باب المواقيت
[الحديث الأوّل] (١):
[٢٠٩]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ - ﵄ -، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ: ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ: الْجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ: قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ: يَلَمْلَمَ، قَالَ: "هُنَّ [لَهُن] (٢) وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ. وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ: فَمِنْ حَيْثُ أنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ، مِنْ مَكَّةَ". (٣)
قوله: "وَقّت": في مَوضع خَبر "أنّ". و"أهْل": تقَدّم الكَلامُ عليها في الحديث الخامس من "كتاب الصيام".
والألِف واللام في "المدينة" للغَلَبة، كـ "العَقبة" لـ "عَقبة أيلة"، و"البيت" للكَعبة. (٤)
وحرفُ الجر يتعلّق بـ "وَقّت".
و"ذا الحليفة": مفعولُ "وَقّت"، وعلامةُ النصب "الألِف". وتقَدّم الكَلامُ على "ذو" في الحديث السّادس من "باب القراءة في الصّلاة"، وفي الخامس من "الجنائز".
و"الحليفة": مكانٌ من المدينة على سبعة أميال (٥)، ومع "ذو" (٦) فهو من
_________________
(١) سقط من النسخ.
(٢) كذا بالنسخ، وعليه الشرح. وفي بعض نسخ العمدة: "لهم".
(٣) رواه البخاري (١٥٢٤) في الحج، ومسلم (١١٨١) (١٢) في الحج.
(٤) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٣٣٨).
(٥) انظر: إرشاد الساري للقسطلاني (١٠/ ٣٣٨)، مشارق الأنوار (١/ ٢٢١)، الإعلام لابن الملقن (٦/ ١٣).
(٦) بالنسخ: "هو". ولعل المثبت الصواب.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
الأسماء المركبة تركيب إضافة. وتقَدّم الكلامُ على هذا النوع في ثاني حديث من الأوّل.
قوله: "ولأهْل الشّام: الجحفة": معطوفٌ على ما قبله. ومثله: "ولأهل نجد: قَرْن المنازل، ولأهل اليمن: يلملم".
و"قرْن المنازل" مثل "ذا الحليفة" في التركيب والإعراب.
وأمّا "يلملم": فقال في "الصّحاح": هو لغة في "ألملم". (١)
قال القاضي عياض: هو "جَبلٌ من جبال تهامة"، على ليلتين من مكّة. و"الياء" فيه بَدَل من "الهمزة". (٢)
قَالَ ابنُ الأثير: "الهمزة" [بَدَلٌ] (٣) من "الياء". (٤)
قَالَ الشّيخُ تقيّ الدِّين: "ذو الحُليفة" هو بضَم "الحاء" المهمَلة، وفتح "اللام". (٥)
و"الجُحْفة": بضم "الجيم"، وسكون "الحاء"، قيل: سُميت بذلك؛ لأنّ السّيل اجتحفها في بعض الزمان، وهي على ثلاث مراحل من مَكّة. ويُقال لها: "مَهْيَعَة"، بفتح "الميم" وسكون "الهاء". (٦)
قال القاضي عياض: "ذو الحليفة": "مَاءٌ من مياه بني جشم". (٧)
قَال النواوي: "قَرْن" بفَتح "القَاف" وسكون "الراء"، بلا خِلافٍ من أهْل
_________________
(١) انظر: الصحاح (٥/ ٢٠٦٤). وراجع: شرح النووي على مسلم (٨/ ٨١)، إحكام الأحكام (٢/ ٤٧)، الإعلام لابن الملقن (٦/ ١٨).
(٢) انظر: مشارق الأنوار (١/ ٥٨)، (٢/ ٣٠٦).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: النهاية لابن الأثير (٥/ ٢٩٩).
(٥) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٤٧).
(٦) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٤٧).
(٧) انظر: مشارق الأنوار (١/ ٢٢١).
[ ٢ / ٤٥٣ ]
الحديث واللغة والتّاريخ والأسماء وغيرهم. (١)
قالوا: وغَلِط الجوهري في صِحاحه فيه غلطتين، فقال: هو بفتح "الرّاء"، وزَعَم أنّ أويسًا القَرَني منسُوب إليه. (٢)
والصّوابُ: إسكانُ "الرّاء"، وأنّ أويسًا منسُوبٌ إلى قبيلة معروفة يُقال لهم: "بنو قَرَن"، وهم بَطنٌ من "مُراد". (٣)
قُلتُ: قَال "القابسي": مَن قاله بالإسكان أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن فتح "الراء" أراد الطريق الذي يفترق منه، فإنه موضع فيه طرق مختلفة. (٤)
و"يلملم": لا ينصرف؛ للعَلَمية والتأنيث، وفيه الوزن أيضًا؛ لأنّ فيه زيادة كزيادته.
قوله: "هُن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهْلهن": ولابن مالك - ﵀ - على هذا الحديث كَلامٌ في "شواهد التوضيح"، قَال: الضميرُ الأوّل والضمير الثّالث والضمير الرّابع عَائدة على "المواقيت"، فلا إشكال فيهن؛ لأنّ كُلّ ضَمير عائدٍ على جمع مَا لا يَعْقِل فالتعبيرُ عنه في الرّفع والاتصال بنحو: "فعلتْ" و"فعلن"، وفي الرّفع والانفصال بنحو: "هي" و"هُن"، وفي النصب والجر بنحو: "عرفتها" و"عرفتهن"، [إلا أنّ "فعلن" و"هن" و"عرفتهن" أولى بالعَدَد القَليل، و"فعلتْ" و"هي"
_________________
(١) انظر: شرح النووي (٨/ ٨١)، إحكام الأحكام (٢/ ٤٧).
(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (٨/ ٨١)، إحكام الأحكام (٢/ ٤٧)، الصحاح للجوهري (٦/ ٢١٨١).
(٣) انظر: شرح النووي (٨/ ٨١)، إحكام الأحكام (٢/ ٤٧).
(٤) انظر: إكمال المعلم للقاضي عياض (٤/ ١٧٠)، مشارق الأنوار (٢/ ١٩٩)، طرح التثريب (٥/ ١٠)، مرعاة المفاتيح (٨/ ٣٤٤)، الإعلام لابن الملقن (٦/ ١٦)، معجم البلدان لياقوت الحموي (٤/ ٣٣٢).
[ ٢ / ٤٥٤ ]
و"عرفتها" أولى بالعَدد الكثير، فلذلك يُقال: "الأجذاع انكسرنَ"، و"هن مُنكسرات"، و"عرفتهن"] (١)؛ لأنّ "الأجذاع" جمع قِلّة، ويُقال: "الجذوع انكسرت" و"هي منكسرة"، و"عرفتها"؛ لأنّ "الجذوع" جمع كثرة، هذا هو الأفصح، والعكسُ جائز.
وبالأفصَح جَاء قوله: "هُنّ لهن ولمن أتَى عليهم مِن غير أهْلهن"، ولو جَاء بغير الأفصَح لكَان: "هي. . . ولمن [أتى] (٢) عَليها مِن غَير أهْلها". (٣)
وبالأفْصَح أيضًا جَاءَ القرآن، أعْني قَول الله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُم﴾ [التوبة: ٣٦]، فقال: "منها"، في ضَمير "اثنا عشر"، و"فيهن" في ضَمير "أربعة". (٤)
وأمّا الضّمير في قوله: "لهن": فكَان حَقّه أن يكون هاءً وميمًا، فيقال: "هُن لهم"؛ لأنّ المراد: "أهل المواقيت"؛ فاللائقُ بهم ضمير جمع المذكّر، ولكنه أنّث باعتبار الفِرَق والزُّمَر والجماعات. (٥)
وسَببُ العُدول عن الظّاهر تحصيل التشاكُل للمُتجاورين، كما قيل في بعْض الأدْعية: "اللهُم رَبّ السّمَوَاتِ وَمَا أظْلَلْن، وَرَبّ الأَرضين وَمَا أَقْلَلْن، وَرَبّ الشَّيَاطِين وَمَا أَضْلَلْن" (٦)، واللائقُ بضَمير "الشّياطين" أنْ يكُون واوًا،
_________________
(١) سقط من النسخ. والمثبت من "شواهد التوضيح" (ص ١٣١).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٣١). وراجع: إرشاد الساري للقسطلاني (٣/ ١٠٠)، إحكام الأحكام (٢/ ٤٧)، عقود الزبرجد للسيوطي (٢/ ٢٨، ٢٩).
(٤) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٣١، ١٣٢).
(٥) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٣٢). وراجع: شرح النووي على صحيح مسلم (٨/ ٨٣)، إرشاد الساري (٣/ ١٠٠)، إحكام الأحكام (٢/ ٤٧، ٤٨).
(٦) صحيحٌ: رواه النسائي في "السنن الكبرى" (٨٧٧٥)، والحاكم في "المستدرك على =
[ ٢ / ٤٥٥ ]
[فجُعِل] (١) نُونًا قَصْدًا للمُشاكَلة. والخروجُ عن الأصل لقَصد المشَاكَلة كثير، ومنه: "لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ" (٢)، ونظائرُ ذلك كثيرة. انتهى. (٣)
قوله: "ولمن أتى": أعَاد في العَطف حرف الجر، على الوجه الفصيح في العطف على الضّمير المجرور. وعَدّى "أتى" بـ "على"؛ لأنّه بمعنى "مرّ" و"جَاء" [و"وَرَدَ"] (٤).
"مِن" في قَوله: "مِن غَير أهْلِهن" دَخَلَت على مَوصُوفٍ محذُوف، أي: "مِن حَاج غَيرهن"، فهي للتبعيض. وكَذلك "ممن أرَاد الحجّ والعُمْرَة": "مِن" هُنا للتبعيض، وتتعلّق بـ "أتى".
و"مِن" مَوصُولة بمَعنى "الذي"، أي: "وللذي أَتى عَليهن"، والعَائدُ ضميرُ الفَاعِل.
قَال غيرُ ابن مالك: "هُن" ضَمير "المواقيت"، و"لهن" ضمير "الأماكن"، التي هي المدينة والشّام ونجْد واليمن، والمراد: "أهلها"، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، أي: "أهْلَ القَرْية". (٥)
قوله: "والعُمْرة": يحتمل أنْ تكُون "الواو" بمعنى "أو"، كَما قيل في قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، أي: "مثنى أو ثُلاث"، أو تكون على بابها،
_________________
(١) = الصحيحين" (١٦٣٤)، من حديث صُهيب. وصحّحه الشّيخ الألباني في تخريجه لأحاديث "الكلم الطيب" (١٧٩).
(٢) غير واضحة بالأصل. وتشبه: "فجعلوه"، وفي (ب): "فجعلن". والمثبت من "شواهد التوضيح" (ص ١٣٢). والله أعلم.
(٣) صحيحٌ: البخاري (١٣٣٨)، من حديث أنس بن مالك.
(٤) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٣٢).
(٥) بالنسخ: "ورد".
(٦) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٤٧)، عقود الزبرجد (٢/ ٣٠).
[ ٢ / ٤٥٦ ]
والمراد: "القِران" (١) الذي يجمع فيه بين الحج والعُمرة. والأوّل أبين. (٢)
قوله: "ومَن كَانَ دُون ذَلك": "مَن" هُنَا شَرْطيّة، في محلّ رَفْع بالابتداء، والخبر إمّا فعلها أو جَوابها أو فيهما، وقد تقَدّم ذكرُ ذلك في العاشر من أوّل الكتاب. ويحتمل أن تكُون مَوصُولة، وأُشْرِبَت معنى الشّرط، أي: "والذي كَان مَنزله دون ذلك".
و"دُون" تقَدّم الكَلامُ عليها في الثّالث من "الخسوف". والعَاملُ فيها: خبرُ "كان"، أي: "ومَن كان مُستقرًا دُون ذلك".
و"ذلك" من أسماء الإشارة، تقَدّم الكَلامُ عليها في الثّالث من "استقبال القبلة"، والمعنى: "دُون الميقات إلى مَكّة".
قوله: "فمِن حَيث": أي: "فميقاته من حيث"، فحرفُ الجر يتعلّق بخَبر عن المحذُوف. و"حيث" من الظروف المكانية المبهَمَة، وتجرّ بـ "مِن" كثيرًا، وقد تقَدّم الكَلامُ عليها في العاشر من أوّل الكتاب، وفي أوّل حديث من "باب استقبال القبلة".
ومُقتضى ما قرّر "المهدوي" شَارِح الدريدية في قوله:
. . . . . . . . . . إلى حيث تَحجَّى المأزمينِ ومِنى (٣)
أن تكون "حيث" ظرفًا، إلا أن يدخُل عليها حرف الجر؛ فتنتقل إلى باب الأسماء؛ لأنّ الظّرفية مَشروطَة بتعدّي الفِعل إليها من غير واسطة، فإذا دَخَل على الظّرف حرفُ جَر انتقل، وكان ما بعده في مَوضِع صِفَة للظرف.
_________________
(١) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (٢/ ١٤١).
(٢) انظر: إرشاد الساري (٣/ ١٠٠)، (٨/ ٢٧)، شواهد التوضيح (ص ١٧٥)، شرح التسهيل (١/ ٣١٧)، مغني اللبيب (ص ٨٥٧).
(٣) الرجز من قول ابن دريد الأزدي. وقد سبق. انظر: المعجم المفصل (١٢/ ٣٥٤).
[ ٢ / ٤٥٧ ]
وقَدّر العَائد مِن البيت: "إلى حيث تحجّى المأزَمَان فيه".
وعلى هذا يُقَدّر هنا أيضًا: "من حيث أنشأ فيه"، وتكون جملة "أنشأ" صفة لـ "حيث"، لا مجرورة بالإضافة. وهذا التقدير تفرّد به هذا الشيخ، وأنكَرَه عليه غيره (١)، وقد تقَدّم أيضًا كَلام "المهدوي" واستيفاء تقريره في الحديث الأول من "استقبال القبلة".
فائدة:
" حيث" تتصل بها "مَا" الشرطية، فتعمل الجزم، وكذلك: "أين"، وكذلك "مهما"؛ لأنّ أصلها: "ما ما" شَرطية وزائدة. فـ "حيث" و"أين" لا خِلافَ في اسميتهما، وإن اتصل بهما "ما".
واختلف في "مهما"؛ فقَال السّهيلي: تكُون "مهما" اسمًا إذا عاد عليها ضَمير، نحو قوله تعالى: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾ [الأعراف: ١٣٢]، وتكون حَرفًا إذا لم يَعُد (٢)، كبيت زُهَير:
وَمَهْمَا تَكُنْ في امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ وَإِنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ (٣)
فهي هُنا حَرْف بمنزلة "أين"، لا مَوضِع لها.
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب (ص ٥٤٨).
(٢) انظر: البحر المحيط (٥/ ١٤٩)، مغني اللبيب (ص ٤٣٥)، الجنى الداني (ص ٦١١، ٦١٢)، اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٥٣ وما بعدها)، شرح المفصل (٢/ ٤٠٨)، (٤/ ٢٦٦، ٢٦٧)، شرح القطر (ص ٣٧)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٤٣٤)، نتائج الفكر (ص ١٤٣)، اللمحة (٢/ ٨٧٠)، خزانة الأدب (٩/ ٢٦)، الهمع (٢/ ٥٤٨).
(٣) البيتُ من الطويل، من مُعلقة زهير. وفيه: "عند امرئ". انظر: جمهرة أشعار العرب (ص ١٥٣، ١٧٨)، خزانة الأدب (٩/ ٢٦)، المعجم المفصل (٧/ ٤٠٩).
[ ٢ / ٤٥٨ ]
والعلّة في ذلك: أنّها مُركّبة مِن "ما" الشرطية و"مَا" الزائدة، كما قَال "الخليل" (١)، فتارة غلب عليها حُكْم "مَا" الأولى فتكُون اسمًا، وتارة حُكم الثانية فتكون حرفًا.
فإن قيل: يلزم ذلك "أينما" و"حيثما".
قُلنا: "الألِف" الأولى في "مهما" غُيرت لأجْل الثانية، حتى كأن "ما" الأولى ليست هذه، [وصارا] (٢) مُتلازمَين لا ينفَصلان بوَجْه، فمن ثَمّ جَازت مُراعَاة "مَا" الثّانية في الحرْفية، بخلاف "حيث" و"أين". (٣)
*****
قوله: "حتى أهْل مَكة": حَرْفُ ابتداء، و"أهْل" مُبتدأ، و"مَكّة" مُضَافٌ إليه.
قوله: "من مَكّة": يتعلّق بفِعل مُقَدّر، خبرًا عن المبتدأ، أي: "حتى أهل مَكّة يُهلّون من مَكّة" (٤). أو يُقَدّر: "حتى أهْل مكة ميقاتهم من مكّة"، فـ "ميقاتهم" مبتدأ، و"من مَكّة" خبره، والجملة خبر "أهْل".
وجاءت "حتى" هُنا على قَاعِدتها في كَوْن ما بعْدها وقَع عليه الحُكم الذي وقَع على ما قبلها، وفي كَون ما بعْدَها آخرًا لما قبلها وأقلّ منه في الكمية. وبهذا حَصَل الفَرْق بين "إلى" و"حتى"، فإنّ "إلى" تجر، ويجوز أن تكُون مِن جنْس ما قبلها ومِن غير جنسه، ولا يصح أنْ تكُون "حتى" الجارة - لوجُود الخبر - ولا عاطفة؛ لوقُوع
_________________
(١) انظر: الكتاب لسيبويه (٣/ ٥٩، ٦٠)، المقتضب (٢/ ٤٨)، شرح المفصل لابن يعيش (٤/ ٢٦٦)، أمالي ابن الشجري (٢/ ٥٧١)، اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٥٣)، اللمحة (٢/ ٨٧٠).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: الكتاب لسيبويه (٣/ ٥٩، ٦٠)، المقتضب للمبرد (٢/ ٤٨)، شرح المفصل لابن يعيش (٤/ ٢٦٦).
(٤) انظر: عمدة القاري للعيني (٩/ ١٤٤).
[ ٢ / ٤٥٩ ]
الجمْلة بعدها. (٢١٢٥)
الحديث الثّاني:
[٢١٠]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلُ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ".
قَالَ عبد الله: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "وَيُهِلُّ أَهْلُ (٢١٢٦) الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ". (٢١٢٧)
قوله: "قَال": جملة في محلّ خبر "أنّ". وجملة "يُهل" في محلّ معمُول القول، والقولُ متى وَقَع بعده جملة محكيّة به فهي في موضِع المفعُول به.
قوله: "يُهلّ أهْل المدينة": خَبرٌ بمعنى الأمْر، أي: "ليُهلّ"، كقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وقال الكُوفيون: تقَدّر فيه "لام" الأمر، [فعلى] (٢١٢٨) هذا يكُون تقديره: "ليُهل". (٢١٢٩)
قوله: "مِن ذي الحليفة": تقدّم القَول في أسماء المواقيت في الحديث قبل هَذا. و"مِن" هُنا لابتداء الغَاية في المكَان.
و"ذي" من الأسماء الستة، وتقدّم الكَلامُ عليها في السّادس من "باب القراءة"
_________________
(١) انظر: عُمدة القاري (١/ ١٤٢)، الجنى الداني (ص ٣٨٥، ٥٤٥، ٥٤٦)، شرح المفصل (٤/ ٤٦٥ وما بعدها)، أوضح المسالك (٣/ ٤٤).
(٢) وقع هنا تكرار بالنسخ في قوله: "قال عبد الله: وبلغني أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: يهل أهل المدينة. . . وأهل نجد من قرن".
(٣) رواه البخاري (١٥٢٥) في الحج، ومسلم (١١٨٢) في الحج.
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: البحر المحيط (٢/ ٤٩٧)، شرح المفصل (٤/ ٢٦١، ٢٧٦)، نتائج الفكر (ص ١١٢، ١١٣)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (٢/ ٥٧٨).
[ ٢ / ٤٦٠ ]
وفي الخامس من "باب الجنائز".
قوله: "وأهْل الشّام من الجُحفَة": أي: "ويُهلّ أهْل الشام من الجحفة".
قوله: "أهْل نَجْد": ["النجد"] (١): "مَا ارتَفَع مِن الأرْض"، والجمعُ: "نِجَاد" و"نُجود" و"أنْجُد". (٢) و"نَجْد" (٣) مِن بلاد العَرَب، وهو خِلافُ "الغور"، و"الغور" هو "تهامة"، وكُلّ ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو "نَجْد"، وهو مُذكّر. وأنشَد ثعلب:
ذَرَانِي مِن نَجْدٍ فَإنّ سِنِينَه لَعِبْنَ بِنا شِيبًا وشَيَّبْنَنا مُرْدا (٤)
ويُقال: "أنْجَدْنا": "إذا أخَذْنا في بلاد نَجْد". (٥)
قوله: "ويُهل أهْل اليمن مِن يلملم": ويُقال فيه: "يَرَمْرَم". (٦)
وفاعلُ "بلغني": جملة "أنّ رَسُول الله - ﷺ -". وسَوّغ وقوع الجملة فاعلًا [أنها] (٧) تُقدّر بمَصْدر، [ولذلك] (١) قالوا في حَدّ الفَاعِل: الفاعِلُ هو اسم أو مَا في
_________________
(١) سقط من النسخ. والمثبت من "الصحاح" (٢/ ٥٤٢).
(٢) وفي المخصص (٣/ ٥٠): "والجمع: أنجد وأنجاد، ونجاد، ونجود".
(٣) بالأصل: "وأنجد"، ثم ضرب ناسخ الأصل على الألف.
(٤) البيتُ من الطويل، وهو من قول "الصمة بن عبد الله القشيري"، ويُنسب لبعض بني عامر. ويُروَى فيه أيضًا: "دَعاني". انظر: خزانة الأدب (٨/ ٥٨، ٥٩، ٦٠، ٦٢)، لسان العرب (١٣/ ٥٠١)، المخصص (٢/ ٤٠٢)، المعجَم المفصل (٢/ ١٨٨).
(٥) انظر: الصّحاح للجوهري (٢/ ٥٤٢)، معجم ديوان الأدب للفارابي (١/ ١٠٤)، المخصص (٣/ ٥٠)، لسان العرب لابن منظور (٣/ ٤١٣، ٤١٤)، المصباح (٢/ ٥٩٣)، المعجم الوسيط (٢/ ٩٠٢).
(٦) انظر: الإعلام لابن الملقن (٦/ ١٨)، الصحاح (٥/ ١٩٣٨)، لسان العرب (١٢/ ٢٥٤)، القاموس المحيط (ص ١١٥٩)، تاج العروس (٣٢/ ٢٨٦).
(٧) بالنسخ: "أن لأنها".
[ ٢ / ٤٦١ ]
مَا في تقدير الاسم. والذي في تقدير الاسم: "إنّ" و"أنْ" و"ما"، تقُول: "يُعجبني أنّك قائم"، و"يُعجبني أنْ قَام زَيد"، و"يُعجبني ما صَنعت"، أي: "يُعجبني صُنعك". (٢)
والتقديرُ هنا: "بلغني قَول رَسُول الله - ﷺ -".
وخَبرُ "أنّ": جملة "قَال". وجملةُ "يُهل أهْل اليَمَن" في محلّ مفْعُول القَول.
***
_________________
(١) تكرار بالأصل.
(٢) انظر: الجنى الداني (ص ٣٣١)، نتائج الفكر (ص ١٤٤)، شرح ابن عقيل (١/ ٣٥١)، أوضح المسالك (٢/ ٧٧)، شرح الأشموني (١/ ٣٨٦).
[ ٢ / ٤٦٢ ]
باب ما يلبس المحرم من الثياب
[الحديث الأوّل] (١):
[٢١١]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ -: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسولَ اللهِ، مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لا يَلْبَسُ [الْقُمصَ] (٢)، وَلا الْعَمَائِمَ، وَلا السَّرَاوِيلاتِ، وَلا الْبَرَانِسَ، وَلا الخِفَافَ، إلَّا أَحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْنِ؛ فَلْيَلْبَسْ [الخُفَّيْنِ] (٣)، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ. وَلا يَلْبَسْ مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ". (٤)
وَلِلْبُخَارِيِّ: "وَلا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ، وَلا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ". (٥)
قوله: "أنّ رَجُلا قَال: يا رسُول الله": محل "أنّ" رَفعٌ [بمفعول] (٦) لم يُسَم فَاعِله، [أي] (٧): "رُوي عن عبد الله [هذا] (٨) اللفظ"، فالجملة كُلّها إلى آخر الحديث مفعولٌ محكيّ مبني مرفُوعُ المحلّ.
و"قَال" في محلّ خَبر "أنّ"، وفاعِله مُستتر. و"يا رَسُولَ الله" معمُولُ القول.
و"مَا يَلبس المحْرم؟ ": مُبتدأ، وخبرُ المبتدأ: اسمُ الاستفهام. والخبر في جملة "يَلبس"، أي: "أي شيءٍ يَلبس المحْرم؟ ". والألِف واللام في "المحْرم" للجنس. (٩)
_________________
(١) سقط من النسخ.
(٢) في بعض نسخ العُمدة: "القميص".
(٣) في بعض نسخ العُمدة: "خُفين".
(٤) رواه البخاري (١٥٤٢) في الحج، ومسلم (١١٧٧) في الحج.
(٥) رواه البخاري (١٨٣٨) في جزاء الصيد.
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "إذ".
(٨) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "بهذا".
(٩) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٤٢٢).
