلوبٌ في علم البيان يُسمّى: "الالتفات" (٣).
_________________
(١) كذا بالنسخ.
(٢) رواه البخاري (٢٧١٨) في الشروط، ومسلم (٧١٥) (١٠٩) في المساقاة.
(٣) الالتفاتُ: هو التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة التكلم والخطاب والغيبة، =
[ ٣ / ٦٢ ]
قوله: "فدَعَا لي": فَاعلُ "دَعَا" ضَمير "النبي -ﷺ-"، والجملة معطوفة على "لحقني".
قوله: "وضربه": معطوف على "دعا"، وروي: "فضربه بمحجن". فهو متعلق بـ "ضربه". و"الفاء" في قوله "فسار" بمعنى السببية (١)، أي: "بسبب ضربه". و"سيرًا" مصدر، العامل فيه: "سار"، والمصدر المطلَق لا يأتي إلّا للتأكيد أو للنوع أو للعدد (٢)، وهو هنا للنّوع؛ لأنه قال: "لم يسر مثله"، فبين النوع بالصفة، ويحتمل أنه أراد: "لم يسر مثله في ذلك السفر"، ويحتمل أنه "لم يسر مثله قبل ذلك السفر وبعده".
وجملة "لم يسر" في محلّ صفة لـ "سير"، و"مثله" نعت لمصدر محذوف، أي: "لم يسر سيرًا مثله" (٣).
قوله: "قال": أي: "قال النبي -ﷺ-": "بعنيه بوقية".
قال ابن الأثير: "وقية": لغة ليست بالعالية، والفصيح: "أُوقية"، بضم "الهمزة" وتشديد "الياء"، والجمع يشدد ويخفف، يقال: "أواقِيُّ" و"أواقِي" (٤).
و"بعنيه" تعدّى إلى مفعولين، المفعول الأول: "الياء" المتصلة بالفعل، والمفعول الثاني: "الهاء" في آخر الفعل، و"النون" نون الوقاية. وتعدّى لاثنين؛ لأنه في معنى: "أعطى"، وباب "أعطى" يتعدّى لاثنين (٥).
قوله: "قلتُ: لا": لأنه لما رأى جَودة سيره ببركة النبي -ﷺ- تمسّك به. ويحتمل
_________________
(١) = بعد التعبير عنه بطريق آخر منها. انظر: بغية الإيضاح (١/ ١٣٨)، علوم البلاغة (ص ١٤١)، جواهر البلاغة (ص ٢١٢).
(٢) انظر: الجنى الداني (ص ٦٤)، مغني اللبيب (ص ٢١٤)، الهمع (٣/ ١٩٢).
(٣) انظر: اللمحة (١/ ٣٤٩)، شرح الشذور للجوجري (٢/ ٤٢٥)، الهمع (٢/ ٩٦).
(٤) انظر: توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١١٦٦)، حاشية الصبان (٣/ ٣٠٢)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٢٦٥).
(٥) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٨٠، ٥/ ٢١٧)، لسان العرب (١٥/ ٤٠٤).
(٦) انظر: شرح الشذور لابن هشام (ص ٤٦٢)، همع الهوامع (٢/ ١٥).
[ ٣ / ٦٣ ]
أن يكون امتناع جابر لما فهم من مزح النبي -ﷺ- معه، وإلّا لو علم من النبي -ﷺ- غرضًا جازمًا ما قال له: "لا". وتقدّم أنّ "لا" حرف جواب، وأنها تكفي عن ذكر ما يأتي بعدها (١)، فالمعنى هنا: "لا أبيعه".
قوله: "ثم قال: بعنيه": أي: "قال النبي -ﷺ-". "بعنيه" جملة معمولة للقول. ولما كرّر النبي -ﷺ- الطلب خاف أن يكون ذلك لغرض فيه، فباعه منه، واستثنى حملانه. واستعمل في "أوقية" الثّانية اللغة الفصيحة.
قوله: "واستثنيتُ": معطوفٌ على "بعته". و"حملانه": مصدر: "حمل"، "حملًا" و"حملانًا"، كالغفران والشّكران.
قال ابن مالك: هذا الوزن كثير في جمع "فَعْل" كـ "ظهر" و"ظهران"، ويكثر في "فِعْل" بكسر أوله كـ "جِذْع" و"جذعان"، وفي "فَعيل" كـ "رغيف" و"رغفان".
قالوا: وفي "أفعل" نحو: "أسود" و"سودان"، و"فاعل" كـ "راكب" و"ركبان" (٢).
قوله: "إِلَى أهلي": يتعلّق بـ "حملان".
قوله: "فلما بلغت": تقدّم أنّ "لما" حرف وجوب لوجوب، وقيل: ظرف بمعنى "حين"، واختار ابن مالك أنها بمعنى "إذ" (٣).
قوله: "فأتيته": جوابُ "لما".
قوله: "فنقدني ثمنه": أي: "عجّل لي ثمنه".
قوله: "ثم رجعتُ إلى أهلي": يحتمل أن يكون المعنى "شرعت في الرجوع ولم ينته من الرجوع إلى أهله".
_________________
(١) انظر: الجنى الداني (ص ٢٩٦).
(٢) انظر: شرح الكافية الشافية (٤/ ١٨٥٩، ١٨٦٠).
(٣) انظر: تسهيل الفوائد (ص ٢٤١)، والجنى الداني (ص ٥٩٤).
[ ٣ / ٦٤ ]
"فأرسل": معطوفٌ على "رجعت"، و"في إِثْري" يتعلّق بـ "أرسل".
و"إِثْر" بسكون "الثاء" مع كسر "الهمزة"، وبفتح "الثاء" مع فتح "الهمزة" (١)، وتقدم في الحديث الحادي عشر من "فسخ الحج إلى العمرة".
قوله: "فقال": معطوف على "أرسل".
قوله: "أتُراني": هو بضم "التاء"، أي: "تظنني"، و"ماكستُك" في محلّ مفعولها الثاني، والمفعول الأوّل: "الياء"، والفاعل: ضمير "جابر"، وتقدّم الكلام على "أخذ" في السادس من "الإمامة".
قوله: "لآخذ": "اللام" لام "كي". و"آخذ" فعل مضارع منصوب بإضمار "أَنْ"، ولو ظهرت "أن" جاز، أي: "لأن آخذ". ويجب إظهارها مع "لا"، كقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩] (٢).
وضبطه بعضهم: "لأَخْذِ جملك" بسكون "الخاء" على المصدر، و"اللام" في الموضعين "لام" التعليل، ويتعلّق بـ "ماكستُك".
قوله: "ودراهمك": معطوفٌ على "جملك"، ويحتمل أن تكُون "الواو" واو "مع"؛ فيكون مفعولًا معه، أي: "مع دراهمك".
قوله: "فهو لك": يحتمل أن يكُون هذا إنشاء هبة من النبي -ﷺ- لجابر بعد ما مَلَكَهُ النبي -ﷺ-. ويحتمل أن يكُون المعنى: "فأنت مُستمر على تملُّكِكَ"، ويدلّ على هذا قوله: "أتراني ماكستك لآخذ جملك؟ "؛ معناه: "لآخذه بالمعاقدة التي وقعت".
قوله: "فهو لك": ولم يقل: "فهما لك"؛ لأنّ الدراهم أخذها وملكها ولم ينو إلَّا "الجمل".
_________________
(١) انظر: الصحاح (٢/ ٥٧٥)، ولسان العرب (٤/ ٥).
(٢) انظر: شرح المفصل لابن يعيش (٤/ ٢٤٢).
[ ٣ / ٦٥ ]
الحديث الثالث:
[٢٧١]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَتِهِ، وَلا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفِئَ مَا فِي صَحْفَتِهَا" (١).
تقدّم الكلام على هذا الحديث في أوّل حديث من "باب ما ينهى عنه من البيوع" إلا قوله: "ولَا تسأل المرأة طلاق أختها".
و"أن يبيع": في محلّ نصب أو جر بإسقاط الخافض على الخلاف بين سيبويه والخليل (٢)، وهنا محذوف تقديره: قال: "نهى عن أن يبيع".
وقال: "ولَا تناجشوا، ولَا يبع الرّجُل": "لا" ناهية، والأفعال بعدها مجزومة بها (٣).
والمراد بـ "البيع على البيع" و"الخِطبة على الخِطبة": عند حالة التراكن والتوافق، وكذلك عند التقارب.
قوله: "لتكفئ": تقدّم الكلام عليه في الحديث الثّامن من أوّل الكتاب.
و"الصحْفة" هنا: "إناء كالقصعة المبسوطة" ونحوها، وجمعها: "صحاف" (٤).
وهذا مثل يريد به الاستئثار عليها، فتكون كمَن استفرغ صَحْفَةَ غيره وقلب ما في إنائه إلى إناء نفسه، ومَثَّل هذا بعضهم بأن يخطب الرجُل المرأة، وله زوجة، فتقول: "لا أتزوجك حتى تطلق التي معك". وحمل بعضهم الصحفة كناية عن
_________________
(١) رواه البخاري (٢١٤٠) في البيوع، ومسلم (١٤١٣) (٥٢) في النكاح.
(٢) انظر: شرح الأشمونى (١/ ٤٨٦).
(٣) انظر: الجنى الداني (ص ٣٥٠)، ملحة الإعراب (ص ٨٠)، اللمحة (٢/ ٨٤٩).
(٤) انظر: الصحاح (٤/ ١٣٨٤).
[ ٣ / ٦٦ ]
"الوطء"، وأنها أرادت أن يكون الرجل كُله لها، لا يقسم معها. وفي هذا التفسير نظر.
قوله: "لتكفئ ما في صحفتها": "ما" موصولة بمعنى "الذي"، والصّلة في المجرور، و"ما" مع صلتها في محل نصب بـ "تكفئ" واللام في "لتكفئ" متعلق بـ "تسأل".
قال الشّيخ تقيّ الدّين: استعمل في هذا الحديث مجازات، جعل طلاق المرأة بعد عقد نكاحها بمثابة تفريغ الصّحفة بعد امتلائها.
وفيه معنى آخر، وهو الإشارة إِلَى الرزق؛ لما يوجبه النكاح من النفقة، فإنّ الصحفة وملئها من باب الأرزاق، وإكفاؤها قلبها (١).
* * *
_________________
(١) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ١٤١).
[ ٣ / ٦٧ ]
بابُ الرّبا والصّرف
الحديث الأوّل:
[٢٧٢]: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إِلَّا هَاء وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ" (١).
قال الشّيخ تقيّ الدّين: "هاء" موضوعة لِلتقابضِ، وهيَ ممدودَة مَفتوحَة.
وقد أَنشدَ بعْض أَهْلِ اللغَة في ذلِك:
لَمَّا رَأَتْ فِي قَامَتِي انْحِنَاءَ وَالْمَشْيَ بَعْدَ قَعَسٍ أَجْنَاءَ
أَجْلَتْ وَكَانَ حُبُّهَا إجْلَاءَ وَجَعَلَتْ نِصْفَ غَبُوقِي مَاءَ
تَمْزُجُ لِي مِنْ بُغْضِهَا السِّقَاءَ ثُمَّ تَقُولُ مِنْ بَعِيدٍ هَاءَ
دَحْرَجَةً إِنْ شِئْتَ أَوْ إلْقَاءَ ثُمَّ تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ دَاءَ
لَا يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ شِفَاءً (٢) (٣)
قلت: هذه الأبيات ذكرها ابن جني في كتابه "سر الصّناعة"، وسكَّن آخرها كُلّها، وذكر أنّه كذلك سمعها، وجعلها دليلًا على تسكين المهموز، فقال:
لما رأت في قامتي انحناءْ والمشي بعد قَعَسٍ [إحناءْ] (٤) (٥)
إلى آخرها. وذلك خِلاف ما ذكر الشّيخ.
_________________
(١) رواه البخاري (٢١٣٤) (٢١٧٠) في البيوع، ومسلم (١٥٨٦) في المساقاة.
(٢) الأبيات لبعض شيوخ بني حنظلة. انظر: سر صناعة الإعراب (٢/ ١٤٢)، والبرصان والعرجان والعميان والحولان (ص ٣٤٤).
(٣) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ١٤١).
(٤) كذا ذكره ابن جني، وسبق ما ذكره الشيخ تقي الدين.
(٥) انظر: سر صناعة الإعراب (٢/ ١٤٢).
[ ٣ / ٦٨ ]
قلتُ: يقال: "رجل أَجْنَأ": "بَيِّنُ الجَنَأِ"، أي: "أحدَب الظّهر" (١).
و"أَجْلَتْ": "تركتْ". "وكان حُبها إجلاء"، "الإجلاء": من "أَجْلى القوم عن المكان"، أي: "تركوه" (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾ [الحشر: ٣].
و"هآء": اسم فعل بمعنى: "خُذْ" و"اقْبِضْ". وقيل: معناه: "هاك: خذ"، كـ "هات" بمعنى: "أعط" (٣)، وهو مثل قوله: "يدًا بيد".
قال الخطّابي: أهل الحديث يروونه: "ها وها" ساكن "الألِف"، والصّواب مَدُّها وفتحها، لأنّ أصلها: "هاك"، أي: "خُذْ"، فحذف "الكاف"، وعوض منها المَدة. يقال للواحد: "هاءَ"، وللاثنين: "هاؤما"، وللجمع: "هاؤم" (٤).
قلت: ويقال للمرأة: "هاءِ"، بهمزة مكسورة من غير "ياء"، وللنساء: "هاؤنَّ" (٥).
قال أبو حيّان: وزعم القتبي أنّ "الهمزة" في "هَاءَ" بدَل من "الكاف"، وهو ضعيفٌ، إلا إن عنى أنها تحلّ محلّها في لُغة مَن قال: "هاكَ" و"هاكِ" و"هاكُما" و"هاكُم" و"هاكُن"، فيمكن، لا أنه بدَل صناعيٌّ؛ لأن "الكاف" لا تبدل من "الهمزة"، ولَا "الهمزة" منها (٦).
قوله: "ربا": "الربا" كُتب في القرآن بـ "الواو" و"الألف" بعدها، ويجوز أن يُكتب بالياء للكسرة، وبالألف. وتبدل "الباء" ميمًا، قالوا: "الرِّما"، كما أبدلوها في:
_________________
(١) انظر: الصحاح (١/ ٤١).
(٢) انظر: الصحاح (٦/ ٢٣٠٣، ٢٣٠٤).
(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٣٧).
(٤) انظر: إصلاح غلط المحدثين (ص ٤٥).
(٥) انظر: إصلاح غلط المحدثين (ص ٤٥) وفيه: يقال للمرأة: "هائِي"، بإثبات "الياء" بعد "الهمزة". وانظر: إصلاح المنطق (ص ٢٠٨)، الأصول في النحو (٢/ ١٣٢).
(٦) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٢٥٣).
[ ٣ / ٦٩ ]
"كَتَبَ"، فقالوا: "كَتَمَ". ويثنى: "رِبَوَان" بالواو عند البصريين؛ لأنّ ألفه منقلبة عنها. وقال الكوفيون: يثنى بالياء، وكتبوه بالياء (١).
والتقدير في الحديث: "بيع الذهب بالورق ربا إلا في حال المناجزة والمناولة"، فتكون "ها" في محلّ نصب بالاستثناء من الأحوال، أي: "نهى عنه في جميع أحواله إلا حالة المناجزة". ويحتمل أن يكون مستثنى من البيع، أي: "نهى عن بيع الذهب بالذهب إلا بيع المناجزة"، فهو متصل على التقديرين.
و"الذهب": مبتدأ بتقدير: "بيع الذهب"، و"ربا" خبره، وهو مقصور، إعرابه مقدّر في الأحوال الثلاثة (٢). وجاء في الرّواية الأخرى: "إلّا يَدًا بيَد"، وهو مثله مُقدّر بحال، أي: "إلا متقابضَين في حالة واحدة"، ويحتمل الاستثناء الانقطاع، أي: "لكن يدًا بيد".
الحديث الثّاني:
[٢٧٣]: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "لا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، [وَلا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ] (٣)، وَلا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ" (٤).
وَفِي لَفْظٍ: "إلَّا يَدًا بِيَدٍ" (٥).
وَفِي لَفْظٍ: "إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ". (٦)
قوله: "قال: لا تبيعوا" الجملة في محلّ خبر "أنَّ".
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٢/ ٧٠٣)، والكتاب لسيبويه (٣/ ٣٨٧).
(٢) انظر: علل النحو (ص ١٥١)، توضيح المقاصد (١/ ٣٢٦).
(٣) سقط من الأصل، والمثبت من متن العمدة والمصادر.
(٤) رواه البخاري (٢١٧٧) في البيوع، ومسلم (١٥٧٤) في المساقاة.
(٥) رواه مسلم (١٥٨٤) (٧٦) في المساقاة.
(٦) رواه مسلم (١٥٨٤) (٧٧) في المساقاة.
[ ٣ / ٧٠ ]
قوله: "بالذهب": "الباء" باء المقَابلة (١).
قوله: "إلَّا مثلا بمثل": منصوبٌ على الحال، فالاستثناء مفرَّغ له، أي: "إلّا متماثلًا". ويحتمل أنَّ "مِثْلا" خبر "كان" مُقدّرة، أي: "إلا أن يكون البيع مثلا بمثل"، أو يكون مفعولًا به، أي: "إلا أنْ تبيعوا مثلا بمثل".
قوله: "ولا تشفوا بعضها على بعض": "بعضها" مفعول بـ "تشفوا"، و"على بعض" يتعلق بـ "تشفوا". والضّمير في "بعضها" يعود على "أجناس الذهب".
و"الشّف": من الأضداد، يقع على الزّيادة والنقصان (٢).
و"تشفوا": من "أَشَفَّ" يقال: "شَفَّ يشِفُّ" بكسر "الشين" إذا "نقص"، و"أَشَفَّه غيرُه". وأمّا قولهم: "شَفَّه الهمُّ" (٣)، "يُشِفُّه"، "شَفًّا"، فالبضم في المضَارع، والفتح في المصدر (٤).
قوله: "ولَا تبيعوا منها": أي: "من جنسها"، أو "من المتماثلات"، "غائبًا".
و"من" يحتمل أن تتعلق بـ "تبيعوا" أو بحال من "غائبًا" على أنَّه صفة تقدّمت، و"غائبًا" نعت لمفعول محذوف، أي: "شيئًا غائبًا"، فهو لقيامه مقامه تعدَّى إليه الفعل، وأُعْرِب بإعرابه، فهو مفعول به (٥).
قوله: "بناجز": أي: "بشيء ناجز"، فهو صفة أيضًا، و"الباء" باء المقابلة.
قوله: "وفي لفظ": أي: "ورُوي في لفظ"، أو: "وجاء في لفظ"، ويختلف
_________________
(١) انظر: شرح الأشموني (٢/ ٨٩)، حاشية الصبان (٢/ ٣٣٠).
(٢) انظر: المزهر في علوم اللغة وأنواعها (١/ ٣٠٩).
(٣) انظر: شرح شافية ابن الحاجب للرضي الأستراباذي (٤/ ٢٠١).
(٤) انظر: اقتطاف الأزاهر والتقاط الجواهر (ص ١٤٥).
(٥) انظر مسألة حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه في: شرح المفصل لابن يعيش (٢/ ٢٥٠ وما بعدها)، والأصول في النحو (٣/ ٤٦٣).
[ ٣ / ٧١ ]
إعراب الجملة الواقعة بعد المجرور باختلاف متعلّقه، فإن كان "جاء" كانت الجملة فاعلًا على الحكاية، وإن كان "رُوي" كان في محلّ مفعول لم يسمّ فاعله، وقد تكرّر التنبيه على ذلك.
قوله: "إلّا يدًا بيد": هذا الاستثناء كما تقدّم [مُفرغ] (١)، أي: "إلا متقابضين"، فـ "يدًا" حال باعتبار معناه.
قوله: "إلّا وزنًا بوزن": وهو مثل "يدًا بيد"، والمعنى: "إلّا متوازنين"، فالإعراب كالإعراب. ويحتمل أن يكون مصدرًا في محلّ الحال، أي: "إلَّا موزونًا بموزون". ويحتمل أن يكون التقدير: "إلا أن يُوزن وزنًا"، فيكون مصدرًا مؤكِّدًا دالًا على الفعل المحذوف، كما قالوا: "فُلان شرب الإبل"، أي: " [يشرب] (٢) شرب الإبل" (٣).
الحديث الثّالث:
[٢٧٤]: عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ بِلالٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِتَمْرٍ بَرْنِيِّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: "مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ " قَالَ بِلالٌ: كَانَ عِنْدَنَا تَمَرٌ رَدِيءٌ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ؛ لِيَطْعَمَ النَّبِيُّ -ﷺ-. فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- عِنْدَ هذا: "أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا، عَيْنُ الرِّبَا، لا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعْ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ" (٤).
قوله: "جاء بلال": الجملة معمولة للقول، والقول في محلّ معمول متعلق حرف الجر. و"بتمر" متعلّق بـ "جاء". و"التمر": اسم جنس، واحدهُ: "تمرة" (٥).
_________________
(١) بالنسخ: "مفرغًا".
(٢) بالأصل: "اشرب". والمثبت من (ب) والمصدر.
(٣) انظر: المقتضب (٣/ ٢٣١)، إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص ١٦٤).
(٤) رواه البخاري (٢٣١٢) في الوكالة، ومسلم (١٥٩٤) في المساقاة.
(٥) انظر: شرح الكافية الشافية (١/ ٢٠٢).
[ ٣ / ٧٢ ]
ويحتمل أن يتعلّق بحال؛ فتكون "الباء" باء المصاحبة (١)، أي: "جاء بلال إِلى رسول اللَّه -ﷺ-، مصاحبًا تمرًا برنيًا"، أو: "معه تمر برني".
قوله: "من أين هذا": "أين" هنا سُؤال عن جهة ما أتى به، أو عن الكيفية، أي: "كيف تهيأ لك هذا؟ "، أو: "كيف عَامَلت في هذا؟ ".
و"البرني": معروف، وقد أبدَلوا من يائه جيمًا في الوقف، فقال الراجز:
المُطْعِمانِ اللحْمَ بِالعشِجِّ وبالغداة فلق الْبِرْنِجِّ (٢)
وكأنه منسوبٌ إلى "البرنية"، التي هي "الإناء"، في تصوّره على هيئتها.
و"هذا": مبتدأ، والخبر في المجرور، أي: "هذا كائنٌ من أي جهة؟ ".
وأسماء الاستفهام كُلّها مبنية، لا يظهر للعَامل عمل فيها (٣)، إلّا "أيّ"، فإنها تنجرُّ؛ لأنها حملت على نقيضها، وهو "كُلّ"، ونظيرها، وهو "بعض"؛ فأعربت، إلّا إذا كانت موصولة وحُذِف صَدرُ صِلتها (٤).
قوله: "قال بلال: كان عندنا تمر رديء": هو اسم "كان"، والخبر في الظرف. و"رديء" نعتٌ لـ "تمر".
قوله: "فبعتُ منه صاعين بصاع": تقدّم الكلام على "الصاع"، ويجمع على: "أصوع"، وإن شئت أبدلت من "الواو" همزة.
و"الصّواع" لُغة في "الصّاع" (٥).
_________________
(١) انظر: الصاحبي (ص ٦٨).
(٢) هي لغة "فقيم"، والبيت بلا نسبة. انظر: شرح الأشمونى (٤/ ٨٢)، شرح التصريح (٢/ ٦٩١)، المعجم المفصل (٩/ ٢٧٩)، قصة الأدب في الحجاز (ص ١٩١).
(٣) انظر: اللباب لأبي البقاء (٢/ ١٣٤) شرح الشذور للجوجري (١/ ٢٧٦).
(٤) انظر: اللباب لأبي البقاء (٢/ ١٣٤)، اللباب في قواعد اللغة (ص ٨٠).
(٥) انظر: جمهرة اللغة (٢/ ٨٨٨) مقاييس اللغة (٣/ ٣٢١).
[ ٣ / ٧٣ ]
قوله: "ليطعم النبي -ﷺ-": هو بفتح "الياء" و"العين". و"اللام" لام "كَيْ". و"يطعم" منصوب بإضمار "أنْ" بعدها (١)، ويتعلّق بـ "بعتُ".