[ ٢ / ٤٦٣ ]
قوله: "مِن الثياب": "مِن" لبيان الجنس، ويتعلّق بـ "يلبس". (١)
قوله: "قَال رسُولُ الله - ﷺ -: لا يَلبس القُمص": كَان طريقُ الجواب: "يَلبس كذا"، لكنه - ﷺ - عَدل عنه فصاحة وبلاغة؛ لأنّ ما لا يلبس المحرم ينحصر في ما ذكره؛ فتحصل الفائدة للسّائل، وما يلبسه لا ينحصر؛ فعَدل لهذا المعنى. (٢)
فجُملة "لا يَلبس" معمولة للقَول، و"لا" ناهية، والفِعلُ بها مجزوم؛ فتكون "السّين" مكْسُورة، لالتقاء السّاكنين.
ويجوز أنْ تكُون "لا" نافية، والمعنى على النّهي، و"السّين" مرفُوعة؛ فيكون خبرًا في محلّ النهي. (٣)
و"القُمص": جمعُ "قميص". (٤)
"ولا العَمائم": معْطُوفٌ عليه، جمعُ "عمامة"، وهو على وَزْن مَا لا ينصرف، لكنه بدخُول الألِف واللام ينجرّ بالكسرة؛ لأنّ كُلّ ما لا ينصرف إذا دخلته الألِف واللام أو الإضافة ينجرّ. وعبارة بعضهم: ينصرف. وفرّق بعضهم، فقال: ينصرف إنْ ذهب مُوجب المنع، وينجر إنْ وجد، كما في "عمائم" و"مساجد"؛ لأنّ المانعَ قَائِم، وهو صيغة مُنتهى الجموع. (٥)
قوله: "ولا السراويلات": "السّراويل" معروفٌ، يُذَكّر ويُؤنّث، والجمعُ:
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٤٢٢).
(٢) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٤٢٢).
(٣) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٤٢٢).
(٤) انظر: الصحاح (٣/ ١٠٥٤)، لسان العرب (٧/ ٨٢).
(٥) انظر: الكتاب (١/ ٢٢)، (٣/ ٢٢١)، شرح الكافية الشافية (١/ ١٧٩)، أسرار العربية (ص ٥٥، ٢٢٥)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٧٢، ٥٢١)، شرح التسهيل (١/ ٤١)، شرح المفصل (١/ ١٦٦)، (٣/ ١٤٧)، الهمع (١/ ٩٢).
[ ٢ / ٤٦٤ ]
"السراويلات".
قَال سيبويه (١): "سَراويل" واحدة، وهي أعجَمية عُرّبت؛ فأشبهت مِن كلامهم ما لا ينصرف في معرفة ولا نَكِرة، وهي مصروفة في النكرة، وإن سَمّيت بها رجُلا لم تصرفها، وكذلك إن نقلتها اسم رجل؛ لأنها مؤنث على أكثر من ثلاثة أحرف، مثل: "عناق".
ومِن النحويين مَن لا يصرفه في النكرة، ويزعم أنه جمع "سروال" أو "سروالة"، ويُنشد:
علَيْهِ مِنَ اللُّؤْم سِرْوَالةٌ فلَيْس يرِقّ لمستَعطِفِ (٢)
ويحتج مَن ترك صَرفه بقَول ابن مُقْبِل:
. . . . . . . . . . . فَتَى فارِسىّ في سراويلَ رامحُ (٣)
قال في "الصّحاح": والعَملُ على القول الأوّل، والثاني أقوَى. و"سرولته": "ألبسته السراويل". (٤)
فـ "السراويلات": منصوبٌ بالعَطْف على "القُمص"، وعلامة نصبه الكسرة؛
_________________
(١) انظر: الكتاب (٣/ ٢٢٩)، الصحاح (٥/ ١٧٢٩).
(٢) البيتُ من المتقارب، وهو بلا نسبة. انظر: خزانة الأدب (١/ ٢٣٣)، المعجم المفصل (٥/ ٩٢).
(٣) عجز بيت من الطويل، وصدره: "يُمَشي بها ذَبُّ الرَّيادِ كأنّه". انظر: شرح المفصل لابن يعيش (١/ ١٨٢)، لسان العرب (١/ ٣٨١)، (١١/ ٣٣٤)، خزانة الأدب (١/ ٢٢٨)، المعجم المفصل (٢/ ١٠٩).
(٤) انظر: الكتاب لسيبويه (٣/ ٢٢٩)، الصحاح (٥/ ١٧٢٩)، المقتضب (٣/ ٣٤٥)، لسان العرب لابن منظور (١١/ ٣٣٤)، المخصص (١/ ٣٩٢)، شرح المفصل (١/ ١٨٢)، مختار الصحاح (ص ١٤٧).
[ ٢ / ٤٦٥ ]
لأنه جمعُ مُؤنّث سالم.
قوله: "ولا البرانس": جمعُ "برنس"، وهو كُلّ ثوب رأسه منه مُلتزق به، من دُرَّاعَة أو جُبَّة.
وقال الجوهري: هو قلنسوة طَويلة كان النسّاك يلبسونها في صَدْر الإسلام، وهُو مِن "البرس" بكسْر "الباء"، وهو "القُطْن". و"النون" زائدة. وقيل: إنّه غير عَربي. (١)
والكَلامُ عليه مثلُ الكَلام على "العَمائم".
قوله: "ولا الخفاف": "الخفاف" بكسر "الخاء".
وفاعلُ "يلبس" يحتمل وَجْهين، أحدهما: ضَمير يعُود على المحْرِم المتقَدّم ذِكْره في السّؤال، ويكونُ الكَلام مُسترسلًا إلى قوله: "ولا الخفاف". ويكونُ قوله: "إلا أحَدٌ" راجعًا إلى "الخفاف" فقط، فيقدّر فعل، أي: "ولا يلبس الخفين إلا أحد"؛ فيكون إعراب "أحَدٌ" فاعِلًا [بالفِعْل] (٢) المقَدّر، ويكونُ الاستثناءُ مُفرغًا.
ويحتمل أن يكُون "ولا الخفاف" معطوفًا على ما قبله، ويكون "أحدٌ" مبتدأ، وخبره محذوفٌ، أي: "يَسوغ له ذلك". وعلى هذا يكون الاستثناء مُنقَطعًا، بمعنى "لكن".
ويحتمل أن يكُون الاستثناء مُتّصلًا، ويكُون "أحَدٌ" بَدَلًا من الضّمير، أي: "لا يلبس المحْرِم [كَذا، إلّا] (٣) مُحرِم. . .".
_________________
(١) انظر: الصحاح (٣/ ٩٠٨)، النهاية لابن الأثير (١/ ١٢٢)، مجمع بحار الأنوار (١/ ١٦٨)، لسان العرب (٦/ ٢٦).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) بالنسخ: "كذا لا".
[ ٢ / ٤٦٦ ]
وتقَدّم الكَلام على "أحَد" في الثّاني مِن الأوّل، والكَلَام على "إلّا" في الاستثناء في الحديث الرّابع مِن "التشهد".
وجملة "لا يجِد نَعْلَين" في محلّ صِفَة لـ "أحَد"، وجملة "فليَلبس" معطُوفة على "يجد"، و"الفَاء" سَببيّة. وتقَدّم الكَلام على "لام الأمر" في السّادس من "الإمامة". وفَاعلُ "فليَلبس": ضَميرُ "أحَد".
و"الخفّين": تثنية "خُفّ".
قوله: "أسْفَل": ظَرْفٌ. و"مِن": لابتداء الغَايَة. والمعنى: "فليقطعهما جهة أسْفَل من الكعبين".
قَالَ في "الصّحاح": "السُّفْلُ" و"السِّفلُ" بضَمّ "السّين" وكسرها، و"السّفول" و"السَّفال" بفتح "السّين"، و"السُّفالة" بضم "السّين"، نقيض "العُلْو" و"العَلاءِ" و"العَلَاوَة". (١)
يجوز هنا أنْ تكُون "مِن" زائدة، أي: "أسفل الكعبين"، ويكون "الكعبان" [بتقدير المضاف] (٢)، أي "أسْفَل محاذي الكَعبين"، أو يكون الكَعب مِن الخُف آخره، سُمّي بذلك باعتبار محلّه مِن كَعْب الرّجل.
قوله: "ولا يلبس مِن الثِّيابِ شيئًا": فاعِلُ "يلبس" ضَمير الرّجُل، و"مِن" لبيان الجنس، و"شيئًا" مفعُول به، وتقدّم الكلامُ عليه في الثاني من "باب المرور".
وجملة "مَسّه" في مَوضِع الصّفة لـ "شيء"، و"زعفران أو ورس" فاعلُ "مَسّه". و"الورس": [نباتُ] (٣) اليمن، يُصفّر كالحناء. (٤)
_________________
(١) انظر: الصحاح (٥/ ١٧٣٠).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "ثياب".
(٤) انظر: الصحاح (٣/ ٩٨٨)، النهاية لابن الأثير (٥/ ١٧٣)، لسان العرب (٦/ ٢٥٤)، =
[ ٢ / ٤٦٧ ]
و"أو" هُنا للتفصيل، وقد تقَدّم الكَلامُ عليها في الثّالث من "باب السّواك".
و"الزّعْفَرَان": يجمَع على "زَعَافِر"، مثل: "تَرْجَمَان" و"تَرَاجِم". (١)
قوله: "وللبخاري": أي: "جاء للبخاري"، فيتعلّق حرف الجر بالمقَدّر. ويحتمل أن يكون حرفُ الجر مُتعلقًا بخبر عن مُبتدأ مُقَدّر من الجمْلة على طَريق الحكاية، أي: "وللبخاري هَذا اللفظ".
و"لا": ناهية، و"تنتقب" مجزوم بالنهي، وكذلك "ولا تلبس القفازين" مجزوم بالنّهي (٢).
قال أبو عبيد: "النقابُ" للمرأة لا يبدو منه إلّا العَينان، وكان اسمه عندهم "الوصوَصَة" و"البُرقع"، وكان مِن لباس النِّساء، ثُم [أحْدَثن] (٣) النقاب بعده. (٤)
وأمّا "القفاز": فهو شيء تلبسه نِسَاء العَرَب في أيديهن، يُغطي الأصابع والكفّ والسّاعِد مِن البرد، ويكُون فيه قُطنٌ محشو. وقيل: هو ضَرْبٌ من الحُلي تتخذه المرأة ليَدَيها. (٥)
_________________
(١) = القاموس المحيط (ص ٥٧٩).
(٢) انظر: الصحاح للجوهري (٢/ ٦٧٠)، لسان العرب (٤/ ٣٢٤)، (١٢/ ٢٢٩)، القاموس المحيط (ص ٤٠٠).
(٣) تكرر بعدها بالنسخ: "وكذلك لا تلبس القفازين".
(٤) بالنسخ: "أخذ من". وفي غريب الحديث (٤/ ٤٦٤): "أحدثن".
(٥) انظر: غريب الحديث لأبي عُبيد القاسم بن سلام (٤/ ٤٦٤)، لسان العرب لابن منظور (١/ ٧٦٨)، النهاية لابن الأثير (٥/ ١٠٣)، تاج العروس للزبيدي (٤/ ٢٩٩)، مجمع بحار الأنوار (٤/ ٧٦٦).
(٦) انظر: الإعلام لابن الملقن (٦/ ٣٦)، النهاية لابن الأثير (٤/ ٩٠)، مجمع بحار الأنوار (٤/ ٣٠٤).
[ ٢ / ٤٦٨ ]
الحديث الثّاني:
[٢١٢]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: "مَنْ لَمْ يَجِدْ [نَعْلَيْنِ] (١) فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ". (٢)
قوله: "سَمِعتُ رَسُولَ الله - ﷺ -": تقَدّم الكَلامُ على "سَمعتُ" في أوّل حَديثٍ من الكتاب، وهُو هُنا تعَلّق بالذّوات؛ فلَك في جملة "يخطُب" وَجْهَان: الحال، وهو المختارُ عند المتأخّرين، والنصب على المفعولية، وهو اختيار الفارسي ومَن وافقه. (٣)
قوله: "بعَرَفَات": هو اسمُ جَبَل، وهو مُؤنّث، [حَكَى سيبويه] (٤): "هذه عَرفاتٌ مُبارَكًا فيها". وهي مُرادفة لـ "عَرَفة"، وقيل: إنها جمعٌ. فإنْ عنى في الأصل فصَحيح، وإن [عنى] (٥) حالة كونها عَلَمًا فليس بصحيح؛ لأنّ الجمعية تنافي العَلَمية. (٦)
وقَال قَومٌ: "عرفة" اسمُ اليوم، و"عرفاتٌ" [اسمُ] (٧) البقعة. (٨)
والتنوينُ في "عَرفَات" ونحوه تنوين مُقَابَلَة، وقيل: تنوينُ صَرْف. واعتَذَر عن
_________________
(١) بالنسخ: "النعلين". والمثبت من "العمدة" (ص ١٥١)، وعليه الشرح.
(٢) رواه البخاري (٥٨٠٤)، (٥٨٥٣) في اللباس، ومسلم (١١٧٨) في الحج.
(٣) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٤٧٢، ٤٧٣)، (٧/ ٤٤٦، ٤٤٧)، (٨/ ١٦٣)، إرشاد السّاري (٨/ ١٨٨)، (٩/ ٤٠١)، (١٠/ ١٥)، شواهد التوضيح والتصحيح (ص ١٨٢)، شَرح التسهيل (٢/ ٨٤).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٧٥).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٨) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٧٥).
[ ٢ / ٤٦٩ ]
كَونه مُنصرفًا مع التأنيث والعَلَمية بأنّ التأنيث إن كان بـ "التاء" التي في اللفظ - كـ: "طَلحة" - فالتي في "عَرَفات" ليست للتأنيث، وإنما هي مع "الألف" التي قبلها عَلامَة جمع المؤنّث. وإن كان بالتقدير، كـ "سُعَاد"؛ فلا يصحّ تقْديرها في "عَرَفات"؛ لأنّ هذه "التاء" [لاختصاصها] (١) بجَمْع المؤنّث مانعة من تقْديرها، كما لا تُقدّر "تاء" التأنيث في "بنت"؛ لأنّ "التاء" التي هي بَدَل من "الواو" لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث تمنع من تقديرها. (٢)
وأجرى "عَرَفات" في القُرآن مجرَى ما لا يُسَمّ [به] (٣)، مِن إبقاء التنوين في الجر، ويجُوز حَذْفه حَالة التسمية. (٤)
وحَكَى الكُوفيون والأخفش إجراءَ ذلك وما أشبهه مجرَى "فَاطمة". من كَلام أبي حيّان. في "المجيد". (٥)
قوله: "مَن لم يجد نعلين": أي: "يقُول في خُطبته هذا الكَلام"؛ فهو معمُول لقَول مُقدّر، لا لـ "يخطُب" المذكُور.
وجملة "يقُول" في محلّ الحال من ضَمير "يخطُب". وتقَدّم الكلام على "يخطب" في الحديث الرّابع من "صَلاة الجمعة".
قوله: "مَن لم يجد نعلين": "مَن" شَرطيّة، في محلّ رَفع بالابتداء، و"لم" حَرفُ جَزْم. و"يجد": مُضَارع "وَجَد"، تقَدّم الكَلام على "وجَد" في الثّاني من "باب الاستطابة"، وهي هُنا المتعدّية لواحد؛ لأنها بمعنى "يُصِب"؛ فـ "نَعْلين" مفعُوله.
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٧٥).
(٣) كذا بالنسخ. وفي "البحر المحيط" (٢/ ٢٧٥): "فاعله".
(٤) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٧٥).
(٥) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٧٥).
[ ٢ / ٤٧٠ ]
وخَبرُ "مَن" فِعلها، وقيل: جوابها، على مَا تقَدّم.
قوله: "فليلبس الخفين": جملة من فِعْل وفَاعِل ومفعُول، جَوابُ "مَن".
وإنما نَكّر "النعلين" اللذين أمر بقطْعهما أسْفَل من الكعبين، وكذلك لم يذكر هنا مُوجَب الإباحة، وهو القَطْع، فكَأن التعريفَ لمعْهُودٍ في الذّهن.
قوله: "ومَن لم يجد إزارًا": مِثْل مَا تقَدّم. و"لم" تقَدّم ذِكْرها في الحديث الثّالث مِن "باب المذْي". و"الإزار": "ما يئتزر به".
قَال "ابنُ الأثير": في حَديث بيعة العَقَبة " [لَنَمْنَعَنَّك] (١) مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنا" (٢)، أي: "نساءنا وأهلنا"، كنّى [عنهم] (٣) بـ "الأُزُر". وقيل: أراد "أنفسنا"، وقد يُكنّى عن "النّفس" بـ "الإزار". ومنه حَديث عُمر: "كُتب [إليه] (٤) من بعض البعوث أبياتٌ في صحيفة:
ألا أبْلِغْ أبا حفْصٍ رَسُولًا فِدًى لَكَ مِنْ أَخى ثِقَةٍ إِزَارِي" (٥)
أراد: "أهْلي ونفسي". (٦)
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "نمنعك".
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٣/ ٤٦٠ وما بعدها/ برقم ١٥٨٣٦)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٩/ ٨٧ وما بعدها، برقم ١٧٤)، من حديث كعب بن مالك. قال في "مجمع الزوائد" (٦/ ٤٥): "رواه أحمد، والطبراني بنحوه، ورجالُ أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرّح بالسماع".
(٣) كذا بالنسخ. وفي "النهاية" (١/ ٤٥): "عنهن".
(٤) غير واضحة بالنسخ.
(٥) البيتُ من الوافر، وهو لنُفَيْلَة (أو: بقية) الأكبر الأشجعي، وكنيته أبو المنهال. انظر: لسان العرب (٤/ ١٧، ١٨)، تاج العروس (١٠/ ٤٥)، المعجم المفصل (٣/ ٤٠٩).
(٦) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٤٥).
[ ٢ / ٤٧١ ]
قلتُ: قَالَ أبو عَليّ الفَارسي: "الإزارُ" هُنا "المرأة"، وهو إغراءٌ، بتقدير: "احفظ إزاري". (١)
وقَال ابنُ قتيبة: "الإزارُ" هُنا "النّفس"، وهو خَبرُ "فِدًى". (٢)
وقال السّهيلي: وقولُ الفارسي بعيدٌ عن الصّواب؛ لأنّه أضمر الخبر والفعل الناصب، ولا دَليلَ عليه؛ لبُعْده. (٣)
وبَعْد هذا البيت:
قَلَائِصَنَا هَدَاك اللهُ [إنّا] (٤) شُغِلْنَا عَنكُمْ زَمَنَ الْحِصَارِي (٥)
قوله: "فليلبس سَراويل": تقَدّم الكَلام على "سَراويل" في الحديث قبل هذا. و"سَراويل" مفعُول "فليَلبس"، وهو لا ينْصَرف؛ لأنّه على صيغة مُنتهى الجمُوع. وقيل: هُو أعْجَمي، حمِل على مُوازنه، وقيل: جمع " [سروالة] (٦) " تقديرًا. (٧)
قُلتُ: وَرَد في بعْض طُرق هَذا الحديث (٨) بعد قوله "فليلبس سَراويل":
_________________
(١) انظر: الصّحاح للجوهري (٢/ ٥٧٨)، لسان العرب لابن منظور (٤/ ١٨)، تاج العروس للزبيدي (١٠/ ٤٥).
(٢) انظر: غريب الحديث لابن قتيبة (٢/ ٢٣، ٢٤)، تاج العروس (١٠/ ٤٥).
(٣) انظر: الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، شرح السهيلي (ط إحياء التراث، ٤/ ٧٢)، تاج العروس (١٠/ ٤٥).
(٤) كذا بالنسخ. وفي "الروض الأنف" (٤/ ٧٢): "مهلا".
(٥) انظر: غريب الحديث لابن قتيبة (٢/ ٢٢)، لسان العرب لابن منظور (٤/ ١٧)، المعجم المفصّل (٣/ ٤١٣).
(٦) بالنسخ، وبشَرح التصريح (٢/ ٣٢٠): "سراوله"، ولعله نظر إلى لفظ: "مُوازنه"، فقاس عليها. وانظر: الكافية (ص ١٣)، والمصباح (١/ ٢٧٥)، وغيرهما.
(٧) انظر: عمدة القاري (٤/ ٧٢)، إرشاد الساري (٣/ ٣١٠)، (٨/ ٤٢٢)، الإعلام لابن الملقن (٦/ ٣٤)، الكافية في علم النحو (ص ١٣)، شرح التصريح (٢/ ٣٢٠، ٣٢١)، شرح الأشموني (٣/ ١٤٩)، اللمحة (٢/ ٧٥٦)، المصباح (١/ ٢٧٥).
(٨) البخاري (١٨٤١).
[ ٢ / ٤٧٢ ]
"للمُحْرِم"، وهو مُتعلّق بمَحْذُوف، أي: "قَال ذلك للمُحْرم"؛ لأنّه لم يُبين في أوّل الحديث وأطْلق. ويحتمل أنْ يتعلّق بما في "يخطُب" مِن مَعنى القَوْل، كَأنّه قَالَ: "بعَرَفة للمُحْرم". والله أعلم.
الحديث الثالث:
[٢١٣]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ -: "أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ، وَالنِّعْمَةَ، لَكَ وَالْمُلْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ".
قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا: "لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إلَيْكَ وَالْعَمَلُ". (١)
انظُر كيف أدْخَل الشّيخ هَذا الحديث والذّي بعده في "باب ما يلبسه المحرم"، وليسا من اللباس في شيء؛ ولعلّ أصلَ التبويب: "باب ما يلبسه المحرم وغيره"، ثم أسقط: "غيره"؛ لما يحصل بها من اللبس من غير المحرم.
قال الشّيخُ تقيّ الدِّين: "التلبية": "الإجابة". (٢)
وقيل في معنى "لبيك": " [أُجيبك إجابة] (٣)، ولُزومًا لطاعتك". وثُنّي للتأكيد. واختلف أهْلُ اللغة في أنّه تثنية أم لا؟ فمنهم مَن قَال إنّه اسمٌ مُفرَد، لا مُثنى، ومنهم مَن قَال إنّه مُثنى. (٤)
وقيل: إنّ "لبيك" مأخُوذٌ من "أَلَبّ بالمكان"، و"لَبّ"، إذا أقام به، أي: "أنا مُقيم على طاعتك". وقيل: مأخُوذ من "لُباب الشيء"، وهو "خالصه"، أي:
_________________
(١) رواه البخاري (١٥٤٩) في الحج، ومسلم (١١٨٤) في الحج.
(٢) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٥٣).
(٣) كذا بالأصل. وفي "إحكام الأحكام" (٢/ ٥٣): "إجابة بعد إجابة".
(٤) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٥٣، ٥٤).
[ ٢ / ٤٧٣ ]
"إخلاصي لك". (١)
ومذهبُ يونس أنه مُفرَد، وأنّ ألِفَه انقلبت "يَاء" لأَجْل الإضافة إلى المضمَر، مثل: "لديك" و"عليك". ورُدّ عليه ذلك. (٢)
إذا ثبت ذلك: فـ "لبيك" منْصُوبٌ على المصْدَريّة، واجب حَذْف عَامله. (٣) والمصَادرُ التي يجب حَذْف عَامِلها منها سَماعي، ومنها قياسي، وهي مذْكُورة في كُتب العَربية.
قوله: "إنّ الحمدَ والنعمة لك": يُروَى بفتح الهمزة وكسرها، والكسر أجْوَد؛ لأنه يقتضي أنْ تكُون الإجَابة مُطلَقَة غَير مُعلَّلة، وأنّ الحمد والنعمة لله على كُلّ حَال، والفَتْحُ يدلّ على التعليل. (٤)
قوله: "والنِّعمة لك": الأشهَرُ فيه الفتح، بالعَطْف على "الحمْد". ويجوز فيه الرّفع على الابتداء. (٥)
وخبرُ "إنّ" محذوفٌ (٦)، ويجوز عَطْفه على محلّ الحمد عند مَن يجيز ذلك، وتكُون "لك" في محلّ خَبر "إنّ"، [وسيأتي] (٧).
و"سَعْدَيك" كـ "لبيك"، قيل: معناه: "مُساعدة لطاعتك بعد مُساعدة". وقيل:
_________________
(١) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٥٤).
(٢) انظر: عقود الزبرجد (٢/ ٤٦، ٤٨)، الكتاب (١/ ٣٥١)، شرح التسهيل (١/ ١٤٧)، (٢/ ١٨٦)، شرح المفصل (١/ ٢٩٢ وما بعدها)، الهمع (٢/ ١١٢)، الصحاح (٦/ ٢٤٧٩)، لسان العرب (١/ ٧٣١)، (١٥/ ٢٣٨).
(٣) انظر: عقود الزبرجد (٢/ ٤٦)، شرح التسهيل (٢/ ١٨٦).
(٤) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٥٤).
(٥) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٥٤).