[وفي] (٢) عدوله عن قوله: "ليطعم" بالخطاب إِلى الغَيبة [لقصد] (٣) الإجلال والتعظيم. والظّاهر أنّ قوله: "ﷺ" من قول "بلال" في ذلك الوقت، ويحتمل أن يكُون من قول الرّاوي.
ومن هذا: ما يستعمله الكُتّاب الآن من العُدول عن [الخطاب] (٤) إلى الغيبة، فيقولون: "أحسَن اللَّه إليه"، و"أطال اللَّه بقاءه"، وهم يريدون: "أحسن اللَّه إليك"، و"أطال بقاءك" (٥).
و"منه": يتعلّق بصفة لـ "صاعين"، تقدّمت؛ فانتصبت على الحال، أو يتعلّق بـ "بعت".
قوله: "فقال النبي -ﷺ- عند هذا": "عند" هنا ظرف زمان، أي: "عقيب زمن هذا القول"، ومنه قوله -ﷺ-: "الْصّبرُ عِنْدَ الْصَّدْمَة الأُوْلَى" (٦).
قوله: "أوَّهْ": اسم فعل معناه: "أتوجع"، ومحلّه عندهم نصب؛ لأنّ اسم الفعل أشبه المصدر النائب عن الفعل.
وقال بعضهم: موضعها رفع بالابتداء، وسد فاعلها مسد الخبر (٧).
_________________
(١) انظر: اللامات (٦٦)
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "في".
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) بالنسخ: "الخطابة".
(٥) انظر: المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، ت الحوفي (٢/ ١٣٥).
(٦) متفقٌ عليه: رواه البخاري (١٣٥٢)، ومسلم (١٤/ ٩٢٦).
(٧) انظر: توضيح المقاصد (٣/ ١١٥٩)، شرح التصريح (٢/ ٢٨١).
[ ٣ / ٧٤ ]
ولم يأت اسم [الفعل] (١) بمعنى المضارع إلا قليلًا، كـ "أُفٍّ" بمعنى: "أتضجر"، و"أوَّهْ" بمعنى: "أتوجع".
وقياسهما أن لا يُبنيا؛ لأنهما لم يقعا موقع المبنيِّ (٢). وقال بعضهم: وقعا موقع الماضي، أي: "كرهت" و"وجعت"، فلذلك بُنِيا.
وهي هنا مفعولة بالقول؛ لأنها عَين المقول.
وقال ابن الأثير: "أوْهِ" ساكنة "الواو" مكسورة "الهاء"، وربما قلبوا "الواو" ألفًا، فقالوا: "آه من كذا"، وربما شدّدوا "الواو" وكسروها وسكنوا "الهاء"، فقالوا: "أوِّهْ"، وربما حذفوا "الهاء"، فقالوا: "أوّ"، وبعضهم يفتح "الواو" مع التشديد و"الهاء"، فيقول: "أوَّه" (٣).
"عينُ الربا": أي: "هذا عين الربا"، فهو خبر مبتدأ محذوف.
قوله: "ولكن إذا أردت أن تشتري": "لكن" حرف استدراك، وقد تقدّم النفي على شرطها (٤)، وتقدّم الكلام عليها في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب.
ووقع بعد "لكن": "إذا" الشرطية، ولا يقع بعدها الشرط، حتى قالوا في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦]، التقدير: "ولكن منهم من شرح"، فتكون "مَن" موصولة.
وكذلك قال ابن عصفور في قول طُرفة بن العبد:
. . . . . . . . . . . . وَلَكِنْ مَتَى يَسْتَرْفِدُ الْقَوْمُ أَرْفِدِ (٥)
_________________
(١) بالنسخ: "الفاعل". وليس هو المراد كما واضح من سياق الكلام.
(٢) انظر: المفصل (ص ١٩٣)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٣٨٥).
(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٨٢).
(٤) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٣٨).
(٥) عجز بيت من الطويل، وصدره: "ولستُ بحَلَّالِ التِلاعِ مخَافةً". انظر: خزانة الأدب للبغدادي (٩/ ٦٦).
[ ٣ / ٧٥ ]
قال: هذا ضرورة؛ لأنّ "متى" إذا وقعت بعد "لكن" لا تجزم؛ لأنها تبقى لا شرط فيها، ويبطل عملها (١). وخرّج الشيخ أبو حيّان قول طرفة على تخريجه في الآية، فقال: التقدير: "ولكن أنا متى يَستَرفِدُ القومُ أرفِدُ" (٢).
قلت: ويكون ذلك هنا كذا، إِذَا قدّرنا "إِذَا" شرطية، أي: "ولكن أنت إِذَا أردت ذلك فبع".
قوله: "ببيع آخر": أي: "بع بثمن آخر"، فأوقع "البيع" على "الثمن"، أو يكون التقدير: "فبع بشراء آخر لغيرك"؛ لأنّ "البيع" يقع بمعنى "الشراء".
و"آخر": لا ينصرف؛ لأنّ فيه العدل ووزن الفعل (٣).
الحديث الرّابع:
[٢٧٥]: عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ عَنْ الصَّرْفِ؛ [فَكُلُّ] (٤) وَاحِدٍ منهما [يَقُولُ] (٥): هَذَا خَيْرٌ مِنِّي، وَكِلاهُمَا يَقُولُ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا" (٦).
قوله: "قال سألت": تعدّى "سأل" هنا إلى مفعول بنفسه، وإلى الثّاني بحرف الجر، وتقدّم أنه من الأفعال التي تعلّق عن المفعول الثاني بأدوات الاستفهام، كقوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] (٧).
_________________
(١) انظر: شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٤٣٥).
(٢) انظر: البحر المحيط (٦/ ٥٩٨، ٥٩٩).
(٣) انظر: شرح الأشموني (٣/ ١٤٣).
(٤) بالنسخ: "فكان كل". والمثبت من "العمدة"، وعليه الشرح.
(٥) سقط من النسخ.
(٦) رواه البخاري (٢١٨٠) في البيوع، ومسلم (١٥٨٩) في المساقاة.
(٧) انظر: موصل الطلاب لى قواعد الإعراب (ص ٤٠) المنصوب على نزع الخافض =
[ ٣ / ٧٦ ]
و"أَرْقَم": لا ينصرف للعلمية ووزن الفعل، ولو نُكِّر "أرقم" امتنع للصفة والوزن على مذهب سيبويه، وانصرف على مذهب الأخفش (١).
قوله: "فكُل واحد منهما يقول: هَذا خير مني": "كُلّ" مبتدأ، و"واحد" مُضاف إليه، و"منهما" يتعلق بصفة لـ "واحد"، و"يقول" في محلّ الخبر.
وجاء الخبر على طِبْق المضاف إليه، على قاعدة ما تُضاف "كُلّ " إليه من النكرات، فلو قلت: "كُلّ واحدة منهما"، لقُلت: "تقول"، بالتاء. ولو قلت منا: "كُل واحد يقولون"، لكان غير فصيح، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
[قوله] (٢): "هذا خير مني": "هذا" مبتدأ، و"خير" خبره. وتقدّم الكلام على "خير" في الثاني من "باب الجنابة".
قوله: "وكلاهما يقول": اختلف في "كِلا"، هل هي من قبيل المفردات؟ وهو الصّحيح، أو تثنية "كلو"؟، على قولين. والذي وَرَد به القرآن والسّنة أنّ "كِلا" مُفرد، و"كلتا" مفرد، ولذلك أخبر عنهما بالمفرد، قال اللَّه تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٣] (٣).
و"كلاهما" معرب بإعراب المثنَّى، بالألف رفعًا، وبالياء نصبًا وجرًّا؛ لأنّه أضيف إلى المضمر، ولو أضيف إلى مظهر لأعرب بالحرَكات مُقدّرة (٤).
_________________
(١) = (٣٢١)، ضياء السالك (١/ ٤٠٣).
(٢) انظر: شرح التصريح (٢/ ٣٢٤)، حاشية الصبان (٣/ ٣٤٧).
(٣) بياض بالأصل بقدر كلمة. وسقط في (ب).
(٤) انظر: اللمع لابن جني (ص ٨٦)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٢١٦)، شرح ديوان المتنبي للعكبري (١/ ٢٠٢).
(٥) انظر: اللمع لابن جني (٨٦)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٢١٦)، شرح ديوان المتنبي للعكبري (١/ ٢٠٢).
[ ٣ / ٧٧ ]
و"كلاهما" هنا مبتدأ، والخبر في جملة: "يقول"، وجملة "نهى" إلى آخره في محلّ نصب بالقول، وقد تقدّم الكلام على "كِلا" في الثالث من "الحيض".
قوله: "عن بيع": يتعلّق بـ "نهى"، و"الذهب" مضاف إلى المصدر، وهو مفعول، أي: "عن أن يبيع الذهب"، والتقدير: "عن أن يبيع الرجلُ الذهب"، فحذف الفاعل وأضاف المصدر إلى المفعول. أو يكون التقدير: "عن أن يبيع الذهب الرجلُ"، فيكون مثل: "يُعجبُنِي ضرب الثوب القصار".
ويحتمل أن يكون التقدير: "أن يباع الذهب"، على بناء الفعل للمفعول، فيكون المصدر من فعل لم يُسم فاعله، فيكون أضيف إلى النائب عن الفاعل، وهو "الذهب".
قوله: "دَيْنًا": يحتمل أن يكون منصوبًا بإسقاط الخافض، ويتعلق بـ "يبيع". ويحتمل أن يكون حالًا، أي: "نهى عن البيع في حال كونه مُداينة" أو "ذا دَيْن".
الحديث الخامس:
[٢٧٦]: عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَشْتَرِيَ الْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْنَا، وَنَشْتَرِيَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْنَا". قَالَ: فَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَدًا بِيَدٍ؛ فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ. (١)
قوله: "نهى عن الفضة": أي: "عن بيع الفضة".
قوله: "إلا سواء بسواء": هو مثل: "إلا مثلا بمثل". وتقدّم الكلام على "سواء" في الحديث الثامن من "باب الجنازة"، فالتقدير هنا: "إلا مستويين"، بالنصب على الحال. ويحتمل أن يقدر كونٌ محذوف، أي: "إلا أن يكون الوزن سواء بسواء"،
_________________
(١) رواه البخاري (٢١٨٢) في البيوع، ومسلم (١٥٩٠) في المساقاة.
[ ٣ / ٧٨ ]
ويُقَدَّر: "إلا أن يوزن وزنًا سواء بسواء"، فـ "وزنًا" مصدر يدلّ عليه السياق.
قوله: "وأمرنا أن نشتري": التقدير: "بأن نشتري".
قوله: "كيف شئنا": "كيف" ظرف عند سيبويه (١)، لأنّ المراد أحوال الشخص، والحال شبيهة بالظرف، تقول: "زَيْدِ" في حال جنسه إِذَا قيل: "كيف زيد؟ ".
والمختار عندهم في مثل هذا: أن تُضَمَّن "كيف" معنى الشرط (٢)، كما تقول: "كيف تكن أكن". ويكون جوابها محذوفًا، تقديره: "كيف شئنا من شرائهما نشتر".
وقَدَّر هذا التقدير أَبُو حيّان في قوله تعالى: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]. (٣)
_________________
(١) انظر: الكتاب لسيبويه (٣/ ٢٨٥، ٤/ ٢٣٣)، ومغني اللبيب لابن هشام (ص ٢٧٢)، الهمع للسيوطي (٢/ ٢١٨).
(٢) انظر: علل النحو (ص ٢٢٤ - ٢٢٦).
(٣) سبق كلام المصنّف -﵀- في العاشر من "باب صفة صلاة النبي -ﷺ-" في مسألة تضمين "كيف" معنى الشرط، وقد قدّر هناك الجزاء مرفوعًا، فقال في إعراب قول مالك بن الحويرث: "أُصَلّى كيف رَأيتُ رَسُولَ اللَّه -ﷺ-، يُصلّي": "كيف" هنا مُضَمّنة معنى الشّرْط، أي: "كيف رأيتُ النبي -ﷺ- يُصلّي أُصلّي". فالأصحُّ هنا واللَّه أعلم التقدير بـ: "كيف تكن أكون"، بالرفع لا بالجزم، وهذا ما قدَّره أبو حيان، وليس ما أشار إليه المصنّف -﵀- هنا. وانظر: البحر المحيط (٤/ ٣١٦). وَلا أدري هل وهم الشيخ هنا أم أنه وقع تصحيف عند النسخ؟، ويرجح الاحتمالَ الثاني أن هذه الصفحة من المخطوط لم تنسخ مع بقية الكتاب، وإنما أضيفت بعد النسخ بشكل مخالف لسائر الكتاب، مما يدل على أنَّ شيئًا ما قد حدث، فترتب عليه ما ترى. واللَّه أعلم. وهناك فرق بين "كيف" وغيرها مما يستعمل في الشرط مثل "متي، وأين"، من حيث العموم والخصوص، لذا صحَّ أن تقول: "أين تكن أكن"، و"متى تقم أقم"، ولم يصحَّ: "كيف تكن أكن"، وجاز: "كيف تكن أكون". انظر: علل النحو (ص ٢٢٤ - ٢٢٦). =
[ ٣ / ٧٩ ]
وعلى هذا يكون "شِئْنا" في محلّ جزم. ويحتمل أن يكون في محلّ رفع، كقولهم: "كيف تصنعْ أصنعُ".
قلت: والجزم بـ "كيف" اختيار سيبويه (١). وأنت مخيّر في إدخال "ما" عليها.
وتقدّم الكلام على "كيف" في الحديث العاشر من "صفة الصّلاة".
قوله: "قال فسأله رجل": فاعل "قال" غير مذكور في اللفظ، وهو الراوي عن أَبِي بكرة، والضّمير في "فسأله" يعود على "أَبِي بكرة"، والمفعول الثاني لـ "سأل" المتعدّي إليه بحرف الجر محذوف، أي: "فسأله رجل عن معنى ذلك: أَيَدًا بِيَدٍ؟ "، أي: "أَأَمَرَ بذلك رسول اللَّه متقابضين؟ "، فيكون نصبًا على الحال. وإنما قدّرنا "همزة" الاستفهام، لأنّ مفعول "سأل" يأتي استفهامًا كثيرًا، فيكون مُعلقًا لها، كأفعال القلوب (٢)، وقد تقدّم الكلام على "سأل" في الحديث الثاني [عشر] (٣) من "باب صفة الصّلاة".
قوله: "فقال": أي: "أبو بكرة": "هكذا" الهاء للتنبيه، و"الكاف" للتشبيه، و"ذا" اسم إشارة مجرور بالإضافة إلى الكاف في محل نصب بـ "سمعت"، أي: سمعت كذا، أي: مثل ذا.
_________________
(١) = وفي توضيح المقاصد (٣/ ١٢٧٧): أما "كيف" فيجازى بها معنى لا عملًا، خلافًا للكوفيين، فإنهم أجازوا الجزم بها قياسًا، ووافقهم قطرب.
(٢) عبارة سيبويه في الكتاب (٣/ ٦٥): "سألت الخليل عن قوله: كيف تصنعْ أصنعْ. فقال: هي مستكرهة، وليست من حروف الجزاء، ومخرجها على الجزاء، لأن معناها على أي حالٍ تكن أكن". واستشهد ابن مالك بهذه العبارة على أن "كيف" قد ترد شرطًا في المعنى فحسب، فتعلق بين جملتين، ولا تعمل شيئًا حملًا على الاستفهامية، لأنها أصل. وانظر: شرح التسهيل لابن مالك (٤/ ٧٠، ٧١).
(٣) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٢٤٦)، تسهيل الفوائد (ص ٧٢).
(٤) سقط من النسخ.
[ ٣ / ٨٠ ]
ويحتمل أن تكون الإشارة إلى اللفظ الذي حكاه أبو بكرة.
ويحتمل أن تكون الإشارة إلى القول الذي وقع به السؤال، أي: "كذا سمعت النبي -ﷺ- يقول: يدًا بيد". واللَّه أعلم.
* * *
[ ٣ / ٨١ ]
باب الرهن وغيره
الحديث الأوّل:
[٢٧٧]: عَنْ عَائِشَةَ -﵂-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- "اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ" (١).
قوله: "اشترى من يهودي طعامًا": جملة في محلّ خبر "أنَّ"، و"أنَّ" في محلّ معمول متعلّق حرف الجر.
وجملة "ﷺ" معترضة لا محلّ لها، والجملُ التي لا محلّ لها تقدّمت في الحديث الأوّل من الكتاب.
و"من يهودي" يتعلق بـ "اشترى". وتقدّم ذكر "يهود" في الثّاني عشر من "الجنائز".
و"طعامًا": مفعول بـ "اشترى".
و"الطعام" يُطلق على "كُلّ ما يتطعم"، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٢٠]، وقد يخص بقرينة إلى "القمح" أو "الشعير"، وهو المراد هنا. ومِن ذلك قوله في حديث زكاة الفطر: "صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ" (٢).
قوله: "ورهنه": معطوفٌ على "اشترى".
والضّمير المنصوب في "رهنه" يعود على "اليهودي". وضمير الفاعل يعود
_________________
(١) رواه البخاري (٢٠٦٨) في البيوع، ومسلم (١٦٠٣) (١٢٥) في المساقاة.
(٢) صحيح: رواه الشافعي في مسنده بهذا اللفظ، انظر: مسند الشافعي بترتيب سنجر، رقم (٦٧٠). وأصله في الصّحيحين، لكن بزيادة لفظ "أو"، رواه البخاري في صحيحه برقم (١٥٠٦)، ومسلم برقم (١٧/ ٩٨٥).
[ ٣ / ٨٢ ]
على "النبي -ﷺ-".
ومصدر "رَهَنَ": "رَهْنًا"، ويستعمل "الرّهن" بمعنى "المرهون" في نحو قولهم: "هذا رَهْنٌ في كذا"، أي: "مرهون فيه"، ويقال أيضًا: "رهينة في كذا"، كقوله -ﷺ-: "كُلُّ غُلَامٍ رَهِينٌ بِعَقِيقَتِهِ" (١)، فـ "الهاء" فيه للمبالغة، كـ "الشتيمة" (٢).
وجمع "رَهْن": "رِهَان"، وقيل: "رُهُن" و"رِهَان". قيل: الأَوْلَى الأَوَّل، لأنّ "فَعْل" لا يُجْمَعُ على "فُعُل" إلّا شاذّا، كـ "سَقْف" و"سُقُف". قال الأخفش: قد يجمع "رَهْن" بفتح "الراء" على "رِهَان"، ثم يُجمع "رِهَان" على "رُهُن".
ويقال: "رَهَنْتُ الشيءَ"، و"أَرَهَنتهُ"، و"رَهَنْتُهُ"، بمعنى (٣).
قوله: "دِرْعًا": مفعول ثان لـ "رهن".
وتعدّى "رهن" إِلَى مفعولين؛ لأنّ فيه معنى "أعطى".
و"من حَديد": يتعلّق بصفة لـ "درعًا"، أي: "كائنًا من حديد". و"من" هنا لبيان الجنس (٤). ويصحُّ أن يتعلّق بحال من "درعًا"، وتقدّر له صفة محذوفة؛ للعلم بها، أي: "درعًا كائنًا من حديد".
و"درع الحديد" مؤنثة، و"درع المرأة" مُذكّر، ويجمع "درع الحديد" على "أَدْرُع" في القليل، و"أَدْرَاع" في الكثير، فإذا كثُرت جُمع على: "دُرُوع"، وتصغيره: "دُرَيْع" على غير قياس؛ لأنّ قياسه: "دُرَيْعَة" بالهاء. وحكى أبو عبيدة أنه يُذَكَّرُ ويؤنّث.
_________________
(١) صحيحٌ: رواه أحمد في مسنده، رقم (٢٠١٥١).
(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٨٥).
(٣) انظر: الصّحاح (٥/ ٢١٢٨).
(٤) انظر: اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٣٥٤) اللمحة في شرح الملحة (١/ ٤٢٨)، الجنى الداني (ص ٣١٠).
[ ٣ / ٨٣ ]
و"درع المرأة" يجمع على: ["أَدْرَاع"] (١) (٢).
قيل: إنّما رهنه عند يهودي ليُبَيِّنَ الجوَاز. وقيل: لأنّ أصحَاب النبي -ﷺ- لا يقبلون الرّهن منه، ولو أعطَوه دَينًا ما أخَذوه منه، فكَره ذلك -ﷺ-.
الحديث الثَّاني:
[٢٧٨]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ" (٣).
قوله: "مطلُ الغنى ظلم": جملة اسمية من مبتدأ وخبر، في محلّ مفعول القول، و"قال" في محلّ خبر "أنَّ"، و"أن" فُتحت؛ لأنها معمولة لما تعلّق به حرف الجر (٤). (٥)
و"مطل": مصدر مُضاف إِلَى الفاعل (٦)، وهو: "غنيّ".
و"غنيّ": "فعيل" (٧)، أصله: "غَنِيْي"، [اجتمعت الياءان] (٨) وسَبَقت إحداهما بالسّكون؛ فأدغمت.
وأصلُ "المطل" في اللغة: "المدّ"، تقول: "مطلتُ الحديدة" إِذَا "ضربتها
_________________
(١) بالنسخ: "أدرع"، والصّواب المثبت بالرجوع إلى المصادر.
(٢) انظر: الصحاح (٣/ ١٢٠٦)، لسان العرب (٨/ ٨٢).
(٣) رواه البخاري (٢٢٨٧) في الحوالة، ومسلم (١٥٦٤) في المساقاة.
(٤) انظر: شرح الأشمونى (١/ ٢٩٩)، همع الهوامع (١/ ٥٠٠).
(٥) كتب بهامش الأصل: "صح أصل". وهذا الكلام هو نهاية لصفحة كانت قد سقطت كتابتها بالأصل، فكتبها آخر بصفحة مُفردة بعرض الورقة وبخط مغاير من نُسخة أخرى، وبداية هذه الصفحة قوله: "حال كونه مداينة" قبل بداية الحديث الخامس.
(٦) انظر: الأصول في النحو (١/ ١٣٧)، توضيح المقاصد (٢/ ٨٤٧).
(٧) انظر: شرح المفصل لابن يعيش (٣/ ٤٤٨).
(٨) بالنسخ: "اجتمع اليان".
[ ٣ / ٨٤ ]
ومدَدتها". فمعنى "مطله بحقّه": "مدّه في الأجل" (١).
و"أُتْبع": فعل ماض لما لم يُسمَّ فاعله، و"أحدُكم" المفعول الذي لم يُسمَّ فاعله. و"على مليء": "المليء" بالهمزة: "الثقة الغنىّ"، وقد "مَلُؤ" فهو "مليء": "بَيِّن الملاء" و"الملاءة". قال ابنُ الأثير: وقد أولع النّاس فيه بترك الهمز وتشديد "الياء" (٢).
قوله: "فإذا أُتْبع أحدُكم": "إِذَا" ظرف لما يَسْتَقْبِل من الزمان (٣). وجوابها: "فليتبع"، وتقدّم الكلام عليها في الحديث الثّاني من الأوّل، وتقدّم الكلام على "أحدكم" فيه أيضًا.
قوله: "فليتبع": "اللام" لام الأمر، و"يَتْبَع" مجزوم بها. قال ابن الأثير: قال الخطّابي: أصحابُ الحديث يروونه: ["اتُّبع"] (٤) (٥).
قال الشيخ تقيّ الدّين: "إِذَا أُتْبِع" مضموم "الهمزة"، ساكن "التاء"، مكسور "الباء"، "فَلْيَتْبَعْ" مفتوح "الياء"، ساكن "التاء"، مفتوح "الباء" الموحدة، مأخوذ من قولهم: "أَتْبَعْتُ فلانًا"، إِذَا "جعلتُه تابعًا". والمراد ههنا: [تبعيته] (٦) في طلب الحقّ بالحوالة (٧).
قلت: وعلى هذا يكون الصّواب سكون التاءين في الفعلين وتخفيفهما.
_________________
(١) انظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين (٣/ ٤٢٧).
(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٥٢).
(٣) انظر: اللمحة (١/ ٤٤٦).
(٤) بالنسخ: "فليتبع". والصواب المثبت من المصادر.
(٥) انظر: معالم السنن (٣/ ٦٥)، والنهاية لابن الأثير (١/ ١٧٩).
(٦) بالنسخ: "تبعية". والمثبت من المصدر.
(٧) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ١٤٥).
[ ٣ / ٨٥ ]
الحديث الثّالث:
[٢٧٩]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَوْ قَالَ: سَمِعْتُ رسول اللَّه -ﷺ- يَقُولُ: "مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ" (١).
"أو": هنا للشّك من الرّاوي.
قوله: "سمعتُ": "سمع" تقدّم الكلام عليها في الحديث الأوّل من الكتاب. وتعدَّت هنا إلى الذّات؛ فيجري الخلاف في جملة "يقول"، هل هي في محلّ المفعول الثاني، أو محل الحال من "النبي -ﷺ-"؟ والأوّل اختيار الفارسي، والثّاني اختيار ابن مالك وأبي حيّان (٢).
قوله: "مَن أدرك ماله بعينه": "مَن" هنا شرطية، مبتدأ، وخبرها في فعلها، وقيل: في جوابها، وقيل: فيهما، وقيل: في الذي فيه ضَمير من الجملتين (٣). وقد يقع في جملة الفعل ضمير يعود على "مَن"، وكذلك في الجواب. وتقدّم الكلام على "مَنْ" الشرطية في العاشر من أوّل الكتاب.
وجملة "مَن أدرك" على الرّواية [الأولي] (٤) مفعول لـ "قال"، وعلى الرّواية الثانية مفعول لـ "يقول".
وحرفُ الجر في قوله: "بعينه" يحتمل أن يتعلّق بحال، أي: "أدرك ماله غيرَ
_________________
(١) رواه البخاري (٢٤٠٢) في الاستقراض، ومسلم (١٥٥٩) في المساقاة.
(٢) انظر: البحر المحيط (٣/ ٤٧٢، ٤٧٣)، (٧/ ٤٤٦، ٤٤٧)، (٨/ ١٦٣)، وعُمدة القَاري (١/ ٢٣)، وإرشاد السّاري (٨/ ١٨٨)، (٩/ ٤٠١)، وشَرح التسهيل (٢/ ٨٤).
(٣) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١)، وعقود الزبرجد للسيوطي (١/ ١٥٥)، ومغني اللبيب لابن هشام (ص ٦٠٨).
(٤) بالنسخ: "الأول".
[ ٣ / ٨٦ ]
مغيَّر وَلَا فائتًا". ويحتمل أن تكون "الباء" زائدة، و"عينه" بدَل اشتمال، أي: "مَن أدرك عين ماله". ولا يُقال في "بعينه": "عين الجارحة"؛ لأنّه قد يُدركه بشهادة شاهدين، فيكون أحق، وإن لم يره بعينه.
و"عند": معمول "أدرك"، و"رجل" مخفوض بالإضَافة، وتقدّم الكلام على "عند" في الحديث الأوّل من "باب السّواك".
قوله: "أو إنسَان": يحتمل أن تكُون "أو" للتفصيل من النبي -ﷺ-؛ لأنّ الثّاني أعمّ من الأوّل. ويحتمل أن تكون للشّك من الرّاوي، هل قال النبي -ﷺ-: "عند رجل"، أو قال: "عند إنسان".
قوله: "قد أفلس": في محلّ صفة لـ "رجل".
قوله: "فهو أحقّ به من غيره": "الفاء" جواب الشرط، وهو مبتدأ، و"أحقُّ" خبره، و"من غيره" يتعلّق بـ "أحقّ". و"أحقّ" أفعل التفضيل، واستُعمل بـ "من"، وتقدّم الكلام على "أفعل" في الحديث الأوّل من "الصّلاة".
ومعنى "أفلس" أي: "ليس معه فلس"، كـ: "أقبر الرجل"، إذا "صار على حالة يقبر عليها".
وقال الجوهري: "أفلس": أي "صارت دراهمه فلوسًا وزيوفًا"، كما يقال: "أخبث الرجل" إذا "صار أصحابه خبثاء عليه" (١).
قال تاج الدّين الفاكهاني: رأيتُ في نُسخة مكان "أقبر": "أقهر"، إذا "صار إلى حالة يذلّ عليها" (٢).
_________________
(١) انظر: الصحاح (٣/ ٩٥٩).
(٢) انظر: رياض الأفهام (٤/ ٤٢٢).
[ ٣ / ٨٧ ]
الحديث الرّابع:
[٢٨٠]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "جَعَلَ"، وَفي لَفْظٍ: "قَضَى النَّبِيُّ -ﷺ- بِالشُّفْعَةِ فَي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلا شُفْعَةَ" (١).
اختلفت الرّواية في "جعل"، و"قضى"، لكن "قضى" يتعدَّى بـ "الباء"، و"جعل" يتعدى بنفسه، فالذي في لفظ الحديث مبني على "قضى"، وكان الواجب أن يعمل "جَعل"؛ لأنّ القاعدة في قولهم: "وفي لفظ" أنّ ذلك زيادة على أصل الحديث، فتقدير الحديث: "عن جابر بن عبد اللَّه قال: جعل رسول اللَّه -ﷺ- الشّفعة"، فحذف "الشفعة" من الأوّل لدلالة الثاني عليه، وهو "قضى رسول اللَّه -ﷺ- بالشفعة"، ولا يكون هذا من باب التنازع (٢)؛ لأنه لم يرد أنّ اللفظين توجّها لمعمول واحد، وإنما أراد أن يجعل أحَد اللفظين في محلّ الآخر، و"في لفظ" رواية؛ فيكون المبتدأ [محذوفًا] (٣)، والخبر يدلّ عليه.
قوله: "في كُلّ ما لم يقسم": متعلّق بـ "قضى"، أو بـ "جعل"، إن قدّرت "جعل الشفعة"، ويجيء فيه خلاف التنازع.
و"ما" موصولة بمعنى "الذي"، والصّلة جملة: "لم يُقسم"، والعائد المفعول الذي لم يُسمّ فاعله، وهنا محذوف، أي: "فيما لم يقسم من العقار".
ويحتمل أن تكون "ما" نكرة موصُوفة، والجملة صفتها، والصّلة والموصول أو الصّفة والموصوف في محلّ جر بحرف الجر.
قوله: "فإذا وقعت الحدود": تقدّم الكلام على "إِذَا" وفعلها وجوابها في ثاني
_________________
(١) رواه البخاري (٢٢١٣) في البيوع، ومسلم (١٦٥٨) في المساقاة.
(٢) انظر: شرح الكافية الشافية (٢/ ٦٤١) توضيح المقاصد (١/ ١٣٥).
(٣) بالنسخ: "محذوف".
[ ٣ / ٨٨ ]
حديث من أوّل الكتاب. وأمّا "وقعت": فمُضارعه: "يقع"، وأصله: "يَوْقِع" (١)، وكان حقّه أن يقول: "يَقِع" بكسر "القاف" في المضارع، كـ "يعد"، و"يجب"، و"يصل"، وهذا لازِم لما كان فاؤه واوًا (٢).
والجواب عما وقَع مفتوحًا، مثل: "يقع" و"يهب" و"يضع": أنّ الكسرة فيه مُقدّرة، والفتحة فيه عَارضة (٣)، وقد بسَطتُ القَول في ذلك في شرحي لقصيدة كعب المسمّى بـ "شفاء الفؤاد من بانت سعاد" عند قوله:
لَا يقَعُ الطّعْنُ إلّا فِي نُحُورِهِم . . . . . . . . . . (٤)
ومعنى "وقعت الحدود": أي: "نصبت بالقسم بين الشركاء".
وأتى بهذه العبارة -وإن كان نفس القسْم يمنع الشفعة وإن لم يقع حَد، ولم تصرَّف طريق- لأنّ كُل مقسوم لا بدّ له من حدّ يحده، وعلامة تعيّنه وتميزه، فعبر بـ "وقع" عن ذلك، لا [علي] (٥) حقيقة البناء والنصب. أو يكون "وقعت" بمعنى: "بنيت" و"نزلت"، نحو قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] (٦)، فالشّفعة منتفية.
_________________
(١) انظر: شرح شافية ابن الحاجب (٣/ ٩٢).
(٢) انظر: المقتضب (١/ ٨٨)، المنصف لابن جني (ص ٢٠١).
(٣) قال ابن مالك: "وأمّا الفتح لأجل حرف الحلق فمسموع في كل لغة في أفعال محفوظة، كوقع يقع، ووضع يضع، وودع يدع، وكنأى ينأى، ونهى ينهى، وسعى يسعى، ورعى يرعى، ولحا يلحى، ومحا يمحى". انظر: شرح التسهيل (٣/ ٤٤٦)، والمقتضب (١/ ٨٨)، المنصف لابن جني (٢٠١).
(٤) صدر بيت من البسيط، وهو لكعب بن زهير، وعجزه: "وما لهم عن حياض الموت تهليل". انظر: المعجم المفصل (٦/ ٣٤٩).
(٥) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "على". والمعنى يستقيم بما أثبتناه.
(٦) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٧٥)، والكشاف (٤/ ٤٥٥).
[ ٣ / ٨٩ ]
قوله: "صُرفت الطرق": مبني لما لم يُسم فاعله.
قوله: "فلا شفعة": هذه الجملة جواب "إذا"، فمن جعل الجواب العامل احتاج إلى تقدير الجملة الاسمية بفعل، أي: "فلا يشفع"، ومَن جعل العامل فيها فعلها لم يحتج إلى تقدير، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد: ١١]، التقدير: "لم يُرَدَّ" (١)، والمعربون على هذا.
والحُذَّاقُ من النحويين المتأخّرين جعلوا العامل فيها فعلها، وجعلوا فعلها في محلّ جزم بها (٢).
الحديث الخامس:
[٢٨١]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- يَسْتَأْمِرُهُ فيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ؟ فَقَالَ: "إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا". قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلا يُوهَبُ، وَلا يُورَثُ. قَالَ: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ، وَفي الْقُرْبَى، وَفي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ. لا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا، غيرَ مُتَمَوِّلٍ.
وَفِي لَفْظٍ: "غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ" (٣).
قوله: "أصاب عُمر": أي: "ملك عمر"، فهو فعل وفاعل، و"أرضًا" مفعول به، "بخيبر" يتعلق بنعت لـ "أرض"، و"الباء" ظرفية.
و"خيبر": لا ينصرف للعلمية والتأنيث (٤).
_________________
(١) انظر: اللباب في علوم الكتاب (١١/ ٢٧٢).
(٢) انظر: الجنى الداني (ص ٣٦٨ - ٣٧٠)، أمالي ابن الحاجب (١/ ١٨٥، ١٨٦).
(٣) رواه البخاري (٢٧٧٢) في الوصايا، ومسلم (١٦٣٢) في الوصية.
(٤) انظر: إسفار الفصيح (١/ ٢١٣).
[ ٣ / ٩٠ ]
قيل: اسم هذا المال: "ثُمغ"، بالثاء المثلثة، و"الميم"، و"الغين" المعجمة.
قوله: "فأتى النبيَّ -ﷺ-": فاعل "أتى" ضمير "عمر"، وجملة "يستأمره" في محل الحال من فاعل "أتى". والضّمير في قوله: "فيها" يعود على "الأرض" على تقدير مضاف، أي: "يستأمره في أمرها من المتصدق بها والخروج عنها للَّه تعالى".
قوله: "فقال": معطوفٌ على "أتى" أو "يستأمر".
وجملة النداء وما بعده معمولة للقول.
قوله: "إني أصبت أرضًا بخيبر": هذا اللفظ يُؤذِن أنه كان يتطلّب أرضًا نفيسة يجعلها صدَقة، فلما أصاب هذه الأرض بخيبر أصاب غرضه، فقال: "إني أصبت"، ولم يقل: "إني ملكت". وكُسرت "إنّ" لأنها بعد القول (١). وجملة "أصبت" في محل خبر "إن". و"بخيبر" تقدّم قريبًا.
قوله: "لم أصب": صفة أخرى لـ "أرض"، والعائد على الموصوف من هذه الجملة: الضّمير في "منه". وذكّر الضمير؛ لأنه سماها مالًا من أمواله، وفضَّلها على تلك الأموال، وذكّر الضمير باعتبار المعنى.
وتقدّم الكلام على "لم" في الثّالث من "باب المذي"، والثّالث من "باب الجنابة".
قوله: "قط": تقدّم الكلام عليها في السّادس من "الإمامة".
وجملة "هو أنفس عندي": في محلّ صفة لـ "مال" والعائد منها ضمير "هو". و"أفعل" التفضيل استُعمل هنا بـ "من". وتقدّم الكلام على "أفعل" التفضيل في الأوّل من "الصّلاة". و"عندي": يتعلّق بـ "أنفس".
_________________
(١) انظر: أوضح المسالك (١/ ٣٢٣).
[ ٣ / ٩١ ]
و"أنفس": من: "نفِس بالشيء"، بكسر "الفاء" إِذَا ["ضنَّ] (١) به". ويقال: "نفست عليه الشيء"، "نفاسة" إذا "لم تره يستأهله"، و"نفست عليّ بخير قليل"، أي: "حسدت"، و"نَفُسَ الشيء" بالضم "نفاسة"، أي: "صار مرغوبًا فيه". وهو هنا في الحديث من هذا، أو من ["الضنَّ] (٢) به"، أي: "هو أعز عندي منه" (٣).
قوله: "فما تأمرني؟ ": "ما" استفهامية مبتدأ، وخبرها في جملة "تأمرني". و"به" يتعلّق بفعل محذوف، أي: "ما تأمرني أن أعمل به؟ "، فهو متعلّق بالمحذوف. و"أنْ" معمول "تأمرني" بحذف حرف الجر.
و"الباء" في "به" ظرفية، والتقدير: "ما تأمرني أن أفعل فيه؟ "، أو يتعلّق بـ "تأمرني"، أي: "بفعله".
قوله: "فقال": أي: "النبي -ﷺ-".
تقدّم الكلام على "شئت" في السّادس من "باب الإمامة".
و"حبست": جوابُ الشرط، وجاء ماضيًا؛ لأنّ فعلها كذلك، وكذلك يختار المضي في الجواب إذا صحب الشرط "لم"، نحو: "إن لم يقم زيد قام عمرو" (٤)، ولتحصل المشاكَلة؛ لأن "لم" تُصَيِّر المستقبل ماضيًا.
والضّمير في "أصلها" يعود على "الأرض"، والضّمير في "بها" يعود على "الثمرة".
ومفعول "شئت" محذوف تقديره: "إن شئت فِعْل الخير"، أو: "إن شئت الصّدقة حَبستَ".
_________________
(١) بالنسخ: "ظن". والمثبت من المصدر.
(٢) بالنسخ: "الظن"، والمثبت من المصدر.
(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٩٥)، الصحاح (٣/ ٩٨٥).
(٤) انظر: الأصول في النحو (٢/ ١٨٨)، اللمحة في شرح الملحة (٢/ ٨٧٤)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ٤٩٢).
[ ٣ / ٩٢ ]
قوله: "قال: فتصدّق بها": فاعل "قال" ضمير "عبد اللَّه"، وقال: "تصدّق بها" يعود على "عمر". وضمير "بها" يعود على "الأرض"، أو على "الثمر"، أي: "وتصدّق بثمرها".
قوله: "غير أنّه": "غير" هنا منصوبة على الاستثناء المنقطع (١)، لأنّ التقدير: "لكن لا يباع أصلها". وقد أضيفت "غير" إلى "أنَّ"، وتقدّم أنّ "غير" و"مثل" إذا أضيفا إلى "أنَّ" و"إنَّ " و"ما" جاز فيها البناء والإعراب (٢).
والضمير في "به" يحتمل أن يعود على "عمر"، ويكون "لا يباع" مفعولًا بفعل مقدّر، أي: "وشرط"، أو "قال: لا يباع أصلها"، إلى آخر الكلام.
وتكون الجملة محكيّة مفعولة بـ "شَرَط" المقدّر، أو بـ "قال".
ويحتمل أن يكون ما بعد "قال" كله حكاية ما فعله عمر -﵁-، أي: "فقال ابن عمر: فتصدق بها غير أنه لا يباع"، وتكون "الهاء" في "أنه" ضمير الأمر والشأن (٣)، أو ضمير الشرط، ويكون التقدير: "قال ابن عمر ما حكايته: فتصدّق بها"، على الابتداء والخبر، وتكون "الفاء" في "فتصدق" واقعة فيما اقتضاه الكلام في كتابة الكتاب أو لفظه، بحيث أنه قال بعد البسملة: "أما بعد، فتصدّق بها عُمر في الفقراء والقربى"، هذا يكون جرى منه حكاية لما وقع لعُمر في تبيين المصروف عليهم.
وأعاد العامل في المعطوفات إلّا في المعطوفين الأخيرين، بخلاف قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ إلى آخره [التوبة: ٦٠]، ففي الآية جَرى على الأفصَح، وإن كان الكُل جاء في القرآن، كقوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨].
_________________
(١) انظر: شرح ابن عقيل (٢/ ٢١٥).
(٢) انظر: الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ٢٣٣).
(٣) انظر: علل النحو (ص ٢٢٠) المفصل (ص ١٧٣).
[ ٣ / ٩٣ ]
قوله: "لا جناح على مَن وليها": "لا" واسمها مبنيٌّ معها. و"على من وليها" متعلّق بخبر "لا"، والجملة من تمام ما حُكي على ما تقرّر. وجملة "وليها" صلة "مَن" أو صفتها.
قوله: "أن يأكُل": "أن" في محلّ نصب أو جر بإسقاط الخافض، على الخلاف بين سيبويه والخليل (١)، أي: "في أن يأكل منها".
والضّمير في "منها" يعود على "الصّدقة"، ويحتمل البدَل من قوله: "على من وليها"، بدل اشتمال، أي: "لا جناح في أكل واليها منها بالمعروف".
قوله: "غير متمول": نصب على الحال من ضمير "يأكل"، وفيه محذوف، أي: "غير متموّل منها"، وتكون حالًا مُقدّرة (٢).
قوله: "وفي لفظ": أي: "روى في لفظ"، "غير متأثِّل" مفعول لم يسمّ فاعله على الحكاية.
و"المتأثِّل": "الآخذ أصل المال". يقال: "تأثلت المال" أي: "اتخذته أصلًا" (٣)، وهو في أصل الحديث منصوبٌ على الحال، أي: "أن يأكل في حال كونه غير متأثل".
_________________
(١) انظر: شرح الأشموني (١/ ٤٨٦).
(٢) انظر: اعتراض الشرط على الشرط (ص ٤٦).
(٣) انظر: نيل الأوطار (٥/ ٣٥٥)، لسان العرب (١١/ ٩).
[ ٣ / ٩٤ ]
الحديث السادس:
[٢٨٢]: عَنْ عُمَرَ قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرَيهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: "لا تَشْتَرِهِ، وَلا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، "إِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ؛ فَإِنَّ الْعَائِدَ في هِبَتِهِ [كَالْعَائِدِ في قَيْئهِ" (١).
[٢٨٣]: وَعَن ابْن عَبّاس -﵄- أنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "الْعَائِدُ، في هِبَتِه، كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ" (٢).
وَفِي لَفْظٍ: "فَإِنَّ الَّذِى يَعُودُ فِي صَدَقَتِه] (٣) كَالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ" (٤).
قوله: "حملتُ على فرس": أي: "حملتُ غازيًا على فرس"، وكنّى بذلك عن هبتها له، يدلّ على ذلك آخر الحديث. وقيل: إنه -﵁- في حبسها عليه، وفيه بُعد. وحمل على أنّ الفُرس هزلت، حتى صارت في حدّ لا ينتفع بها، فلذلك باعها.
و"على فرس" يتعلّق بـ "حملت". و"في سبيل اللَّه": متعلق بالمفعول المحذوف، أي: "حملت رجلًا غازيًا في سبيل اللَّه".
قوله: "فأضاعه الذي كان عنده": الصّلة والموصول في محلّ الفاعل، واسم "كان" ضمير يعود على "الفرس"، والعائد على "الذي" الضّمير في "عنده". والعامل في "عنده": خبر "كان" المقدّر.
قوله: "فاردتُ أن أشتريه": معطوف على "أضاعه". و"أنْ" وفعلها مفعول "أردت" أي: "أردتُ شرائه".
_________________
(١) رواه البخاري (٢٦٢٣) في الهبة، ومسلم (١٦٢٠) في الهبات.
(٢) رواه البخاري (٢٦٢١) في الهبة، ومسلم (١٦٢٢) (٧) في الهبات.
(٣) سقط من النسخ. والمثبت من "العمدة".
(٤) رواه مسلم (١٦٢٢) (٨) في الهبات.
[ ٣ / ٩٥ ]
قوله: "وظننتُ أنه يبيعه برخص": فتحت "أنَّ" بعد "ظننت"؛ لأنها سدّت مسدّ مفعوليها؛ لأنّ "ظننت" أصلها المبتدأ والخبر (١)، واسم "أنَّ" وخبرها أصلهما المبتدأ والخبر، فإذا ولي "ظنَّ": "أنَّ" قطعت عمل الظّن، وتولى العمل "أنَّ" (٢)، ثم تُفتح علامة على ذلك.
والضّمير في "يبيعه" يعود على "الفرس". والضّمير في "أنه" يعود على "الرجل". وجملة "يبيعه" في محلّ خبر "أنَّ". و"برخص" يتعلّق بـ "يبيعه"، وهو على النسب، أي: "بثمن ذي رخص". و"الرخص": ضد "الغلاء" (٣).
قوله: "فسألت النبي -ﷺ-": المفعول الثاني لـ "سألت" محذوف تقديره: "أأشتريه؟ "؛ لأنّ الغالب في "سأل" [أنّه يتعلق] (٤) باستفهام، كأفعَال القلوب (٥). ويحتمل أن يكُون التقدير: "فسألتُ النبي -ﷺ- عن شرائه".
قوله: "فقال النبي -ﷺ- لا تشتره": "لا" ناهية، والفعل بعدها مجزوم بها، وعلامةُ الجزم حذف "الياء" (٦).
و"لا تَعُدْ": معطوفٌ عليه، والجملة كُلّها -المعطوفة والمعطوف عليها- معمولة للقول. و"إنْ" حرف شرط، وجواب الشرط محذوف تقديره: "وإن أعطاكه بدرهم فلا تشتره".
قوله: "فإنّ العائد في هبته": حرف الجر يتعلّق بـ "العائد"، و"كالعائد" في محل
_________________
(١) انظر: الأصول في النحو (١/ ٢٦٨).
(٢) إذا وقعت "إنَّ" بعد "ظننتُ" تكون مفتوحة؛ لأنها في موضع المفعول، فسيبويه يقول: إنّ "أنَّ" واسمها وخبرها سدّت مسدَّ مفعولَيْ "ظننتُ". والأخفش يقول: إنَّ "أنَّ" وما بعدها في موضع المفعول الأوّل، والمفعولُ الثاني محذوفٌ. انظر: شرح المفصل (٤/ ٥٢٩)، والكتاب (١/ ١٢٥، ١٢٦).
(٣) انظر: مجمل اللغة لابن فارس (ص ٤٢٥).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: شرح التصريح (٢/ ١٧٥).
(٦) انظر: الجنى الداني (ص ٣٠٠)، شرح ابن عقيل (١/ ٨٥).
[ ٣ / ٩٦ ]
خبر "إنَّ". وإنْ قدَّرت "الكاف" اسمًا كان ما بعدها مجرورًا بالإضافة.
قوله: "في قيئه": يتعلّق بـ "العائد".
قوله: "وفي لفظ": أي: "ورُوي في لفظ". "فإنّ الذي يعود": الجملة كلها معمولة المحل لـ "رُوى" على الحكاية. وفاعل "يعود" الأوّل يعود على الموصول، وفاعل "يعود" الثّاني يعود على "الكلب". وهذا من تمام التمثيل، لأنّ عادة "الكلب" أنه يأكُل ما يتقيأ.
ويحتمل أن تكون جملة "يعود" في محلّ حال من "الكلب"، ويحتمل أن تكون صفة، ولا يمنع من ذلك التعريف؛ لأنها للجنس، فتكون كهي في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (١) [الجمعة: ٥]، في جَواز الوجهين. وتقدّم إعراب ما بقي من الحديث.
الحديث السابع:
[٢٨٤]: عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرِ قَالَ: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ، فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-. فَانْطَلق أبِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ليُشْهِدَه عَلَى صَدَقَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهَ -ﷺ-: "أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟ " قَالَ: لا. قَالَ: "اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلادِكُمْ". فَرَجَعَ أبِي، فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ (٢).