(٦) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٥٤).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٤٧٤ ]
التقدير: "أسْعِدني إسْعَادًا بعد إسْعَاد". (١)
قوله: "والرّغباء إليك": مُبتدأ وخَبر، أي: "الرّغبة كَائنة إليك". وهو بسُكون "الغَين". وفيه وَجْهَان: ضَمّ "الرّاء" والقَصْر، وفتح "الرّاء" والمدّ، كـ "النُّعْمَى" و"النَّعْمَاء". (٢)
قوله: "والعَمَل": معطُوفٌ على "الرّغباء"، التقدير: "والعَمَل لك"، [أو تُقَدّر] (٣): "والعَمَلُ مَصْروفٌ إليك"، أي: "إليك القَصْد به". (٤)
قوله: "والخير بيديك": مِن باب أدَب الخطاب؛ لأنّ الكُلّ بيده، مِن الخير والشر، وإنما خَصّ الخير - كقَوله في الدّعَاء: "وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ" (٥) - أدبًا في سُؤَال الباري. ومنه في المعنى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] بعْد قَوله: ﴿يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩]. (٦)
قوله: "لبيك. . . إلى آخِر الكَلام": في محلّ خَبر "أنّ" على الحكاية.
وجملة "يزيد" في محلّ خبر "كان". و"لبيك - من زيادة عبد الله بن عُمر - ﵁ -. . . إلى آخِره" في محلّ مفعُول لـ "يزيد".
وتقَدّم الكَلامُ على "اللهم" في الحديث الأوّل من "الاستطابة".
_________________
(١) انظر: عمدة القاري (٢/ ٢٠٦)، إحكام الأحكام (٢/ ٥٤)، الإعلام لابن الملقن (٦/ ٦٢)، لسان العرب (٣/ ٢١٤).
(٢) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٥٤).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٥٤).
(٥) صحيحٌ: مُسلم (٧٧١/ ٢٠١)، من حديث علي.
(٦) انظر: عمدة القاري للعيني (٢٠/ ٤)، إحكام الأحكام (٢/ ٥٤)، مرعاة المفاتيح (٨/ ٤٧٦)، النهاية لابن الأثير (٢/ ٤٥٨)، مجمع بحار الأنوار (٢/ ١٣١)، نتائج الفكر في النَّحو (ص ٢٣٧).
[ ٢ / ٤٧٥ ]
ويجوزُ الوَقْفُ على "لبيك اللهم"، وتبتدئ: "لبيك لبيك لا شريك لك"، أو تبتدئ: "لبيك، إنّ الحمد والنعمة لك والملك".
ولك أن تبتدئ: "والنعمةُ لك" بالرّفع، ويكون خبر "إنّ" محذوفًا يُفسّره خَبر المبتدأ، ولك أنْ [تجعله] (١) معطُوفًا على محلّ ["النعمة"، أي] (٢) كقوله:
. . . . . . . . . . . . وَإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ (٣)
وأجَاز بعضهم أنْ تكُون "إنّ" بمعنى "نَعَم" (٤)، "الحمدُ والنعمةُ" مبتدأ ومعطوفٌ عليه، والخبرُ في "لك". وتقَدّم الكَلامُ على مِثْل قَوْله: "لا شَريكَ لك" في الأوّل مِن "التيمّم".
قوله: " [قَالَ] (٥) ": فَاعِله ضَميرُ الرّاوي للحَديث عن عبد الله بن عُمر، ولم يتقَدّم له ذِكْر، وهو مما يُستدْرَك على الشّيخ صاحب "العُمدة"، وله من ذلك في الكتابِ مَواضِع نبّهت عَليها.
_________________
(١) غير واضحة بالأصل.
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "إن".
(٣) عجز بيت من الطويل، وهو لضابئ بن الْحَارِث التَّمِيمِي البرجمي. وصدره: "وَمن يَك أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْله"، أو: "كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدِي بَرِّيًّا". والشاهد فيه: أَن قيار مبتدأ حذف خَبره، والجملة اعتراضية بَين اسْم إن وخبرها، والتقدير: "فَإِنِّي وقيار بهَا كذلك لغريب". انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ١١٢)، تفسير الرازي (١٦/ ٣٨)، شرح النووي على مسلم (٨/ ٨٨)، خزانة الأدب (٩/ ٣٢٤ وما بعدها)، (١٠/ ٣١٢)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٢١٣)، مغني اللبيب (٦١٧، ٦١٨)، شرح المفصل لابن يعيش (١/ ٢٣٦)، شرح الأشموني (١/ ٣١٣ وما بعدها)، لسان العرب (٥/ ١٢٥).
(٤) انظر: شرح التسهيل لابن مالك (٢/ ٣٣)، مغني اللبيب (ص ٥٧)، الجنى الداني (ص ٣٩٨، ٣٩٩).
(٥) بالنسخ: "وقال".
[ ٢ / ٤٧٦ ]
قوله: "والخير بيديك": ثَنّى "اليَد" هُنا، كَما ثُنيت في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] (١)، وهو مُؤوّل، إمّا بمعنى القوّة وشدّة البطش، أو عبارة
_________________
(١) قال ابنُ عبد البر: "والنجاة في هذا الانتهاء إلى ما قال الله - ﷿ - ووصف به نفسه بوجه ويدين وبسط واستواء وكلام. . . فليقل قائل بما قال الله، ولينته إليه ولا يعدوه ولا يفسره، ولا يقل: كيف؟ فإن في ذلك الهلاك؛ لأن الله كلف عبيده الإيمان بالتنزيل، ولم يكلفهم الخوض في التأويل الذي لا يعلمه غيره. . . من نظر إلى إسلام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وسعد وعبد الرحمن وسائر المهاجرين والأنصار وجميع الوفود الذين دخلوا في دين الله أفواجًا علم أنّ الله - ﷿ - لم يعرفه واحد منهم إلا بتصديق النبيين. . . ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجبًا وفي الجسم ونفيه والتشبيه ونفيه لازمًا ما أضاعوه، ولو أضاعوا الواجب ما نطق القرآن بتزكيتهم وتقديمهم، ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم، ولو كان ذلك من عملهم مشهورًا أو من أخلاقهم معروفًا لاستفاض عنهم ولشهروا به كما شهروا بالقرآن والروايات. . . لا يقولون: كيف يجيء؟ وكيف يتجلى؟ وكيف ينزل؟ ولا من أين جاء؟ ولا من أين تجلى؟ ولا من أين ينزل؟ لأنه ليس كشيء من خلقه، وتعالى عن الأشياء، ولا شريك له". انظر: التمهيد (٧/ ١٥١ وما بعدها). ويقول ابن تيمية في منهاج السنة النبوية (٢/ ٢٢٢ وما بعدها، ٥٩٨): "ثم المثبتون للصفات منهم من يثبت الصفات المعلومة بالسمع، كما يثبت الصفات المعلومة بالعقل، وهذا قول أهل السنة الخاصة - أهل الحديث ومن وافقهم - وهو قول أئمة الفقهاء، وقول أئمة الكلام من أهل الإثبات، كأبي محمد بن كلاب وأبي العباس القلانسي وأبي الحسن الأشعري وأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الطبري والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، ولم يختلف في ذلك قول الأشعري وقدماء أئمة أصحابه. لكن المتأخرون من أتباعه - كأبي المعالي وغيره - لا يثبتون إلا الصفات العقلية، وأما الخبرية - كالوجه واليدين والاستواء - فمنهم من ينفيها، ومنهم من يتوقف فيها، كالرازي والآمدي وغيرهما. ونُفاة الصفات الخبرية منهم من يتأوّل نصوصها، ومنهم مَن يفوض معناها إلى الله. وأمّا مَن أثبتها كالأشعري وأئمة أصحابه، فهؤلاء يقولون: تأويلها بما يقتضي نفيها =
[ ٢ / ٤٧٧ ]
عن جَريان الخير بعَظيم قُدْرَته التي تجري على يَد مخلوقاته، فأيدي المخلوقات كلها مخلوقة لله تعالى. (١)
ومذهبُ أهل السّنة وجمهور الأشعريين أنّ اليد إذا ذُكرت في صفات الله ليست بصِفَة ذات. (٢)
وقال الشّيخ أبو الحسَن والقاضي: هي صفة ذات. (٣)
_________________
(١) = تأويل باطل، فلا يكتفون بالتفويض، بل يبطلون تأويلات النفاة. وقد ذكر الأشعري ذلك في عامة كتبه. . . ولم يختلف في ذلك كلامه، لكن طائفة ممن توافقه وممن تخالفه يحكون له قولًا آخر، أو تقول: أظهَر غير ما أبطن، وكتبه تدل على بطلان هذين الظنين. وأما القول الثالث - وهو القول الثابت عن أئمة السنة المحضة، كالإمام أحمد وذويه - فلا يطلقون لفظ الجسم، لا نفيًا ولا إثباتًا لوجهين، أحدهما: أنه ليس مأثورًا لا في كتاب ولا سنة، ولا أثر عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا غيرهم من أئمة المسلمين، فصار من البدع المذمومة. الثاني: أن معناه يدخُل فيه حق وباطل. . .". وفي موضع آخر من المنهاج (٢/ ٣٢٨) يقول: "وكثير من متأخري أصحاب الأشعري أنكروا أن يكون الله فوق العرش أو في السماء، وهؤلاء الذين ينفون الصفات الخبرية، كأبي المعالي وأتباعه، فإنّ الأشعري وأئمة أصحابه يُثبتون الصفات الخبرية".
(٢) انظر: الكشاف (١/ ٦٥٤)، تفسير الماتريدي (٣/ ٥٥١، ٥٥٢)، تفسير ابن عطية (٢/ ٢١٥، ٢١٦)، البحر المحيط (٤/ ٣١٥)، المنتقى للباجي (٧/ ٢٠٢).
(٣) انظر: تفسير الماتريدي (٣/ ٥٥١، ٥٥٢)، البحر المحيط (٤/ ٣١٥)، حاشية (الانتصاف فيما تضمنه الكشاف للزمخشري)، لابن المنير، طبعت مع تفسير الزمخشري (٤/ ١٠٦)، المنتقى للباجي (٧/ ٢٠٢).
(٤) انظر: حاشية ابن المنير على تفسير الزمخشري (٤/ ١٠٦)، تفسير ابن عطية (٢/ ٢١٥)، البحر المحيط (٤/ ٣١٦)، منهاج السنة النبوية (٢/ ٣٢٨). وفي البحر المحيط (٤/ ٣١٦): "وقال قوم، منهم القاضي أبو بكر بن الطيب: هذه كلها صفات زائدة على الذات، ثابتة لله تعالى من غير تشبيه ولا تجديد. وقال قوم، =
[ ٢ / ٤٧٨ ]
قال ابنُ المنير: أبطَلَ القَاضي والشّيخ (١) حمل "اليدين" على القُدرَة بأنّ "اليدين" تثنية، وقُدْرَة الله واحدة. وأبطلا الحمْل على النعمة بأنّ نِعَم الله لا تحصى، فكيف يُعبّر عنها بالتثنية؟ (٢)
وقال ابنُ عَطيّة: عن القَاضي: إنّ هذه صِفَة ذَات، وضَعّفه، وتأوّله بمعنى القُدْرَة. (٣)
الحديث الرابع:
[٢١٤]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [أَنْ تُسَافِرَ] (٤) مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا حُرْمَةٌ". (٥)
وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ: "تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ". (٦)
تقَدّم ذِكْر مُتعلّق حَرْف الجر، وتقَدّم أنّ جملتا "- ﷺ -" و"- ﵁ -" لا محلّ لهما حيث وقعتا، وتقَدّم ذِكْر الجمَل التي لا محلّ لها في الحديث [الأوّل مِن] (٧) الكتاب.
و"قَالَ" الثّانية معمُولة لـ "قَالَ" الأوْلى، والأوْلى معمُولة لمتعلّق حَرْف الجر،
_________________
(١) = منهم الشعبي، وابن المسيب، والثوري: نؤمن بها ونقر كما نصت، ولا نعين تفسيرها، ولا يسبق النظر فيه. وهذان القولان حديث مَن لم يمعن النظر في لسان العرب".
(٢) المراد بالشيخ: أبو الحسن.
(٣) انظر: حاشية ابن المنير على تفسير الزمخشري (٤/ ١٠٦)، تفسير الزمخشري (١/ ٦٥٦)، البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٣١٥)، تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص ١٢٢)، مرعاة المفاتيح (١/ ١٧٥).
(٤) انظر: تفسير ابن عَطية (٢/ ٢١٥، ٢١٦)، البحر المحيط (٤/ ٣١٥).
(٥) بالنسخ: "تسير". والصّواب المثبت.
(٦) رواه البخاري (١٠٨٨) في تقصير الصلاة، ومسلم (١٢٢٩) (٤٢١) في الحج.
(٧) هذا اللفظ ليس للبخاري، وإنما هو لمسلم بمعناه (١٣٨٩) (٤٢٠).
(٨) تكرار بالنسخ.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
وجملة "لا يحلّ لامْرأة" معْمُولة لـ "قَالَ" الثّانية، و"لا" نافية، وتقَدّم ذِكْر "لا" النافية وأقْسَام "لا" في الثّاني مِن "باب الاستطابة".
ولا عَملَ لـ "لا" هُنا؛ لأنّ النفي لا عَمَل له في الفِعْل، بخلافِ النهي.
قوله: "لامرأة": يتعلّق بـ "يحلّ". وجملة "تُؤمِن" في موضع صفة لـ "امرأة"، و"بالله" يتعلّق بـ "تُؤمن".
و"اليوم" معطوفٌ على اسم "الله"، و"الآخِر" نعتٌ ما لليوم، وتقَدّم في الحديث الأوّل.
و"الآخِر" بكسر "الخاء": "بَعْد الأوّل"، وهو صِفَة؛ تقُول: "جَاء آخرًا"، أي: "أخيرًا"، والأنثى: "آخِرة"، والجمع: "أواخر". و"الآخَر" بالفَتْح: "أحَدُ الشيئين"، وهو اسمٌ على "أفعل"، والأنثى: "أُخْرَى". (١)
قوله: "أنْ تُسَافر": "أنْ" المصْدَريّة، وهي مَع الفِعْل بتقدير الفَاعِل، أي: "لا يحلّ سفر يوم".
قوله: "مسيرة": مصدرُ "سَار". يُقال: "سار"، "سيرًا" و"مسيرًا". (٢) وهو هنا يحتمل أن يكُون ظرف زمان، أي: "زمن مسير يوم وليلة"، أو ظرف مكان، والتقدير: "أن تسافر مسافة يوم وليلة". وإن جعلته مَصْدرًا قَدّرت "تسافر" بمَعنى "تسير"؛ لأنّ السّفر مِن لازِمِه السّير. وتقدّم الكَلامُ على "مسيرة" في الحديث الثّالث من "التيمم".
قوله: "إلا ومعها حُرْمَة": التقدير: "إلّا أن تُسافر ومعها ذو حُرْمة"، فتكُون
_________________
(١) انظر: الصحاح للجوهري (٢/ ٥٧٦)، المصباح المنير (١/ ٧، ٨)، لسان العرب لابن منظور (٤/ ١٢، ١٣، ١٥).
(٢) انظر: المخصّص لابن سيده (٣/ ٣٠٣).
[ ٢ / ٤٨٠ ]
"أنْ" ومَا بعْدَها في محلّ الحال مِن ضَمير "تسافر"، أي: "إلّا في حَال سَفر يَوم وليلة". ويحتمل أنْ تكُون نعتًا لمصْدَر محذُوف، أي: "إلّا سَفرًا مع ذي حُرمة". ومعنى "حُرمة": "صَاحِب حُرْمة".
قال الشّيخُ تقيّ الدّين: إلّا أنْ [يستعملوا] (١) لَفْظ "الحرمة" في غير معنى المحْرَميّة استعمالًا لُغَويًّا فيما يقتضي الاحترام؛ فيدخُل فيه الزَّوج لفظًا. (٢)
قوله: "وفي لَفْظ البخاري": التقدير: "وجَاء في لفظ" أو "رُوي في لفظ"؛ فيتعلّق حرف الجر بالفِعْل المقَدّر. فإن كان المبني للمفعول كان جملة "تُسافر. . . إلى آخِره" في مَوضِع مفْعُول لم يُسَمّ فَاعِله. وإنْ قَدّرت "جَاء" كَان في محلّ فَاعِل، ويكُون الإسنادُ إلى اللفظ، لا إلى مَدْلُوله.
ويجوز أنْ [يكُون] (٣) "في لَفْظٍ" يتعَلّق بخَبر مُبتدأ محذُوف مُقَدّر بالجُمْلة كُلّها، و"البخاري" يتعلّق إمّا بصِفَة لـ "لفظ"، أو يتعلّق بـ "لَفْظ" بعَينه؛ لأنّه مَصْدَر فيه معنى الفِعْل.
قوله: "تُسَافر مَسيرة يَوْم إلّا مَع ذِي محْرَم": تقَدّم مِثْله في اللفظ والإعْراب. والله أعلم.
***
_________________
(١) بالأصل: "يستعملو في"، وفي (ب): "تستعمل في".
(٢) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٥٦).
(٣) بالأصل: "كون". والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٤٨١ ]
باب الفِدْيَة
الحديث الأوّل:
[٢١٥]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ قَالَ: جَلَسْتُ إلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، فَسَأَلْتَهُ عَنِ الْفِدْيَةِ؟ فَقَالَ: نَزَلَتْ، فِي خَاصَّةَ، وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً. حُمِلْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي؛ فَقَالَ: "مَا كُنْتُ أُرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى - أَوْ: مَا كُنْتُ أُرَى الْجَهْدَ بَلَغَ [بِكَ] (١) مَا أَرَى - أَتَجِدُ شَاةً؟ ". فَقُلْتُ: لا. فَقَالَ: "صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ [نِصْفُ] (٢) صَاعٍ". (٣)
وَفِي رِوَايَةٍ: "فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوْ يُهْدِيَ شَاةً، أَوْ يَصُومَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ". (٤)
"الفَرَقُ": مِكيالٌ يَسَع ستة عَشر رَطْلًا. (٥)
قوله: "قال: جَلَستُ": أي: " [ورُوي قَوله] (٦): جَلَستُ".
و"جَلَس" هُنا تعَدّى بـ "إلى"، فيحتمل أنْ تكُون "إلى" بمعنى "مع"، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]. (٧) ويحتمل أن يكُون الفِعلُ مُضَمّنًا مَعنى "جئتُ"، أي: "جئتُ إلى كَعْب".
_________________
(١) سقط من النسخ. وقد أثبتها ابن فرحون بالشرح.
(٢) مشى الشيخ ابن فَرْحون هُنا على رواية الضم، وهناك روايات ونُسَخ بالفتح.
(٣) رواه البخاري (٤٥١٧) في التفسير، ومسلم (١٢٠١) (٨٥) في الحج.
(٤) هي في البخاري (١٨١٧) في المحصر.
(٥) انظر: إرشاد الساري (١/ ٣١٦)، الصحاح للجوهري (٤/ ١٥٤٠)، لسان العرب (٩/ ١٩٥)، (١٠/ ٣٠٥).
(٦) كذا بالأصل.
(٧) انظر: شواهد التوضيح والتصحيح (ص ٢٥٣)، شرح التسهيل (٣/ ١٤١)، شرح المفصل لابن يعيش (٤/ ٤٦٤).
[ ٢ / ٤٨٢ ]
قوله: "فسَألتُه": معطُوفٌ على "جَلَسْتُ"، و"عن الفِدْيَة" يتعلّق به.
وجملة "نَزَلتْ" في محلّ مَعْمُول القَوْل، و"في" بإدْغَام "يَاء" حَرف الجر في "يَاء" المتكَلّم. وفَاعِلُ "نَزلَتْ" يعُود على الآيَة.
والضّميرُ يعُودُ على مَعْلُوم في الذّهْن، كقَوْله تَعَالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]. (١)
قوله: "خَاصّة": أصْله أنْ يكُون نَعْتًا لمصْدَر محذُوف، أي: "مرة خاصة"، وهي هُنا حَال مِن فَاعِل "نزلتْ"، أي: "خاصّة [في"] (٢)، أو حَال من الضّمير المجرور في قوله "في"، أي: "مخصُوصًا بذلك".
قوله: "وهي لكُم عَامّة": أي: "كائنة لكُم شرعة عامة". والحالُ من الضّمير في مُتعلّق المجرور.
قوله: "حُمِلْتُ إلى رَسُول الله": يحتمل أنْ تكُون الجمْلة كالتّعليل، أي: "وذلك لأني حملتُ". والفعلُ مبني لما لم يُسمّ فَاعِله؛ فيكون في محلّ خَبر لـ "أن" المقَدّرة. ويحتمل الاستئناف؛ فلا يكُونُ لها محلّ.
قوله: "والقَمْلُ يتنَاثر على وَجْهي": حَرْفُ الجر يتعلّق بـ "يتناثر"، فتكُون في محلّ نَصْب، وجملة "يتناثر" في محلّ خَبر عَن "القَمْل". والجمْلة الكُبرى في محلّ حَال من الضّمير في "حُمِلتُ".
قوله: "فَقَالَ": أي: "النبي - ﷺ -".
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي (١٥/ ١٩٥)، والبحر المحيط لأبي حيان (٩/ ١٥٤)، وفتح الباري لابن حجر (٢/ ٤٣)، نخب الأفكار للعيني (٣/ ٢١١)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٥٢٦)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٤٥)، عقود الزبرجد للسيوطي (١/ ٤٤٥)، الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ٨٠)، همع الهوامع (١/ ٢٦٥).
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "بي".
[ ٢ / ٤٨٣ ]
"مَا كُنتُ أُرَى": "مَا" نَافية، وجملَة "أُرَى" في مَوْضِع خَبر "كَان". والرّؤية بمَعنى الظَنّ والحسبان (١)؛ فتكُون الهمْزة مَضْمُومة، و"الوَجَع" المفعُول الأوّل، وجملة "بَلَغَ" في مَوْضِع المفعُول الثّاني.
وأمّا ["رَأَى"] (٢) الثّانية فبَصَريّة، فتكُون همْزَتها مفتُوحَة، وتتعَدّى إلى واحد، وهو هُنا محذُوفٌ، تقديره: "مَا أراه". فـ "مَا" مَوصُولة، وهو العَائدُ عليها، والصِّلة والموصُول في محلّ مفْعُول "بَلَغ".
و"بك": يتعَلّق بـ "بَلَغ".
قوله: "أوْ: مَا كُنْتُ أُرَى الجهْد بَلَغَ بِك مَا أَرَى": "أوْ" للشّك مِن الرّاوي. و"كُنتُ": "كَان" واسمها. وجملة "أرَى" في محلّ الخبر.
و"الجهْد" بفَتح "الجيم": "المشَقّة"، وبضَمّها: "الطّاقَة". والمعنى هُنا على الفَتْح. (٣)
قوله: "أتجِد شَاة؟ ": تقَدّم الكَلَامُ على "وَجَد" في الثّاني من "باب الاستطابة"، وهو هُنا بمَعنى "أتُصيب؟ " (٤)؛ فيتعَدّى لوَاحِد، وهو "الشّاة". والهمزةُ هُنا للاستفهام، وقد تقَدّم الكَلامُ على حُروف الاستفهام في الرّابع مِن "الجنابة".
قوله: "فقُلْتُ: لا": المعنى: "لا أجِد"، وهَذا الحذْف جَائز؛ لفَهْم المعنى، وتقَدّم الكَلامُ على ذَلِك في الأوّل مِن " [باب] (٥) الحيْض".
_________________
(١) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٥٧).
(٢) كذا بالنسخ. والمراد أصل الفعل.
(٣) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٥٨)، الإعلام لابن الملقن (٦/ ٨٩)، الصحاح (٢/ ٤٦٠)، لسان العَرب لابن منظور (٣/ ١٣٣).
(٤) انظر: شرح التصريح على التوضيح (١/ ٣٦٥)، شرح التسهيل لابن مالك (٢/ ٧٩)، جامع الدروس العَربية (١/ ٤٠).
(٥) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "كتاب". والصواب المثبت.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
قوله: "فصُم": "الفَاءُ" سَببية، أي: "فبسبب ذَلك، فصُم".
و"ثَلاثَة أيّام": ظَرْفُ زَمَان، والتقْدير: "فصُم في زَمَن ثَلاثة أيَّام"، ثم انتصَب على السّعة. وأنّث العَدَد؛ لأنّ المعدودَ مُذَكّر.
قوله: "أوْ أَطْعِم": "أو" للتخيير. و"سِتّة" مفْعُولٌ به. و"مَسَاكين" مُضَافٌ إليه، وهُو لا ينْصَرف؛ [لأنّه] (١) على صيغة مُنتهَى الجمُوع (٢).
قوله: "لكُلّ مِسكين نِصْفُ صَاع": مُبتَدأ وخَبر، الخبر في المجرور. ويحتمل أنْ يكُون "نِصْف صَاع" منْصُوبًا، أي: "يُعْطِي لكُلّ مِسْكين نصْفَ صَاع"، وهُو أقْوَى في المعْنى.
وتقَدّم الكَلامُ على "كُلّ" في أوّل حَديثٍ مِن الكتَاب. وأُضِيف "كُلّ" إلى نَكِرة، وتقَدّم الكَلامُ عليه.
قوله: "وفي روايةٍ: فأَمَرَه النبي": يتعَلّق حَرْف الجرّ بمُقَدّر، كـ "جَاءَ" أو "رُوي"، "أنْ يُطْعِم": في محلّ نَصْب أوْ جَرّ، على الخِلاف في ذَلك. وقَد تقَدّم الكَلامُ على "أمَر" في أوّل [حَديثٍ] (٣) مِن "السّواك".
قوله: "فَرَقًا": هُو بفَتْح "الفَاء" و"الرّاء".
قوله: "بَيْن": تقَدّم الكَلَامُ عَليها في الثّالث مِن "بَاب السّواك".
وتمييزُ "ستة" محذوفٌ، أي: "ستة مَسَاكِين".
قَالَ ابنُ الأثير: "الفَرَق" بالتحريك: مِكْيال يَسَع ستة عشر رطلًا، وهو اثنا
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: المفصل للزمخشري (ص ٣٥)، تاج العروس (٢٤/ ٢١، ٢٢)، المغرب للمطرزي (ص ٥١٩)، النحو المصفى (ص ٤٧).
(٣) بالنسخ: "باب". والصّواب المثبت.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
عَشر مُدًّا، أو ثلاثة آصع عند أهْل الحجاز. وقيل: "الفَرَقُ" خمسة أقساط، و"القسط" نصفُ صَاع.
فأما "الفَرْق" بالسّكُون: فمائة وعِشْرون رَطْلًا، ومنه الحديث: "مَا أسْكَرَ الفَرْق مِنْهُ فَالحَسْوَةُ مِنْه حَرَامٌ" (١). (٢)
قوله: "أوْ تُهْدِي": "أو" هُنا للتخيير، وتقَدّم حُكمها والكَلامُ عليها في الحديث الثّالث مِن "بَاب السّواك".
وهَذا فيه حِكَاية الرّاوي عن "كَعب"، لا حكاية "كَعْب" عن نفسه؛ ولذلك جَاءَت الضّمَائر على الغَيبة.
قوله: "أوْ يَصُوم ثَلَاثة أيّام": الكَلَامُ كالكَلَام على مَا قبْله.
***
_________________
(١) صَحيحٌ: رواه الترمذي في سُننه (١٨٦٦) وحسّنه، وأبو داود في سننه بنحوه (٣٦٨٧)، والإمام أحمد في مسنده بنحْوه (٢٤٤٦٨)، من حَديث عائشة. وصَحّحه الشيخ الألباني في كتابه "إرواء الغليل" (٢٣٧٦).
(٢) انظر: النهاية لابن الأثير (٣/ ٤٣٧).
[ ٢ / ٤٨٦ ]
باب حُرْمَة مَكّة
الحديثُ الأوّل:
[٢١٦]: عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ - خُوَيْلِدِ بْنِ عَمْرٍو- الْخُزَاعِيِّ الْعَدَوِيِّ - ﵁ -، أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثَكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، فَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: أَنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ؛ فَلا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلا يَعْضِدَ بِهَا [شَجَرًا] (١). فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ [أَذِنَ] (٢) لِرَسُولِهِ - ﷺ - وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أُذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ؛ فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ". فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، إنَّ الْحَرَمَ لا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلا فَارًّا بِدَمٍ، وَلا فَارًّا بِخَرْبَةٍ". (٣)
"الخَرَبَة": بـ "الخَاء" المعْجَمَة و"الرّاء" المهْمَلَة (٤)، قيل: "الخيانَة"، وقيل: "البَليَّة"، وقيل: "التُّهْمَة". [وأصْلُها (٥) في "سَرقَة الإبل". (٦)
_________________
(١) كذا بالنسخ. وقد وَرَد المثبت بـ "صحيح البخاري" (٤٢٩٥). وفي أكثر نُسخ "العُمدة" والروايات: "شجرة".
(٢) في بعض نُسَخ "العُمدة": "قد أذن".
(٣) رواه البخاري (١٠٤) في العلم، ومسلم (١٣٥٤) في الحج.
(٤) مفتوحة أو ساكنة. وانظر: لسان العرب (١/ ٣٤٨).
(٥) ما بين القوسين لنهاية قول الشاعر من ضمن متن عمدة الأحكام في طبعة مكتبة المعارف، (ص ١١٢).
(٦) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٥٩)، الصحاح للجوهري (١/ ١١٩)، لسان العرب لابن منظور (١/ ٣٤٨).
[ ٢ / ٤٨٧ ]
قَالَ الشّاعِر:
وَالخَارِبُ اللِّصُ يُحِبُّ الخَارِبَا] . . . . . . . . . (١)
قَوْله: "خُوَيلد": بَدَلٌ مِن "أبي شُرَيح"، ويجُوز فيه الضّم والفَتْح. و"الخزَاعِي" نَعْتٌ لـ "أبي شُرَيح"، و"العَدَوِيّ" نَعْتٌ ثَان.
قوله: "أنّه قَالَ": بفَتْح "الهمْزة"؛ لكَوْنِه مَعْمُولًا لمتعلّق حَرْف الجرّ، والضّميرُ في "أنّه" يعُود على "أبي شُرَيح"، وكذَلك فَاعِل "قَال"، و"لعَمرو" يتعلّق بـ "قَالَ"، و"ابن سَعيد" صِفَة لـ "عَمرو"، و"ابن العَاص" صِفَة لـ "سَعيد"، و"العَاص" فيه إثباتُ "الياء" وحذفها، وفي حَذْفها يكُون إعْرابه [بحِكَاية] (٢) الإعراب.
قوله: "وهُو يَبْعَث البعُوثَ": ضميرُ "هُو" يعُود على "عمرو"، والجملةُ في محلّ الحَال مِن "عَمرو". و"إلى مَكّة": يتعَلّق بـ "يَبْعَث".
قال في "الصّحَاح": "بعثه" و"ابتعثه" بمعنى، أي: "أرسله"، "فانبعث". وقولهم: "كُنتُ في بَعْث فُلان" أي: "في جيشه الذي بُعِث معه". و"البعوث": "الجيوش". (٣)
قوله: "إئْذِن لِي": هُو أَمْرٌ مِن "أَذِن"، "يأذَن". ويجوز أن يقُول في الابتداء:
_________________
(١) هو بلا نسبة، وفيه يقول الراجز: وَالخَارِبُ اللِّصُّ يُحِبُّ الخَارِبَا وَتِلْكَ قُرْبَى مِثْلَ أَنْ تُنَاسِبَا أَنْ تُشْبِهُ الضَّرَائِبُ الضَّرَائِبَا ورواه في "إحكام الأحكام" بتقديم: "وتلك قربي. . . أن تشبه. . ." على قوله: "والخارب اللص. . .". و"الضرائبُ": جمعُ ضريبة، وهي السّجية والطبيعة. انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٥٩)، غريب الحديث للخطابي (٢/ ٢٦٦)، الكَامل للمبرد (٣/ ٣٣، وبالهامش).
(٢) "الباء" غير واضحة بالأصل. ولعلها: "كحكاية". وفي (ب): "حكاية".
(٣) انظر: الصّحاح (١/ ٢٧٣).
[ ٢ / ٤٨٨ ]
"إاْذَن لي" بهمزتين، الثّانية "فاء" الكلمة، والأولى "همزة" الوصل المجتلبة في الأمر عند النطق بالسّاكن؛ لأنّه مختصَر مِن "أذِن"، "يأذَن". ولك أنْ تُبْدل "الهمزَة" الثّانية - وهي "فَاء" الكَلمة - "يَاء"؛ فتقُول: "إيذن لفُلان"، وإنما قلبتها لانكسَار "الهمزة" قبلها. (١)
قال النّحاس: "أذِن" إذا دَخَل عَليها "الواو" أو "الفَاء"؛ فهجاؤها في الخط: "ألف وذال ونُون" بغير "ياء"، وأمّا إذا دَخَل عليها "ثُم" فهجاؤها في الخط: "ألف وَياء وذَال ونُون". والفَرْقُ: أنّ "ثُم" يُوقَف عليها ويُنْفَصَل، [بخِلافهما] (٢). (٣)
و"لِي": يتعَلّق بـ "إئذن".
قوله: "أيّها الأمير": مُنَادَى محذُوف حَرْف النّداء، وذَلك سَائغٌ، إلّا مَع اسم الجنس والإشارة والمندوب واسم الله تعالى.
_________________
(١) انظر: إرشاد السّاري (٣/ ٣٠٤)، الإعلام لابن الملقن (٦/ ١٠٥)، المفتاح في الصرف للجرجاني (ص ٨٠)، الهمع (٣/ ٥٠٩)، شرح ابن كمال باشا على مراح الأرواح (ص ٩٩)، حركة حروف المضارعة، بحث لعبد الله بن ناصر القرني، نشرته: مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، (العدد ١١٩/ ٤٧٠).
(٢) بالنسخ: "بخلافها". والصواب المثبت.
(٣) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٤٣١)، اللباب لابن عادل (١٠/ ١١٠)، الدر المصون للسمين (٦/ ٦٢). قال في الدر المصون (٦/ ٦٢): "يعني أنه إذا دخلت واوُ العطف أو فاؤه على هذه اللفظةِ اشتدَّ اتصالهُما بها، فلم يُعْتَدَّ بهمزة الوصْل المحذوفة دَرْجًا، فلم يُرْسَم لها صورةٌ، فتكتب (فَأْذَنْ، وَأْذَنْ)، فهَذه الألفُ مِنْ صورةِ الهمزة التي هي فاءُ الكلمة. وإذا دخلت عليها (ثم) كُتِبَتْ كذا: ﴿ثُمَّ ائْتُوا﴾، فاعتدُّوا بهمزة الوصل، فرسموا لها صورة. قُلتُ: وكأنَّ هذا الحكمَ الذي ذَكره مع (ثم) يختصُّ بهذه اللفظة، وإلا فغيرُها مما فاؤُه همزةٌ تسقط صورة همزة وصلِه خَطًّا، فيُكتب الأمرُ من الإِتيان مع (ثم) هكذا: (ثم أْتُوا)، وكان القياسُ على (ثمَّ ائْذَنْ): (ثم ائتوا)، وفيه نظر".
[ ٢ / ٤٨٩ ]
قَال في "التسهيل": ولا يلزم حَرْف النّداء إلا مع الله، والمضمر، والمستغَاث، والمتعجَّب منه، والمندوب. ويقِلّ حَذْفه مع اسم الإشارة، واسم الجنس المبني للنّداء. (١)
ولك أنْ تقُول: لا يحذَفُ حَرفُ النّداء إلّا في أرْبَعة مَواضِع: -
١ - العَلَم، نحْو: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ﴾ [يوسف: ٢٩].
٢ - والمضَاف، نحْو: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
٣ - و"أي"، نحْو: "أيها الرّجُل".
٤ - و"مَن"، نحْو: "مَن لا يزَالُ مُحسِنًا أحْسِن إليّ". (٢)
قوله: "أيها": "أيّ" مُنَادَى، و"أيها" صِلة وتنبيه. وتقَدّمت أقسَام "أيّ" في الحديث الأوّل من "كتاب الصّلَاة".
و"الأَمِير": نَعْتٌ لـ "أيّ"، لَازم الرّفْع عند الأكثرين، وأجَاز المازِنيّ فيه النصب. (٣)
قوله: "أنْ أُحَدّثك": أيْ: "في أنْ أُحَدّثك"، أو: "بأنْ أُحَدّثك". وحَذْفُ حَرف الجر مَع "أنْ" كثير. ومحلّ "أنْ" بعد الحذف يجري فيه الخلاف المشهور مِن النّصب والجر. (٤)
_________________
(١) انظر: التسهيل (ص ١٧٩)، شرح التسهيل (٣/ ٣٨٥).
(٢) انظر: المفصل للزمخشري (ص ٦٨)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ١٠٥٨)، شرح الأشموني (٣/ ١٧)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٥٦).
(٣) انظر: شرح المفصل (١/ ٣٢٩، ٣٤١)، شرح الأشموني (٣/ ٣٤)، شرح التسهيل لابن مالك (٣/ ٤٠١، ٤٠٢).
(٤) انظر: شرح التسهيل (٢/ ١٥٠)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٦٣٢ وما بعدها)، شرح الأشموني (١/ ٤٤٣)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٦٢٥).
[ ٢ / ٤٩٠ ]
قوله: "أُحَدّثك": تقَدّم الكَلامُ عليه في الحديث الخامِس من "باب فضل الجماعة".
قوله: "قَوْلًا": مصْدرُ "قَالَ". ولما تضَمّن الحديثُ "القَول" جَرى المصدر على مَعْنَاه، لا على لفْظِه، [أي] (١) يكُون منْصُوبًا بإسْقَاط الخَافِض، أي: "أُحَدّثك بقَوْل".
قوله: "قَامَ به رَسُولُ الله - ﷺ -": جملة في محلّ صِفَة لـ "قَوْل".
قوله: "الغَد مِن يَوْم الفَتْح": حَقيقةُ ["الغد"] (٢) اليوم الذي بعْد يَومك، فإذا استُعْمِل في غير ذلك أضَافوه إلى غَد يومه الذي وَقَع الفعل فيه، إمّا ماضيًا كما جَاء هُنا، وإمّا مُتأخرًا عن غَد يَوْمه؛ فتقُول: "أفعَلُ غَدًا" مِن غير إضَافة ولا تعريف؛ لأنّه وَقَع فيما وضع له، كالعلم، و"فعلتُ غَد يوم الجمعة" و"الغَد مِن يوم الجمعة" حِكَاية "غَد" يوم مَاض، و"فَعَلتُ بعد غَد" أو "بعْد الغَد" مما تأخّر فِعْله عن محلّه؛ لأنّه صَار نَكِرَة، ولذلك دَخَلَه التّعريف العَهْدي؛ لأنّه استُعْمِل في غَير مَا وضِع لَه لما حَكوا به كما حَكوا باسم الفَاعِل الحالَة الماضِية في نحْو قَوله تعَالَى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨]، فأعْمَلوا "باسطًا" في "ذراعيه" وإنْ كان مَاضيًا؛ لأنّهم حَكوا حَالة وقُوع الفِعْل في الحالة الماضية. (٣)
قَالَ السّهيلي: إنْ قُلت: لم بنوا "أمس" إذا أرادوا به "اليوم الذي قبل يومهم"، ولم يبنوا "غَدًا" إذا أرادوا به "اليوم الذي بعْد يومهم"؟
والجواب: أنّ الأيامَ مُتماثلة مِن حيث أنّ كُلا منها عبارَة عن جملة حَرَكَات
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. ولعلها: "و". والمثبت من (ب).
(٢) بالنسخ: "لغد".
(٣) راجع: الإعلام لابن الملقن (٦/ ٢٧٩)، نتائج الفكر للسهيلي (ص ٨٨ وما بعدها)، شرح المفصل (٤/ ١٠٠)، مُغني اللبيب (ص ٩٠٦)، شرح القطر (ص ٢٧١)، شرح التصريح (٢/ ١٢)، تاج العروس (٣٩/ ١٤٧).
[ ٢ / ٤٩١ ]
الفلك، والحرَكَات مُتماثلة، والحاجَةُ دَاعية إلى تمييزها، فمَيّزوا أسماءَ الأسبوع بأسْماء الأعْدَاد وبالحوَادِث الكَائنَة فيها.
وسَمّوا "اليوم الذي قبْل يَومِهم" باسم أقرب سَاعة منه إليهم، وهو "المساء"، إلا أنهم جَعَلوا اسمه منقُولًا مِن فِعْل الأمْر الذي قَولك فيه: "أمْس بخَير"؛ فلهَذا بَنوه.
وكَذلك سَمّوا "اليوم الذي بعْد يَومِهم" باسم أقْرَب سَاعَة منه إليهم، وهو "الغَد"، فقَالوا: "الغَد"، فأعرَبُوه؛ لأنّه ليس منقُولًا من مبني - بخِلافِ "أمس" - وحَذَفُوا لامه؛ لأنّ كُلّ اسم كَان موضُوعًا للحَدث ثم نُقِل إلى غَيره، ووَزْنه "فَعل"، ولامه مُعتلّة، فإنهم ينقصونه [ليكُون] (١) نقْصه لفْظًا أمَارَة لنقْصه معنى. (٢)
فتأمّل ذَلك تجده في: "غَد" و"دَم" و"يَد" و"سم". (٣)
إذا ثبت ذلك: فـ "الغَد" في الحديثِ منصوبٌ بـ "قَامَ" على الحكاية للزّمَان الماضية. و"مِن يَوْم" يتعَلّق بحَال مِن "الغَد"، أي: "كَائنًا مِن يَوم الفَتْح"، و"مِن" لبيان الجنْس.
قوله: "فسَمعته أُذناي": تقَدّم الكَلامُ على "سَمِع" في الحديث الأوّل. والضّميرُ في "سَمعته" يعُود على القَول، وكذلك الضّميرُ في "وَعَاه". و"قَلْبي": فَاعِل. وأمّا الضّمير في "أبْصَرَتْه عَينَاي": فيحتمل أنْ يعُود على "النبي - ﷺ -"؛ لأنّه تقَدّم ذِكْره، ويكُون كقَوله تعَالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٤) [الفتح: ٩]، قيل: الضّميرُ في "تُسَبِّحُوهُ" يعُود على الله - ﷿ - (٥). ويحتمل أنْ يعُود على القَول،
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: نتائج الفكر للسهيلي (ص ٨٨ وما بعدها).
(٣) انظر: نتائج الفكر (ص ٩٠)، المخصّص (٤/ ٢٣٦).
(٤) بالنسخ: "لتعزروه".
(٥) انظر: تفسير ابن عطية (٥/ ١٢٩)، تفسير القرطبي (١٦/ ٢٦٧)، تفسير الزمخشري =
[ ٢ / ٤٩٢ ]
بمَعنى "حَركَة شَفتيه ولسانه - ﷺ -"؛ لأنّه سَببُ القَوْل، وكثيرًا ما يُطلَق على السّبب اسم المسبب. والأوّل أظهَر.
و"حِين": ظَرْفُ زَمَان، وتقَدّم الكَلامُ عَليها في الخامِس مِن "صِفَة الصّلاة"، وفي الرّابع مِن "بَاب الصّلاة".
والعَامِلُ في "حِين": مَا تقَدّم مِن الأفْعَال على سَبيل التنازع، أعني: "سمعته" و"وَعَاه" و"أبصَرته"، الأفْعَال الثّلاثة، والتنَازعُ يكُون في ثلاثَة وأكثر. والمخْتَارُ عند البصريين إعْمَال الآخر (١)، ولهذا بَاب في كُتب العَرَبية؛ فلينظر هُنالك.
وجملة "تكَلّم به" في محلّ جَرّ بالإضَافَة إلى الظّرْف.
قوله: "أنّه حمد الله": بالفَتح، بَدَلٌ من "قَوْلًا"، أي: "أحدّثك أنّ النبي - ﷺ -"، أو بَدَلٌ من الضّمير في "سَمعته"، أو مِن الضّمير في "وَعَاه". ويحتمل أن يكون خبر مُبتدأ محذُوف، أي: "هُو أنّه"، أو: "ذلك أنّه".
ويجوزُ كسر "أنّ"، وهُو حَسَنٌ إنْ رُوي؛ لأنّها وَقَعَت بعد القَول؛ فتكُون الجملة مُستأنفة.
وفيه حَذفُ الجواب، أي: "قَال له: نَعَم، حَدّثْني"، وإنّما حُذف للعِلْم به.
قوله: "ثُم قَالَ": أي: "النبي - ﷺ -".
قوله: "إنّ مَكّة حَرّمَهَا الله": هذه الجمْلة معْمُولة للقَول، وجملة "حرّمها" في محلّ خَبر "إنّ".
قوله: "ولم يُحرّمها النّاس": هَذه الجمْلَة معْطُوفَة على مَا قبْلها.
_________________
(١) = (٤/ ٣٣٥)، البحر المديد (٥/ ٣٨٨).
(٢) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٨٠، ١٨١)، عقود الزبرجد (٢/ ٣٨٠)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٦٣١)، شرح التسهيل (٢/ ١٧٦).
[ ٢ / ٤٩٣ ]
وفيها تعظيمٌ لحرْمَة مَكّة، [وإخبارٌ] (١) بأنّ ذلك التحريم مِن الله، لا بواسطة أحَدٍ مِن خَلْقه، ولا بسُؤَال أحَدٍ مِن أنبيائه.
وتقَدّم الكَلامُ على "لم" في الثّالث مِن "باب المذي".
قوله: "فَلا يحلّ لامرئ": "لا" نَافِيَة، و"لامرئ" يتعلّق بـ "يحلّ".
و"امرؤ" تقَدّم الكَلامُ عليه في السّادس مِن "الزّكاة"، وهمزته "هَمْزة" وَصْل. وتقَدّم القَول في "هَمزَة" الوَصْل في الأوّل مِن الكتاب.
قوله: "يُؤمِن بالله واليَوْم الآخِر": جملةٌ في مَوْضِع صِفَة لـ "امرئ"، و"بالله" يتعلّق بـ "يُؤْمِن".
و"اليَوم الآخر" تقَدّم الكَلامُ عَلى "يَوم" في الثّالث مِن "الاستطابة"، وعلى "الآخِر" في الحديثِ الأوّل من الكتاب.
قوله: "أنْ يَسْفِك بها دَمًا": في محلّ فَاعِل "يحلّ"، والتقديرُ: "لا يحلّ لمؤمِن سَفْك دَم".
ويُقَال: "سَفَكَ" "يَسْفُك" و"يَسْفِك"، بكَسْر "الفَاء" وضَمّها. (٢)
قوله: "ولا يَعْضِد": يُقَال: "عَضَدَ، يَعْضِد"، بفَتْح "الضّاد" في الماضي، وكَسْرها في المضَارع (٣)، منْصُوبٌ بالعَطْف على "يسفك"، ويجوزُ فيه الرّفع لو رُوي.
قوله: "فَإنْ أحَدٌ ترَخّص": "أحَدٌ" فَاعِل بفِعْل مُقَدّر يُفسّره ما بعده، أي: "إنْ ترَخّص أحَدٌ"، فجُمْلة "ترَخّص" لا محلّ لها؛ لأنّها مُفسّرة للعَامِل. وأجَاز
_________________
(١) بالنسخ: "واختيار".
(٢) انظر: الإعلام لابن الملقن (٦/ ١٠٨)، الصحاح للجوهري (٤/ ١٥٩٠)، لسان العرب لابن منظور (١٠/ ٤٣٩).
(٣) انظر: لسان العرب (٣/ ٢٩٤).
[ ٢ / ٤٩٤ ]
الكُوفيون (١) أنْ يَلي الشّرْط الاسم، ورَفَعُوا الواقِعَ بعده بالابتداء؛ فتكُون جملة "ترَخّص" في محلّ الخبر.
قوله: "فقُولُوا": "الفَاء" جَوَابُ الشّرْط "إنّ الله أَذِن لرَسُوله" جُملة "أَذِن" في محلّ خَبر "أنّ"، و"أنّ" واسمها وخَبرها في محلّ مفْعُول القَول، و"لرَسُوله" يتعلّق بـ "أَذِن".
قوله: "ولم يَأذَن لكُم": يحتمل أنْ يكُون معْطُوفًا على "أذِن". ويحتمل أن تكُون "الواو" للحَال، أي: "أذِن لرَسُوله، وهُو لم يأذَن لكم".
قوله: "وإنّما أَذِن لي سَاعَة مِن نَهَار": "إنّما" تقَدّم الكَلامُ عليها في الحديثِ الأوّل مِن الكتاب. و"أَذِن" هُنا مَبني للفَاعِل، والفَاعِلُ هُو "الله" - ﷿ -، و"سَاعة" منصُوبٌ على الظّرْفيّة، أي: "في سَاعَةٍ مِن النهار".
قوله: "وقَد عَادَت حُرْمَتُها اليَوم": "عَادَ" هُنا بمَعْنَى "صَار"، و"حُرْمَتها" اسمها، و"اليَوم" ظَرْفٌ، العَامِلُ فيه "حُرْمَتها"؛ لأنّه مَصْدَر "حَرُم الشيءُ حُرْمة"، ويُقَال: "حَرُمَت الصّلاة على الحَائِض" (٢). ويجُوز أنْ تعْمَل فيه "عَادَت" إذا قُلْنا بعَمَل الأفْعَال النّاقِصَة في الفَضَلات (٣).
و"مِن النّهَار": يتعلّق بصِفَة لـ "سَاعَة".
قوله: "كحُرْمتها": يتعَلّق بخَبر "عَاد"، وإذا قدّرت "الكَاف" اسمًا بمَعنى "مِثْل" كَان مَا بعْدَها مجرورًا بالإضَافة.
_________________
(١) انظر: شرح الكَافية الشافية (٣/ ١٥٩٦ وما بعدها).
(٢) انظر: الصّحاح للجوهري (٥/ ١٨٩٧)، كتاب الأفعَال (١/ ٢٠٧)، المعجَم الوسيط (١/ ١٦٨)، مختار الصّحاح (ص ٧١).
(٣) انظر: اللمحة (٢/ ٥٧٧)، شرح ابن عقيل (١/ ٢٧٦)، توضيح المقاصد (٢/ ٦٩٢)، الخصائص (١/ ١٩٨)، (٢/ ٢٧٦)، الهمع (١/ ٤٩٠).