وَفي لَفْظٍ: قال: "فَلا تُشْهِدونِي إذن؛ فَإِنِّي لا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ" (٣).
وَفي لَفْظٍ: "فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي" (٤).
قوله: "تصدق عليَّ أبي ببعض": فاعل "تصدّق": "أبي"، وعلامة الرفع ضمة
_________________
(١) بالنسخ: "كالحمار".
(٢) رواه البخاري (٢٥٨٧) في الهبة، ومسلم (١٦٢٣) (١٣) في الهبات.
(٣) رواه مسلم (١٦٢٣) (١٤) في الهبات.
(٤) رواه مسلم (١٦٢٣) (١٧) في الهبات.
[ ٣ / ٩٧ ]
مقدّرة، لأنه مما أضافه المتكلّم إلى نفسه.
وحرفا الجر يتعلّقان بـ "تصدق". والياءان في "عليّ" و"أبي" مجرورتان، إحداهما بحرف الجر، والأخرى بالإضافة.
قوله: "فقالت أمي عمرة بنت رواحة": "بنت" صفة لـ "عَمْرَة". و"عمرة" بدل من "أمي"، أو عطف بيان. و"أمي" فاعل "قالت".
وجملة "لا أرضى حتى تُشهد" معمولة للقول. و"حتى" حرف غاية ونصب (١)، لأنها مقدّرة بـ "إلى أن"، والفعل معها مستقبل.
وجملة "فانطَلَق" معطوفة على "قالت". و"اللام" في قولها: "ليُشهده" لام "كي"، والفعل معها منصوب بإضمار "أنْ"، ويجوز إظهارها (٢).
وهنا محذوف، أي: "فجاءه فأخبره، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: أفعلت؟ "، هذه الجملة محكية بالقول.
و"الباء" في قوله: "بولدك" بمعنى "اللام"، أي: "لولدك"، والتقدير: "أفعلت مثل هذا؟ فحذف المضاف، وأقام المضَاف إليه مقامه. وأكّد بـ "كُل"؛ لأنّ "الولد" يقع على الواحد وأكثر منه، فلما أراد جملة أولاده أكّد بـ "كُل".
و"كُل" من ألفاظ التأكيد، وتقدّم الكلام عليها في أوّل حديث من أوّل الكتاب.
قوله: "قال: اتقوا اللَّه": الفاعل ضمير يعود على "النبي -ﷺ-". وأصل "اتقوا": "اتقيوا"، لأنّه من "وقى، يقي"، أبدلت "الواو" تاء، وأدغمت في "التاء" (٣). والمراد:
_________________
(١) انظر: همع الهوامع (٢/ ٣٨١).
(٢) انظر: كتاب اللامات (ص ٦٦)، الهمع للسيوطي (٢/ ٤٠٢)، وجامع الدروس العربية (٢/ ١٧٤).
(٣) انظر: الصحاح (٦/ ٢٥٢٧).
[ ٣ / ٩٨ ]
"اتقوا ما كرهه اللَّه".
قوله: "واعدلوا في أولادكم": التقدير: "واعدلوا في القسم بين أولادكم".
قوله: "فرجع أبي": أي: "إلينا". وجملة "فَرَدَّ" معطوفة على "رجع". و"تلك" مفعول بـ "رَدَّ". و"الصّدقة" صفة لـ "تلك"، أي: "ردَّها إلى ملكه، ونزعها مِنِّي".
قوله: "وفي لفظ: فلا تُشْهدني إذن": هذا في جواب قوله: "أَفَعلت هذا بولدك كلهم؟ قال الرجل: لا. قال النبي: فلا تُشهدني إذن". فـ "إذن" حرف جواب. واختُلف: هل هي بسيطة أو مركّبة؟
وقد تتمحّض للجواب، بدليل أنه يُقال: "أحبُّك"، فتقول: "إذن أظنُّك صادقًا". وقال سيبويه: معناها الجواب والجزاء في كُلّ موضع (١). وقال الفارسي: في الأكثر (٢).
ولما كان الكلام هنا متضمنًا معنى الشرط حَسُن الجواب بـ "إِذَن"، والتقدير من كلام النبي -ﷺ- بعد قوله: "لا": "إنْ لم تفعل فلا تشهدني إذن". فـ "إذن" وإن تأخرت فهي متقدّمة في المعنى، أي: "فإذن لا تشهدني".
قال مكي: لا يجوز كتابة "إذن" عند الحذّاق إلّا بـ "النون"؛ لأنها مثل "لن". وأجاز الفرّاء كتابتها بـ "الألف" (٣).
قالوا: الأكثر في مجيء "إذن" جوابًا أن يتقدّمها "لو" أو "أن"، حتى تكون جوابًا لهما.
ويصح أن يكون التقدير: "لو فعلت شهدت إذن" (٤).
_________________
(١) انظر: الكتاب (٣/ ١٢ - ١٣).
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص/ ٢٧)، والجنى الداني (ص ٣٦٣، ٣٦٤).
(٣) انظر: الجنى الداني (ص ٣٦٦).
(٤) انظر: شرح التصريح (٢/ ٣٦٧)، وشرح المفصل لابن يعيش (٥/ ١٢٦)، وجامع =
[ ٣ / ٩٩ ]
قوله: "فإني لا أشهَد على جور": "الجور" بمعنى "الميل" (١)، وقد جاء بمعنى "الظلم" (٢).
قوله: "وفي لفظ": أي: "وروي في لفظ أنه قال؟ "، أي: "وروي".
قوله: "فإن" وما بعدها مُقدّرة لمصدر، هو المفعول الذي لم يُسمّ فاعله (٣) لـ "رُوي".
قوله: "فأشهد على هذا غيري": أي: قال ذلك بعد قوله: "لا".
الحديث الثامن:
[٢٨٥]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- "عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَرْعٍ" (٤).
قوله: "عامل أهل خيبر": "المعاملة" هنا بمعنى "المساقاة". وجاء في بعض الأحاديث: "دَفَعَ -ﷺ- إلَى أَهْلِ خَيْبَر أرْضَهُم عَلَى أنْ يَعْتَمِلُوهَا مِن أمْوَالِهم" (٥)، وكُلها من "العمل".
و"أهل خيبر": إضافة تخصيص، لأنّ "خيبر" صارت لمن افتتحها، وبهذا صحّت "المساقاة" عليها. و"أهل" تقدّم الكلام عليها في الحديث الخامس من "كتاب الصيام". و"خيبر" تقدّم ذكرها قريبًا.
قوله: "بشطر ما يخرج منها": "الشطر": "النصف". و"الباء" باء المقابلة. و"ما"
_________________
(١) = الدروس العربية (٢/ ١٦٩).
(٢) انظر: الصحاح (٢/ ٦١٧)، لسان العرب (٤/ ١٥٣).
(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣١٣، ٣/ ١٦١).
(٤) انظر: اللمحة (١/ ٣١٥)، وشرح التصريح (١/ ٤٢١)، والصبان (٢/ ٨٧).
(٥) رواه البخاري (٢٢٠٣)، كتاب المزارعة، ومسلم (١/ ١٥٥١)، كتاب المساقاة.
(٦) صحيحٌ: رواه مسلم برقم (٥/ ١٥٥١).
[ ٣ / ١٠٠ ]
موصولة بمعنى "الذي"، والعائد الفاعل. والضّمير في "منها" يعود على "خيبر". و"من" لابتداء الغاية.
و"من تمر": يحتمل أن تكون "من" للابتداء أيضًا؛ فيكون "من تمر" بدلًا من "منها". ويحتمل أن تكون "من" للتبعيض؛ فتتعلق بـ "يخرج"، وصحَّ ذلك؛ لأنّ معنى "من" غير مُتَّحِدٍ (١)، ومتى اختلف معنى الحرف جاز أن يتعلّقا بعامل واحد، ولو تعدّد.
قوله: "أو زرع": يحتمل أن تكون "أو" بمعنى "الواو"، والمراد: "من المجموع"، ويحتمل أن تكون "أو" للتنويع.
قوله: "أو زرع": يريد: "أو حَبَّ زرع"؛ لأنّ "الزرع" لا يُساقى عليه، إنما "المساقاة" على ما تخرجه الأرض من الغَلّات والثّمار مع ما يتبعها.
الحديث التاسع:
[٢٨٦]: عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ الأَنْصَارِ حَقْلًا، وَكُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ عَلَى أَنَّ لَنَا هَذهِ وَلَهُمْ هَذِهِ، [فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ] (٢) وَلَمْ تُخْرِجْ هَذِهِ، فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ. فَأَمَّا بِالْوَرِقِ: فَلَمْ يَنْهَنَا (٣).
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ؟ فَقَالَ: لا بَأْسَ بِهِ. إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ النبي -ﷺ- بِمَا عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ وَأَقْبَالِ الجْدَاوِلِ وَأَشْيَاءَ مِنْ الزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هَذَا وَيَسْلَمُ هَذَا، ويسلم هذا ويهلك هذا، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلَّا هَذَا. وَلِذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ. فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ: فَلا بَأْسَ بِهِ (٤).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يعني: معنى "من" في "من تمر"، و"منها" ليس واحدًا.
(٢) سقط بالنسخ. والمثبت من متن "العمدة".
(٣) رواه البخاري (٢٣٢٧) في الحرث والمزارعة، ومسلم (١٥٤٧) في البيوع.
(٤) رواه مسلم (١٥٤٧) في البيوع.
[ ٣ / ١٠١ ]
قوله: "كنا أكثر الأنصار حقلًا": "كان" واسمها، و"أكثر" خبرها، و"حقلًا" تمييز. وتقدّم الكلام على "كنّا" في الحديث الخامس من "جامع الصّلاة"، وعلى "أفعل" التفضيل في الأوّل من "الصّلاة".
و"الحَقْلُ": "الزرع إذا تشعّب قبل أن يغلظ سُوقه". وقيل: "الحقل": "الأرض التي تُزرَع". وفي الحديث: "مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ؟ " (١)، أي: "بمزارعكم"، واحدها: "محقلة"، من "الحقل"، وهو "الزرع" (٢).
قوله: "وكنا نكري الأرض": معطوفٌ على ما قبله، و"نكري" جملة في محلّ خبر "كان"، وهو من "أكرى". و"الكراء" مصدر: "كاريت".
قال في "الصّحاح": والدّليلُ على ذلك أنك تقول: "رجل مكار"، و"مفاعل" لا يكُون إلّا من "فاعلت"، وهو من ذوات ["الواو"] (٣). (٤)
قوله: "على أن": "على" حرف جر عملت في محلّ "أن" واسمها وخبرها، و"لنا" يتعلق بخبرها، و"هذه" من أسماء الإشارة.
قوله: "ولهم هذه": معطوفٌ على اسم "أنَّ" وخبرها.
قوله: "فربّما": تقدّم الكلام على "رُبّ" في الحديث الأوّل من "باب السهو". و"ما" مع "رُبَّ" مهيئة، هيأت دخُول "رُبَّ" على الفعل (٥). وقيل: هي نكرة موصوفة مجرورة بـ "رُبَّ"، والعائد محذوف، فيكون التقدير هنا: "رُبَّ شيء
_________________
(١) متفقٌ عليه: رواه البخاري برقم (٢٣٣٩)، ومسلم في صحيحه برقم (١٥٤٨/ ١١٤)، من حديث رافع بن خديج عن عمه ظهير بن رافع.
(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤١٦)، الصحاح (٤/ ١٦٧١).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: الصحاح (٦/ ٢٤٧٣).
(٥) انظر: الكليات للكفوي (ص ٤٨٢).
[ ٣ / ١٠٢ ]
أخرجته". والكوفيون يرون "رُبَّ" اسمًا حيث وقعت.
والمشهور: أنها للتقليل. وقيل: إنها للتكثير مُطلقًا، ذكره ابن مالك (١).
ومن مجيئها للتكثير: قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢] (٢).
قوله: "أخرجت هذه ولم تخرج هذه": الإشارة بقوله "هذه" إلى متعقّل في الذّهن يتصوّر في الوجُود، فـ "هذه" فاعل فيهما، والإخراج إسناد لفظي، لا معنوي.
قوله: "فنهانا عن ذلك": "نهانا" فعل وفاعل ومفعول، الفاعل ضمير "النبي -ﷺ-".
قوله: "وأمَّا الورق: فلم ينهنا": "أمَّا" تقدّم الكلام عليها في الحديث السادس من "باب الاستطابة"، وهي حرف تفصيل، ولا يقع بعدها إلا المبتدأ (٣).
فيحتمل إعراب قوله: "الورق" وجهين، أحدهما: الرفع على الابتداء، أي: "أمَّا الورِق فلم ينهنا عن البيع به"، فيكون "الورق" مبتدأ، وجملة: "فلم ينهنا" في محلّ الخبر، والتقدير: "مهما يكن من شيء فلم ينهنا عن البيع بالورق". ويحتمل أن يكون التقدير: "أمّا البيع بالورق فلم ينهنا عنه". ولو جاء: "أمّا الورقَ" بالنصب على إسقاط الخافض جاز، ويكون التقدير كما تقدّم.
ومِن حذف الخافض قولهم: "كلمته فاه إلى في"، أي: "مِن فيه إلى في" (٤)،
_________________
(١) انظر: تسهيل الفوائد (ص ١٤٧، ١٤٨)، وشرح التسهيل لابن مالك (٣/ ١٧٦، ١٧٧)، والجنى الداني (ص ٤٤٣)، والبحر المحيط (٦/ ٤٦٢).
(٢) انظر: تقسير القرطبي (١٠/ ١)، شرح التسهيل (٣/ ١٨٠)، مغني اللبيب (ص ١٨٠)، الجنى الداني (ص ٤٤٤).
(٣) انظر: الجنى الداني (ص ٥٢٥).
(٤) قال ابن مالك: "مذهب سيبويه في: كلمته فاه إلى فيّ، أنه نصب نصب الحال، لأنه واقع موقع "مشافها" ومؤدٍّ معناه. ومذهب الكوفيين أن أصله: كلمته جاعلا فاه إلى فيّ. ومذهب الأخفش أن أصله: كلمته من فيه إلى فيّ. وأولى الثلاثة أوّلها، لأنه قول =
[ ٣ / ١٠٣ ]
فحذف "من" وعدَّى الفعل إليه بنفسه. وقالوا: "خير"، في جَواب مَن قال: "كيف أصبحت؟ ". (١)
وعلى هذا التقدير: يكون قوله: "فلم ينهنا" جوابَ "أمَّا".
قوله: "ولمسلم": أي: "وروي". ومعمول "روي": "عن حنظلة" إلى آخر الحديث. أو يتعلّق "عن حنظلة" بـ "رَوَى"، أي: "ورَوَى مسلم الحديث المذكور عن حنظلة، قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض"، أي: "أنه قال"، كما تقدّم.
و"سأل" تقدّم أنها تتعدّى إلى مفعول صريح، وإلى الثّاني بحرف الجر، وقد تعلّق عن الثاني بهمزة الاستفهام، أو باسم استفهام، كما تعلّق أفعال القلوب، وقد تقدّم ذكر ذلك وتعليله في الحديث الثّاني عشر من "باب صفة الصّلاة".
قوله: "بالذّهب": يتعلّق بـ "كراء"؛ لأنه اسم يعمَل عمل المصدر.
قوله: "لا بأس به": "لا" واسمها مبني معها، و"به" يتعلّق بالخبر، والجملة كُلها معمولة للقول.
وقد وَقَع في كلامهم حذف "بأس" دون "لا"، فقالوا: "لا عليك"، أي: "لا بأس عليك" (٢). وتقدّم الكلام على "لا" مع اسمها المبني معها في الأوّل من "باب التيمم".
قوله: "إنما كَان النّاس": "إنما" كافَّة ومكفوفة، و"كان" واسمها، وخبرها جملة "يؤاجرون". وتقدّم الكلام على "إنما" في الحديث الأوّل من الكتاب.
_________________
(١) = يقتضي تنزيل جامد منزلة مشتق على وجه لا يلزم منه لبس ولا عدم للنظير". انظر: شرح التسهيل (٢/ ٣٢٥).
(٢) انظر: شرح التسهيل (٣/ ١٩٢).
(٣) انظر: شرح التسهيل (٢/ ٥٧).
[ ٣ / ١٠٤ ]
ويصح أن تكون "ما" موصولة، أي: "إن الذي كان الناس يفعلونه يؤاجرون"، فيكون خبر "كان" محذوفًا، تقديره: "يفعلونه". و"يؤاجرون" خبر "إن".
والأوّل أَجرَى على الإعراب، غير أنّه لا حصر في "إنما" هنا إلّا حصر صفة.
و"على عهد النبي -ﷺ-": يتعلّق بـ "يؤاجرون".
قوله: "بما على الماذيانات": "ما" موصولة. و"الباء" تتعلق بـ "يؤاجرون"، والتقدير: "يؤاجرون على زمن النبي -ﷺ-".
و"العَهد" بمعنى "الزّمن" (١).
و"على" يحتمل أن تكون بمعنى "في"، كما جاءت في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] (٢).
و"على الماذيانات" يتعلّق بالاستقرار المقدّر صِلَة.
و"الماذيانات": "الأنهار الكبار"، بالذّال المعجَمة المكسُورة، ورُوي فتحها، ثُم المثنّاة تحت، ثم "ألف" ثم "نون"، وهي "مسايل الماء". والإشارة إلى "ما ينبت على حافتي مسايل الماء". وقيل: "ما ينبت حول السواقي". وهي لفظة مُعربة، لا عربية (٣).
قوله: "وأقبال الجداول": "أقبال" بفتح "الهمزة": "أوائلها" و"رؤوسها"، جمع "قُبْل" (٤).
_________________
(١) انظر: الصّحاح (٢/ ٥١٥، ٥١٦)، النهاية لابن الأثير (٣/ ٣٢٥)، القاموس المحيط (ص ٣٠٣)، لسان العرب (٣/ ٣١١، ٣١٤).
(٢) انظر: تفسير القرطبي (٢/ ٤٢).
(٣) انظر: النهاية لابن الأثير (٤/ ٣١٣)، ومشارق الأنوار (١/ ٣٧٦).
(٤) الأقبال: جمع قُبْل، وقد يكون جمع قَبَل -بالتحريك- وهو الكلأ في مواضع من الأرض. انظر: النهاية لابن الأثير (٤/ ٩).
[ ٣ / ١٠٥ ]
و"الجداول": جمع "جَدول"، وهي: "الأنهار الصغار" (١).
قوله: "وأشياء من الزرع": تقدّم الكلام على "شاء"، و"شئت"، ومادتهما، في السّادس من "الإمامة"، و"شيء" في الثّاني من "المرور".
وأمّا "أشياء": فلا تنصرف للتأنيث اللازم. ومذهب سيبويه فيها والخليل أنها اسم جمع، كـ "طرفاء"، و"حلفاء"، وأصلها "شيئاء"، من مادة "شيء"، ثم قلب فصار: "أشياء"، على وزن ["لَفْعَاء"] (٢). وذهَب الكسائي وأبو حاتم إلى أنه جمع: "شيء"، كـ "بيت"، و"أبيات". وقال الفرّاء والأخفش: هو جمع على وزن "أفعلاء"، كما قالوا: "أهوِناء" في جمع "هَيْن" المخفّف من "هَيِّن". وقال الأخفش: ليس مخففًا، بل هو "فعل" جمع على "أفعلاء".
قال أبو البقاء: وفي هذه المسألة كلام كثير، محلّه كتب التصريف (٣).
فائدة:
قال سيفُ الدولةِ ليلةً: هل تعرفُون اسمًا ممدودًا جُمع مقصورًا، كما يأتي العكس، كـ "رَحًى"، و"أَرْحاء"؟
فقال قائل: حرفين، ولا أقولهما إلّا بألف دينار. فقال: لك ذلك. فقال: "صحراء" و"عذراء"، و"صحارى" و"عذارى".
فقال أحمد بن نصر: وثالث: "حلفاء"، و"حلافى".
فقيل له: "حلفاء" جمع "حَلِفَة"، وإنما سألنا عن واحد.
فقال الفارسيّ: أنا أعرف حرفًا: "أشياء"، و"أشاوَى".
_________________
(١) انظر: الصّحاح (١٦/ ٥٤).
(٢) بالنسخ: "تفعاء"، والمثبت من "التبيان" لأبي البقاء.
(٣) انظر: التبيان في إعراب القرآن لأبي البقاء (١/ ٤٦٣، ٤٦٤)، والإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٦٧٠، ٦٧١).
[ ٣ / ١٠٦ ]
فقيل له: "أشياء" جمع، وضحكوا منه.
قال بعضهم: وُجِد ثالثٌ ورابعٌ، وهما "خَبْراء" للأرض اللينة، و"خَبَارى"، و"صَلْفَى" للأرض الصّلبة و["صَلَافَى"] (١) (٢).
قوله: "من الزرع": يتعلّق بصفة لـ "أشياء".
قوله: "فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا": الإشارة إلى ما ثبت في الذّهن من تصوّر الواقع في الوجود، إذْ لا بدّ مع جريان الليل والنهار من هَلاك شيء وحياة غيره.
قوله: "ويسلم هذا": وهو بمعنى الأوّل، إمّا لمعنى مجاورة الهالك للسالم، فيهلك جانب من الزرع ويَسلَم جانب، فيجاور السالم هالك والهالك سالم. ويحتمل أن يكون هذا بالنظر إلى جملة الزّرع، فيه هالك وسالم، ففي جهةٍ سالمٌ، وفي جهةٍ هالكٌ، أي في موضع آخر. ويدخُل الغَرر في ذلك كُلّه باعتبار ما قدّره اللَّه بخلقه في خلقه.
قوله: "ولذلك زَجر عنه": أي: "ولأجل ذلك"؛ فاللام "لام" التعليل. والتقدير: "زجر الناس عنه".
"الزّجر": "النهي [يقترن] (٣) به قُوة" (٤).
والضّمير في "عنه" يعود على "الكراء".
قوله: "أمّا شيء معلوم": "شيء" مبتدأ، و"معلوم" صفته، و"مضمُون" صفة
_________________
(١) بالنسخ: "صلاقى". والمثبت من المصدر. وانظر: الصحاح (٤/ ١٣٨٧).
(٢) أوردها السيوطي بنحو هذا في "المزهر" (٢/ ١٩٩، ٢٠٠).
(٣) بالنسخ: "يفترق".
(٤) انظر: لسان العرب (٤/ ٣١٩).
[ ٣ / ١٠٧ ]
بعد الصّفة عند مَن أجاز تعدّد الصفة، أو صفة للصّفة عند مَن أجاز صفة الصفة.
قوله: "فلا بأس به": في محلّ الخبر، و"الفاء" جواب، وتقدّم مثله، وإعرابه كإعرابه.
وقد يُستدلّ بهذا على جَواز كراء الأرض بطعام مضمون، وقد منع من ذلك مالك (١) -﵁- في الصّحيح من مذهبه؛ لأحاديث ورَدت في النهي عن كراء الأرض بما يخرج منها، وعن كرائها بطعام مُطلقًا.
الحديث العاشر:
[٢٨٧]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهَ قَالَ: "قَضَى رَسُولُ اللَّهَ -ﷺ- بِالْعُمْرَى [لِمَنْ] (٢) وُهِبَتْ لَهُ".
وَفِي لَفْظٍ: "مَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلعَقِبِهِ فَإنَّهَا لِلَّذِي أعْطِيَهَا، لا تَرْجِعُ إلَى الَّذِي أَعْطَاهَا؛ لأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ".
وَقَالَ جَابِرٌ: إنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَهَا النبيّ -ﷺ- أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، أَمَّا إذَا قَيلَ: هِيَ لَك مَا عِشْتَ، فَإنَّهَا تَرْجعُ إلَى صَاحِبِهَا.
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: "أَمْسِكُوا عَلَيكمْ أَمْوَالَكُمْ وَلا تُفْسِدُوهَا؛ فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَإنَّها لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ".
قوله: "قضي رسول اللَّه -ﷺ- بالعمرى": " قضى" بمعنى "حكم" و"أوجب".
و"العُمرى" اسم المصدر، والمصدر: "إعمارًا" (٣).
قوله: "لمن وهبت له": يتعلّق بـ "العمرى" أو بحال من "العمرى"، أو "مستقرة
_________________
(١) انظر: الكافي لابن عبد البر (٢/ ٦٥٦)، النوادر والزيادات (٧/ ١٥٣).
(٢) تكرار بالأصل.
(٣) انظر: إكمال المعلم (٥/ ٣٥٧)، المصباح (٢/ ٤٢٩).
[ ٣ / ١٠٨ ]
لمن وهبت"، وتكون حالًا مقدّرة والأوّل أظهر.
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: ١١٤]: إن "الخراب" اسم للتخريب، وأضيف إليه المفعول؛ لأنّه يعمل عَمل المصدر (١).
قوله: "وُهبت له": الفعل مبني لما لم يسمّ فاعله، والمفعول [الذي] (٢) لم يُسمّ فاعله ضمير يعود على "العمرى". والجملة من الفعل والفاعل صلة. والعائد الضّمير في "له".
قوله: "وفي لفظ: مَن أعمر عمرى": "مَنْ " مبتدأ، و"أعمر عمرى" جملة من فعل وفاعل، والمفعول محذوف تقديره: "من أعمر أخاه -أو رجلًا- عمرى أعطاه".
و"عُمرى" كما تقدّم اسم للمصدر؛ فيعمل فيه: "أعْمَر".
والجملة في محل الخبر والمبتدأ، والخبر في محلّ مفعول لم يُسمّ فاعله لمتعلّق "في لفظ"، والتقدير: "وروي في لفظ: من أعمر. . . إلى آخره".
والضّمير في "له" يعود على المفعول المحذوف: "مَن أعمر إنسانًا عمرى له ولعقبه"، فإنّ كانت الرواية: "أُعمر" على البناء للمفعول، فالمفعول الذي لم يُسمّ فاعله ضمير يعود على "مَن"، والضمير في "له ولعقبه" يعود على المفعول الذي لم يُسمّ فاعله، و"له" يتعلّق بصفة لـ "عمرى".
و"العَقِب": بفتح "العين" وكسر "القاف"، قالوا: ويجوز إسكانها مع فتح "العين" (٣).
قوله: "فإنها": الضّمير يعود على "العمرى".
_________________
(١) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ١٠٧).
(٢) سقط من النسخ.
(٣) انظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٧/ ٤٩٣).
[ ٣ / ١٠٩ ]
وقوله: "للذي أعطيها": حرفُ الجر يتعلّق بخبر "أن"، أي: "فإنها كائنة للذي"، و"أُعطيها" فعل مبني لما لم يسم فاعله، يتعدّى إلى مفعولين، الأوّل ضمير مستتر يعُود على "الذي"، والثّاني ضمير مفعول يعود على "العطية".
والصّلة والموصول في محلّ جَر باللام.
قوله: "لا ترجع إلى الذي أعطاها": الجملة في محلّ خبر ثانٍ، أو في محلّ حال من ضمير المفعول في "أعطيها" أي: "غير راجعة له".
قوله: "لأنّه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث": "اللام" في "لأنه" لام التعليل (١). و"أعطى" جملة في محلّ خبر "أن".
و"عطاء": اسم المصدر، بمعنى "الإعطاء"، يُريد "الشيء المُعطى".
وتقدير الكلام: "لأنّه أعطى المعمر شيئًا وقعت فيه المواريث".
فـ "شيئًا" المفعول الثاني، وجملة "وقعت فيه المواريث" في محلّ الصفة.
وكنَّى عن انتقال المال إلى الوارث بالوقوع؛ لأنّه كالواقع على الوارث من غير أن يظنّ وقوعه عليه، كوَقْع المطر على مَن لا يتّقيه.
وتقدّم الكلام على تصريف "وقع" قريبًا في الحديث الرابع من "الإمامة".
قوله: "وقال جابر: إنما العمرى": تقدّم الكلام على "إنما" في الحديث الأوّل من الكتاب. و"العمرى" مبتدأ، والخبر قوله: "أن تقول".
قوله: "التي أجازها النبي": الصّلة والموصول صفة للعمرى. والعائد على الموصول ضمير المفعول في "أجازها".
وحرف الجر في "لك" يتعلّق بخبر ["هي"] (٢). "ولعقبك": معطوفٌ على
_________________
(١) انظر: اللامات (ص ٦٦).
(٢) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
[ ٣ / ١١٠ ]
ضمير المجرور. والجملة كُلها معمولة للقول.
و"أعمر" يتعدّى إلى مفعولين؛ لأنه بمعنى "أعطى". وإنما تعدّى هنا بحرف الجر: لأنّ في "اللام" معنى التعليل والتمليك (١)، أي: "أعمر لأجله ولأجل عقبه"، كما تقول: "أعطيته" و"أعطيت له".
قوله: "ولعقبك": معطوفٌ على "الكاف" المجرورة باللام، ولذلك أعاد حرف الجر؛ لأنّ الأفصح أنّ الضّمير المجرور لا يُعطف عليه إلّا بإعادة الخافض (٢).
قوله: "فأمّا إذا قال: هي لك ما عشت؛ فإنها ترجع إلى صاحبها": "أمَّا" حرف تفصيل يحتاج إلى جواب (٣).
و"إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان، فيه معنى الشرط؛ فيحتاج أيضًا إلى جواب (٤)، فقد اجتمع شرطان مُقتضيان للجَواب. وليس هنا ما يصلح لكُل واحد منهما إلّا قوله: "فإنها ترجع"، فالجوابُ هنا استحقّه الأوّل؛ لأن في الكلام مُقدّر مُتحتم مبتدأ بعد "أمَّا"؛ لأنه لا يقع بعدها إلا المبتدأ، فتقديره: "أمّا العمرى إذا قيل فيها: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إليه".
وأوقَع موقع "إليه": "صاحبها"، ولو قال: "إليه" كفى، ودلّ على المحذوف،
_________________
(١) انظر: اللامات (ص ٦٢).
(٢) انظر: الأصول في النحو (١/ ١٢٨)، الإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٣٨٢)، إرشاد الساري (٧/ ٩٦). وفي مثل هذا العطف خلاف بين البصريين والكوفيين، ومثله قراءة حمزة: "والأرحام" بالخفض عطفًا على الضمير المجرور في "به" من غير إعادة الجار، وهو مذهب كوفي لا يجيزه البصريون. وانظر: إرشاد الساري (١٠/ ٩٢).
(٣) انظر: الإعلام لابن الملقن (١/ ٥٢٥)، والجنى الداني في حروف المعاني (٥٢٢)، وشرح ابن عقيل (٤/ ٥٢).
(٤) انظر: اللمحة في شرح الملحة (١/ ٤٦٦)، والجنى الداني (ص ٣٦٧)، موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب (ص ٩٥).
[ ٣ / ١١١ ]
وهذا فصيح كثير في كلامهم، ويأتي المظهر موضع المضمر لِمعانٍ تقدّم منها كثير.
وجملة "إن" واسمها وخبرها خبر الاسم الواقع بعد "أمَّا".
وجواب "إذا" يدلّ عليه "يرجع"، الذي هو خبر "إن". والتقدير: "إذا قال المعمِر: هي لك ما عشت، رجعتْ إلى صاحبها". ولا يصح أن يعمل في "إذا": "ترجع" المذكور في خبر "أن"؛ لأنه وقع في صِلتها، ولا يعمل ما هو من صلتها فيما قبلها.
ولو جاء الكلام: "أمَّا إذا قال: هي لك ما عشت، فترجع" صحَّ أن يكون عاملًا في "إذا".
ويجوز أن يجعل ["فإنها"] (١) جواب "إذا"، و"إذا" وجوابها خبر "أما"، و"الفاء" في جواب "إذا" تقوم عن "الفاء" في خبر "أمّا".
ولك أن تجعل الجواب لـ "أمَّا"، وتحذف جواب "إذا"؛ لقيام جواب "أمّا" مقامه.
قوله: "ما عشت": "ما" ظرفية مصدَرية، وقد تقدّمت في التاسع من "باب الصّوم في السّفر". والتقدير هنا: "مدّة حياتك" (٢).
قوله: "وفي لفظ لمسلم": تقدّم أنّ التقدير: "ورُوي في لفظ". و"لمسلم" يتعلّق بـ "لفظ" أو بصفة له. وجملة "أمسكوا عليكم أموالكم" هي المفعول الذي لم يُسم فاعله لـ "رُوي" المقدّر.
قوله: "ولا تفسدوها": معطوفٌ على قوله: "أمسكوا".
و"لا" ناهية، والفعل معها مجزوم، وعلامة جزمه حذف "النون" (٣).
_________________
(١) بالنسخ: "فإنه".
(٢) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٤١)، شرح الأشموني (١/ ٧٥).
(٣) انظر: اللمحة في شرح الملحة (٢/ ٨٥٨)، والجنى الداني للمرادي (ص ٣٠٠)، موصل الطلاب (ص ١١٣).
[ ٣ / ١١٢ ]
ويحتمل أن يكون معنى "الفساد" فيها "المنازعة الواقعة بين المُعمِر وورثة المُعمَر". ويحتمل أن يكون المراد: "فساد الهبة والإعمار"، إذا قُلنا إنّ التقييد بالحياة لا يصحّ.
قوله: "فإنه مَن أعمر عمرى": خبر "إن" جملة "من أعمر عمرى"، وقد تقدّم إعرابه قريبًا. واسم "إن" ضمير الأمر والشّأن، وقد تقدّم ذكره وشرطه في السّادس من "باب القراءة في الصّلاة".
ونظيره في الآية الكريمة: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾ [طه: ٧٤].
وجوابُ الشّرط: "فهي للذي أعمرها".
و"حيًّا وميتًا": حالان، أي: "في حال حياته وفي حال مماته".
و"لعقبه": معطوفٌ على "الذي".
وخبر "هي" الاستقرار الذي تتعلّق به "اللام" في "للذي".
الحديث الحادي عشر:
[٢٨٨]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "لا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبهَ فِي جِدَارهِ". ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاللَّهِ لأَرْمِيَنَّ بِها بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ (١).
قوله: "لا يمنعن": جملة في محل خبر "أنَّ". و"لا" ناهية.
و"يمنعنَّ" مؤكّد بنون التوكيد الشّديدة، وهي مختصّة بالأمر والنهي
_________________
(١) رواه البخاري (٢٤٦٣) في المظالم، ومسلم (١٦٠٩) في المساقاة.
[ ٣ / ١١٣ ]
والاستفهام والشّرط (١)، وقد تقدّمت في الخامس من أوّل الكتاب.
قوله: "أن يغرز خشبة": محلّ "أنْ" نصب أو جر بإسقاط الخافض (٢)، والخلاف بين سيبويه والخليل مشهور، أي: "من أن يغرز". "خشبةً" مفعول به، ويُروى: "خُشبه" على الجمع (٣).
و"في جداره" يتعلّق بـ "يغرز".
قوله: "ثم يقول أبو هريرة": الجملة معطُوفة على ما قبلها.
وكان وَجْه الكلام أن يقُول: "ثُم قال أبو هريرة"، لكنّه راعى المعطوف عليه؛ فإنها أفعال مُستقبلة، وكثيرًا ما يأتي المستقبل بمعنى الماضي، كقوله تعالى: "وَزُلْزِلُوا حَتى يَقُولُ الرَّسُولُ" (٤) بالرفع؛ لأنّ المعنى على المضي، أي: "حتى قال الرسول" (٥).
قوله: "مالي أراكم": "ما" استفهامية، مبتدأ، والخبر في قوله: "لي"، أيْ: "أيُّ شيء كائن لي؟ "، فيتعلّق حرف الجر بالمقدّر. و"أراكم" جملة من فعل وفاعل ومفعول، في محلّ حال من الضّمير في الخبر، و"معرضين" حال من ضمير المفعول في "أراكم" إن كانت الرّؤية بصرية. وإن كانت علمية: فـ "معرضين" مفعول ثانٍ، وبهذه الحال تم معنى الكلام. و"عنها" يتعلق بـ "معرضين"، والضّمير يعود على السُّنَّة المفهومة من السياق.
وهو جمع "مُعْرض". و"مُعرض" اسم فاعل من "أعْرَض".
قوله: "واللَّه": "الواو" واو القسم، وتقدّم الكلام على أجوَبة القسَم في الثّاني
_________________
(١) انظر: شرح ابن عقيل (٣/ ٣٠٩)، الهمع (٢/ ٦١١، وما بعدها).
(٢) انظر: الجنى الداني (ص ٤٦٤).
(٣) انظر: إرشاد الساري (٤/ ٢٦٦)، والإعلام لابن الملقن (٧/ ٥٠٠).
(٤) سورة [البقرة: ٢١٤]. وهي قراءة نافع. انظر: البحر المحيط (٢/ ٣٧٣).
(٥) انظر: التبيين عن مذاهب النحويين (ص ٣٨٩).
[ ٣ / ١١٤ ]
من "باب الصفوف"، وفي العاشر من "كتاب الصّلاة".
و"بين": ظرف مكان، وتقدّم الكلام عليها وعلى مواضعها وحكمها إذا اتصل بها "ما" في الثالث من "باب السواك".
والعامل في "بين": "أرمينّ". و"بها" يتعلّق به أيضًا. أو تكون "بين" في محلّ حال من الضّمير في "بها"، أي: "لأرمينّ بها كائنة بين أكتافكم"، فتتعلق "بين" بصفة لحال محذوفة، أي: "لأرمينّ بها سُنَّةً -أو كلمةً- كائنة بين أكتافكم".
ويُروى: "بَيْنَ أكْنَافِكُم" بالنّون، رواها يحيى بن يحيى في "الموطأ" (١).
قال الشّيخ تقيّ الدّين (٢): معنى ذلك: أني أقولها لكُم، وأصرّح بها بينكم، وأوجعكم بالتوبيخ على ترْك ما رُغِّب فيه من ذلك، كما يُرمى بالشيء فيضرب به بين الكتفين (٣).
قلت: وأمّا رواية "الموطأ": فمعناها: "لأرمين بها بينكم فيما بين جوانبكم". و"الكنف": "الجانب" (٤).
الحديث الثّاني عشر:
[٢٨٩]: عَنْ عَائِشَةَ -﵂-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" (٥).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) انظر: الموطأ (٤/ ١٠٧٨).
(٢) انظر: ليس هذا القول في "إحكام الأحكام"، وإنما هو في "رياض الأفهام"، فلعل لفظ "تقي الدين" كتب بدلًا من "تاج الدين". واللَّه أعلم.
(٣) انظر: رياض الأفهام (٤/ ٤٨٩)، إرشاد الساري (٤/ ٢٦٦).
(٤) انظر: الصحاح (٤/ ١٤٢٤).
(٥) رواه البخاري (٢٤٥٣) في المظالم، ومسلم (١٦١٢) في المساقاة.
[ ٣ / ١١٥ ]
تقدّم الكلام على "الحادي" و"الثّاني" في "باب الصّلاة".
قوله: "قيد شبر": إشارة إلى ما يكون بين الشيئين، يقال: "قيد رمحٍ"، و"قيد شبرٍ"، و"قاد رمحٍ" (١). وهو منصوبٌ على المفعولية. والتقدير: "من ظلم الناس قيد". فـ "قيد" مفعول ثانٍ لـ "ظلم" على التضمين، ضُمِّنَ معنى "نقص" أو "غصب".
وقيل: ["ظلم"] (٢) هنا متعدٍّ إلى واحد، و"قيد شبر" نعت لمصدر محذوف، أي: "ظلم الناس ظلمًا قيد"، كما تقول: "لا أظلم قليلًا ولا كثيرًا"، أي: "ظلمًا قليلًا وكثيرًا".
و"القاف" فيه مكسُورة، يُقال: "قِيد" و"قَاد" (٣).
قوله: "من الأرض": يتعلّق بصفة لـ "شبر"؛ فيكون في محلّ جر.
قوله: "طوقه": مبني لما لم يُسمّ فاعله، وهو جوابُ "مَن" الشرطية، وفيه ضمير مرفوع قائم مقام الفاعل يعود على "مَن". وأصل بناء الفعل: "طوَّقَهُ اللَّه القيد"، فحذف الفاعل، وأقيم المفعول مقامه، وهو الضّمير العائد على "من".
قوله: "من سبع أرضين": يتعلّق بـ "طوقه".
و"أرضين": جمع "أرض". و"الأرض" مؤنثة، ولذلك سقطت العلامة من عَدَدها.
وعلامة الجر في "أرضين": "الياء"؛ لأنه حمل على جمع المذكّر السالم، كما حمل عليه "سنون"، و["أولو"] (٤) و"عشرون".
_________________
(١) انظر: الصحاح (٢/ ٥٢٩).
(٢) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٣) انظر: الصحاح (٢/ ٥٢٩).
(٤) بالأصل: "وألوا"، وفي (ب): "والواو"، والمثبت من المصدر.
[ ٣ / ١١٦ ]
وإنّما جمع "أرض" بالعلامتين: لأنها مؤنثة، والمؤنث حقّه أن يكون بعلامة التأنيث، فلما لم يصِلوا به العلامة عوّضوه منها أنْ جمعوه بالواو والنون، حملوا حُكمه على حكم المذكّر السالم.
قالوا: وذلك مُطّرد في كُل ثُلاثي حُذفت لامه، وعُوّض منها "هاء" التأنيث، ولم يُكَسَّر، نحو: "عِضَة" و"عِضِين"، و"عِزَة" و"عِزِين"، و"ثُبَة" و"ثُبِين" (١).
* * *
_________________
(١) انظر: شرح المفصل (٣/ ٢١٥ - ٢١٧)، وشرح قطر الندى (ص ٤٨ - ٥٠)، وشرح شذور الذهب للجوجري (١/ ١٩٧، ٢٠٢).
[ ٣ / ١١٧ ]
باب اللقطة
الحديث الأوّل:
[٢٩٠]: عن زيد بن خالد الجهني قال: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ اللُّقَطَةِ، الذَّهَبِ، أَوِ الْوَرِقِ؟ فَقَالَ: "اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ، فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ". وَسَأَلهُ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ؟ فَقَالَ: "مَا لَكَ وَلَهَا؟ دَعْهَا، فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا، وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّها". وَسَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ؟ فَقَالَ: "خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ" (١).
قوله: "سُئل رسول اللَّه -ﷺ-": مبني لما لم يُسمّ فاعله، وتقدّم الكلام على "سأل" في الحديث الثّاني عشر من "باب صفة الصّلاة". والمفعول الذي لم يُسم فاعله: "رسُول اللَّه". و"عن اللقطة" يتعلّق بِـ "سُئل".
قوله: "الذّهَب أو الوَرِق": بدَلٌ من "اللقطة"، ولو جاء منصوبًا بإسقاط الخافض جاز، كما تقدّم من قولهم: "كلمتُه فاه إلى فيّ"، أي: "من فيه إلى فيّ". (٢)
قوله: "فقال": أي: "النبي -ﷺ-": "اعرِفْ وكاءها" الفاعل ضمير "الملتقط السّائل"، بمعنى: "إذا وجَدتها اعرف عفاصها".
"العفاص": "الوعاء الذي تكون فيه النفقة، من جلد أو خِرْقة وغير ذلك"، من "العَفْص"، وهو "الثَّنْيُ" و"العَطْف"، وبه سُمّي "الجلد الذي يجعل على رأس القارورة" عفاصًا، وكذلك غُلافها يُسمّى بذلك (٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٢٤٢٧) في اللقطة، ومسلم (١٧٢٢) (٥) في اللقطة.
(٢) انظر: عقود الزبرجد (٢/ ٩٢)، شرح التسهيل لابن مالك (٢/ ٣٢٢، ٣٢٤)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٦٩٧).
(٣) انظر: النهاية لابن الأثير (٣/ ٢٦٣).
[ ٣ / ١١٨ ]
قوله: "ثم عَرِّفْها": أي: "عَرِّف اللقطة".
و"سَنَة": ظرف، أي: "في سَنة"، وأصلها: "سَنْهَة"؛ لأنّك تقول في تصغيره: "سُنيهَة" أو "سُنَيَّة"، على اختلافهم في قولهم: "سانهت" و"سانيت" (١). وتقدّم الكلام عليها في الحديث الثّاني من "باب الحيض".
قوله: "فإنّ لم تُعْرَف فاستنفقها": الفعل مجزوم بـ "لم"؛ لأنها أقرب وأشد اتصالًا. ولم تقع "لم" إلا مُلازمة للفعل المستقبل (٢)، بخلاف "إنْ"، وجعل بعضهم التنازع في الحروف كما هو في الأفعال (٣).
و"الفاء" في قوله: "فاستنفقها" جواب الشرط.
قوله: "ولْتكن": "اللام" لام الأمر، وعلامة الجزم السكون على "النون"، واسم "كان" مستتر فيها يعود على "اللقطة".
وخبر "كان": "وديعةً". و"عندك" معمول "الوديعة"؛ لأنها "فعيلة" بمعنى "مفعولة"، أو يتعلّق بصفة لـ "وديعة".
قوله: "فإن جاء طالبها يومًا من الدّهر": "يومًا" ظرف زمان، العامل فيه: "جاء"، و"من الدهر" يتعلّق بصفة لـ "يوم".
وجملة "فأدِّها" جوابُ الشّرط، وفي الكلام محذوفٌ، أي: "وإذا جاء طالبها فعرف عفاصها ووكاءها فأدِّها".
قوله: "وسأله": ضمير الفاعل في "سأله" يعود على الرجل الذي سأل النبي -ﷺ- عن اللقطة أوَّلًا، وهنا أيضًا محذوف، أي: "فأدِّ مثلها إليه". وقيل: "الواو"
_________________
(١) انظر: الصحاح (٦/ ٢٢٣٥)، لسان العرب (١٣/ ٥٠٢).
(٢) انظر: إعراب لامية الشنفري (ص ٦٨، ١٠٣)، اللمحة (٢/ ٨٤٩).
(٣) أجاز ابن العلج وقوع التنازع بين حرفين، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤]، ورُدَّ عليه في ذلك. انظر: شرح التصريح (١/ ٤٧٧، ٤٨٨)، حاشية الصبان (٢/ ١٤٦)، والهمع (٣/ ١١٨، ١٢٦).
[ ٣ / ١١٩ ]
بمعنى "أو"، أي: "فاستنفقها أو أدِّها إليه"، فتكون "الواو" بمعنى "أو"، بخلاف الأصل.
قوله: "عن ضالة الإبل": حرفُ الجر يتعلّق [بـ "سأل"] (١)، وتقدّم الكلام على "سأل" قريبًا.
قوله: "فقال: ما لَك ولها؟ ": فاعلُ "قال": ضمير يعود على "النبي -ﷺ-"، و"ما" هنا استفهامية، مبتدأ، والخبر في المجرور، أي: "ما كائن لك؟ "، "ولها" معطوفٌ على "لك".
وهذه "الواو" هي في الأصل واو "مع"، فلو كان في موضع "لها" اسم ظاهر وجبت معه "اللام"؛ لأنّه لا يُعطف على الضّمير المجرور إلا بعد إعادة الخافض (٢)، فتقول: "مَا لَك ولضَالّة الإبل؟ "، ولا يجوز على الصحيح: "ما لك وضالة؟ " بالجر.
ويجوز النصب على أنّ "الواو" واو "مع".
وأمّا هنا في الحديث: فتتعيّن "اللام" لأجْل العطف، ولأنّ الضّمير مُتصل، والمتصل لا يُمكن انفصاله إلا منصوبًا، أو مرفُوعًا، فلو قال: "ما لك وإياها؟ " صحّ، فلما جاء بـ "اللام" تعيّن الجر للعطف.
وإنما جاء النصب بواو "مع"، ولم يجز الجر؛ لأنّ واو "مع" مُعدِّية للفعل كـ "الباء" و"الهمزة"، وإن كان أصلها العَطف كما ينتصب الاسم المتعدّي إليه الفعل بواسطة، في مثل: "فَرَّحْتُ زيدًا"، أو "أذهبت زيدًا" (٣)، فكذلك انتصب مع "الواو".
ويدلُّك على أنها مُعدِّية أنها توصل الفعل اللازم إلى العَمل في مثل: "قمتُ
_________________
(١) غير واضحة بالأصل، وفي "ب": "بضال". والصواب المثبت. واللَّه أعلم.