[ ٢ / ٤٩٥ ]
قوله: "بالأمْس": جَار ومجرُور يتعَلّق بـ "حُرْمتها"، ومتى عُرّف "أمْس" بالألِف واللام أو بالإضَافَة أُعْرب، تقُول: "ذَهَب الأمْس"، و"كَرهتُ الأمس"، و"كَان أمْسنا طَيبًا". وإنْ كَان بغَير "لام" ولا إضَافَة بُنيَت؛ لتَضَمّنها الألِف واللام، ولم تُبْن على السّكُون؛ لأنّ قبْل آخِرها سَاكِنٌ، فكُسِرَت لالتقَاءِ السّاكنين، وهِي عَنْد "بني تميم" كذلك إذا كَانَت في مَوْضِع نَصْب أو خَفْض بغَير "مُذ" و"مُنْذ"، وإنْ كَانَت في مَوضِع رَفْع أو خَفْض [بـ "مُذ" أو] (١) "مُنذ"، فيُجرونها مجْرَى اسْم لا ينصَرّف، فيقُولُون: "ذَهَب أمْس بما فِيه" و"مُذ أمْس"، فيُعربُونها، ويمنَعُونها الصَّرْف للتعريف والعَدْل، وذَلك لأنّ "أمْس" في الأَصْل نَكِرَة، فكَان حَقّه أنْ يُعَرّف بالألِف واللام أو بالإضَافَة، فعَدلُوا عَن ذَلك، وعَرّفُوه بالعَلَمية. (٢)
قَالَ الغَافقي: هَذا كُلّه نصّ عليه سيبويه. (٣)
قَالَ أبُو القَاسِم الزّجّاج: ومِن العَرَب مَن يَبْنيه على الفَتْح (٤)، وأنْشدَ:
لَقَدْ رَأَيْتُ عَجَبًا مُذْ أَمْسَا عَجَائزًا مِثْلَ السَّعَالِي خَمْسَا
_________________
(١) هذا ما يظهر لي بالأصل.
(٢) انظر: الكتاب (٣/ ٢٨٣ وما بعدها)، الجمل في النحو (ص ٢٠١)، شرح الأشموني (٣/ ١٦٤)، الأزمنة وتلبية الجاهلية، لقطرب، (ص ٣١ وما بعدها)، شرح المفصل (٣/ ١٣٦ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٤٨١ وما بعدها)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ١٢٦ وما بعدها)، اللمحة (٢/ ٩٠٩ وما بعدها)، الهمع (٢/ ١٨٩ وما بعدها)، لسان العرب (٦/ ٨ وما بعدها)، تاج العروس (١٥/ ٤٠٧).
(٣) انظر: الكتاب (٣/ ٢٨٣ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٤٨٢).
(٤) انظر: اللامات لأبي القاسم الزجاجي (ص ٥٤)، درة الغواص في أوهام الخواص (ص ٢٨٢)، شرح التسهيل (٢/ ٢٢٣)، شرح الأشموني (٣/ ١٦٤)، الكتاب (٣/ ٢٨٤، ٢٨٥)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٤٨١)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ١٢٩) ووهمه ابن هشام - الهمع (٢/ ١٩٠).
[ ٢ / ٤٩٦ ]
يأْكُلْنَ مَا فِي رِحَالِهنَّ هَمْسَا لَا تَرَكَ اللَّهُ لَهُنَّ ضِرْسَا (١)
قوله: "فليبلغ الشّاهِد الغَائِب": "اللام" لام الأمْر، وتقَدّم أنّها تُسَكّن مع "الفَاء" و"الواو"، وتكْسَر مَع "ثُمّ" (٢)، و"الشّاهِد" فَاعِل به، و"الغائب" مفْعُولٌ به.
قوله: "فقيل لأبي شُريح": الفِعْلُ مَبني لما لم يُسَمّ فَاعِله، والمفْعُولُ الذي لم يُسَمّ فَاعِله الجمْلَة المحْكيّة، وهي المقُول، وقيل: قَول محذُوف. وتقَدّم الكَلامُ على ذلك في الرّابع عَشر مِن "الجنائز".
و"مَا" استفهامية، محلّها رَفْع بالابتداء. وجملة "قَالَ" في محلّ الخبر، و"اللام" في "لَك" لام التبليغ، ومِثل هذه "اللام" "اللام" في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. (٣)
ومعنى الحديث: أنّ أبا شُريح لما قَصّ مَا وَقَع لَه مع عمرو بن سعيد وما عَرَض عليه من حَديث النبي - ﷺ - ونهيه عن انتهاك حُرمة مَكّة حتى انتهى إلى آخر الحديث، قيل له عند ذلك: "مَا قَالَ لك عمرو بن سَعيد؟ "، ففَاعِلُ "قَالَ" ضَمير يعُود على "عمرو"، أي: "قَالَ عَمرو: أنَا أعْلَم. . ."، فجُمْلَة "أنَا أعْلَم" معمُولة للقَول، و"أعْلَم" أفْعَل التفضيل استُعْمِل بـ "مِن"، و"بذَلك" يتعَلّق بـ "أعْلَم"، وتقَدّم الكَلامُ على أفْعَل التفضيل في الأوّل مِن "الصّلاة". والإشَارَة بـ "ذَلك" إلى النّهي عَن مَكّة وقتال أهْلِها. و"مِن" في أفْعَل التفضيل للتبعيض.
_________________
(١) الأبيات من الرجز، وهي لغيلان بن حريث الربعي، وقيل: للعَجاج. والمروي فيه: "رحلهن". انظر: الجمل في النحو (ص ٢٠٢)، درة الغواص في أوهام الخواص (ص ٢٥٨، ٢٨٢)، شرح الكافية الشافية لابن مالك (٣/ ١٤٨١)، شرح القطر لابن هشام (ص ١٩)، المعجم المفصل (١٠/ ٢٦١).
(٢) انظر: شواهد التوضيح والتصحيح (٢٤٣، ٢٤٤)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥٢٨)، عقود الزبرجد (١/ ١٢٣، ١٢٤).
(٣) انظر: البحر المحيط (٢/ ٤٥٧).
[ ٢ / ٤٩٧ ]
وفي قوله "أنا أعْلَم بذلك مِنْك" شِدَّة على أبي شُريح وإغْلاظ عليه، ولو تَرَك "مِنْك" صَحّ الكَلام، ولكنّه أدْخَلها للمَعنى الذي ذَكَرناه.
وقَد قَالُوا في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٢]: فيه بعضُ مُسامَحَة ولِين؛ لأنها أوّل خصاله، فعَذَره فيها، وقَالَ له في الثانية: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ [الكهف: ٧٥]، فزاد لَفْظة "لك" إغْلاظًا عليه؛ لأنّها الثانية. (١)
وفي كَلامِه تغليظ آخَر سُوَى الخطَاب، وهو [نداؤه] (٢) حين قَال له: "يا أبا شُريح". وقد قَالوا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤]، قُرئ بالضّمِّ على النِّداء، وبالنَّصب على البَدَل (٣)، ولم يجئ مِثله في قَوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] بالرفع، وإنما قُرئ بالنصب لا غير. (٤)
قال الإمامُ فخْر الدِّين: لأنّ النّداءَ استخفافٌ بالمنادَى، والاستخفاف بالمنادَى يكُون لائقًا في قصة إبراهيم - ﵇ -؛ لأنّ أباه كَان كافرًا مُصرًّا على كُفره؛ فحَسُن أنْ يخاطبه بالغِلْظة زَجرًا له على ذلك [القُبْح] (٥). وأمّا في قِصّة مُوسى: فقد كَان مُوسى استخْلَف هَارون على قَومه، فما كان الاستخفافُ لائقًا بهذا الموضع؛ فلا جَرَم لم تكُن القراءة بالضَّمِّ جَائزةً. (٦)
قوله: "إنَّ الحَرَمَ لا يُعيذُ عَاصِيًا ولا فَارًّا بدَم": الجمْلَة محكيّة بالقَوْل، وجملة "لا
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٧/ ٢٠٩).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) قرأ الجمهور بفتح "الراء"، وقرأ أبي وابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم بضمها على النداء. انظر: البحر المحيط (٤/ ٥٦١).
(٤) انظر: تفسير الرازي (١٣/ ٣٤)، البحر المحيط (٤/ ٥٦١)، (٥/ ١٦١).
(٥) كذا بالأصل. وفي "تفسير الرازي" (١٣/ ٣٤): "القبيح".
(٦) انظر: تفسير الرازي (١٣/ ٣٤).
[ ٢ / ٤٩٨ ]
يُعيذُ" في محلّ خَبر "إنّ"، و"عَاصِيًا" مَفْعُول "يُعيذ". و"يُعيذ" مِن "أعَاذ" رُبَاعيًا (١). والفَاعِلُ مُستَتر. "وَلَا فَارًّا" مَعْطُوفٌ على "عَاصِيًا"، و"لا" مُؤَكِّدَة للنّفي، أي: "ولا يُعِيذُ فَارًّا"، و"بدَم" يتعَلّق بـ "فَارّ".
قوله: "وَلَا فَارًّا بخَربَةٍ": تقَدّم مِن تفْسير صَاحِب "العُمْدة" فيه مَا يُغْني عَن إعَادته. وقَالَ في "الصّحاح": "الخَاربُ": "اللّص". وقَالَ الأصْمعي: هُو سَارِقُ الإبل خَاصّة (٢).
ويُرْوَى "بخُرْبَةٍ" بضَمّ "الخَاء" وفتْحِهَا. ويُروَى "بخِزْيَة" (٣) بـ "الزّاي" المعْجَمَة و"اليَاء" المثنّاة مِن تحْت. (٤)
والجمْعُ: "الخُرَّابُ"، يُقَال منه: "خَرَب فُلانٌ بإبل فُلان، يخرب، خرابة" مِثْل: "كَتَب [يَكْتُب] (٥) كِتَابة". (٦)
ويَأتي في الثّالث مِن "السّرقَة" جُملَة مَا جَرَى هَذَا المجْرَى، فانظُره هُنالك.
_________________
(١) انظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام لابن الملقن (٦/ ١١٨)، تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي (ص ٤٠٨).
(٢) انظر: الصّحاح للجوهري (١/ ١١٩).
(٣) سُنن الترمذي (٨٠٩).
(٤) انظر: نخب الأفكار (١٠/ ٢٧٤)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٣/ ٥٣٤)، تحفة الأحوذي (٣/ ٤٥٣)، قوت المغتذي على جامع الترمذي للسيوطي (١/ ٢٧٩)، نيل الأوطار للشوكاني (٧/ ٥٣).
(٥) سقط من النسخ. والمثبت من "الصّحاح" (١/ ١١٩).
(٦) انظر: الصّحاح (١/ ١١٩).
[ ٢ / ٤٩٩ ]
الحديث الثّاني:
[٢١٧]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "لا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، [وَإِذَا] (١) اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا".
وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ تعالى إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ؛ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلا يُخْتَلَى خَلَاهُ". فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إلَّا الإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ. فَقَالَ: "إلَّا الإِذْخِرَ" (٢).
القينُ: "الحَدَّاد".
قوله: "يَوْم فَتْح مَكّة": ظَرْفُ زَمَان، ومخفُوض به. العَامِلُ في "يَوم": "قَال" الثّانية، وهي معمُولة لـ "قَال" الأوْلى، و"قَال" الأوْلى معمُولة لمتعلّق حَرْف الجر.
قوله: "لا هِجْرَة": "لا" نَافية، و"هِجْرَة" اسمُ نَكِرَة، مبني مع "لا". وقَد تقَدّم ذِكْر "لا" مع اسمها في الأوّل في "بَابِ التيمّم". وخَبرُ "لا" محذوفٌ، أي: "كائنة بعد اليوم"، حُذِف لدلالة الكَلام عَلَيه.
قوله: "ولكن جِهَاد": تقَدّم الكَلام على "لكن" في الحديث الأوّل من "باب الحيض"، وفي الثّاني من "بابِ الاستطابة". وجَاءَت هُنا على الحَسَن مِن وجُوهها بين نَفْي وإثبَاتٍ، ولكن هذه المخففة لا عمل لها، خلافًا ليونس والأخفش، وعلى مَذهَبِ الجمهُور الوَاقِع بعْدَها مُبتَدأ وخَبر (٣)؛ فـ "جِهَاد" مُبتَدأ، و"نية" مَعْطُوفٌ عَليه،
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) رواه البخاري (١٥٨٧) في الحج، ومسلم (١٣٥٣) في الحج.
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٢٣)، (٥/ ٢٩٥)، مغني اللبيب (ص ٣٨٥ وما بعدها)، شرح المفصل (٥/ ٢٩ وما بعدها)، شرح الشذور للجوجري (٢/ ٨٠٩ وما بعدها).
[ ٢ / ٥٠٠ ]
والخبرُ مُقَدّر، أي: "لَكن بعدَه جِهَاد"، فالعَامِلُ في ["بعده"] (١) الخبر المقَدّر.
ويجُوزُ "وَنِيةً" بالنّصب، مفْعُولًا مَعَه، أي: "مَع نية". ويحتمل أنْ تكُون "الواو" بمَعْنى "أو"، أي: "جِهَادٌ في سَبيل الله، أو نية في الجهَاد"، كَما قِيل في قَوْله تعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، أي: "مَثْنَى أو ثُلَاث أو رُبَاع" (٢). ويجوز أن يكُون التقدير: "ولكن يكُون جِهَادٌ ونية"، وتكُون "كَان" التّامّة أو النّاقِصَة، والخبرُ مُقَدّر، أي: "ولَكِن يكُون جِهَادٌ ونية بَعْد هَذَا اليَوْم".
قوله: "فإذا استنفرتم فانفروا": تقَدّم الكَلامُ على "إذا" وفِعْلها وجوابها في الحديث الثّاني مِن أوّل الكتاب. وجملة "فانفروا" جَوابُ "إذا"، ويترجّح عَمَل فِعْلها، وهو: "استنفرتم"؛ لأنّ مَا بعْد "الفَاء" لا يعمَل فيما قبلها (٣).
قوله: "وقَال يَومَ فَتْح مَكّة": أعَادَ القَول مع معمُوله لطُول ما بين المعطُوف والمعطُوف عليه، وتأكيدًا للحَديث والمحَدَّث به، ولكَونه وَقَع في ذلك الوقْت العَظيم المستَلَذّ إعَادة ذِكْر يَوْمه ومَكَانه.
قوله: "إنّ هذا البَلَد حَرّمَه الله": "هَذا" اسمُ "إنّ"، و"البَلَد" نعته، و"حَرّمَه الله" في محلّ خَبر "إنّ".
قوله: "يَوْم خَلَق السّمَوات والأرْض": العَامِلُ في الظّرْف "حَرّمَه"، وجملة
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: البحر المحيط (٣/ ٥٠٥)، عقود الزبرجد للسيوطي (٢/ ١٠)، مُغني اللبيب (ص ٨٥٧ وما بعدها).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ١٠٥)، معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٥/ ٧٧)، إيجاز البيان عن معاني القرآن (٢/ ٧٧٥)، إرشاد الساري (١/ ٣٣٣)، الكُليات للكفوي (١/ ٦٧٧)، شرح الاشموني (٢/ ١٠)، حاشية الصبان (٢/ ١١٤).
[ ٢ / ٥٠١ ]
"خَلَق" في محلّ جَرّ بالظّرْف. و"السّمَوات": مفعُولُ "خَلَق"، وعَلَامَةُ النّصْب فيه الكَسْرَة.
قوله: "فهُو حَرَامٌ": "الفَاءُ" سَببية، وذَكَر الضّمير لأنّه أرَادَ الموضِع. و"حَرَام" خَبرُ "هو". والجمْلَة مُستَأنَفَة.
قوله: "بحُرْمَة الله إلى يَوْم القيامَة": "بحُرمَة" يتعلّق بـ "حَرَام". و"حُرْمَة الله" يُريد: "تحريم الله"؛ فتتعَلّق "إلى" به. و"البَاء" سَببية، أو "باء" الإلصَاق، ويحتمَل أنْ تتعَلّق بـ "حَرَام".
قوله في الحديث: "تَعَالَى": هَذَا الفِعْل من "العُلو"، خَاصٌّ باسم الله تعالى؛ فلا يُقَال: "زَيد تَعَالى"، ولا تقُول: "تَعَالَيتُ".
قوله: "إلى يَوم القيامة": تقَدّم الكَلامُ على "يَوم" في الحديثِ الثّالث من "الاستطابة".
والضّميرُ في "إنّه" ضَميرُ الأَمْر والشّأن. وتقَدّم الكَلامُ على ضَمير الأمْر والشّأن في الحديثِ السّادِس مِن "بَابِ القِرَاءَة". و"لم يحِلّ القِتَال" في محلّ خَبر "إنّ"، و"قَبْلِي" في محلّ صِفَة لـ "أَحَد".
قوله: "وَلَم يَحِلّ": معْطُوفٌ على "لم يحلّ". و"سَاعَة" ظَرْفُ زَمَان، العَامِلُ فيه: "يحلّ"، والتقْدير: "إلّا في سَاعَة"، فالاستِثْناءُ مُفرغ. و"مِنْ نَهَار" يتعَلّق بصِفَة لـ "سَاعَة"، و"مِن" للتبعِيض.
قوله: "فهُو حَرَامٌ بحُرمة الله إلى يَوْم القِيَامَة": مُبتدأ وخبر، أي: "فالبَلَدُ حَرَامٌ". و"بحُرْمَة" يتعَلّق بـ "حَرَام". و"حُرْمَة الله" بمَعْنَى "تحريم الله". ويتعَلّق "إلى يَوم القِيَامَة" بـ "حَرَام" كما تقَدّم، أو بـ "حُرْمَة".
قوله: "لا يُعْضَدُ شَوْكُه": يحتمل أنْ يكُون خَبرًا بعْد خَبر. ويحتمَل أنْ يكُون
[ ٢ / ٥٠٢ ]
مُستأنَفًا، و"لا" نَافِيَة؛ فهُو خَبرٌ بمَعْنى النّهي. ويحتمل الجزْم بـ "لا" النّاهِيَة، والرّواية الرّفْع، أي: "لا تعضد"، وإنّما قُدّر فيه مَعْنى النّهي لأنّ خَبَر الله لا خُلْف فيه، وقَد وُجِد العضد والتنفير.
قوله: "وَلَا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ": باليَاء المثنّاة مِن تحْت. و"لُقْطَتَه" مفعُولٌ واجبُ التقْديم؛ لأنّ الفَاعِلَ وَقَع بعْد "إلّا" (١).
قوله: "إلّا مَن عَرّفَهَا": الاستِثْنَاءُ مُفرغ؛ لأنّ "مَن" فَاعِل "يَلْتَقِط"، أي: "إلّا شَخْصٌ عَرّفَها"؛ فتكُون "مَن" نَكِرَة مَوْصُوفَة.
ويحتَمَل أنْ تكُون مَوصُولَة، أي "إلّا الذي عَرّفَها"، ويكُون الفِعْلُ بمَعْنَى المستَقْبَل، أي: "إلا مَن يُعرّفها". أو يكُون "يَلتَقِط" بمعنى " [يتَمَلّك] (٢) "؛ فلا يحتَاجُ إلى تَقْدِير؛ لأنّك إنْ حملْت اللفْظ على ظَاهِرِه - مِن أنّه "لا يأخُذها مِن مَوضِعها إلّا مَن عَرّفها" - لم يصِحّ المعنى؛ لأنّ تعريفها إنّما يكُون بعد التقَاطِهَا، وعلى هَذا مَذْهَب مَن يقُول: [يتمَلّكها] (٣) بعْدَ التعريف. (٤)
ويحتمل أنْ يكُون المعنى: "لا يَلتَقِطُها إلا مَن نَوَى تعريفها"، وهَذَا أظْهَر.
_________________
(١) انظر: توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٥٩٥ وما بعدها)، شرح ابن عقيل (٢/ ١٠٠، ١٠٤)، شرح الأشموني (١/ ٤٠٤)، شرح التصريح (١/ ٤١٨).
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "يملك".
(٣) غير واضحة بالأصل. ولعلها: "بتملكها".
(٤) قال الشافعي ومتأخرو المالكية وعبد الرحمن بن مهدي وأبو عبيد وغيرهم: لا تحلّ لُقطة مكة لمن يريد أن يعرّفها سنة ثم يتملكها كما في باقي البلاد، بل لا تحلّ إلا لمن يعرّفها أبدًا، ولا يتملّكها. وقال مالك - وهو الصحيح من مذهب المالكية - والحنفية: يجوز تملّكها بعد تعريفها سنة، كما في سائر البلاد، وبه قال بعض أصحاب الشافعي. وانظر: فتح الباري (٥/ ٨٥، ٨٨)، عُمدة القَاري (٩/ ٢٢٤)، إرشاد الساري (٣/ ١٥٢، ٣٠٦)، شرح النووي (٩/ ١٢٦)، مرعاة المفاتيح (٩/ ٤٧٠)، مجمع بحار الأنوار (٤/ ٤٩٩).
[ ٢ / ٥٠٣ ]
قوله: "وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ": "الخَلَى" مَقْصُور: "الحشيشُ اليَابس"، الواحِدَة: "خَلاة"، و"المُخْتَلُونَ" و"الخَالُونَ": "الذين يَخْتَلُونَ الخَلى، [ويخلونه] (١) ". (٢)
و"خَلَاهُ" هُنا مفْعُول لم يُسَمّ فَاعِله بـ "يُختَلَى".
قوله: "فَقَالَ العَبّاس": يعني: "عَمّ النبي - ﷺ -": "يَا رَسُولَ الله، إلّا الإِذْخَر": أي: "قُلْ يَا رَسُولَ الله: إلّا الإذْخَر، فنَحْن نَسْمَع ونُطيع"، فتكُون الجمْلَة مَعْمُولة للقَوْل المقَدّر على الحِكَاية، والمرادُ مَدْلُول اللفْظ؛ فيجُوز فيه الرّفْع على البَدَل، والنصب على الاستثناء. (٣)
قوله: "فإنّه لقينِهِم": "الفَاءُ" سَببية، والضّمير في "إنّه" للإذْخَر. "ولبيوتهم" يتعَلّق بخَبر "إنّ"، كأنّه عَرَضَ على النبي - ﷺ - ضرورتهم إلى "الإذْخَر"؛ فرَخّص لهم فيه، إمّا بوَحْي أو باجْتِهَاد. (٤)
***
_________________
(١) كذا بالنسخ. وفي "الصّحاح" للجوهري (٦/ ٢٣٣٢) و"لسان العرب" لابن منظور (١٤/ ٢٤٣): "ويقطعونه".
(٢) انظر: عُمدة القَاري (٢/ ٧٧، ١٦٤)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٠/ ٦٨)، الإعلام لابن الملقن (٦/ ١٢٩)، غرب الحديث لابن الجوزي (١/ ٢٩٣)، الصحاح (٦/ ٢٣٣١ وما بعدها)، المخصص (٤/ ٤٣٣)، لسان العرب (١٤/ ٢٤٢، ٢٤٣)، طلبة الطلبة للنسفي (ص ٣٤)، شمس العلوم (٣/ ١٨٨٠).
(٣) انظر: إرشاد الساري (٣/ ٣٠٧)، مرقاة المفاتيح (٥/ ١٨٦٤).
(٤) انظر: فتح الباري (٤/ ٤٩)، إحكام الأحكام (٢/ ٦٤).
[ ٢ / ٥٠٤ ]
بَاب مَا يجُوزُ قَتْلُه
الحديث الأوّل:
[٢١٨]: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ" (١).
وَلِمُسْلِمٍ: "يُقْتَلُ خَمْسٌ فَوَاسِقُ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ" (٢).
قَال الشّيخُ تقيّ الدِّين: المشْهُورُ في الرِّواية: "خمسٌ - بالتنوين - فَواسِقُ"، ويجوز: "خمسُ فَواسِقَ" بالإضافة من غير تنوين، وهذه الرواية التي ذَكرها المصنفُ تدُلّ على صِحّة المشهور، فإنّه أخْبر عَن "خمسٌ" بقوله: "كُلّهن فَواسِق"، وذلك يقتضي أنْ يُنَوَّن "خمسٌ"، وتكُون "فَوَاسِقُ" خَبرًا.
وبَين التنوين والإضَافة فَرْقٌ دَقيق في المعْنَى، وذَلك أنّ الإضَافَة تقتضي الحُكمَ على خمْس مِن الفَواسِق بالقَتْل، ورُبّما يُشْعِر التخصيصُ بخِلافِ الحُكْم في غَيرها بطَريق المفْهُوم. وأمّا مَع التنوين: فإنّه يقتضي وَصْفَ الخَمْس بالفِسْق مِن جَهَة المعْنى، وقد يُشْعرُ بأنّ الحُكْمَ المرَتّبَ على ذَلك - وهُو القَتْلُ - مُعَلّل بما جُعِل وَصْفًا، وهُو الفِسْقُ؛ فيقتضي ذَلِك التّعْميم لكُلّ فَاسِق مِن الدّوَاب، وهُو ضِدّ مَا اقتَضَاه الأوّل من العُمُوم، وهُو التخصيص. انتهى. (٣)
قوله: "خمسٌ مِن الدَّوَاب": "خمس" مُبتدأ، وسَوّغ الابتداء به وصفه بالمجْرور، أي: "خمسٌ كَائنات مِن الدّوَاب".
و"كُلّهن": مُبتدأ، و"فَوَاسِق" خَبره، والجمْلَة صِفَة لـ "خمس" ثانية؛ فـ "فَواسِق"
_________________
(١) رواه البخاري (١٨٢٩) في جزاء الصيد، ومسلم (١١٩٨) (٧١) في الحج.
(٢) رواه مسلم (١١٩٨) (٦٧) في الحج.
(٣) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٦٤، ٦٥).
[ ٢ / ٥٠٥ ]
لا ينْصَرف؛ لأنّه على صِيْغَة مُنتَهَى الجمُوع (١).