(٢) انظر: توضيح المقاصد (٢/ ١٠٢٦).
(٣) انظر: شرح الأشموني (١/ ٤٤٨)، التبيين عن مذاهب النحويين (ص ٣٨١)، شرح المفصل (٤/ ٣٠٠)، الهمع للسيوطي (٣/ ١٢).
[ ٣ / ١٢٠ ]
وزيدًا"، و"جاء زيد وعمرا" (١).
فإن قيل: الحروفُ المعدِّية تجر ما بعدها، مثل: "ذهبتُ بزيد"، وهذه "الواو" نصبت. فالجواب: أنّ من شرط العامل الاختصاص بما يعمل فيه، و"الواو" لا اختصاص لها.
واعلم أنّه ليس المراد بهذا الكَلام -الذي هو: "ما لك ولها"- الاستفهام عن ذاتي الاسمين، بل المراد الاستفهام عن المعنى الجامع بينهما على سبيل الإنكار.
قالوا: وفي الحديث جاءت للعَطف، لا بمعنى "مع"، كقوله:
تُكَلِّفني سَوِيقَ الكَرْمِ جَرْمٌ وما جَرْمٌ وما ذاكَ السَّوِيقُ (٢)
أي: "ما الجرم وذاك السويق"، إنكارًا عليها.
هذا البيت من أبيات سيبويه (٣) أتى به شاهدًا على زيادة "ما" [في قوله] (٤): "وما ذاك".
قوله: "دعْها، فإنَّ معها حِذَاءَها": "إنَّ" واسمها وخبرها، الخبر في الظرف، و"سقاءها" معطوفٌ على "حذاءها".
وهذا من المجاز (٥)، عبَّر النبي -ﷺ- بعبارة يُفهم منها المنع من التقاطها لأجْل الحذاء والسقاء، وهو عبارة عن خُفِّها وكِرْشها مع صبرها حتى يجدها ربها، والسّقاء
_________________
(١) انظر: شرح المفصل لابن يعيش (١/ ٤٣٩، ٤٤٠)، شرح القطر (ص ٢٣٢)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٢٧٩).
(٢) البيت من الوافر، وهو لزياد الأعجم. انظر: خزانة الأدب (٣/ ١٤١)، المعجم المفصل (٥/ ١٩٣).
(٣) انظر: الكتاب لسيبويه (١/ ٣٠١، ٣٠٨).
(٤) بالنسخ: "أتى به". ولعل الصواب المثبت. واللَّه أعلم.
(٥) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ١٦٠)، وإرشاد الساري (٤/ ٢٤٣).
[ ٣ / ١٢١ ]
يتوصّل به إلى ورود الماء وأكْل الشّجر.
ويصحّ أن يكون: "ترد الماء وتأكل الشجر" بدلًا من اسم "إنَّ" وخبرها، أي: "أنها ترد الماء وتأكُل الشجر".
قوله: "حتى يجدها ربها": "حتى" حرف غاية ونصب، و"يجدها" منصوبٌ بإضمار "أنْ". و"وجد" يتعدّى إلى واحد؛ لأنها بمعنى "يُصيبها".
قوله: "وسأله عن الشّاة": معطوفٌ على ما قبله.
و"الشّاة" تقدّم الكلام عليها في السّادس من "الزّكاة".
و"عن الشّاة": يتعلّق بـ "سأل".
قوله: "فقال النبي -ﷺ-: خُذها": تقدّم الكلام على الأمر من "أخَذ" في السّادس من "باب الاستطابة". وتقدّم الكلام على "إنما" في الحديث الأوّل من الكتاب. و"هي": مبتدأ، والخبر في المجرور.
قوله: "أو لأخيك": أعاد في المعطُوف حرف الجر؛ لأنّه عطف على ضمير مجرور، وكذلك: "أو [لِلذِّئْب] (١) ".
* * *
_________________
(١) بالنسخ: "الذئب". والصواب المثبت، وهو من نص حديث الباب.
[ ٣ / ١٢٢ ]
باب الوصايا
الحديث الأوّل:
[٢٩١]: عن عبد اللَّه بن عمر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "مَا حَقُّ امرئ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِيَ [فيه] (١) يَبِيتُ لَيْلتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ" (٢).
زَادَ مُسْلِمٌ: قَالَ ابنُ عُمَرَ: مَا مَرَّت عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ ذَلِكَ، إِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي (٣).
قوله: "أنَّ رسول اللَّه -ﷺ-": فُتحت "أنَّ" لأنها معمولة لحرف الجر. وجملة: "قال" في محلّ خبر "أن".
و"ما حق امرئ مُسلم": قيل معناه: "ما الأحزم له والأحوَط إلا هذا".
وقيل: "ما المعروف في الأخلاق الحسنة إلا هذا"، لا من جهة الفرض.
وقيل: معناه أنّ اللَّه حكم على عباده [وجوب] (٤) الوصية مُطلقًا، ثم نسَخ الوصية للوارث، فبقي حَقّ الرجُل في ماله أن يُوصي لغير الوارث، وهو ما قدّره الشّارع بالثُّلث (٥).
قلت: أظهرها الأوّل؛ فيكون المعنى: "ما الأحقّ له" بمعنى "ما الأحزم له والأحوط"، فيكون بمعنى: "ما أحق على نفسك".
_________________
(١) بالنسخ: "به"، والثابت في رواية الصحيحين: "فيه"، رواه البخاري برقم (٢٧٣٨)، ومسلم برقم (١٦٢٧). ورواه بلفظ "به" ابن ماجه في سننه برقم (٢٧٠٢)، وهو صحيح.
(٢) رواه البخاري (٢٧٣٨) في الوصايا، ومسلم (١٦٢٧) في الوصية.
(٣) رواه مسلم (١٦٢٧) (٤) في الوصية.
(٤) كذا بالأصل. وفي المصدر: "بوجوب".
(٥) انظر: فيض القدير للمناوي (٥/ ٤٤١)، والنهاية فى غريب الأثر (١/ ٤١٤).
[ ٣ / ١٢٣ ]
و"ما الأحسن لك إلا كذا" و"ما جيد إلا كذا"، بمعنى: "ما الأحسن" و"ما الأجود"، كما جاء "أفعل" بمعنى "فعيل"، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] بمعنى: "هيِّن عليه" (١).
قوله: "ما حق امرئ مسلم": "ما" نافية، و"حقُّ" مبتدأ، و"امرئ" مُضاف إليه، وهو مسوّغ للابتداء مع النفي.
و"امرئ" تقدّم في الثّالث من "الزكاة".
قوله: "له شيء": جملة من مبتدأ وخبر، المبتدأ: "شيءٌ"، والخبر في المجرور، والجملة في محلّ صفة أيضًا. وجملة "يُوصي فيه" في محلّ صفة لـ "شيء".
وجملة "يبيت ليلتين" في محلّ خبر المبتدأ. و"ليلتين" ظرف زمان، العاملُ فيه: "يبيت". (٢)
و"بات" ليست من أخَوات "كان" التي تنصب الاسم وترفع الخبر. (٣)
ويحتمل وجْهًا آخر، وهو أن تكون "وصيته" الخبر، وتكون "الواو" زائدة في الجملة الخبرية، كما قيل بزيادتها في قول كعب:
. . . . . . . . . . . أَضْحَى وهْوَ مَشْمُولُ (٤)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٨/ ٣٨٦)، رياض الأفهام (١/ ٥٣١)، (٢/ ٥١١)، شرح التسهيل (٣/ ٦٠)، شرح المفصل (٤/ ١٣٤).
(٢) راجع: تحفة الأحوذى (٦/ ٢٥٥).
(٣) انظر: شرح التسهيل (١/ ٣٤٢)، شرح الكافية الشافية (١/ ٤٠٩)، شرح الأشموني (١/ ٢٣٦)، أوضح المسالك (١/ ٢٤٨)، الجزولية (ص ١٠٢)، دَليل الطّالبين (ص ٤٢).
(٤) عجز بيت من البسيط، وهو لكعب بن زهير، وهو بتمامه: شُجَّتْ بذي شَبمٍ من ماءِ مَحْنِيةٍ صافٍ بأبْطَحَ أضحى وهو مَشْمُول انظر: نهاية الأرب (١٦/ ٤٣١)، مغني اللبيب (ص ٥٣٧)، المعجم المفصل (٦/ ٣١٨).
[ ٣ / ١٢٤ ]
تشبيها للجملة الخبرية بالجملة الحالية.
وهذا الوجْه إنما يجيزه أبو الحسن والكوفيون، وتابعهم ابن مالك. (١)
قال ابن مالك: يكثر ذلك بشرطين: -
١ - كون العامل في الخبر "كان" أو "ليس".
٢ - وكون الخبر مُوجبًا بـ "إلا"، كقوله:
ما كان من بَشَر إلَّا وميتَتُه محْتومةٌ، لكن الآجالُ تَخْتَلِفُ (٢)
وهذا البيت نظير ما خرّجناه من وقوع الخبر مصحُوبًا بـ "واو" الحال بعد "إلّا".
قال: ويقِلّ في غير ذلك. (٣)
قوله: "زاد مُسلم": هذه جملة لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "قال ابن عمر. . . إلى آخره" مفعول بـ "زاد" على الحكاية.
وجملة: "ما مرت. . . إلى آخره" معمُولة للقَول.
و"عليَّ" يتعلّق بـ "مرّت"، و"ليلة" فاعل "مرّت".
قوله: "منذ سمعت": اعلم أنّ "مذ" و"منذ" لابتداء الغَاية، أو للغَاية كُلّها بمنزلة "مِن"، ولا يدخُلان إلا على الزّمان الحاضر، نحو: "مُذ يومنا"، إمّا ظاهرًا وإمّا مُقدّرًا.
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب (ص ٥٣٧)، الهمع (١/ ٤٢٧).
(٢) البيت من البسيط، وهو بلا نسبة. انظر: شرح التسهيل (١/ ٣٥٩)، الهمع (١/ ٤٢٧)، المعجم المفصل (٥/ ٥٦).
(٣) انظر: شرح التسهيل (١/ ٣٥٨ وما بعدها)، حاشية الصبان (١/ ٣٦١).
[ ٣ / ١٢٥ ]
وإن دخَلا على الزّمان الحاضر لزمتهما الحرْفية، وكذلك إن دخَلت على "كم"، نحو: "مُذ كم سرت؟ ".
وإن دخَلا على جملة اسمية أو على جملة فعلية لزمتها الاسمية، نحو: "مذ قام زيد"، و"مذ زيد قائم".
وما عَدا ذلك: فالأكثر في "مُذ" أن تكُون اسمًا، والأكثر في "مُنذ" أن تكُون حرفًا، فمتى كانت إحداهما اسمًا رفعت ما بعدها، ومتى كانت حرفًا خفضت ما بعدها، نحو: "مذ يومان"، و"مذ يومين".
فإذا رفعت "اليومان" جاز لك في إعرابه وجْهان، أحدهما: الابتداء والخبر في الظرف. والثاني: أن يكون الخبر الاسم، والمبتدأ "مذ".
فإذا قُلت: "مذ يومان"، معناه: "أمَدُ ذلك يومان".
وإذا قُلت: "مذ يوم الجمعة"، فمعناه: "أوّل ذلك يوم الجمعة" (١).
إذا ثبت ذلك: فـ "مُذ" هنا وقع بعدها جملة فعلية، فتعيَّن فيها الاسمية، والتقدير: "مُذ زمن سماعي"، فهو مُضاف لزمن محذُوف، والعاملُ فيها: "مرّت". أو تكون صفة لـ "ليلة"؛ فيعمل فيه: "كائن" أو "مُستقر"، كالظروف المتعلّقة بالأفعال.
وتقدّم الكلام على "سمع" في الحديث الأوّل من الكتاب، وأن جملة "يقول" في محلّ المفعول الثاني عند الفارسي ومَن وافقه، أو في محلّ حال عند ابن مالك ومَن وافقه (٢).
_________________
(١) انظر: انظر: اللمع في العربية (ص ٧٥، ٧٦)، ومغني اللبيب (ص ٤٤١، ٤٤٢)، والجنى الداني (ص ٣٠٤)، وشرح المفصل (٣/ ١١٧، ١١٨)، وشرح الكافية الشافية (٢/ ٧٨٩)، وأوضح المسالك (٣/ ٥٣، وما بعدها)، والهمع (٢/ ٢٢٥)، والنحو الوافي (٢/ ٥٦١).
(٢) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٤٧٢، ٤٧٣)، (٧/ ٤٤٦، ٤٤٧)، (٨/ ١٦٣)، إرشاد السّاري (٨/ ١٨٨)، (٩/ ٤٠١)، (١٠/ ١٥)، الإعلام لابن الملقن (١/ ١٦٥، ١٦٦)، شَرْح التسهيل (٢/ ٨٤).
[ ٣ / ١٢٦ ]
و"ذلك" مفعول بالقول؛ لأنّ الإشارة إلى المفعُول.
قوله: "إلا وعندي وصيتي": "إلّا" إيجابٌ للنفي، وهو استثناءٌ مفرَّغ، و"وصيتي" مبتدأ، خبره مُقدّم عليه في الظرف. والجملة في محلّ حال من الضّمير في "عليَّ"، وهو ضَمير "ابن عُمر".
و"الواو" واو الحال، دخلت على الخبر لمَّا تقدّم على المبتدأ، ولو تقدّم المبتدأ لجاء الكلام: "إلّا ووصيتي عندي".
وإنما قدّم الظرف تأكيدًا للحصر بـ "إلّا"، فكأنَّ الكلام اجتمع فيه تأكيدان: الأوّل بـ "إلا"، والثّاني بتقديم الظّرف.
الحديث الثاني:
[٢٩٢]: عن سعد بن أبي وقاص قَالَ: جاءني رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بي، فَقُلْتُ: يا رسول اللَّه قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ ما ترى، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فالشَّطْر يا رسول اللَّه؟ قَالَ: لَا. قلت: فالثلث؟ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلْثُ كَثيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ اللَّه، إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ. قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تبتغي به وجه اللَّه إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةَ، ولَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، [اللَّهُمَّ أَمْضِ] (١) لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ، يَرْثِى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى اللَّه عليه [وسلم أَنْ مَاتَ] (٢) بِمَكَّةَ (٣).
قوله: "جاءني رسول اللَّه -ﷺ- يعودني": جملة "جاءني" في محلّ معمول للقول.
_________________
(١) غير واضحة بالأصل، والمثبت من متن العمدة.
(٢) غير واضحة بالأصل، والمثبت من متن العمدة.
(٣) رواه البخاري (٢٧٤٢) في الوصايا، ومسلم (١٦٢٨) في الوصية.
[ ٣ / ١٢٧ ]
وجملة: "قال" مُقدّرة بـ "أنَّ" معمُولة لمتعلّق حرف الجر.
وجملة: "ﷺ" مُعترضة، لا محلّ لها.
وجملة: "يعودني" في محلّ حال من "رسول اللَّه".
قوله: "عام حجة الوداع": "عام" ظرف زمان، العامل فيه: "يعودني".
قوله: "من وجع": يتعلق بـ "يعودني". و"مِن" هنا سَببية، أي: "بسبب وجع"، أو بمعنى التعليل، أي: "لأجل وجَع".
ويحتمل أن يتعلّق بـ "جاءني"، ويجري في الاختيار الخلاف المعروف في باب التنازع بين البصريين والكوفيين (١).
وجملة: "اشتد بي" في محلّ صفة لـ "وجَع".
قوله: "فقلت: يا رسُول اللَّه": جملة القول معطُوفة على "جاءني"، وجملة "يا رسُول اللَّه" معمُولة للقول.
و"قد بَلغ بي من الوجَع ما ترى" من تمام المقول. و"بي" يتعلّق بـ "بلغ"، ولولا أنّ الصّلة تتقدّم على الموصُول لكان تعلّقه بـ "ترى" متمكنًا.
ويصحّ على مذهب ابن مالك والكوفيين أنْ تكون "مِن" زائدة في الإثبات، والتقدير: "قد بلغ بي الوجع ما ترى".
وفي الكتاب العزيز: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ [آل عمران: ٤٠]، وفي موضع آخر: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨]. (٢)
والرّؤية هنا بَصرية، مفعولها هو العائد على "ما".
_________________
(١) انظر: شرح المفصل (١/ ٢١١)، الصبان (٢/ ١٤٨)، وأوضح المسالك (٢/ ١٧٤).
(٢) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٢٥٨).
[ ٣ / ١٢٨ ]
ومتى جعلنا الفاعل "ما" وصلتها، كان التقدير: "وقد بلغ ما تراه".
ويحتمل أن يكون الفاعل محذوفًا يدلّ عليه قوله: "من الوجع"، والتقدير: "وقد بلغ بي جهد من الوجع"، ثم حذف الموصُوف، وأقام الصّفة مقامه.
قال ابن مالك: وهذا الحذفُ يكثر قبل "من"؛ لدلالتها على التبعيض.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤]، أي: "ولقد جاءك نبأ من نبأ المرسلين". (١)
ويحتمل أن يكُون الفَاعل محذُوفًا معلومًا من مجيء النبي -ﷺ- ليعوده، والتقدير: "وقد بلغ بي ما سمعت من الوجع ما ترى"، أي: "الذي تراه".
وهذا عندي له وَجْه.
ويحتمل قوله: "وأنا ذو مال" أن يكُون في محلّ الحال من ضَمير "النبي" في "تراه"، والرابط: "واو" الحال.
ويحتمل أن يكون الحال من فاعل "اشتد".
ويحتمل أن تكون الجملة مُستأنفة، لا محلّ لها.
قوله: "أفاتصدق بثلثي مالي؟ ": "الهمزة" للاستفهام، والفعل معها مُستفهَم عنه، و"الفاء" عاطفة، وقيل: زائدة، وكان حقّها أن تتقدّم، فعارضها الاستفهام؛ لأنّ له صَدْر الكَلام. وتقدّم الكَلام على أدوات الاستفهام في الرّابع والخامس من "الجنابة".
و"بِثُلُثَيْ": يتعلّق بـ "أتصدّق".
قوله: "لا": حرفُ جَواب (٢)، وهي بمعناها تسدّ مَسَدّ الجمْلة، أي: "لا
_________________
(١) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٨٧، ١٨٨).
(٢) انظر: الجنى الداني (ص ٢٩٦)، وجامع الدروس العربية (٣/ ٢٥٥ وما بعدها).
[ ٣ / ١٢٩ ]
تتصدّق بكُل الثلثين". وتقدّم حُكم "لا" في الأوّل من "الحيض".
قوله: "قلت: فالشّطر": الرّفع على الابتداء، والخبرُ محذُوفٌ، أي: "فالشّطر أتصدّق به؟ ". ولو جاء: "فالشّطرَ" بالنّصب صَحَّ، بتقدير: "أفأتصدّق بالشّطر؟ "، ثُم حذف حرْف الجر. (١)
ويجوز فيه الجر، كما قيل في قوله: "خيرٍ" في جواب: "كيف أصبحت؟ ". وفي الحديث: "صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفي سُوقِهِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ضِعْفًا" (٢). وفي الحديث: "إِنَّ لِي جَارينِ، فَإِلَى أيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: أقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا" (٣)، أي: "إلى أقربهما". (٤)
قوله: "قال: قلت: فالثّلث؟ ": مثل الذي قبله، يحتمل الرفع والنصب والجر.
قوله: "قَال: الثّلث، والثّلث كثير": أي: "الثّلث تصدّق به"، "والثّلث كثير" مُبتدأ وخبر.
قال القاضي عياض: الرّفع في الأوّل على أنه فاعِل بفعْل مُضمَر، أي: "يكفي
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٤٢٨).
(٢) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٦٤٧)، ومسلم برقم (٢٤٥/ ٦٤٩) بنحو هذا اللفظ، وجاءت الرواية محل الشاهد الذي يريده المصنف في مسند السراج (٦٦١) من حديث عائشة -﵂- بلفظ: "صَلاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمِيعِ تَفْضُلُ عَلَى صلَاته وَحده خمسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً"، وفي الروض البسام بتريب وتخريج أحاديث أبي تمام (٢٩٠) من حديث ابن مسعود -﵁- بلفظ: "صلاةُ الجميع تَفْضُل صلاةَ الرجل وحده بضع وعشرين صلاة أو: خمس وعشرين صلاة".
(٣) صحيح: رواه أحمد في مسنده برقم (٢٥٤٢٣)، وقال الأرنؤوط في تعليقه عليه: صحيح على شرط البخاري.
(٤) انظر: إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص ١٩٧)، شواهد التوضيح (ص ١٥٤)، شرح التسهيل (٣/ ١٩٢)، الهمع (٢/ ٤٧٠).
[ ٣ / ١٣٠ ]
الثّلث" أو نحوه، أو خبر مُبتدأ محذُوف، أو مبتدأ وخبره مُضمر.
قال: ويصحّ فيه النّصب على الإغراء، أو مفعُول بفعل مُضمر.
وبالوَجْهين ضبطناه. (١)
قوله: "إنك إن تذر": جاز في الفعل الجزم على أنّ "إنْ" حرف شرط، وجاز فيه النصب على أنّ "أنْ" المصدرية الناصبة للفعل.
فعلى التقدير الأوّل: يكون جواب الشرط محذوفًا، تقديره: "فهو خير"، ويكون قد حذف المبتدأ مقرونًا بـ "الفاء"، وأبقى الخبر. (٢)
قال ابن مالك: وهذا فيما زعم النحويون مخصُوصٌ بالضرورة. وليس كذلك، بل أكثر استعماله في الشّعر، وقيل: في غيره.
فمن وروده في غير الشعر: قراءة طاووس: "وَيَسْأَلُوَنَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ أَصْلِحْ لهم خَيْرٌ" (٣)، أي: "فهو خير".
قال: وهذا إن لم يُصرّح فيه بأداة الشّرط، فإنّ الأمر مُضمَّن معنى الشرط، فكان ذلك بمنزلة التصريح بها في استحقاق الجوَاب، واستحقاق اقترانه بـ "الفاء"؛ لكونه جملة اسمية. ومَن خَصّ هذا الحذْف بالشّعر حَاد عن التحقيق، وضيَّق حيث لا تضيق. (٤)
قلت: وأمّا مَن روى: "إنك أنْ تذر" بالنّصب فبَيِّنٌ، على أنَّ "إنك": "إنَّ"
_________________
(١) انظر: مشارق الأنوار للقاضي عياض (٢/ ٣٥٣، ٣٥٤)، وإكمال المُعْلِم (٥/ ٣٦٤)، والتنوير شرح الجامع الصغير (٥/ ٢٥٢).
(٢) راجع: التنوير شرح الجامع الصغير (٥/ ٢٥٢).
(٣) سورة [البقرة: ٢٢٠]. وقد ذكر الزمخشري والثعلبي أنّ طاوسًا قرأ: "قل إصلاح إليهم". وذكر ابن جني أنه قرأ: "قل أَصْلِحْ إليهم". انظر: الكشاف (١/ ٢٦٣)، وتفسير الثعلبي (٢/ ١٥٤)، المحتسب لابن جني (١/ ١٢٢).
(٤) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٩٢).
[ ٣ / ١٣١ ]
واسمها، و"أن تذر" محلّه رفع بالابتداء، وخبره "خير"، والجملة من المبتدأ والخبر خبر "إنّ"، والتقدير: "إنّك تركك ورثتك أغنياء خَير من أنْ تذرهم عَالة"، فـ "أنْ تذرهم" في محلّ جر بـ "مِن".
واستُعمل مُضارع "وَذَرَ"، وهو و"وَدَعَ" مما استغنت العَرَب عنهما في الفصيح، وعن اسم فاعلهما بـ "تارك"، وعن اسم مفعولهما بـ "متروك"، وعن مصدرهما بـ "الترك"، وسُمِعَ: "وَذَرَ"، و"وَدَعَ" (١).
قال القَاضي عياض: ضَبطنا "أَنْ تَذَرَ" بفتح "الهمزة"، وقد وَهِمَ بعضُهم؛ فقال: "إنْ" بالكَسر، وله وَجْه في الكَلام لا يبْعُد.