و"دَوَاب" أيْضًا من غير تعريف لا ينصرف؛ لأنّه على صيغة منتهى الجموع، وإنما انصرف لأنّ كُلّ مَا لا ينصَرف إذا دَخَله [التعريف] (٢) بالأَلِف واللام انصَرَف، وقَبِل الجرّ بالكَسر. (٣)
و"دَوَابّ: جمعُ "دابّة"، أصْلها: "دابية" كـ "قائمة"، فأدْغِمَت "الياء" الأوْلى في الثّانية، وكُلّ مَاش على الأرْض "دَابّة". (٤)
و"كُلّ" مِن ألفاظ التأكيد، وتقَع مُبتدأ كثيرًا، والتأكيدُ هُنا لا يجوزُ؛ لأنّ "خمسًا" نَكِرة، والنّكِرَةُ لا تُؤَكّد (٥)، ولأنّ الكَلامَ ينقطع ارتباط بعضه من بعض. وتقَدّم الكَلامُ على "كُلّ" في الحديث الأوّل مِن الكتاب. وأضيف هُنا "كُلّ" إلى مَعْرفة؛ فجَرَى الخبر على لَفْظِه، وهو "فَاسِق"؛ لأنّ لَفْظَ "كُلّ" مُفْرَد مُذَكّر، ولَو [أعاد] (٦) على مَا أضيف إليه لقَالَ: "فَاسِقَة".
ومتى أضيف "كُلّ" إلى نَكِرَة جَرَى تَابعها وكُلّ مَا هُو لها على لَفْظ مَا أضيفت إليه، كقَوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، فلو قُلتَ: "كُلّ امرأة" أنّثت صِفَتها؛ فقُلت: "تأتيني"، ولو قُلتَ: "كُلّ رَجُل" قُلتَ: "يأتيني"، ولو قُلت: "يأتوني" كَانَ خِلافَ القَاعِدَة. (٧)
_________________
(١) راجع: المفصل (ص ٣٥)، تاج العروس للزبيدي (٢٤/ ٢١، ٢٢)، المغرب للمطرزي (ص ٥١٩)، النحو المصفى (ص ٤٧).
(٢) بالأصل: "للتعريف". والمثبت من (ب).
(٣) انظر: شرح التسهيل (١/ ٤١)، شرح القطر (ص ٥٢).
(٤) انظر: الإعلام لابن الملقن (٦/ ١٣٧)، الصحاح للجوهري (١/ ١٢٤)، لسان العرب لابن منظور (١/ ٣٦٩).
(٥) انظر: نتائج الفكر (ص ٢١٧)، توضيح المقاصد (١/ ٥٥٠).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٧١)، فتح الباري (٦/ ١٣٢)، شواهد التَّوضيح (ص =
[ ٢ / ٥٠٦ ]
قوله: "فاسِق": قَالَ الجوهري: يُقَال: "فَسق الرّجُل"، "يفسُق" و"يفسِق" بضَمّ "السّين" وكسْرها، "فِسْقًا" و"فسوقًا". (١)
قال ابن الأعرابي: لم يُسمع قَط مِن كَلام الجاهلية ولا في شعرهم "فاسق". (٢)
قال (٣): وهذا عَجَب، وهو كَلامٌ عَرَبي. و"الفسيق": "الدائمُ الفِسْق". (٤)
وخَبرُ المبتدأ: جملة "يُقْتَلْنَ"، أو يكُون "كُلّهنّ فَاسِق" في محلّ الخَبر، أو جملة مُعترضة لا محلّ لها، ومتى جعل "كُلّهن فَواسِق" الخبر كَان جملة "يُقْتَلْنَ" في مَوضِع خَبر بعْد الخبر.
قوله: "في الحَرَم": الألِف واللام إمّا للعَهْد، ويُراد به "حَرَم المسْجِد الحَرَام"، أو يُرَاد "حَرَم مَكّة والمدينة"؛ فتكون لحقيقتها. (٥)
قوله: "الغُرَاب" ومَا عُطِفَ عليه: بَدَلٌ مِن الضّمير القَائِم مَقَام الفَاعِل في "يُقْتَلْن"، ويحتمَل أنْ يكُون خَبر مُبتدأ محذُوف، أي: "هُنّ الغُراب. . .".
قوله: "ولمسْلِم: يُقْتَلُ خَمْسٌ فَوَاسِقُ في الْحِلِّ وَالْحَرَمِ": حَرفُ الجر يتعلّق بـ "يُقْتَلن".
و"الغُرابُ" ومَا بَعْدَه أسماءُ أجْنَاس. وأسماءُ الأجْنَاس [أُوقِعَت أوّلًا] (٦) على مُسَمّياتها مِن غَير أنْ تكُون مَنْقُولة مِن شَيءٍ، فإنْ وُجِد مِنْها ما يُمكِن اشتقاقه حُمِل
_________________
(١) = ٢٥٠)، عُقود الزبرجد (٣/ ٦٠، ٦١)، شرح التسهيل (٣/ ٢٤٥، ٣٠٠).
(٢) انظر: الصحاح (٤/ ١٥٤٣).
(٣) انظر: الصحاح (٤/ ١٥٤٣).
(٤) القائلُ هو "الأخفش"، كما يظهر من كلام "الصّحاح".
(٥) انظر: الصحاح (٤/ ١٥٤٣).
(٦) راجع: سبل السلام (٢/ ٣٦١).
(٧) كذا بالنسخ. وفي "البحر المحيط": "إذا وقعت".
[ ٢ / ٥٠٧ ]
على أنّه مُشتَقّ، إلا أنّ ذَلك قَليلٌ جِدًّا؛ لأنّ الأكثر فيها أنْ تكُون غير مُشتَقّة، كـ "تُرَاب" و"حَجَر" و"مَاء". (١)
ويُمكِن أنْ يكون "غُراب" [مأخُوذًا] (٢) مِن "الاغتراب"؛ فإنّ العَرَب تتشاءم به، وتزعُم أنّه دَالّ على "الفِرَاق" (٣)، قال الشَّنْفَرَى:
فقُلتُ: غُرَابٌ لِاغْتِرَابٍ مِنَ النَّوَى وبالبَانِ بَيْنٌ مِنْ حَبِيبٍ تُعَاشِرُهُ (٤)
وأمّا قوله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] فليس مِن هَذا؛ لأنّهم يقُولُون: "أسْوَد غربيب"، أي: "شَديد السّواد"؛ ولذلك أعْرَبوا "سُود" بَدَل مِن "غرابيب". قَالَ في "الصّحَاح": لأنّ تواكيد الألْوَان لا تتقَدّم. ويُجْمَع على "أغْرِبَة"، وفي الكَثرة "غِرْبَان". (٥)
وأمّا "الحِدَأَة": فالطّائرُ المعْروف، بكَسر "الحاء"، مقْصُور مَهْمُوز، ولا يُقَال: "حَدَأة" بفَتْح "الحاء". وجمعُها: " [حِدَأ"] (٦)، مِثل: "حِبَرَةٍ، وحِبَر"، و"عِنَبة، وعِنَب". (٧)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٢٥)، الممتع الكبير لابن عصفور (ص ٤٤).
(٢) بالنسخ: "مأخوذ". والصواب المثبت.
(٣) انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٢٥).
(٤) البيتُ من الطويل، ويُنسَب لكثير عَزة. والمروي فيه: "فقال"، ويُروى فيه: "فأمّا غراب"، ويُروى: "وفي البان"، ويُروى: "حَبيب تجاوره". انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٢٥، ٢٢٦)، تاريخ دمشق لابن عساكر (٦٩/ ٢٨٦)، عيون الأخبار لابن قتيبة (١/ ٢٣٥)، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة للشنتريني (٨/ ٥٣٥)، الممتع الكبير لابن عصفور (ص ٤٤)، زهر الآداب وثمر الألباب للحصري (٢/ ٥٢٥)، ربيع الأبرار للزمخشري (٤/ ٢٠٥).
(٥) انظر: البحر المحيط (٩/ ٢٩، ٣٠)، الصحاح للجوهري (١/ ١٩٢)، تاج العروس للزبيدي (٣/ ٤٧٧).
(٦) بالنسخ: "حدآء". والصواب المثبت.
(٧) انظر: رياض الأفهام (٣/ ٦٢١)، الإعلام لابن الملقن (٦/ ١٤٠)، مشارق الأنوار =
[ ٢ / ٥٠٨ ]
وأمّا "العَقْرَب": فوَاحِدُ "العَقَارِب"، وهِي تُؤَنّث، والأنثى: "عَقْرَبة"، و"عَقْرَباء" ممدُود غير مَصْروف، والذّكَر "عُقْرُبان" بالضّم. و"العُقْربان": دَابّة لها أرْجُل طُوال، وليسَ ذَنَبه كذَنَب العَقَارب. (١)
وأمّا "الفَأر": فمهْمُوز، جمع: "فأرَة". ويُقَال: "مَكَانٌ فِئرٌ": "كثيرُ الفَأر"، و"أرْضٌ مَفْأرَة": "ذاتُ فأر". (٢)
وأمّا "الكَلْب": فمَعْروفٌ، ورُبّما يُوصَف [به] (٣)؛ فيُقال: "امرأة كلبة". والجمع: "أكْلُب" و"كِلاب" و"كَلِيب"، مثل: "عَبْد" و"عَبِيد"، وهو (٤) جمْعٌ عَزيزٌ. و"الأكالب" جمعُ "أكْلُب". (٥)
قوله: "ولمسْلِم": أي: "وَجَاء لمسْلِم"؛ فيتعلّق حَرف الجر بـ "جَاء"، ويكُون "يُقْتَلُ" فما بعده فَاعِل "جَاء" على الحِكَاية. ويجُوز أنْ يكُون "لمسْلِم" يتعَلّق بخَبر عَن الجمْلَة بعْده على الحِكَاية.
قوله: "في الحلّ والحَرَم": حَرْفُ الجر يتعلّق بـ "يُقْتَلُ".
***
_________________
(١) = (١/ ١٨٤)، الصحاح (١/ ٤٣)، لسان العرب لابن منظور (١/ ٥٤، ٥٥)، تهذيب اللغة (٥/ ١٢٢)، تصحيح التصحيف (ص ٨٥، ٨٦).
(٢) انظر: رياض الأفهام (٣/ ٦٢١)، الإعْلام لابن الملقن (٦/ ١٤١)، الصحاح (١/ ١٨٧)، لسان العرب (١/ ٦٢٤)، تاج العروس (٣/ ٤٢٤).
(٣) انظر: الصحاح (٢/ ٧٧٧)، لسان العرب (٥/ ٤٣).
(٤) سقط من النسخ. والمثبت من المصادر.
(٥) أي: "كَليب".
(٦) انظر: الصحاح (١/ ٢١٣)، لسان العرب (١/ ٧٢٢).
[ ٢ / ٥٠٩ ]
باب دُخُول مَكّة وغيره
الحديث الأوّل:
[٢١٩]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ، وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ؛ فَقَالَ: "اُقْتُلُوهُ" (١).
قوله: "دَخَلَ مَكّة": جملة في محلّ خَبر "أنّ". و"أنّ" [معْمُولَة] (٢) لمتعلّق حَرْف الجر.
وجملتا: "ﷺ" و"﵁" مُعترضتان، لا محلّ لهما مِن الإعْرَاب، وقَد تقَدّم ذِكْر الجمَل التي لا محلّ لها في الحديث الأوّل من الكتاب.
قوله: "دخل مكّة": تقَدّم الكَلامُ على "دَخَل" في الحديث الرّابع من "الاستطابة". [و"مَكّة"] (٣) ظَرْف، وقيل: مفْعُول به.
قَالَ أبو حَيّان: مَذْهَبُ سيبويه أنّ "دَخَلَ" يتعَدّى إلى ظَرْف المكَان المختصّ الحَقيقي بغَير واسِطَة، فإنْ كَان مجَازيًّا تعَدّى إليه بوَاسِطَة "في"، نحو: "دَخَلتُ في الأمْر". وأمّا مَذْهَب الأخْفَش والجرميّ: فَإنّ "دَخَلَ" يتعدّى بنفسه مُطْلقًا. (٤)
قوله: "عَامَ الفَتْح": "العَام": "السّنة"، يُقَال: "سنون عُوّم"، وهو توكيد الأوّل، كما [تقُول] (٥): "بينهُم شُغْلٌ شَاغِلٌ". (٦)
_________________
(١) رواه البخاري (١٨٤٦) في جزاء الصيد، ومسلم (١٣٥٧) في الحج.
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "فمكة".
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٥٦)، (١٠/ ٤٧٧).
(٥) بالنسخ: "تقَدّم". والمثبت من "الصّحاح".
(٦) انظر: الصّحاح للجوهري (٥/ ١٩٩٣، ١٩٩٤)، القاموس المحيط (ص ١١٤١)، =
[ ٢ / ٥١٠ ]
و["عَامًا"] (١) منصُوبٌ على الظّرْفية، والعَامِل فيه: "دَخَلَ"، أي: "في عَام الفَتْح".
و"أَلِف" "العَام" مُنْقَلبَة عَن "واو"؛ لِقَولهم: "العُوَيم" و"الأعْوَام". (٢)
وقَالَ النّقَّاش: "العَامُ" مَصْدَرٌ كـ "العَوْم"، سُمّي به هَذا القَدْرُ مِن الزّمَان لأنّها "عَوْمَة مِن الشّمْس في الفَلَك". و"العَوْمُ" كـ "السَّبْح"، قَالَ الله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]. (٣)
و"العَام" على هَذَا كـ "القَوْل، والقَال" (٤)، وقَد تقَدّم قَريبًا.
قوله: "وعلى رَأسِه المغْفَر": جملة في محلّ الحَال مِن الفَاعِل في "دَخَلَ"، وتقَدّم الكَلامُ على الجُمَل الوَاقِعَة حَالًا في الثّالِث مِن "المذْي". و"المغْفَر": مُبتَدأ، خَبره مُتقَدّم عَليه في المجْرور.
و"المغْفَر": "مَا يَلْبَسه [الدّارع] (٥) على رَأسِه، مِن الزَّرَدِ ونَحْوه" (٦).
قوله: "فَلمّا نزَعَه": "لمّا" حَرْفُ وجُوبٍ لِوجُوب عِنْد سيبويه، وظَرْفُ زَمَان بمَعْنى "حِين" عِنْد الفَارِسي ومُوافِقيه. (٧) وتقَدّم الكَلامُ عَليها في الحديثِ الرّابِع مِن
_________________
(١) = تاج العروس للزبيدي (٣٣/ ١٥٧).
(٢) كذا بالنسخ.
(٣) انظر: البحر المحيط (٢/ ٦٢٢).
(٤) انظر: البحر المحيط (٢/ ٦٢٢، ٦٢٣)، إرشاد الساري (٥/ ٢٥٥)، الإعلام لابن الملقن (٧/ ١٧٥ وما بعدها)، التعاريف (ص ٢٣٣)، لسان العرب لابن منظور (٢/ ٤٧١)، تاج العروس (٣٣/ ١٥٥، ١٥٧).
(٥) انظر: البحر المحيط (٢/ ٦٢٣).
(٦) في النسخ: "الدرع"، لكن بالأصْل بياض بوسط الكلمة.
(٧) انظر: النهاية لابن الأثير (٣/ ٣٧٤)، مشارق الأنوار (٢/ ١٣٨)، لسَان العَرب لابن منظور (٥/ ٢٦).
(٨) انظر: البحر المحيط (١/ ١٢٢)، (٣/ ٤١٩)، (٦/ ٢٠٧)، الجنى الداني (ص ٥٩٥ وما =
[ ٢ / ٥١١ ]
"بَاب المذْي".
قوله: "جَاءَ رَجُلٌ": جَوَابُ "لمّا"، وهُو العَامِلُ فيهَا إذَا قِيل بظَرْفيّتها. وتقَدّم الكَلامُ على "جَاء" في الثّامِن مِن "بَاب الصّوم في السّفَر".
قَوله: "فقَالَ": معْطُوفٌ على "جَاءَ" (١). [. . .] (٢) و"ابْن خَطَل مُتَعَلِّقٌ": جملَةٌ مِن مُبتَدأ وخَبَر في محلّ مَفْعُول القَوْل.
و"بأسْتَار": حَرْفُ الجرّ يتَعَلّق بقَوْلِه "مُتَعَلّقٌ".
وجملةُ "اقتُلُوه" مَعْمُولةٌ للقَوْل أيْضًا.
الحَدِيث الثّانِي:
[٢٢٠]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ -: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ، مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ، وَخَرَجَ مِنْ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى" (٣).
قَالَ الشّيخُ تقِيّ الدِّين: "كَدَاء" بفَتْح "الكَاف" والمدّ: "الثنية العُليا". وأمّا "الثنية السُّفْلى": المعروفُ فيها "كُدَى" بالضّم والقَصْر. وثَمّ مَوضِعٌ آخَر يُقَالُ لَه: "كُدَيٌّ" بضَمّ "الكَاف" وفَتْح "الدّال" وتشْديد "اليَاء"، وليس هُو "السّفْلَى" على المعْروف. (٤)
و"الثنية": "طَريقٌ بين جَبَلين". (٥)
_________________
(١) = بعدها)، مُغنى اللبيب (ص ٣٦٩)، شرح أبيات سيبويه للسيرافي (١/ ٣٠، ٣١)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٦٤٢ وما بعدها).
(٢) تظهر بالأصْل: "جاءه"، وهي كذلك بمتن "العُمدة" المطبوع (ص ١٥٧)، وفي صحيح مُسلم (١٣٥٧/ ٤٥٠).
(٣) بياضٌ بالأصل بقَدْر كلمة، لعلها: "قوله".
(٤) رواه البخاري (١٥٧٦) في الحج، ومسلم (١٢٥٧) في الحج.
(٥) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٦٩).
(٦) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٦٩).
[ ٢ / ٥١٢ ]
قُلْتُ: يُريد بـ "العُليا" التي تَلي "المُعلى"، و"السُّفْلى" التي تَلي "باب الشبيكة". و"كُدَيّ" المشَدّدة "الياء": مَوضِعٌ بأسْفَل مَكّة. (١)
قوله: "أنّ النبي - ﷺ - دَخَلَ": "أنّ" واسمها، وخَبرها جملة "دخل". وفُتِحَت "أنّ" لأنّها معمُولة لمتعلّق حَرْف الجرّ، وتقَدّم ذِكْر الموَاضِع التي تُفتَح فيها "أنّ"، والمواضِع التي تُكسَر فيها في الرّابع مِن أوّل الكِتَاب. (٢)
و"مَكّة": تَقَدّم الكَلَامُ عَلَيها.
قوله: "مِن كَدَاء": مفتُوحُ "الكَاف" ممدُود مصْروف (٣)، وقال الفارسي (٤): غيرُ مصْروف، وكذلك قال صاحب "المطالع" (٥).
وفي بيتِ حَسّان الذي في "مُسْلم" (٦):
. . . . . . . . . . . . . . . مَوْعِدُهَا كَدَاء (٧)
_________________
(١) انظر: نيل الأوطار (٥/ ٤٤)، مرقاة المفاتيح (٥/ ١٧٨٣)، شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام للفاسي (١/ ٤٠٥، ٤٠٦).
(٢) راجع: شرح المفصل (٤/ ٥٣١)، اللمحة (٢/ ٥٥٢)، الجمل في النحو (ص ٢٦٨)، علل النحو (ص ٤٤٦)، شرح التسهيل لابن مالك (٢/ ١٨ وما بعدها)، المقدمة الجزولية (ص ١٢١)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٥٦٣)، حاشية الصبان (٢/ ٤٣، ٣٢٧)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ٤٤٦).
(٣) انظر: مشارق الأنوار للقاضي عياض (١/ ٣٥١)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (١١/ ٢٨٣)، معجم البلدان (٤/ ٤٤٠).
(٤) انظر: مشارق الأنوار (١/ ٣٥١)، معجم البلدان (٤/ ٤٤٠).
(٥) انظر: مطالع الأنوار على صحاح الآثار، لابن قرقول (٣/ ٤٠٠، ٤٠٢).
(٦) صحيح مُسلم (٢٤٩٠/ ١٥٧)، من حديث عائشة.
(٧) البيت من الوافر، وهو لحسان بن ثابت. والبيت في "صحيح مُسلم" هو: ثَكِلْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفَيْ كَدَاءِ وفي لسان العرب هو: =
[ ٢ / ٥١٣ ]
غيرُ مَصْروف. (١)
وفي حَديثِ ابن عُمَر: "دَخَلَ - فِي الحَجِّ - مِنْ كَدَاءٍ" (٢) ممدودٌ مَصْروف. (٣)
وحَاصِلُ هَذا: أنّه مِن المواضِع التي يُعتبر تأنيثها بالبُقْعَة، وتذْكِيرها بالموضع. (٤) وقَد تقَدّم في الحديثِ السّادس مِن "الزّكاة" ذِكْر الموَاضِع التي تُصْرَف، والموَاضِع التي [تمتنع] (٥) مِن الصّرْف.
وأمّا أَلِفُه: فإنها مُنقَلبة عَن "يَاء"؛ لأنّه مِن "كدية". (٦)
قوله: "مِن الثنية العُلْيَا": بَدَلٌ مِن قَوْله "مِن كَدَاء". و"العُليا" صِفَة للثنية.
قال في "المجيد": قَالَ التصريفيون: إنّ الاسمَ مما لامُه "واو" تُبدَل "يَاء"، ثم يُمثّلون بما هو صِفَة، نحو: "الدُّنيا" و"العُليا" و"القُصيا"، وإنْ كَان صِفَة أُقِرّت، نحو: "الحُلْوَى" بضَمّ "الحاء" تأنيث "الأحلى"؛ ولهذا قالوا: شَذّ "القُصْوَى"، وإنْ كَانَت قِرَاءة الجمْهُور، وهِي لُغَةُ الحِجَاز، و"القُصْيَا" بـ "الياء" لُغَةُ تميم، وقَرَأ بها زَيد بن عَليّ. (٧)
قَالَ أبو حَيّان: وذَهَبَ بعْضُهُم إلى أنّه إنْ كَانَ اسمًا أُقرّت "الواو"، نحْو:
_________________
(١) = عَدِمْنا خَيْلَنا، إِنْ لم تَرَوْها تُثيرُ النَّقْعَ، مَوْعِدُها كَداء انظر: صحيح مُسلم (٢٤٩٠/ ١٥٧)، مشارق الأنوار (١/ ٣٤٣)، لسان العرب (١٥/ ٢١٧)، خزانة الأدب (٩/ ٢٣١)، المعجم المفصل (١/ ٣٠).
(٢) انظر: مطَالِع الأنوار (٣/ ٤٠١، ٤٠٢).
(٣) صحيحٌ: البخاري (١٥٧٦).
(٤) انظر: مطالع الأنوار (٣/ ٤٠٠).
(٥) انظر: مرقاة المفاتيح (٥/ ١٧٨٣).
(٦) كذا بالأصل.
(٧) انظر: شرح سنن أبي داود للعيني (٦/ ٤٧)، لسان العرب (١٥/ ٢١٧).
(٨) انظر: البحر المحيط (٥/ ٣٢٢).
[ ٢ / ٥١٤ ]
"حُزْوَى" - و"الحزْوَى": "الرّمْل العَظِيم" (١) -، وإنْ كَانَ صِفَة أبْدِلت "يَاء"، نحْو: الدُّنيَا" و"العُليَا"، وشَذّ إقرارُ "الواو"، نحو: "الحُلْوَى". ونَصّ على ندور "القُصْوَى" ابنُ السِّكِّيت. (٢)
قوله: "التي ببطحاء": الصِّلة والموصُول صِفَة للثنية. والتقدير: "استقرت بالبطحاء"؛ لأنّ الصِّلَة لا تكُونُ مُفردًا.
قوله: "وخَرَج مِن الثنية السُّفلى": "السُّفلى" تأنيثُ "أسْفَل"، وقد تقَدّم. وحَرفُ الجر يتعلّق بـ "خَرَجَ". و"خَرَجَ" تقَدّم الكَلَامُ عَليه.
الحديث الثّالث:
[٢٢١]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: "دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْبَيْتَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ، فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلالًا، فَسَأَلْتَهُ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -؟ قَالَ: نَعَمْ، بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ" (٣).
قوله: "دَخَل رسُولُ الله - ﷺ -": في محلّ معمُول القَول. و"قَالَ" [معمُولة] (٤) لمتعلّق حَرْف الجر. و"رسُولُ الله": فاعِلُ "دَخَلَ"، وهُو "فَعُول" بمَعْنى "مُفْعَل" (٥)، وقَد تقَدّم في الحديث الأوّل مِن "بَاب التشَهّد". وجملتا: "ﷺ"
_________________
(١) انظر: الصحاح (٦/ ٢٣١٢)، لسان العرب (١٤/ ١٧٦). قال في الصحاح: "حزوى بالضم: اسم عجمة من عجم الدهناء، وهى رملة لها جمهور عظيم تعلو تلك الجماهير".
(٢) انظر: البحر المحيط (٥/ ٣٢٢).
(٣) رواه البخاري (١٥٩٨) في الحج، ومسلم (١٣٢٩) (٣٩٣) في الحج.
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "معمول".
(٥) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٧٧)، إرشاد الساري (٩/ ١٥٥)، (١٠/ ٣٦٦).
[ ٢ / ٥١٥ ]
و"﵁" لا محلّ لهما.
ومعمولُ "دَخَلَ": "البيت"، على الخِلافِ المتقَدّم في الحديثِ قبْل هَذا. والألِف واللام في "البيت" للغَلَبة، مِثْل: "العَقَبة" و"المدينة" (١).
قوله: "وأسَامَة": معطُوفٌ على "رسول الله"، ويجوز فيه النصْب عَلى أنه مفْعُول معه. و"بِلَال" معْطُوفٌ آخَر. و"عُثْمان بن طَلْحَة" معْطُوفٌ آخَر. و"أسامة" منقُولٌ مِن "أسَامة" الذي هُو عَلَمٌ لجنس "أسَد" (٢).
قوله: "فأغْلَقُوا": معْطُوفٌ على "دَخَلَ".
في "الصّحاح": يُقَال: "أغْلَقتُ البَاب"، فهو "مُغْلَقٌ"، والاسم: "الغَلْقُ". ويُقَال في لُغَة [رَدِيئَة] (٣): "غَلَقْتُ البَابَ غَلْقًا". (٤)
قَالَ أبو الأسْوَد الدُّؤَلِيُّ (٥):
وَلَا أَقُولُ لِقِدْرِ القَوْمِ قَدْ غَلِيَتْ وَلَا أَقُولُ لِبَابِ الدَّارِ مَغْلُوقُ (٦)
قوله: "فلما فتحوا": مفعُوله محذوفٌ، أي: "فتحوا البَاب".
ويجوز حذفُ المفعُول في مثْل هَذا؛ لدلَالة الكَلَام عَليه، أو لغَرَض، إمّا لتناسُب [الفَواصِل] (٧)، نحو: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣]. أو لاحتقَار المفعُول، نحْو قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾ [المجادلة: ٢١]، أي:
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٣٣٨).
(٢) انظر: شرح التسهيل (١/ ١٧٠، ١٧١)، حاشية الصبان (١/ ١٩١)، جامع الدروس العربية (١/ ١١٢).
(٣) بالأصل: "رديّة". والمثبت من "الصّحاح" (٤/ ١٥٣٨).
(٤) انظر: الصحاح (٤/ ١٥٣٨).
(٥) بالأصل بعدها كلمة: "قوله".
(٦) البيتُ من البسيط. انظر: الصّحاح للجوهري (٤/ ١٥٣٨)، لسان العرب (١٠/ ٢٩١)، المعجم المفصل (٥/ ١٨٢).
(٧) بالنسخ: "التواصل". والمثبت من المصادر.
[ ٢ / ٥١٦ ]
"الكَافرين". أو لاستهجان ذكره، كقَول عَائشة - ﵂ -: "مَا رَأَى ذَلِك مِنِّي، وَلَا رَأَيْتُ مِنْه" (١)، أي: "العَوْرَة".
وقد يمتنع حَذْفه، مثل أنْ يكُون محصُورًا، نحو: "إنّما ضَرَبتُ زَيدًا"، أو جَوابًا، كقَولك: "زَيْدًا" لمَن قَالَ: "مَن تضْرب؟ "؛ فيجب ذِكْره في هَذين المثالين. (٢)
وتقَدّم الكَلامُ على "لمّا" في الحديث الرّابع من "باب المذي"، وفي أوّل حَديثٍ مِن هَذا البَاب.
قوله: "كُنْتُ": جَوَابُ "لمّا". ولـ "كَان" أقسَام تقَدّمَت في أوّل حَديثٍ مِن الكتاب. وتحوّلَت "كَان" إلى "كُنتُ" لأنّ "النّون" مِن "كَان" سكنَت لاتصَال الضّمير؛ فانحَذَفَت "الألِف" لسكُونها وسكُون "النّون"، فصَار "كُنتَ" بفَتح "الكاف"، ولما كَان أصْل "الألِف" واوًا - لأنّه من "كون" - ضُمّت "الكَاف" لتدُلّ عَلى أنّ المحْذُوفَ "واو". (٣)
قوله: "أوّل": خَبرُ "كَان"، وتقَدّم الكَلامُ على "أوّل" في الحديث الأوّل مِن الكتاب. [وهُو] (٤) "أفْعَل" استُعْمِل بالإضَافَة، أي: "أوّلَ النّاس ولُوجًا".
و"مَنْ": موصُولة بمَعْنى "الذي"، أو نَكِرة مَوصُوفة، أي: "أوّل شَخْص وَلَج". وجملة "وَلجَ" في محلّ صِفَة لـ "مَنْ"، أو صِلَة، والعَائدُ على "مَنْ" محذوفٌ، أي:
_________________
(١) روى ابن عدي في "الكامل" عن أنس أنّ عائشة قالت: "مَا رَأيْتُ عَوْرَةَ رَسُول اللهِ - ﷺ - قَطّ". وفيه بركة بن محمد الحلبي، تفرّد به، وكان يكذب. انظر: الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي (٢/ ٢٢٤).
(٢) انظر: شرح الأشموني (١/ ٤٤٥)، شرح التسهيل (٢/ ١٦١ وما بعدها)، أوضح المسالك (٢/ ١٦٤، ١٦٥)، الهمع (٢/ ١٣).
(٣) راجع: شرح المفصل (٥/ ٤٣٥)، الشافية في علمي التصريف والخط (ص ٨٩)، النحو الواضح (٢/ ٤٠).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٥١٧ ]
"أوّل مَنْ وَلَجَه".
ومتى [كَان] (١) العَائدُ ضَميرًا منصُوبًا مُتَّصِلًا بالفِعْل ليس في الصّلَة ضَمير غَيره جَازَ حَذْفُه وإثْبَاتُه. (٢)
و"وَلَجَ" مُضَارِعه: "يَلِج"، ومَصْدَرُه: "ولُوجًا" و"لِجَةً"، إذا "دَخَل".
قال سيبويه: إنما جَاء مَصْدَره "ولُوجًا"، وهو من مصادر غير المتعدّي على مَعْنى: "وَلَجْتُ فيه". (٣)
قُلتُ: يُريد أنّه كـ "دَخَلَ" في تعَدّيه إلى مفْعُول به على أحَد المذهَبين المعروفين في الواقع بعد "دَخَل"، ومثله: "وَلَجَ"، وذلك يقتضي [أن يكون] (٤) مصدره "ولُوجًا"، ولا مصْدَر "دَخَلَ": "دخُولًا"، لكن لمّا وجد في تعدية "دَخَلَ في الدّار"، و"وَلَجَ في الدّار" غير مُتَعَدّ إلّا بحَرْف جَرّ؛ أجْروا مَصْدَره مجرَى مَصَادر الأفعَال اللازِمَة. والله أعْلَم.
قوله: "فلَقيتُ بِلالًا": "لَقيتُ" فِعْل مَاض وفَاعِل، وأصْله: "لَقي، يَلْقَى"، ومصْدَره: "لِقَاء" بالمدّ، و"لُقًى" بالقَصر والضّم، و"لُقيّا" بالضّم والتشديد، و"لُقيانًا" و"لُقيانَةً واحدة" بالضّم فيهما. ويُقَال: "لَقْيَة واحِدة" و"لِقَاءَة واحدة". قَالَ: ولا تقُل: "لَقَاة"، فإنّها مُوَلّدة، وليست مِن كَلَام العَرَب. مِن "الصّحاح". (٥)
وجملة "فسَألتُه" معطُوفة على "لَقيتُ"، و"الفَاء" لا سَببية فيها، وتحتمل
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: شرح الكافية الشافية (١/ ٢٩٠)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٤٥٣)، شرح التصريح (٢/ ٤٣٦)، شرح المفصل (٢/ ٣٩١).
(٣) انظر: الصحاح (١/ ٣٤٧)، لسان العرب (٢/ ٤٠٠).
(٤) كذا بالنسخ، ولعل الصّواب: "أن لا يكون".
(٥) انظر: الصّحاح (٦/ ٢٤٨٤)، لسان العرب (١٥/ ٢٥٣).
[ ٢ / ٥١٨ ]
السَّبَبية. وتقَدّم الكَلامُ على "الفَاء" ومَوَاضِعها في الحديث السّادس من "الاستطابة"، و"سَألَ" في الحديثِ الثّاني عَشر مِن "بَاب صِفَة الصّلَاة".
وهُو يتعَدّى إلى واحِدٍ بنفْسه وإلى آخَر بحَرْف الجر، إمّا "عن" وإمّا "الباء"، ويُعَلَّق (١) بأدَوَات الاستفهام، كقوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠]. وعُلّقَت هُنا بـ "هَلْ". وإنّما عُلّقَت وإنْ لم تكُن من أفْعَال القُلُوب لأنّها سَبَب العِلْم؛ فأُجْري السَّبَب مجْرَى المسَبّب. (٢) وتقَدّم الكَلامُ على أدَوَات الاستفهام وعلى هذا في السّابع من "الصّيام".
قوله: "صَلّى فيه رسُول الله": "صَلّى" مُتعَدّ، تقَدّم الكَلامُ عَليها في الحديثِ الخَامِس مِن "فَضْل الجمَاعَة".
و"رَسُول": "فَعُولٌ" بمَعْنى "مُفْعَل"، وهُو قَليلٌ. (٣)
قوله: "فقَالَ: نَعَم": أي: "نَعَم، صَلّى". وتقَدّم الكَلامُ على "نَعَم" في الرّابع مِن "الجنابة". وهِي حَرْفُ جَوَاب لتَقْرير مَا قَبْلها مِن نَفْي أو إثبات (٤).
قوله: "بين العَمُودين": مَعْمُولٌ لـ "صَلّى" المقَدّر.
و"بين": ظَرْفُ زَمَان، وتجيءُ للمَكَان. (٥) وتقَدّم الكَلامُ عَليها مُستَوفى في الثّالث مِن "السّوَاك".
_________________
(١) أي: يُعلّق عن الجملة الاستفهامية، فيعمل في المعنى، لا في اللفظ. انظر: البحر المحيط (٢/ ٣٤٩).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٥٥)، (٢/ ٣٤٩)، تاج العروس (٢٩/ ١٥٧)، المنصوب على نزع الخافض في القرآن (ص ٣٢٣، ٣٢٤).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٧٧)، إرشاد الساري (٩/ ١٥٥)، (١٠/ ٣٦٦).
(٤) انظر: مغني اللبيب (ص ٤٥١)، الجنى الداني (ص ٥٠٥ وما بعدها)، همع الهوامع (٢/ ٦٠٧)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٥٥).
(٥) انظر: شرح التسهيل (٢/ ٢٣٢)، الهمع (٢/ ٢٠٣).
[ ٢ / ٥١٩ ]
والألِف واللام في "العَمُودين" للعَهْد، وأرَاد "عُمُد البيت"، وجمعُ القلة: "أعْمِدَة"، وجمعُ الكثرة: "عُمُد" و"عَمَد"، وقُرئ بهما في قوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ٩]. ويُقَال: "خِبَاءٌ مُعَمَّد"، و"سَطع عَمُود الصُّبح". و"العِمادُ": "الأبنية الرَّفيعة"، تُذَكّر وتُؤَنّث، يُقَال: "خَرّت العِماد"، و"خَرّ العِماد". (١)
قوله: " [اليمانيين] (٢) ": بالنسبة إلى الخارج عَن البيت، وهما مما يلي الرُّكْن اليماني.
والنسبةُ إلى "اليمَن": "يَمَنيّ" و"يَمَان" بالتخفيف، فـ "الأَلِف" عوض مِن "يَاء" النّسَب، فلا يجتمعان. قَالَ سيبويه: وبعضُهم يقُول: "يمانيّ" بالتشديد. (٣)
فثبت بذَلك أنّ ["اليمانيين"] (٤) في الحَديثِ [مخَفّف] (٥)، وأنّ ألِفَه بَدَل مِن "يَاء" النّسَب. (٦)
وقَالوا للرُّكنين: ["اليمانيين"] (٧)، وإن كَان "اليماني" منها واحِدًا والآخَر الذي فيه "الحَجَر" "عِرَاقيّ"؛ مِن بَاب التغْليب، كـ "العُمَرَين" و"القَمَرَين". (٨)
_________________
(١) انظر: الصّحاح (٢/ ٥١١)، لسان العرب (٣/ ٣٠٣، ٣٠٤).
(٢) بالأصل: "اليمانين".
(٣) انظر: شرح النووي (٨/ ٩٤)، الكتاب (٣/ ٣٣٨، ٣٤٠)، علل النحو (ص ٥٤٣)، توضيح المقاصد (٣/ ١٢٠٠)، شرح الشافية للرضي (٢/ ٨٣)، المقتضب (٣/ ١٤٥)، لسان العرب (١٢/ ٣١٥)، (١٣/ ٤٦٤)، المخصص (٤/ ١٦٠).
(٤) بالأصل: "اليمانين".
(٥) غير واضحة بالأصل. ولعلها: "مخففة". والمثبت من (ب).
(٦) انظر: شرح النووي (٨/ ٩٤).
(٧) بالأصل: "اليمانين".
(٨) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (٨/ ٩٤)، تيسير العلام شرح عمدة الأحكام للبسام (ص ٣٩٩).
[ ٢ / ٥٢٠ ]
الحديث الرّابِع:
[٢٢٢]: عَنْ عُمَرَ - ﵁ -، أَنَّهُ جَاءَ إلَى الْحجَرِ الأَسْوَدِ، فَقَبَّلَهُ، وَقَالَ: "إنِّي لأَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ، وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ" (١).
قوله: "أنّه جَاءَ": الضّميرُ في "أنّه" يعُود على "عُمَر"، وفُتِحَت "أنّ" لأنّها معْمُولة للعَامِل في "عَن" (٢). و"جَاءَ" أصْلُه: "جَيَأ"، تقَدّم الكَلامُ عليه في الحديث الثّامِن مِن "بَاب الصّوْم في السّفَر".
قوله: "إلى الحَجَر الأسْوَد": يتعَلّق بـ "جَاءَ". و"إلى" تقَدّم الكَلامُ عَليها في الحديثِ الثّاني مِن "بَاب الوتر".
و"الحجَر الأسْوَد" جَاءَ في الحديثِ: أنّه "وَالْمَقَامُ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ، وَلَوْلَا أنّ اللهَ طَمَسَ نُورَهُمَا [لأَضَاءَتا] (٣) مَا بَيْنَ المشْرِق والمَغْرِب" (٤). وفي الترمذي: أنّه "كان أَشَدّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ" (٥)، وجَاء: "خَطَايَا
_________________
(١) رواه البخاري (١٥٩٧)، كتاب الحج، و(١٦٠٥)، ومسلم (١٢٧٠/ ٢٤٨ - ٢٥١)، كتاب الحج.
(٢) راجع: شرح المفصل (٤/ ٥٣١)، اللمحة (٢/ ٥٥٢)، الجمل في النحو (ص ٢٦٨)، علل النحو (ص ٤٤٦)، شرح التسهيل (٢/ ١٨ وما بعدها)، المقدمة الجزولية (ص ١٢١)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٥٦٣)، حاشية الصبان (٢/ ٤٣، ٣٢٧)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ٤٤٦).
(٣) بالنسخ: "لأضَاء". والمثبت من المصادر.
(٤) رواه الحاكم في مستدركه (١٦٧٧)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -، ومختصرًا (١٦٧٨) من حديث أنس. وصحّحه الشيخ الألباني في "صحيح الجامع الصغير وزياداته" (٣٥٥٩).
(٥) رواه الترمذي (٨٧٧)، من حديث ابن عباس، وقال: "حسَنٌ صَحيح". وصحّحه الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٢٦١٨)، وكذا صحّحه في "صحيح الجامع الصغير وزياداته" (٦٧٥٦).
[ ٢ / ٥٢١ ]
المُشْرِكِين" (١).
وأوْرَد بعضُهم سُؤَالًا، وقَالَ: فما بَاله لا يُبيّضه توحيد المؤْمِنين؟
وأجَابَ ابنُ قُتيبة، فقَالَ: لَو شَاءَ الله لكَان ذَلك. ثُمّ أمَا عَلِمْت أيّها السَّائل أنّ السّوادَ يَصبِغ. ولا يُصبَغ، والبياضُ يُصبَغ ولا يَصبِغ؟ ! (٢)
و"الأسْوَد" صِفَة للحَجَر، وهُو لا ينْصَرف للصِّفَة والوَزْن، وإذا دَخَلَه الألِف واللام انصَرَف (٣)، وقَد تقَدّم ذَلك.
قوله: "فقَبّلَه": معْطُوفٌ على "جَاءَ". و"القُبْلَة" مِن "التقبيل"، يُقَال: " [قبّله] (٤) تقْبيلًا". (٥)
قوله: "وقَالَ": معْطُوفٌ على "قَبّل".
قوله: "إنّي لأعْلَم أنّك حَجَرٌ": "إنّ" واسمها. و"إنّي" الأصْلُ فيها "إنّني"، حُذِفَت "النّون" الوسْطَى، لا "نُون" الوقَاية. (٦)
و"لأَعْلَم" الخبَر، و"اللامُ" الدّاخِلَة في خَبر "إنّ" تُسَمّى "المزحلقة"
_________________
(١) رواه أحمد (٢٧٩٦)، وابن خزيمة في صحيحه (٢٧٣٤)، من حديث ابن عباس. وصحّحه الشيخ الألباني في "الصحيحة" (٢٦١٨).
(٢) انظر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة الدينوري (ص ٤١٥)، الإعلام لابن الملقن (٦/ ١٩٦).
(٣) راجع الكتاب (٣/ ٢٨٣)، شرح المفصل (٣/ ١٣٧)، اللمحة (٢/ ٩٠٩).
(٤) غير واضحة بالنسخ، وتظهر كأنها: "فيه"، أو: "منه". ولعل الأصوب المثبت.
(٥) انظر: الصّحاح (٥/ ١٧٩٥).
(٦) انظر: البحر المحيط (٩/ ٣٠٦)، إرشاد الساري للقسطلاني (٧/ ٢٦٣)، مشكلات موطأ مالك بن أنس لابن السيد البطليوسي (ص ٧٨)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٢١٨)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٤٥٠)، شرح المفصل (٢/ ٣٤٨)، أوضح المسالك (١/ ١١٧)، الهمع (١/ ٢٥٥).
[ ٢ / ٥٢٢ ]
و" [المزحلفة] (١) "؛ لأنّ محلّها كَان قَبْل "إنّ"، فزُحلقت لئلا يجتمع حَرْفَان لمعنى، وكَانت "اللام" أوْلَى بالتّأخير؛ لأنّ "إنّ" عَامِلَة، و"اللام" غَير عَامِلَة، وتَقَدّم الكَلامُ عَليها، وفائدتها [التأكيد] (٢). (٣)
وجَعَل بعضُهم هذه "اللام" تخلّص الفِعْل المضَارع للحَال.
واعترض ذلك ابن مالك بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النحل: ١٢٤]، و﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٣]. (٤)
وأجيبَ عَن ذلك: بأنّ الحُكْم في ذلك اليوم واقِعٌ لا محالة؛ فنزل منزلة الحاضر المشاهد، و﴿أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٣] يُقدَّر: "وإنني ليحزنني قَصْد أنْ تذهبوا به". (٥)
وتدخُل هَذه "اللام" في موضِعين، أحدهما: المبتدأ، نحو قوله تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً﴾ [الحشر: ١٣]. والثاني: بعد "إنّ".
ولها ثلاث مواضع: -
الاسم، نحو: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (٦) [إبراهيم: ٣٩].
_________________
(١) بالنسخ: "المزلحقة". والتصويب من المصادر. وانظر: حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (٧/ ٤٣١)، شرح التصريح (١/ ٣١١)، مغني اللبيب (ص ٣٠٤).
(٢) يظهر منها بالأصل: "التأ". وسقط من (ب). وأخذت من المصادر.
(٣) انظر: حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (٧/ ٤٣١)، إرشاد الساري (١٠/ ٣٢٦)، مُغني اللبيب (ص ٣٠٤)، اللمع في العربية (ص ٤٢)، شرح المفصل (٤/ ٥٣٣، ٥٣٤)، شرح ابن عقيل (١/ ٣٦٢ وما بعدها)، أوضح المسالك (١/ ٣٣٣)، شرح الأشموني (١/ ٣٠٥ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٣١١).
(٤) انظر: شرح التسهيل (١/ ٢٢)، مُغني اللبيب لابن هشام (ص ٣٠٠، ٣٠١، ٣٠٢)، الهمع للسيوطي (١/ ٣٨).
(٥) انظر: مُغني اللبيب (ص ٣٠٠ وما بعدها).
(٦) بالنسخ: "ربك".
[ ٢ / ٥٢٣ ]
والمضَارع؛ لشبهه به، نحو: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [النحل: ١٢٤].
والظرف: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١) [القلم: ٤].
وتدخُل على ثلاثة باختلاف (٢)، أحدها: الماضي الجامِد، نحو: "إنّ زيدًا لعَسَى أنْ يقُوم"، أو: "لَنِعْم الرّجُل".
الثاني: الماضي المقرون بـ "قد"، قاله الجمهور.
الثالث: الماضي المتصرف المجرّد مِن "قَد"، أجَازَه الكسائي على إضمار "قد"، ومنعَه الجمهُور، نحو: "إنّ زيدًا لَقَام"، فمَتى وجدت مع الماضي جَعَلوها "لام" القَسَم. (٣)
فإنْ تقَدّم فِعْل مِن أفعَال القُلوب فُتِحَت "أنّ"؛ لأنها ليست "لام" الابتداء الموجِبة لكَسْر "إنّ"، نحو: "عَلِمتُ أنّ زيدًا لَقَام". (٤)
واختُلف في دخُولها في الخبر المقَدّم - نحو: "لقام زَيد" - وعلى الفعل المضَارع، نحو: "ليقوم زَيد"، انظر تمامه مبسُوطًا في "المغني" لابن هشام. (٥)
قوله: "أعْلَم": فِعْلُ مُضَارع، وفَاعِلُه مُستتر ضَمير المتكَلّم. و"أنّك": مفتوحة،
_________________
(١) بالنسخ: "إنك".
(٢) أي: مع وجود اختلاف بين النحويين.
(٣) انظر: مُغني اللبيب (٣٠١، ٣٠٥، ٣٠٦)، أوضح المسالك (١/ ٣٣٦، ٣٣٨)، شرح الأشموني (١/ ٣٠٩، ٣١٠)، شرح التصريح (١/ ٣١١، ٣١٢، ٣١٣، ٣١٥).
(٤) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٠٢)، شرح الأشموني (١/ ٣١٠)، شرح التصريح (١/ ٣١٣)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٥٣١).
(٥) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٠٢)، الجنى الداني (ص ١٢٥)، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك (١/ ٣٣٣)، شرح الأشموني (١/ ٣٠٩، ٣١١)، شرح التصريح (١/ ٣١١، ٣١٢)، النحو الوافي (١/ ٦٦٠).
[ ٢ / ٥٢٤ ]
سَدّت مسَدّ مفعُولي "عَلم". ويجوز في "أعْلَم" هُنا ما جَاز في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ﴾ [البقرة: ٣٣] (١).
قَال "مكي" و"المهدوي": يجوز أن يكون "أعْلَم" اسم فَاعِل بمعنى "عَالم"، وما بعْدَها في محلّ نصْب أو جَر. (٢)
قلتُ: فيكُون التقدير هُنا: "إني عَالم بأنّك حَجَر"؛ فتكون "أنّ" في محلّ نصْب أو جر على الخلاف.
قَالَ أبو حيّان: هَذا مَردودٌ، لا يجيء إلّا على مَذهب مَن يجيز "أفْعَل" بمعنى "فَاعِل"، وقَال [به] (٣) أبو عُبيدة، وخَالَفه النّحويون، وقالوا: لا يخلو "أفعَل" مِن التفضيل. وقد وَقَع في كَلام بعض المتأخّرين أنّها تخلو منه، وبنوا عليه جَواز "يوسف أحْسَن إخوته".
وذَكَر بعضُهم في جَواز اقتباسه خِلافًا مبنيًا على أنّه مسمُوع مِن كَلام العَرَب؛ قال: واستعماله عَاريًا دون "مِن" مجرّدًا عَن مَعنى التفضيل [مُؤوّلًا] (٤) باسم فَاعِل أو صِفَة مُشبّهة مُطّرد عند أبي العَبّاس (٥)، والأصَحّ قَصْره على السّمَاع.
ولو سُلِّم وجُوده عَاريًا عن التفْضيل فالقَائِلُون بذَلك لا يجيزون إعْماله عَمَل اسْم الفَاعِل، خِلافًا لبعْضِهم.
والصّحيحُ: مَا ذَهَب إليه الجمهُور أنّ "أفْعَل" لا تخلو عن التفضيل؛ لأنه لم
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٤٢).
(٢) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (١/ ٢٣٢، ٢٤٢)، الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي (٦/ ٤٣٦١).
(٣) سقط بالنسخ. والمثبت من البحر المحيط.
(٤) بالنسخ: "مؤول". والمثبت من البحر المحيط.