ثم قَال في موضع آخر: رَوَيناه بالفتح والكَسر في "إنْ"، وكلاهما له معنى. (٢)
قوله: "أغنياء": مفعول بـ "أنْ"، إن جعلت "وذر" بمعنى "صيَّر"، وإلا فهي حال، و"وذر" بمعنى "ترك"، و"ترك" من أفعال الصيرورة، كـ "جعل"، و"ردَّ"، و"اتخذ"، و"صير"، و"وهب" في قولهم: "وهبني اللَّه فداك" (٣).
قوله: "عالة": هو مثل الأوّل، إما مفعول بـ "أنْ"، أو حال إن قدَّرت "تذرهم" بمعنى "تخليهم". وكذلك قوله: "يتكففون الناس" حالٌ ثانية مُؤكّدة. والحالُ تقع مُؤكّدة (٤)، بخلاف الخبر.
قوله: "وإنك لن تُنفق نفقة تبتغي بها وَجْه اللَّه": الجملة الكُبرى في محلّ خبر
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٤٩٦)، الصحاح للجوهري (٢/ ٨٤٥)، الكتاب (٤/ ٦٧)، إسفار الفصيح (١/ ١٨٥، ٢٣٠، ٥٦٩)، شرح التصريح (٢/ ٤١)، الهمع للسيوطي (٣/ ٢٢)، جامع الدروس العربية (١/ ٦٤).
(٢) انظر: إكمال المعلم (٥/ ٣٦٥).
(٣) انظر: شرح الأشموني (٣٦١/ ١ وما بعدها إلى ٣٦٣).
(٤) انظر: شرح ابن عقيل (٢/ ٢٧٦)، وشرح المفصل (٢/ ٢١).
[ ٣ / ١٣٢ ]
"إنَّ"، والجملة الصّغرى في محلّ صفة لـ "نفقة".
والضّمير في "بها" يعود على "النفقة".
و"وَجْه اللَّه" بمعنى: "ثواب اللَّه".
و"نفقة" جَاءت هُنا بمعنى "مُنفَقًا". و"المنفق": اسم مفعول، كـ "الخلق" بمعنى "المخلُوق".
قوله: "إلا أُجرت عليها": "أُجرتَ" فعل ماض مبني لما لم يُسم فاعله، و"التاء" مفعول لم يُسمّ فاعله، و"عليها" يتعلّق به.
والجملة في محلّ الحال من فاعل "تنفق".
وهذه الحال الواقعة بعد "إلّا" على هذه الصّيغة لا تدخُلها "قد"، وكذلك إذا كان الماضي فيه معنى الشرط، نحو: "لأضربنه ذهب أو مكث"، أي: "إن ذهب أو مكث" (١)، أي: "ذاهبًا وماكثًا".
وقد تقدّم في السّابع من أوّل الكتاب ذكر ذلك.
قوله: "حتى ما تجعل فِي فِي امرأتك": "حتى" حرفُ غاية، وهي هنا داخلة على الاسم، وهو "ما" الموصُولة وصِلتها، والتقدير: "حتى [الذي] (٢) تجعله"، فيجوز أن تكُون [للغاية] (٣)، ويكون محلّ الصّلة والموصُول جَرًّا.
ويحتمل أن تكُون حرفَ ابتداء، فتكُون الصّلة والموصُول في محلّ رفْع بالابتداء، والخبرُ محذُوف، والتقدير: "حتى الذي تجعله فِي فِي امرأتك تُؤجَر عليه" (٤). وقد تقدّم الكلام على "حتى" وأقسامها في الحديث [الثّاني] (٥) من أوّل
_________________
(١) انظر: شرح التسهيل (٢/ ٣٥٩، ٣٧٠ وما بعدها).
(٢) بالنسخ: "التي". والمثبت من المصدر.
(٣) سقط من النسخ، والسياق يقتضي إثباتها.
(٤) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٣٥٤).
(٥) سقط من النسخ.
[ ٣ / ١٣٣ ]
الكتاب. وجاءت "حتى" هنا على شرطها من الغاية، وفي كون ما بعدها آخرًا لما قبلها، وأقلّ منه في الكمّية، وقد تقدّم ذلك.
و"جعل" تقدّم الكَلام عليها وعلى أقسَامها في الحديث الرّابع من أوّل الكتاب. ويحتمل أن تكُون هنا بمعنى "صار"، وخبرها في المجرور. ويحتمل أن تكُون بمعنى "ألقى"، أي: "حتى ما تلقيه فِي فِي امرأتك".
قوله: "فِي فِي امرأتك": "في" الأولى حرفُ جر، والثانية اسم "فم"، تقدّمت في الثاني من "الأذان"، وعلامة الجر فيها: "الياء".
قال الشّيخ تقيّ الدّين: لفظُ "حتى" هنا يقتضي المبالغة في تحصيل الأجر بالنسبة إلى المعنى، كما يُقال: "جاء الحاج حتى المشاة"، و"مات الناس حتى الأنبياء". فيمكن أن يُقال: إنّ سبب هذا ما أشرنا إليه من توهّم أنّ أداء الواجِب قد يُشعر بأن لا يقتضي غيره، ولا يزيد على براءة الذّمة.
ويحتمل أن يكون ذلك دفعًا لما عسَاه يتوهّم من أنَّ إنفاقَ الزّوج على الزّوجة واجبًا أو غير واجب، لا يُعارض تحصيل الثّواب إذا ابتغى بذلك وَجْه اللَّه تعالى (١).
قوله: "قال: فقلتُ: يا رسُول اللَّه": أي: "قال سعد".
"أُخَففُ بعد أصحابي؟ ": الجملة كُلها محكيّة بالقَول.
والعامل في "بَعْدَ": "أُخلَّف". وفيه حذف همزة الاستفهام، أي: "أَأُخلَّف بعد أصحابي؟ ".
قوله: "قال": أي: "النبي -ﷺ-". "إنك لن تُخلَّف": جملة "لن تخلف" خبر "إنّ"، ورُوي: "إنّك إنْ تُخلَّف" (٢).
وفي كلام الباجي وتفسيره ما يقتضي أنّ "لن" بمعنى "إنْ" الشّرطية؛ لأنّه
_________________
(١) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ١٦٣).
(٢) صحيح: رواه أبو داود (٢٨٦٤).
[ ٣ / ١٣٤ ]
فسرها بـ "إنك إنْ يُنسأ في أجلك"، أو: " [إنْ] (١) تخلَّف بمَكّة".
وإنما أراد أن يخرج الكلام على الخبر بالتأويل؛ لأنّ "لن" لنفي المستقبل محققًا، والمرادُ هنا احتماله وتوقّعه. (٢)
قال أبو [عمر] (٣): يحتمل أنّ سعدًا لما سَمع قَوْل النبي -ﷺ-: "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وَجْه اللَّه"، و"تنفق" فعل مُستقبل أيقن أنّه لا يمُوت من مَرضه ذلك، أو ظنّ ذلك؛ فاستفهمه: "هل يبقى بعد أصحابه؟ "، فأجابه رسول اللَّه -ﷺ- بنوع من قوله: "إنّك لن تُنفق نفقة تبتغي بها وَجْه اللَّه"، وهو قوله: "إنك لن تخلف فتعمل عَملًا صالحًا إلا ازدَدت به، ولعلّك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويُضر بك آخرون"، وهذا كُلّه ليس تصريحًا، ولكنّه قد وقَع كُلّ ما قاله النبي -ﷺ- (٤).
قوله: "فتعمل": معطوفٌ على "تخلَّف". ويجوز أن يكون منصوبًا بإضمار "أنْ" في جَواب النفي، لأنّ "الفاء" فيها معنى السّببية، فيكون التقدير: "إنّك إن تخلف يكن ذلك التخلف سببًا لفعل خَير"، وهي "زيادة الدّرجَات"، ويحسُن ذلك مع تقدير الشّرط. ويجوز أن يكون في الكلام شرط مُقدّر؛ لأنّه لما سأل، فقال: "أَأُخلَّف عن أصحابي فتبطل هجرتي؟ "، قال له النبي -ﷺ-: "إنك إن تخلف بسبب المرض عنهم"، ويكون علمًا من أعْلام النبوة، ثُم حذف ["إن تخلف"] (٥)، وعطف عليه: "فتعمل عملًا تبتغي به وَجْه اللَّه إلّا ازددت به دَرَجة". ويدلّ على هذا الحذف قوله بعد هذا: "ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويُضر بك آخرون".
وقد وَرَد في الكتاب العزيز حذْف حرف الشرط وجَوابه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "من".
(٢) انظر إرشاد الساري (٦/ ٢٣٥).
(٣) بالنسخ: "عمرو".
(٤) انظر: التمهيد لابن عبد البر (٨/ ٣٨٧).
(٥) بالنسخ: "وإن تخلف".
[ ٣ / ١٣٥ ]
لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨]، تقديره: "إن أقمت على الطاعة فلك ألا تجوع" (١).
تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ.
قال أبو البقاء: ومنه في الحديث قوله -ﷺ-: "تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ. . . وَلَو بشِقّ تمْرَة" (٢).
قال: يحتمل أن يكون أراد الشرط، أي: "إن تصدق رجُل ولو بشيءٍ حقير من ماله أثيب عليه"، فحذف حرف الشرط وجَوابه للعلم به، كالآية (٣).
أمَّا في حديثنا هذا: فيتوجّه أن يكُون "ازددت" جَواب "إنْ" الشّرطية، و"إلّا" زائدة، كما قيل بزيادتها في [قوله] (٤):
حراجيجُ لا تنفك إلا مُنَاخَةً على الخَسْفِ أوْ [نرمي] (٥) بها بلدًا
قال الأصمعي وابن جني وابن مالك: و"الحَرَاجِيجُ": جمع "حُرْجُوج"، وهي "الناقة الطويلة العُنق" (٧)، و"على الخَسْف" بفتح "الخاء": "قلة العلف".
قالوا: والشاهد فيه برفع ["نرمي"] (٨) وكان حقّه النصب بإضمار "أنْ" بعد "أو".
والشّاهد الثاني: زيادة "إلّا"؛ لأنّ "إلّا" لا تدخُل في خبر "ينفك"؛ لأنّ "لا"
_________________
(١) انظر: عقود الزبرجد (١/ ٣١٦، ٣١٧).
(٢) صحيح: مسلم (١٠١٧/ ٦٩)، من حديث جرير.
(٣) انظر: عقود الزبرجد (١/ ٣١٦، ٣١٧).
(٤) مكررة بالأصل.
(٥) بالنسخ: "ترمي" والمثبت من المصدر، ولم أقف على رواية بالتاء.
(٦) البيت من الطويل، وهو لذي الرمة. انظر: المعجم المفصل (٣/ ١٣١).
(٧) انظر: التلخيص في معرفة أسماء الأشياء (٣٥٧)، والمجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (١/ ٤٢١)، والإعلام بتثليث الكلام (١٤٢).
(٨) بالنسخ: "ترمي".
[ ٣ / ١٣٦ ]
للنفي، و"ينفك" للنفي، فمعنى الكَلام الإثبات، فإذا دخَلت "إلّا" صار نفيًا، وكذلك منعوا: "ما زال زيد إلّا قائمًا" (١).
وعلى هذا التخريج: النّصب في "فتعمل" بالعَطف على "تخلف" لفظًا، والمعنى على الجزم.
وتقدّم الكلام على ["لن"] (٢) في الحديث الثّاني من "باب العيدين".
قوله: "عملًا": مفعول بـ "تعمل"؛ لأنّ المصدر جاء [بمعنى] (٣): "شيئًا معمولًا"، [أو: "خيرًا] (٤) معمولًا".
قوله: "تبتغي به وجْه اللَّه": جملة في محلّ صفة لـ "عملًا".
قوله: "ازددت": إن صحّ [تخرّجت] (٥) جوابًا، وإلا [فهو] (٦) في محلّ الحال من فاعل "تبتغي"، و"درَجَة" مفعولٌ بـ "ازددت"، و"رفعة" معطوف عليه.
قوله: "ولعلّك": "لعلّ" من أخوات "إنَّ"، تنصب الاسم وترفع الخبر، "الكاف" اسمها، و"أن تخلف" خبرها.
وتقدّم في السّادس من "الاستطابة" الكّلام على "لعلّ".
ولها أربع مواضع: -
١ - تكون للتوقّع لأمر ترجُوه أو تخافه، نحو قولك: "لعلّ زيدًا يأتينا"،
_________________
(١) انظر: اللباب فى علل البناء والإعراب (١/ ١٧٠)، وشرح التسهيل (١/ ٣٥٧).
(٢) بالنسخ: "أن". والصواب ما أثبتناه اعتمادًا على فهرس المصنف، وبالرجوع إلى الحديث الثاني من باب العيدين، واللَّه أعلم.
(٣) غير واضحة بالأصل. وفي "ب": "لمعنى".
(٤) تكرر في الأصل.
(٥) غير واضحة بالأصل.
(٦) كذا بالأصل.
[ ٣ / ١٣٧ ]
و"لعلّ العدو يُدركنا"، ولا تدلّ على قطع أنه يكُون ولا يكُون.
٢ - وتكون شكًّا بمعنى "عسى"، كقولك: "لعل زيدًا في الدار"، و"لعل زيدًا أن يقوم"، وهي هنا بهذا المعنى، إلا أنّ ذلك كان يقينًا ببركته -ﷺ-.
٣ - وتكون استفهامًا، نحو قولك للرجل: "لعلك تشتمني"، تريد "هل تشتمني؟ ".
٤ - وتكون بمعنى "كي"، كقولك: "زرني لعلي أنفعك". قال اللَّه تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]. (١)
قوله: "حتى ينتفع": "حتى" حرفُ غاية ونصب، أي: "إلى أن"، والفعل معها مستقبل. ويجمع "قوْم" على "أقوام" (٢)، وإن كانت أسماء الجموع لا تثنى ولا تجمَع إلا لتنوّعها. و"أقوام": فاعل "ينتفع".
و"آخرون" مفعول لم يسم فاعله لـ "يُضَرَّ".
و"آخرون": جمع "آخر"، ومُفرده لا ينصرف، وجمعه مُعرَب بالحروف. و"آخر" في التفضيل لا فعْل له. وإنما جمع لأنّه لم يُستعْمَل بـ "مِن"، وتقدّم في الثّالث من "العيدين".
قوله: "اللُّهم أمض": تقدّم الكلام [على] (٣) "اللهم" في الأوّل من "الاستطابة". و"أمضِ": أمر من "أَمْضَى". و"هجرتهم": مفعول به، و"لا تردهم" معطوفٌ عليه، والفعلُ مجزومٌ بالدّعاء.
وفي "ردَّ" وما هو مثله إذا جُزم ثلاثةُ أقوال: الضّم، والفتح، والكسر (٤).
_________________
(١) انظر: أوضح المسالك (١/ ٣١٥).
(٢) انظر: شرح أبي داود للعيني (١/ ٢٦٦)، والصحاح (٥/ ٢٠١٦).
(٣) سقط من الأصل. والمثبت من "ب".
(٤) انظر: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (٤/ ٢٧٣ وما بعدها إلى ٢٧٥)، والموجز في =
[ ٣ / ١٣٨ ]
قوله: "على أعقابهم": المعنى: "لا تردهم إلى حالتهم الأولى من ترك الهجرة"، و"على" يتعلّق بحال، أي: "لا تردهم ناكصين على أعقابهم"، أي: "إثر أعقابهم".
قوله: "لكنِ البائسُ سَعد بن خولة": هذا من كلامه -ﷺ- يُقال: "بئس"، "يبأس"، "بؤسا" و"بأسًا": "افتقر"، و"اشتدّت حاجته"، والاسم منه: "بائس" (١).
وتقدّم الكلام على "لكن" في الحديث الأوّل من "باب الحيض".
و"البائس" مبتدأ، و"سعد" بَدَل منه أو عَطْف بيان، و"ابن خولة" صفة لـ "سعد". وخبر المبتدأ محذوف، أي: "أتوجَّع له"، أو: "يغفر اللَّه له".
ثم فسّر الرّاوي ما حَذفه النّبي -ﷺ- فقال: "يرثي له رسول اللَّه -ﷺ- أنْ مات بمكّة"، فـ "أن" معمُولة لـ "يرثي"، على أنّ المحلّ مجرور بـ "لام" التعليل، أي: "لأجل أنْ مات بمكّة"، فهو مفعول له.
قال القاضي عياض: ويحتمل أن يكون قوله: "أنْ مات بمكّة" من قول النبى -ﷺ- و"يرثي له رسول اللَّه -ﷺ-" من قول غيره (٢).
وعلى هذا: يكُون قوله "أن مات بمكّة" مُتصلًا بقوله: "لكن البائس سعد بن خَولة"، ويكُون الخبر محذوفًا، كما تقدّم، ويكون قوله: "يرثي" مُتأخرًا في المعنى.
قال القاضي: ورُوي في حديث آخر: "لكن سعد بن خولة البائس قد مات فى الأرْض التى قد هَاجر منها". (٣)
_________________
(١) = قواعد اللغة العربية (ص ٣٠، ٣١).
(٢) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٨٩)، وعمدة القاري (١٤/ ٣٣).
(٣) انظر: إكمال المعلم (٥/ ٣٦٧).
(٤) انظر: إكمال المعلم (٥/ ٣٦٧).
[ ٣ / ١٣٩ ]
الحديث الثالث:
[٢٩٣]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عَبَّاس قالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنْ الثُّلُثِ إلَى الرُّبْعِ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" (١).
قوله: "لو أنّ الناس": "لو" هنا حرْف لما [كان] (٢) سيقع لوقوع غيره، وجوابها محذوف تقديره: "لكان أحوط بهم" أو "لكان حَسَنًا".
ويحتمل أن تكُون "لو" للتمني؛ لأنّ المعنى: "وددت لو غضّوا"، و"لو" للتمني بعد "وَدَّ" غالبًا (٣). ومن النّادر قول قُتَيْلَة:
مَا كَانَ ضَرَّك لَوْ مَنَنْتَ ورُبَّما مَنَّ الفَتَى وهُو المَغِيظُ المُحْنَق (٤)
وإذا كانت "لو" للتمني، فهل تحتاج إلى جَواب أم لا؟
فقيل: إنّه لا بُدّ لها من جَواب، كجَواب الشّرط، وقد يأتي له جَواب منصوب كجواب "ليت" (٥).
وقال بعضهم: هي "لو" الشرطية، أُشربت معنى التمني (٦)، ولذلك نصب الفعل المضارع في قوله تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ﴾ [الشعراء: ١٠٢]، بالنصب، كما نصبت جَواب "ليتني" في قوله تعالى: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٣]. (٧)
_________________
(١) رواه البخاري (٢٧٤٣) في الوصايا، ومسلم (١٦٢٩) في الوصية.
(٢) سقط من النسخ. والمثبت من المصادر. وانظر: الكتاب لسيبويه (٤/ ٢٢٤).
(٣) انظر: أوضح المسالك (٤/ ٢٢٣ وما بعدها).
(٤) البيت من الطويل، وهو لقتيلة بنت النضر بن الحارث. انظر: المعجم المفصل (٥/ ١٧٣).
(٥) انظر: شرح التسهيل (١/ ٢٢٩).
(٦) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٥٢).
(٧) انظر: أوضح المسالك (٤/ ٢٣١ وما بعدها).
[ ٣ / ١٤٠ ]
واختار ابن مالك وغيره أن يكُون الواقع بعد "لو" إذا كان "أنَّ" واسمها أنّه في موضع رفْع بالابتداء، ولا حَاجَة إلى ذِكْر خبره؛ لأنّ الكَلام لما اشتمل على مُسند ومُسند إليه لم يحتج إلى الخبر (١).
و"الغَضُّ": "النَّقص" (٢)، ولكن المعنى هنا: "انتقلوا من الثلُث إلى الربُع"، فالفعل مُضمَّن هذا المعنى، ويكون التقدير: "لو أنّ الناس غضّوا من الثلث وانتقلوا إلى الرّبع"، فيتعلّق "إلى الرّبع" بـ "انتقلوا" المقدّر، ويتعلّق "من الثلث" بـ "غضّوا"، والمعنى يدلّ على هذا التقدير، وآخر الحديث يُفسّره أيضًا.
قوله: "فإنّ رسول اللَّه -ﷺ-": "الفاء" فاء السببية؛ لأنّ المعنى: "بسبب أنّ رسُول اللَّه -ﷺ-".
"قال: الثّلث، والثّلث كثير": هذا يجري على الإعراب المتقدّم، إمّا مرفوع على الفاعلية، أي: "يكفي الثّلث" أو "الثّلث يكفي"، أو يكُون منصوبًا بتقدير: "أخرج الثّلث"، وما بعد القول مفعُول به على الحكاية.
* * *
_________________
(١) انظر: الجنى الداني (٢٧٩، ٢٨٠)، وشرح ابن عقيل (٤/ ٤٩)، وشرح المفصل (١/ ٢٢٠)، والمدارس النحوية (٧٤).
(٢) انظر: مطالع الأنوار (٥/ ١٦١)، والصحاح (٣/ ١٠٩٥).
[ ٣ / ١٤١ ]
باب الفرائض
الحديث الأوّل:
[٢٩٤]: عَنِ عبد اللَّه بْنِ عَبَّاسٍ، عن النبي -ﷺ- قال: "ألْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ".
وفي رواية: "اقسموا المالَ بيْنَ أهلِ الفَرائِضِ علَى كِتَاب اللَّه، فَما ترَكَتْ فلِأَوْلَى رجلٍ ذكرٍ". (١)
قوله: "عن النبي": يحتمل أن يكُون بدَلًا من "عن" الأولى، أو يُقدّر: "رُوي عن عبد اللَّه أنّه روى عن النبي -ﷺ-"، فتكون "قال" في محلّ مفعول بـ "رُوي"، وتقدّر معه "أنّ" المشدّدة، أى: "أنه قال".
ومِنْ حَذْف "أنّ" المشدّدة: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الرعد: ١٢]، أي: "أنّه يُريكم" (٢).
وجملة: "ألحقوا الفرائض بأهلها" في محلّ معمول القول.
و"الفرائض": جمع "فريضة"، وهي "فعيلة" بمعنى "مفعولة". و"الفرائض": الأنصباء المقدّرة في كتاب اللَّه، النصف ونصفه، وهو الرُّبع، ونصف نصفه، وهو الثّمن، والثلثان ونصفهما، وهو الثّلث، ونصف نصفهما، وهو السّدس (٣).
ومعنى "ألحقوا الفرائض بأهلها": "أوجِبُوها لأهْلها، واحكُموا بها لهم". وجاءت العبارة النبوية في غاية الفَصَاحَة والبلاغَة مع استعمال المجَاز فيها؛ لأنّ المعنى: "أنيطوها وألصقوها بمُستحقّيها".
_________________
(١) كتب بهامش الأصل يسار الحديث: "صح".
(٢) انظر: البحر المحيط (٨/ ٣٨٣)، توضيح المقاصد (٣/ ١٢٦٤).
(٣) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ١٦٤، ١٦٥).
[ ٣ / ١٤٢ ]
قوله: "فما بقي": "ما" هنا شرطية في محلّ رفع على الابتداء، و"بقي" الخبر، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ﴾ (١)، لكن "ما" في محلّ نصب بـ "ننسخ"، و"ننسخ" مجزوم بـ "ما"، وكُلّ واحد منهما عمل في الآخر.
ويجوز أن تكون "ما" موصُولة أُشربت معنى الشّرط، والعائد عليها فاعل "بقي"، أي: "فالذي بقي من الفرائض لأَوْلَى عصبته"، والصّلة والموصُول في محلّ رَفْع بالابتداء، والخبر الجواب.
ويصح أن يكون الخبر الصّلة، كما أنّ جملة الشّرط هى الخبر، وعلى هذا تكُون جملة الصّلة لها محلّ من الإعراب، وقد عَدُّوها من الجمل التي لا محلّ لها، قيل: هي مسألة يحاجَى بها، فيُقال: أين تكُون الصّلة لها محلّ من الإعراب.
قوله: "فهو لأولى عصبة ذكر": "الفاء" جواب الشرط، والمبتدأ يعود على "ما"، والخبر: "لأولى عصبة" أي: "كائن لأولى".
و"أَوْلَى" أفعل التفضيل.
قال المازري: المراد بـ "أَوْلى" هنا: "أقرَب"، ولا يراد به: "أحَقّ"، كما قالوا في: "زيد أولى بماله"، ولو حُمل على هذا لخَلا من الفائدة المرادَة به؛ لأنّه لا يعلم مِن هذا مَن يكُون أحَقّ، وهو المراد بيانُه (٢).
قال: ومما أولع الناس بالسّؤال عن مثله قوله ههنا: "فلأَوْلَى رجلٍ ذكرٍ"، وقوله في حديث الزكاة: "فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ" (٣).
_________________
(١) سورة [البقرة: ١٠٦]. وهى قراءة ابن كثير وأبو عمرو: "ننسأها" بنون مفتوحة في أوله وبسين مفتوحة وبعدها همزة ساكنة ثم هاء. انظر: التحرير والتنوير (١/ ٦٤٠، ٦٤١).
(٢) انظر: المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٣٣٧).
(٣) صحيحٌ: رواه أبو داود في سننه برقم (١٥٦٧)، ومالك في الموطأ برقم (٢٣)، وصحّحه الشيخ الألباني في "إرواء الغليل" (٣/ ٢٦٤).
[ ٣ / ١٤٣ ]
والتأكيد إنما يحسُن إذا كان [يفيد] (١)، ومعلوم أنَّ الرجُل لا يكون إلا ذَكَرًا، كما أنّ المرأة لا تكون إلا أُنثى، فلِمَ حَسُن ههنا وصْف الرّجُل بأنه ذَكَر مع العلم بأنّه لا يكُون إلا [ذَكَرًا] (٢)؟ (٣).
وقد أجاب بعض الناس بجواب ذكره المازري ولم يستحسنه، ثم قال: والذي يلوح لي في ذلك جَواب [ينتظم] (٤) الحديثين جميعًا، وهو أنّ قاعدة الشّرع قد استقرّت على أنّ الانتقال من سنٍّ إلى أعلى منها إنما يكُون عند الانتقال [من] (٥) عَدَد إلى أكثر منه، والعَدَد الكثير يقتضي المواساة، فإذا زاد العَدَد زاد قدْر المخرج، ولهذا كانت في الخمسة والعشرين بنت مخاض، وفي الستة والثلاثين بنت لبون التي هي أسنُّ من ابنة مخاض، فلما استقر الأمر على هذا وتوقّع أن يهجس في النفوس أنّ الذي [وقع] (٦) في ابن لبون [خارج] (٧) عما أصّل؛ لأنّ ابن اللبون وإنْ كان أعلى سنًّا فهو أدْنى قَدْرًا لأجْل الذّكورية؛ فنبَّه بقوله: "ذكر" على أنّ ذلك يبخسه حتى يصير كـ "بنت مخاض" التي هي أصْغر سنًّا، لكنها أنثى.
وأمّا قوله هنا: "فلأَوْلَى رجلٍ ذَكَرٍ" لما عُلم أنّ الرجال هم أرباب القيام بالأمُور، وفيهم معنى التعصيب، وكانت العَرب ترى لهم القيام بأمُور لا تراها للنساء، ذكر -﵇- الذّكورية ليجعلها كالعلّة التي لأجلها خُصَّ بذلك، لكنه ذُكِر ههنا تنبيها على الفضل، وفي الزّكاة تنبيها على النَّقْص (٨). هذا مُلخّص ما قاله
_________________
(١) فى إكمال المعلم: "مقدما".
(٢) فى المعلم: "كذلك".
(٣) انظر: المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٣٣٧، ٣٣٨).
(٤) بالنسخ: "ينظم". والمثبت من المصدر.
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من "ب".
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من "ب".
(٧) في النسخ: "خارجا".
(٨) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٥/ ٣٢٩).
[ ٣ / ١٤٤ ]
صاحب "الإكمال" عن الإمام (١).
إذا ثبت ذلك: فقوله: "لأولى رجُل" إذا جعلناها بمعنى "أقرب"، فوزنه من "ولِيَ، يلي"، وألِفُه منقلبة عن "ياء"؛ لأنّ فاءه "واو"، فلا تكون لامه واوًا؛ إذ ليس في الكلام ما فاؤه ولامه واوان إلّا "واو" (٢).
وقد استُعمل "أفعَل" هنا بالإضَافة.
و"ذَكَرٍ" صفة للرجُل، وقيل: هو صفة لـ "أَوْلى"، فيكون في هذه الحالة مخفوضًا.
ولو قُلت: "يرث المالَ أوْلى رجُل"، لقُلت: "ذَكَرٌ" بالرّفع.
ولو قُلت: "أعْط المالَ أوْلى رجُل"، لقُلت: "ذكرًا" بالنصب، وكأنَّ قائل هذا أراد أن ينفي السّؤال؛ لأنّ الأولى يكُون ذَكَرًا، أو تكون أنثى إذا كَان بمعنى القَرَابة.
قوله: "وفي رواية": أي: "وجاء في رواية"، فيتعلّق حرف الجرب "جاء".
وجملة "اقسموا المال": فاعل "جاء" على الحكاية.
و"بين" ظرف، العامل فيه: "اقسموا". وتقدّم الكلام على "بين" في الحديث الثّالث من "باب السّواك".
قوله: "على كتاب اللَّه": في محلّ حال من "الفرائض"، أي: "اقسموا الفرائض جارية على حكم اللَّه" أو "على فرائض كتاب اللَّه".
قوله: "فما تركت الفرائض": تحتمل "ما" الوجْهين المتقدّمين من الشّرطية والموصُولة، وقد تقدّم الكلام على ذلك.
_________________
(١) يعني: المازري -﵀-.
(٢) انظر: السماع والقياس لأحمد تيمور (٦٦).
[ ٣ / ١٤٥ ]
الحديث الثاني:
[٢٩٥]: عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنْزِلُ غدًا فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: "وَهَلْ تَرَكَ لنا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ؟ ثم قال: لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، وَلَا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ" (١).
قوله: "أَتَنْزِل غدًا في دارِك": "الهمزة" للاستفهام، وتقدّم الكلام عليها في الرابع من "الجنابة". و"الهمزة" إذا دخلت على الفعل كان الاستفهام عن الفعل؛ لأنّ الشّك فيه، كما هو هنا.
فإذا دخَل الاستفهام على الاسم، نحو قوله تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] أشْعَر بوقُوع الفعْل، ويكون الاستفهام عن صدور ذلك (٢).
و"غدًا": ظرفُ زمان مُقدّر بـ "في"، وتقدّم الكَلام عليه في الحديث الأوّل من "باب حُرمة مكّة".
و"في دارك" يتعلّق بـ "تنزل".
و"بمكة" يحتمل أن يتعلّق بـ "تنزل" أيضًا، و"الباء" ظرفية.
ويحتمل أن تتعلّق "بمكّة" [بقوله] (٣): ["بدارك"] (٤)؛ لأنها بمعنى: "مِلْكك بمكّة"؛ لأنّ الأسماء إذا قُدِّر معناها عاملًا جاز أنْ تتعلّق به الظّروف والمجرورات (٥).
_________________
(١) رواه البخاري (١٥٨٨) في الحج، ومسلم (١٣٥١) في الحج.
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٤١٦).
(٣) بالنسخ: "فقوله".
(٤) كذا بالنسخ. ولفظ حديث الباب: "في دارك".
(٥) انظر: جامع الدروس العربية (٣/ ٢٠٢).
[ ٣ / ١٤٦ ]
وقد قالوا في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الأنعام: ٣]: إنَّ حرْف الجر يتعلّق بالجَلالة؛ لأنها بمَعنى "المعبود" (١).
قوله: "قال": فاعله ضمير "النبي -ﷺ-".
قوله: "وهل ترك": "هل" حرفُ استفهام، وتقدّم في الرّابع من "الجنابة" ما قيل من الفرق بين "الهمزة" و"هل"، وفي السّابع من "الصيام".
و"ترك" هنا بمعنى: "خلَّى" و"طرح"، فيتعدّى لواحد، وهو هنا "مِن رِباع"؛ لأنّ "مِن" زائدة، وجاءت على القاعدة بعد معنى النفي؛ لأنّ التقدير: "ما ترك لنا عقيل رباعًا". ويكون "لنا" مُتعلقًا بصفة لـ "رباع"، تقدّمت؛ فانتصب على الحال، أو يتعلّق بـ "ترك". ولـ "ترك" معنى آخر، وهو أن يكُون بمعنى: "صيَّر"، ولا يجئ هنا إلا بتعسّف.
قوله: "ثم قال": "ثم" حرفُ عطف، وفاعل "قال": ضمير "النبي -ﷺ-".
"لا يرث الكافر المسلم": هذا كالتفسير لقوله: "وهل ترك لنا عقيل بها من رباع"، أي: "لأنّه كافر ورث كافرًا"، فهو كالتعليل لما قبله.
وإنما قدّم ما كان بالتأخير أوْلى؛ لأنّ "الواو" لا ترتيب فيها (٢).
وقد رأيتُ الحديث في "مُسلم" بتقديم الآخر: "لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ، وَلَا الكَافِر المُسْلِمَ" (٣)، وقد يكُون هذا اللفظ للبخاري. (٤)
_________________
(١) انظر: تفسير البيضاوي (٥/ ٩٧)، والتفسير المظهري (٣/ ٢١٥، ٨/ ٣٦٥).
(٢) انظر: شرح ابن عقيل (٣/ ٢٢٦).
(٣) صحيح: رواه مسلم برقم (١٦١٤/ ١).
(٤) روى البخاري هذا الحديث بلفظ مسلم برقم (٦٧٦٤)، ورواه أيضًا بلفظ: "لَا يَرِثُ المُؤْمِنُ الكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الكَافِرُ المُؤْمِنَ"، برقم (٤٢٨٣).
[ ٣ / ١٤٧ ]
الحديث الثالث:
[٢٩٦]: عن عبد اللَّه بن عمر أَنَّ النبي -ﷺ-: نهى عَنْ بَيْع الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ (١).
قوله: "نهى": جملة في محلّ خبر "أنَّ"، و"عن بيع" يتعلّق بـ "نهى"، وتقدّم الكلام على "عن" في الحديث الثّالث من "الصفوف"، وعلى "أنَّ" ومُوجبات الفتح فيها في الرّابع من أوّل الكتاب.
وموجِب الفتح هنا: أنها معمولة للعامل في حرف الجر على حسب ما يُقدّر، فإن قُدِّر "رُوِيَ" كانت مع اسمها وخبرها في محلّ رفع، وإن قُدِّر "رَوَى" كانت في محلّ نصب على المفعولية (٢).
و"بَيْع" هنا مصدَر مُضَاف إلى المفعول، وكذلك "هبته".
وجملة "ﷺ" في سائر الأحاديث مُعترضة لا محلّ لها من الإعراب.
و"الولاء": مصْدَر: "وَلي، يلي"، فهو "مَولى".
ويقع "المولَى" على أشياء كثيرة. و"المولَى": "الرّبُّ سبحانه"، و"المالك"، و"السيّد"، و"المُنعم"، و"المعتِق"، و"الناصر"، و"المحِبُّ"، و"التابع"، و"الجار"، و"ابنُ العَمِّ"، و"الحليف"، و"العَقِيدُ"، و"الصِّهر"، و"العبد"، و"المعتَق" بفتح "التاء"، و"المنعَمُ عليه".
وقد تختلف مصادرها، فـ "الوَلايةُ" بالفتح هي: "النَّسب"، و"النصرة"، و"المعتق". و"الوِلاية" بالكسر: في "الإمارة"، و"الولاء" في "المعتق"، و"الموالاة" من
_________________
(١) رواه البخاري (٢٥٣٥) في العتق، ومسلم (١٥٠٦) في العتق.
(٢) انظر: الجنى الداني (ص ٤٠٧ وما بعدها).
[ ٣ / ١٤٨ ]
"ولي القَوم" (١).
ومنه الحديث: "من كنتُ مَوْلاه فعَليٌّ مَوْلاه" (٢).
وقال الشافعي: يعني بذلك "وَلاء الإِسلام"، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١].
وقال عُمر لعليّ: "أَصْبَحْتَ مَوْلى كُلِّ مُؤْمِنٍ" (٣)، أَي: "وَلِيَّ كلِّ مؤْمن".
وقيل: سَببُ ذلك أَنَّ أُسامةَ قال لعليّ -﵁-: "لستَ مَوْلايَ، إِنما مَوْلايَ رسُولُ اللَّه -ﷺ-"، فقَالَ رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "مَن كَنْتُ مَوْلاهُ فعَليّ مَوْلَاه" (٤).
الحديث الرّابع:
[٢٩٧]: عَنْ عَائِشَةَ -﵂- أنَّهَا قالت: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلاثُ سُنَنٍ، خُيِّرَتْ عَلى زَوْجِهَا حِينَ عتقَتْ، وَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَالْبُرْمَةُ عَلَى النَّارِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ، فَأُتِيَ بِخبْزٍ وَأدم مِنْ الْبَيْتِ. فَقال: "ألَمْ أرَ البُرْمَةً عَلَى النَّارِ فِيهَا لَحْمٌ؟ ". فَقالوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَاكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَكَرِهْنَا أنْ نُطْعِمَكَ مِنْهُ. فَقالَ: "هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَهُوَ مِنْهَا لَنَا هَدِيَّةٌ". وَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِيهَا: "إنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ" (٥).
قوله: "كان في بريرة ثلاث سُنَن": الجمْلة من "كان" واسمها وخبرها في محلّ معمُول القَول، و"قالت" في محلّ خبر "أنَّ"، وخبر "كان" في المجرور، و"ثلاث" عَدَد مُؤنّث، ولذلك سَقَطت عَلامة التأنيث.
_________________
(١) انظر: الصحاح (٦/ ٢٥٢٨ وما بعدها.).
(٢) صحيح: أخرجه أحمد برقم (٦٤١)، والنسائي في "السنن الكبرى" برقم (٨٠٨٩)، وصحّحه الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" برقم (١٧٥٠).
(٣) رواه أحمد في المسند (١٨٥٠٢)، وابن أبي شيبة في المصنّف (٣٢١١٨).
(٤) انظر: النهاية لابن الأثير (٥/ ٢٢٨، ٢٢٩).
(٥) رواه البخاري (٥٤٣٠) في الأطعمة، ومسلم (١٥٠٤) (١٤) في العتق.
[ ٣ / ١٤٩ ]
و"سُنَن": جمع "سُنَّة". و"السُّنة" وما تصرّف منها: "الطريقة"، وإذا أطلقت في الشّرع فإنّما يُراد بها ما أمَر به النبي -ﷺ- ونهى عنه ونَدَب إليه قولًا وفعلًا مما لم ينطق به الكتاب العَزيز، ولهذا يُقال في أدلّة الشرع: "الكتاب والسّنة"، أيْ: "القرآن والحديث".
قوله: "خُيِّرَتْ": بَدَلٌ من "ثَلاث"، بتقدير: "تخييرها على زوْجها"، وبتقدير: "أنْ خُيِّرَت".
وحذْفُ "أنْ" المصدَريّة كثيرٌ، منه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] أي: "أنْ يريَكم" (١).
أو يكون "خُيِّرت" خبر مبتدأ محذوف، أي: "أحدُها: أنها خُيِّرت".
والفعلُ مبنيٌّ لما لم يُسمّ فَاعِله، ومفعُوله الذي لم يُسمّ فاعله: ضميرُ "بَرِيرَة"، ولا بُدّ من تقدير الجملَة بمصْدَر ليكُون خَبرًا مُفردًا.
قوله: "على زوجها": يحتمل أن تكُون "على" بمعنى "في"؛ كقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] (٢).
ويحتمل أن تكُون "خُيّرت" تعدّى بـ "على"؛ لأنه ضُمِّن معنى "التبدية"، أي: "بُدِّيت عليه" [بالتحتية] (٣).
قوله: "حين عتقت": تقدّم الكلام على "حين" في الخامس من "صفة الصّلاة". وهي ظرفُ زمان مُضَاف إلى ماض؛ فيختار بناؤه (٤)، كقوله:
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي (١٤/ ١٨)، شرح التسهيل (١/ ٢٣٤).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٢٢)، وتفسير القرطبي (٢/ ٤٢).
(٣) بالنسخ: "بالتحية". ولعل الصّواب ما أثبتناه، أو تكون "بالتخيير"، أو غير ذلك.
(٤) انظر: أوضح المسالك (٣/ ١٣٣).
[ ٣ / ١٥٠ ]
على حين عاتبتُ المشيبَ على الصِّبا وقلتُ ألمَّا تَصْحُ والشيبُ وازعُ (١)
قوله: "فدخَل عليّ رسول اللَّه -ﷺ-": "الفاء" هنا لا تعقيب فيها ولا تسبيب، كما جاءت في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢] (٢).
قوله: "والبُرْمة على النار": قال ابن الأثير: "البُرمة": "القِدْرُ" مُطلقًا، وجمعها: "بِرَام"، وهي في الأصل: "المتخذة من الحجَر المعروف بالحجاز واليمن" (٣).
والجملَة في محلّ الحال من فاعِل "دَخَل"، و"الواو" واو الحال.
قوله: "فدَعَا بطَعَام": "دَعَا" هنا بمعنى: "سأل" و"طلب"، و"الباء" زائدة، أي: "فسأل طعامًا".
ويحتمل أن يكُون "دَعَا" على بابها، وفي الكلام محذوف، أي: "فدَعَا الخَادِم ليأتيه بطَعَام"، فحَذَف المدعو ومُتعلّق حرف الجر لدلالة سياق الكَلَام عليه.
قوله: "فأُتي بخُبز وأدم من أدم البيت": الفعلُ مبني لما لم يُسمّ فاعله، وهو من "أتى، يأتي" المتعدّي لواحدّ، وفيه ضَمير المفعول القائم مقَام الفاعِل.
و"الباء" في "بخبز" باء المصَاحَبة فيهما، أي: "فأتيته [مُصاحبه] (٤) "، أو: "أتاه الخادم مصاحبًا لخبز"، فهي "باء" الحال.
و"أدم" معطوفٌ عليه، وهو جمع: "إدام"، كـ "إزار، وأزر".
قال ابن الأثير: "الإدَام" بالكسر، و"الأُدْمُ" بالضَّمِّ: "ما يُؤكَلُ مع الخُبْزِ"، أيّ شيء كان. ومنه الحديث: "سَيّدُ إدَاِم أهْل الدّنْيا والآخِرَة: اللَحْم" (٥) جَعَل "اللحم"
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو للنابغة الذبياني. انظر: المعجم المفصل (٤/ ٢٩٢).
(٢) انظر: شرح القطر (ص ٣٠٣).
(٣) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ١٢١).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) حديث لا يصح: ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ٣٠٢).
[ ٣ / ١٥١ ]
أدْمًا، وبعض الفُقهاء (١) لا يجعَلهُ أدْمًا. (٢)
قوله: "من أدم البيت": يتعلّق بصفة لـ "أدم"، والإضافة إضافة تخصيص.
قوله: "فقال": أي: "النبي -ﷺ-". "ألم أر البرمة عَلَى النَّارِ؟ ": "الهمزة" للتقرير، والفعل مجزوم بـ "لم"، وعلامة الجزم: حذفُ "الألِف" المنقلبة عن "الياء"، و"على النار" يتعلّق بحَال من "البرمة".
قوله: "وفيها لحم": جملة من مبتدأ وخبر، الخبر في المجرور، وهو في محلّ حال أخرى، والحالُ تتعدّد كما يتعدّد الخبر، ومنعه بعضهم (٣)، فتكون حالًا من الضّمير في الحال السابقة التي تعلّق بها "على"، أي: "ألم أر البرمة كائنة على النار؟ "، ففي "كائنة" أو "مُستقرة" ضَمير يصلح أنْ ينتصب عنه الحال.
قوله: "فقالوا: بلى": تقدّم الكَلام على أنّ "بلى" حرف جواب، في الحديث الثّالث من "باب الذِّكر"، وهي لإثبات ما نُفي في السّؤال.
قوله: " [ذلك] (٤) لحم": مبتدأ وخبر.
وأتت الإشارة للبعيد بمعنى ما تعتقده من بُعده من أجْل ما فيها، أو تكون استعملت "ذلك" موضع "ذا"، كما قيل في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ [المجادلة: ١٢] أنها بمعنى "ذا" للقريب (٥).
_________________
(١) وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف. انظر: المبسوط للسرخسي (٨/ ١٧٧)، بدائع الصنائع (٣/ ٥٧)، البيان والتحصيل (٣/ ٢٥١).
(٢) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٣١).
(٣) أجاز ابن مالك تعدّد الحال، ومنعه ابن عصفور. انظر شرح التسهيل (٢/ ٣٤٨، ٣٤٩)، وهمع الهوامع (٢/ ٣١٥).
(٤) في نص حديث الباب: "ذاك".
(٥) انظر: شرح التسهيل (١/ ٢٤٦)، أوضح المسالك (١/ ١٤١).
[ ٣ / ١٥٢ ]
قوله: "تُصُدِّق به على بريرة": جملة في محلّ صفة لـ "لحم"، وهو مبني لما لم يُسمّ فاعله.
و"تَفَعَّل" و"تَفَاعَل" يُضمّ فيه الثّاني إذا بُني لما لم يُسمّ فاعله، نحو: "تُعُلّم العلم" و"تُضُورِب بالسّوط"؛ لأنّه لو لم يُضمّ الثّاني من "تُعُلِّم" واقتُصر على ضم "التاء" وحدها، لم يجب قَلب ألِفه واوًا، فيصير مُلبسًا بقولهم: "تُضارِب" للمُخاطب مُضارع "ضَارَب" إذا سُمّي فاعله في الوقف. وإنما قيل في الوقف هذا؛ لأنّ الماضي مبني على الفَتْح والمضارع مُعرَب، فتميز في غير الوقف أحدهما عن الآخر (١).
والمفعول الذي لم يُسمَّ فاعله في المجرور الثّاني؛ لأنّ الفائدة فيه.
ويتعلّق "به" بالفعل، أو يكون "به" القائم مَقَام الفاعل.
و"على بريرة" يتعلّق بالفعل، وهو الظّاهر.
قوله: "فكرهنا أن نُطعمك": "أنْ" حرفُ نصب، و"نطعمك" منصوبٌ بها، وهي مَصدَريّة تقدّر مع منصُوبها بمصْدَر، والتقدير: "فكرهنا إطعامَك". وتقدّم الفرق بين "أنْ" المصدَريّة مع فِعْلها وبين المصدَر الخليِّ من "أنْ" الصّريح، في العاشر من الأوّل.
قوله: "فقال": أي: "النبي -ﷺ-". "هو عليها صَدَقة": "هو" مبتدأ، و"عليها" يتعلّق بصفة لـ "صَدَقة"، تقدّم، فانتصب على الحال، و"صدقةٌ" الخبر.
قوله: "وهو منها لنا هَديّة": "هو" مُبتدأ، و"هَديّة" خبره، و"منها" يتعلّق بصفة لـ "هَديّة"، تقدّم، فانتصب على الحال، وبه يتعلّق حرف الجر، و"لنا" يتعلّق به أيضًا،
_________________
(١) راجع: الكتاب لسيبويه (٤/ ٢٤١)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٦٠٢، ٦٠٣)، وشرح ابن عقيل (٢/ ١١٣، ١١٤)، المخصص (٤/ ١٤١)، شرح المفصل لابن يعيش (٤/ ٢٨٩)، (٥/ ٢٨٧)، شرح التصريح (١/ ٤٣٦).
[ ٣ / ١٥٣ ]
ويجوز أن يتعلّق بحال من ضَمير الاستقرار المقَدّر في "منها".
قوله: "وقال النبي -ﷺ- فيها: إنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ": أي: "في بريرة". ويتعلّق حرف الجر بـ "قال".
و"إنما" حرف ابتداء، ويقال فيها كافة ومكفوفة (١)، وتقدّم الكلام على "إنما" في الحديث الأوّل من الكتاب.
و"الولاء" مبتدأ، وخبره في "لمن أعتق" أي: "كائن أو مستقر لمن أعتق"، وبه يتعلّق حرف الجر، و"من" موصُولة، و"أعتق" في محلّ الصّلة، والعَائد ضَمير الفاعل.
* * *
_________________
(١) انظر: شرح المفصل لابن يعيش (٤/ ٥٢٢)، ونتائج الفكر (١/ ١٤٥)، ومغني اللبيب (٤٠٤)، وهمع الهوامع (١/ ٥٢١).
[ ٣ / ١٥٤ ]