(٥) هو المبرد.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
يُسْمَع، ولو سُلِّم فإنْ جَاء منه شيء فهو نَادِرٌ لا يُقَاسُ عليه، ولو سُلِّم فلا يَعْمَل؛ لأنه لم يُسْمَع، وكيف نثبت قانونًا كليًّا لم يُسْمَع مِن العَرَب شيء من إفراد تركيباته؟ إذ لا يحفظ: "هذا رجلٌ أَضْرَبُ عمرا"، بمعنى: "ضَارِبٌ عمرا"، ولا: "هذه امرأة أَقْتَلُ خالدًا"، أي: "قَاتِلَةٌ خالدًا". (١)
قَال أبو حيّان: وأجَاز بعضُهم في "أعْلَم" هُنا - يعني: في الآية - أنْ تكون "أفعَل" التفضيل، والتقدير: "أعْلَم منكم"، و"مَا" [مفعولة] (٢) بفِعْل محذُوف يدُلّ عليه "أعْلَم"، أي: "علمت، وأعْلَم ما لا تعلمون". (٣)
قَالَ أبو حيّان: وهُو بَعيدٌ؛ لأنّ فيه حَذفين مِن غير احتياج إليهما. (٤)
قلتُ: وتقديرُ "أعْلَم" هنا "أفعَل" أسْهَلُ منه في الآية؛ لأنّ التقدير: "إني لأعْلَم النّاس بأنّك حَجَر لا تضُر ولا تنفَع"، وحَذْفُ المضَاف إليه في الكَلام [كثيرٌ] (٥) أسْهَل مِن حَذف "مِن" التي هي مِن صلة "أفعَل" ومِن تمامه (٦).
قوله: ["لا تضُر ولا تنفَع"] (٧): صِفَتَان لـ "حَجَر"، كقَوله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨]، والصِّفة إذا كانت مَنفيّة بـ "لا" وَجَبَ تكْرَار "لا"، ولا تكُونُ غير مُكرّرة إلا في الشِّعر. (٨)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٣٣، ٢٤٢)، توضيح المقاصد (٢/ ٩٣٩)، شرح المفصل (٢/ ١٦٢)، شرح الأشموني (٢/ ٣٠٦، ٣٠٨)، الهمع (٣/ ٩٧).
(٢) كذا بالأصل. وفي "البحر المحيط": "منصوبة".
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٣٢).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٣٣).
(٥) بالنسخ: "كثيرًا".
(٦) انظر: تفسير النسفي (٢/ ٣٤٦)، الكتاب لسيبويه (٢/ ٣٤٧)، شرح التسهيل لابن مالك (١/ ٢٢١).
(٧) بالنسخ: "لا تنفع ولا تضر".
(٨) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٠٦)، مغني اللبيب (ص ٣٢١).
[ ٢ / ٥٢٦ ]
وجَعَلَه بعضُهم مِن [وَصْف المُجْمَل] (١)، على حَذف مُبتدأ، أي: "لا هي فارض. . .". واستُبعِد؛ لأنّ الأصْلَ الوصْف بالمفرَد، والأصلُ عَدَم الحذْف. (٢)
قلتُ: ويُسوّغ هَذا التقدير هُنا، أي: "لا أنت تنفع، ولا أنت تضُر"، لكنّه يَذهَب بعُذُوبة الكَلام.
قوله: "ولَولا أني رأيتُ رَسُولَ الله - ﷺ -": "لَولا" حَرفُ امتناع لوجُود، ولا يقَع بعْدَها إلا المبتدأ، ويجب حذفُ الخبر معها حيث يُعلَم. (٣) وقد تقَدّم الكَلامُ عليها وعلى المواضع التي يجب حَذف المبتدأ فيها في "باب السواك"، وفي الثّالث من "باب استقبال القبلة". وتقَدّم الكَلامُ على "رأى". والتقديرُ هنا: "لولا تقبيلُ النبي - ﷺ - ما قبّلتك".
فـ "أنّ" في محلّ رَفْع بالابتداء، وجملة "رأيتُ" خَبر "أنّ"، وجملة "يُقبّلك" في محلّ حَال مِن اسْم رَسُول الله - ﷺ -، والرّؤيَة بَصريّة.
و"مَا قَبّلتُك": جَوَابُ "لَوْلَا".
_________________
(١) في "البحر المحيط": "الوصف بالمجمل". وفي (ب): "وصف الجمل".
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٠٦).
(٣) انظر: الإعلام لابن الملقن (١/ ٥٥١)، الصاحبي (ص ١١٩)، المفصل (ص ٤٣٢)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٦٥٠)، الجنى الداني (ص ٥٩٩ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ١٧٣)، (٣/ ١٣٠٧)، مغني اللبيب (ص ٣٥٩، ٣٦٠)، شرح التصريح (٢/ ٤٣١)، شرح المفصل (٢/ ٣٤٢)، (٥/ ٩٠)، شرح التسهيل (١/ ٢٨٣)، تاج العروس (٤٠/ ٤٨٦)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٥٨).
[ ٢ / ٥٢٧ ]
الحدِيث الخَامِس:
[٢٢٣]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ؛ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ اليمانيين، وَلَمْ [يَمْنَعْهُمْ] (١) أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الأَرْبَعَةَ إلَّا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ" (٢).
قوله: "قَدِمَ رَسُولُ الله": جملةٌ في محلّ معمُول القَول. و"أصْحَابه" معطُوفٌ عليه، و"مَكّةَ" مفعُولٌ به على السّعَة، أي: "إلى مَكّة"؛ لأنّ الظّروف المختَصّة - كـ "الدّار" [و"المسْجِد" و"مَكّة"] (٣) و"المدينة" - يتعَدّى إليها الفِعْل على إسْقَاطِ الخَافِض تَوَسُّعًا. (٤)
قَالَ في "الصّحَاح": الأمْكِنَة على ضَربين، مُبْهَم ومحْدود، فالمبْهَم الجهَات السِّت، فهَذه ومَا في مَعْنَاها ظُروف مُقَدّرَة بـ "في".
وأمّا المحْدُود: فالذي له خلقة وشخص وأقطَار [تحُوزه] (٥) - نحْو: "الجبَل" و"الوادي" و"السّوق" و"المسْجِد" -، [ولا] (٦) يكُون ظَرْفًا؛ لأنّك لا تقُول: "قعَدتُ الدّارَ"، ولا: "صَلّيتُ المسجدَ"، ولا: "نِمْتُ الجبلَ"، فما جَاء مِن ذلك فإنما هُو بحَذْف حَرف الجرّ، نحو: "دَخَلتُ البيتَ"، و"نَزلتُ الوَاديَ"، و"صَعَدتُ الجبلَ".
_________________
(١) كذا بالنسخ، وبنُسَخ "العُمْدة"، وفي سُنن البيهقي الكبرى (٩٢٧٤). وفي "صحيح البخاري" (١٦٠٢)، و"صحيح مسلم" (١٢٦٦/ ٢٤٠): "يمنعه"، وهو الأنْسَب.
(٢) رواه البخاري (١٦٠٢) في الحج، ومسلم (١٢٦٦) في الحج.
(٣) بالأصل: "ومكة والمسجد"، ووضعت (م) فوق كُلّ كَلمة منهما، كعلامة على التقديم والتأخير. والله أعلم.
(٤) انظر: شرح ابن عقيل (٢/ ١٩٧).
(٥) سقط من النسخ. والمثبت من "الصحاح".
(٦) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "فلا".
[ ٢ / ٥٢٨ ]
انتهى بمعناه. (١)
قوله: "فقَال المشركون": معطُوفٌ عَلى "قَدِم"، و"المشركون" مرفوعٌ على الفَاعِلية، وعلامة رفعه "الواو"؛ لأنّه جمعٌ لصِفَة.
قوله: " [إنّه] (٢) يَقْدُم": "إنّ" مكْسُورة؛ لأنّها وَقَعَت بعْد القَوْل. و"يَقْدُم" جملة في محلّ خَبر "إنّ"، و"عَلَيْكُم" يتعَلّق به.
يُقَال: "قَدِم مِن سَفَره"، "قُدومًا" و"مَقْدَمًا" بفَتْح "الدّال". ويُقَال: "قَدَمَ" بالفَتْح "يَقْدُم"، "قَدْمًا"، أي: "تَقَدَّمَ"، قَالَ تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [هود: ٩٨]، وأمّا الذي في حَديثِ بَدْر: "أَقْدِمْ حَيْزُومُ" (٣) فأمْرٌ [بالتقَدّم] (٤) في الحرْب. (٥)
قوله: "قَوْم": فَاعِل، وهو اسمُ جمع، وجمعُه شَاذّ.
قَالَ في "الصّحاح": "القَومُ": "الرّجَال دُون النساء"، لا واحِدَ له من لَفْظِه. قال [زُهير] (٦):
وَمَا أَدْرِي وسَوْفُ إِخَالُ أَدْرِي أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ؟ ! (٧)
وقال تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ
_________________
(١) انظر: الصّحاح (٤/ ١٦٩٦)، شرح ابن عقيل (٢/ ١٩٥).
(٢) بالنسخ: "وإنّه".
(٣) صحيح مُسلم (١٧٦٣/ ٥٨)، من حديث عُمر.
(٤) بالنسخ: "التقديم". والمثبت من "لسان العرب".
(٥) انظر: الصحاح (٥/ ٢٠٠٦، ٢٠٠٧)، لسان العرب (١٢/ ٤٦٧).
(٦) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
(٧) البيتُ من الوافر، وهو لزُهير بن أبي سلمي. انظر: العين (٥/ ٢٣١)، الصحاح (٥/ ٢٠١٦)، لسان العرب (١٢/ ٥٠٥)، المعجم المفصل (١/ ٣٦).
[ ٢ / ٥٢٩ ]
نِسَاءٍ﴾ [الحجرات: ١١]. وجمعُ "القَوم": "أقوَام"، وجمعُ الجمْع: "أقاوِم" (١). (٢)
وفي رواية: "وَفْدٌ وَهَنَتْهُمْ" (٣)، وفي رواية: "إنّه يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ مُحَمَّد وَأَصْحَابُهُ وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ" (٤)، وعلى هذا تكُون جملة "وقد [وهنتهم"] (٥) في محلّ الحال مِن "محمد وأصحابه"، وعلى الأوّل تكون "وهنتهم " في محلّ صفة لـ "قَوْم".
و"الوَهْن": "الضّعْف"، مُتعَدّ ولازِم، وهُو هُنا مُتعَدّ. وتقُول في اللازم: "وَهَن الإنسانُ"، "وهْنًا"، أي: "ضَعُف". وتقُول: "وهنته، توهينًا". (٦)
و"يَثْرِب": اسمُ "المدينة" قَديمًا، غيّره النبي - ﷺ -، وسمّاها: "طَيْبَة" و"طَابَة" كراهة [للتثريب] (٧)، وهو "اللَّوْمُ [والتعيير] (٨) ". وقيل: هو اسمُ أرضها. وقيل: سُمّيت باسم رَجُل من العَمالِقَة. (٩)
قلتُ: هو اليوم اسمٌ لموضِع من "المدينة"، يُذكَر أنّه كَان قَرية عَظيمة، فخَلَت
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "أقاويم". وتجمَع "أقوام" على: "أقاوِمُ"، و"أقاويمُ"، و"أقائِمُ"، ويُروى: "الأَقَايِم". وانظر: القاموس المحيط (ص ١١٥٢)، تاج العروس (٣٣/ ٣٠٦ وما بعدها).
(٢) انظر: الصحاح (٥/ ٢٠١٦).
(٣) صحيح البخاري (٤٢٥٦) من حديث ابن عباس. وانظر: إرشاد الساري (٦/ ٣٨١، ٣٨٢)، مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٦/ ٢٣٢).
(٤) رواه أحمد (٢٧٩٤)، وهو في "مسلم" (١٢٦٦/ ٢٤٠) بنحوه، من حديث ابن عباس. وانظر: إرشاد الساري (٦/ ٣٨٢)، مطالع الأنوار (٦/ ٢٣٢).
(٥) بالنسخ: "أوهنتهم".
(٦) انظر: الصحاح (٦/ ٢٢١٥، ٢٢١٦).
(٧) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "التثريب".
(٨) بالنسخ: "والتغير". والصواب المثبت.
(٩) انظر: النهاية لابن الأثير (٥/ ٢٩٢)، مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٦/ ٢٩١)، لسان العرب (١/ ٢٣٥).
[ ٢ / ٥٣٠ ]
مِن أهْلها، وصارَت أرضها محارِث ومَزَارِع لأهْل "المدينة" اليوم، وهي مما يلي "جَبل أُحُد". (١)
قوله: "فأمَرَهُم النّبي - ﷺ - أنْ يَرملُوا": تقَدّم الكَلامُ على"أمَر" في الحَديثِ الثّالِث مِن "بَاب فَضْل الجمَاعَة"، وفي "بَاب السّواك"، وهُو يتعَدّى إلى الثّاني بحَرْف الجر، ويحْذَف حَرْفُ الجَرّ مَع "أنْ" كَثيرًا، وقَد يتَعَدّى بنَفسِه إلَى مَفْعُولَين، الثّانِي [مَصْدَر] (٢)، كقَوله: "أَمَرْتُك الخيرَ". (٣)
قوله: "يرمُلوا": "الرّمَل": "الإسراعُ في المشي"، يُقَال: "رَمَل يَرْمُل رَمَلًا ورَمَلَانًا" "إذا أسرَع في المشْي وهَزَّ مِنْكَبيه". ويُطلَق "الرّمَل" بالتحريك على "القَليل مِن المطَر". و"الرّمَل" (٤): "جِنسٌ مِن العَرُوض". (٥)
قوله: "الأشْوَاط": مفعُولٌ على السّعة، أي: "يَرْمُلُوا في الأشْوَاط ".
و"الأشْوَاط": جمعُ "شَوْط"، والمرَادُ به: "المرّة الوَاحِدة مِن الطّوَاف حَوْل
_________________
(١) راجع: وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى للسمهودي (١/ ١٥٢).
(٢) بالأصل: "مصدرًا".
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٠٣، ٤٥٦)، (٢/ ٣٤٣)، (٦/ ١١٢)، (٩/ ٤٣٨)، اللباب لابن عادل (١/ ٤٤٩)، إرشاد الساري (١/ ٧٨)، (٨/ ٢٧٥)، شواهد التوضيح (ص ٢٥٣)، الكتاب (١/ ٣٧، ٣٨)، الأصول في النحو (١/ ١٧٧ وما بعدها)، نتائج الفكر (ص ٢٥٥، ٢٥٩، ٢٦٠)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٧١٢، ٧١٣)، شرح المفصل (٤/ ٥١٤ وما بعدها)، اللمحة (١/ ٣٢٥ وما بعدها)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٤٧٧)، المقتضب (٢/ ٣٥ وما بعدها، ٣٢١)، الهمع (٣/ ١٣ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٩٣ وما بعدها)، المنصوب على نزع الخافض في القرآن (ص ٢٧٦ وما بعدها).
(٤) هَذا في الشِّعر.
(٥) انظر: الإعلام لابن الملقن (٦/ ٢٠٥)، الصحاح (٤/ ١٧١٣)، النهاية لابن الأثير (٢/ ٢٦٥)، لسان العرب (١١/ ٢٩٥، ٢٩٦، ٢٩٨).
[ ٢ / ٥٣١ ]
البيت"، وهُو في الأَصْل: "مَسَافَة مِن الأَرْض يَعْدُوها الفَرَس، كالمَيْدَان" (١)؛ ولذلك قَالَ: "ثَلَاثَة" بـ "التّاء" على القَاعِدة في عَدَد المذَكَّر.
قوله: "وأنْ يَمْشُوا مَا بَين الرُّكنين اليمانيين": الجمْلَة معْطُوفَة على مَا قبلها. و"يَمشُوا": أصْلُه "يَمْشيوا"، والعَرَبُ تَعَاف الانتقَالَ مِن الكَسْر إلى الضّم؛ فنَقَلوا حَرَكَة "اليَاء" إلَى "الشّين"، ثُم حذفَت "اليَاء" لسكونها وسكُون "الواو" (٢). وعَلامَةُ النّصْب في" يمشوا" حَذفُ "النون".
قوله: "مَا بين": "ما" ههنا زَائِدة. و"بَيْن" ظَرْفٌ، العَامِلُ فيه "يمْشُوا"، وقَد تقَدّم الكَلامُ على "بَين" في الثّالِث مِن "باب السّواك".
و"الرُّكنين": مخفُوضٌ بالظّرْف، و" [اليمانيين] (٣) " نَعْتٌ لَه، وقد تقَدَّم في الحديث قبْل هَذا ذِكْر " [اليمانيين] (٤) ".
قوله: "ولم يمنَعهم أنْ يَرمُلُوا الأشْوَاط الأرْبعَة": وفي رواية: "الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا" (٥).
قَالَ الشّيخُ تقيّ الدِّين: نُقِل عَن بعْض المتقدِّمين وعَن الشَّافِعي أنّهما كَرِها هَذه التسمية. والحديثُ على خِلافه. (٦)
_________________
(١) انظر: النهاية لابن الأثير (٢/ ٥٠٩).
(٢) انظر: المنصف لابن جني (ص ٥٥)، المفتاح في الصرف (ص ٥٥)، شرح القطر (ص ٣٣٣)، شرح التصريح (٢/ ٦٨٥).
(٣) بالأصل: "اليمانين".
(٤) بالأصل: "اليمانين".
(٥) صحيح البخاري (١٦٠٢)، وصحيح مُسلم (١٢٦٦/ ٢٤٠)، والعُمدة (ط الثقافة، ص ١٥٩)، والعُمدة (ط المعارف، ص ١١٤).
(٦) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٧١). وراجع: الأم للشافعي (٢/ ١٩٢)، الحاوي (٤/ ١٥٣).
[ ٢ / ٥٣٢ ]
قال: ولعَلّ هذا "الرّمَل" كَان في طَوَافِهم في "عُمرة القَضَاء"، فإنّه ثبَت "أنّ النبي - ﷺ - رَمَلَ مِن الحَجَر إلى الحَجَر"، وذكر أنّه كَان في الحَجّ (١)؛ فيكُون مُتَأخِّرًا، فيُقَدّم على المتَقَدّم، انتهى. (٢)
و"الأشْوَاط": جمعُ قِلّة، وقَد وَصَفَها بـ "الأرْبَعَة". وعلى رِوَاية "الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا" تكُون الألِف واللام لتَعرِيف العَهْد في "السّبعَة"، وعَلى الرِّواية الأخْرَى تكُون لما [بَقِي] (٣) بَعْد الثّلاثَة، وهُو أرْبَعَة، وتتخَلّص للعَهْد بالصِّفَة.
و"كُلّها": تأكيد، وتأتِي توْكيدًا للمَعْرفة، كَما وَقَعَ هُنَا، [وللنكرة] (٤) بقَيد أنْ تكُون النّكِرة محْدُودَة (٥)، كقَوْله:
[لَبثْتُ] (٦) حَوْلًا كَامِلًا كُلّهُ . . . . . . . . . . . . (٧)
ويجب أنْ يتّصِل بها ضَمير يَرجِع إلى المؤَكّد، كما هُو هُنا، وكقَوله تعالى:
_________________
(١) صَحيح مُسلم (١٢٦٢/ ٢٣٤)، من حديث ابن عُمر. لكن باقي روايات الحديث قبله وبعده تقصره على بعْض الأشواط. وراجع: صحيح ابن حبان، بترتيب ابن بلبان (٣٨١٣)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (٢/ ١٧٩ وما بعدها).
(٢) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٧٠، ٧١).
(٣) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "نُفي".
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: مغني اللبيب (ص ٢٥٦، ٢٥٧). وراجع: إعراب القُرآن وبيانه (٤/ ٣١٦)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (٢/ ٣٦٩ وما بعدها).
(٦) كذا بالنسخ.
(٧) صَدرُ بيتٍ من السّريع، وعجزه هو: "لَا نَلْتَقِي إِلَّا على مَنْهَج"، وهو للعرجي، عبد الله بن عمر بن عَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان يُشبب بامرأة محمد بن هِشَام، أو بامرأته الحارثية. والمروي فيه: "نَلبَثُ"، ورُوي فيه: "نمكث حولًا"، و"تلبث حولًا". انظر: خزانة الأدب (٥/ ٣٣٤ وما بعدها)، الكامل للمبرد (٢/ ١٩٣)، المعجم المفصل (٢/ ٤٦).
[ ٢ / ٥٣٣ ]
﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠]. (١)
قال ابنُ مالك (٢): وقد يخلف الضّمير اسم ظاهر، كقوله:
. . . . . . . . . . يَا أَشْبَهَ النَّاسِ كُلَّ النَّاسِ بِالْقَمَرِ (٣)
قَال ابنُ هشام: وخَالَفَه أبو حيّان، وزَعَم أنّ "كُلًّا" في البيت نَعْت، مثلها في قوله: "أطعمنا شَاة كُلّ شَاة"، وليست توكيدًا. (٤)
قوله: "إلَّا الإبقَاء عَلَيهم": يجُوز فيه الرّفع والنّصْب، أمّا [الرّفْع ففَاعِل] (٥) "يمنعهم"، ويجُوز فيه النَّصْب، وهو الظّاهِر، أي: "فَلَم يمنعهم النبي - ﷺ - إلّا الإبقَاءَ عَليهم"؛ فيكُون الاستثناءُ على كِلا الوَجْهَين مُفرغًا. فعلى الوَجْه الأوّل يكُون مَعنى التَفريغ: عَمَل مَا قبْل "إلّا" في الذي بعْدَها الرّفْع على الفَاعِليّة مجَازًا، وعلى الثّاني النّصْب على أنّه مَفْعُول لَه، أي: "لأَجْل الإبقَاءِ عَليهم". (٦)
[ومجيءُ] (٧) المفْعُولُ به مَعْرفَة [كثيرٌ] (٨)، ومنه:
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب (ص ٢٥٦)، إعراب القُرآن وبيانه (٤/ ٣١٦).
(٢) انظر: شرح التسهيل لابن مالك (٣/ ٢٩٢)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٢٥٦)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٩٧٠).
(٣) عجز بيت من البسيط، وهو لعُمر بن أبي ربيعة، ونسبه في شرح التسهيل لكُثير. وصدر البيت: "كَمْ قَدْ ذَكَرْتُكِ لَوْ أُجْزَى بذِكْرِكُمْ". انظر: تفسير القرطبي (٣/ ٣٦٩)، أمالي القالي (١/ ١٩٥)، شرح التسهيل (٣/ ٢٩٢)، المعجم المفصل (٣/ ٥٤٢).
(٤) انظر: مغني اللبيب (ص ٢٥٦).
(٥) كذا بالنسخ.
(٦) انظر: فتح الباري (٧/ ٥٠٩)، إرشاد الساري للقسطلاني (٣/ ١٦٥)، عقود الزبرجد للسيوطي (١/ ٤٦٧).
(٧) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "وتجيء".
(٨) في (ب): "كثيرًا".
[ ٢ / ٥٣٤ ]
وَأَغْفِرُ عَوْرَاء الكَرِيمِ ادِّخَارَهُ وأُعْرِضُ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيمِ تَكَرُّمَا (١)
ومتى تعَرّف المفعُولُ لَه جَازَ فيه النّصْب بتَقْدير "اللام"، وجَاز فيه الجر بـ "اللام ". وقَد جَاءَ في البيتِ تعْريف "ادخاره" بالإضَافَة، ولَو قَالَ: "لادخاره" جَاز. (٢)
وأمّا المعرّف بالألِف واللام - مثل مَا جَاء هُنا في الحديثِ - فالمختَارُ إثبات "لام" التعليل، نحْو قولك: "جئتُك للطَّمَع" و"جئتُك الطّمَع". (٣) ويجُوز هُنا: "إلا [الإبقاء] (٤) عَليهِم"، وهُو أجْرَى على القَاعِدة (٥).
الحدِيث السّادِس:
[٢٢٤]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ - أَوَّلَ مَا يَطُوفُ - يَخُبُّ ثَلاثَةَ أَشْوَاطٍ" (٦).
_________________
(١) البيتُ من الطويل، وهو لحاتم الطائي. انظر: شرح التسهيل (٢/ ١٩٨)، خزانة الأدب (٣/ ١٢٢ وما بعدها)، المعجم المفصل (٧/ ٧٣).
(٢) انظر: شرح التسهيل (٢/ ١٩٨)، شرح ابن عقيل (٢/ ١٨٧، ١٩٠)، شرح المفصل لابن يعيش (١/ ٤٥٤)، أسرار العربية (ص ١٤٧ وما بعدها)، اللمع في العربية (ص ٥٩)، إيضاح شواهد الإيضاح (١/ ٢٤٧)، اللباب في قواعد اللغة للسراج (ص ٩٥، ٩٦)، المنصوب على نزع الخافض في القرآن (ص ٢٩٠، ٢٩١)، جامع الدروس العربية (٣/ ٤٧)، النحو المصفى (ص ٤٤٥ وما بعدها).
(٣) انظر: الكتاب (١/ ٣٧٠)، شرح التسهيل (٢/ ١٩٨)، شرح ابن عقيل (٢/ ١٨٧)، اللمع في العربية (ص ٥٨)، المقتضب (٢/ ٣٤٨)، خزانة الأدب (٣/ ١٢٢)، النحو المصفى (ص ٤٤٥ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٣/ ٤٧).
(٤) كذا بالنسخ. ولعل الأصوب: "للإبقاء".
(٥) راجع: شرح ابن عقيل (٢/ ١٨٧).
(٦) رواه البخاري (١٦٠٣) في الحج، ومسلم (١٢٦١) في الحج.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
جملة "رَأيْتُ" في محل معْمُول القَوْل، والقَوْل معْمُول متعَلّق حَرْف الجر، والتقْديرُ: "أنّه قَالَ"؛ ليَصِحّ إقَامته مَقَام الفَاعِل. والرّؤيَة هُنا بَصَريّة، تتعَدّى لمفْعُول واحِد (١).
وأصْلُه: "رَأَيَ" تحرّكَت "اليَاء" وانفَتَح مَا قبْلَها؛ فقُلبَت أَلِفًا، فلمّا اتّصَل بها ضَمير المتكَلّم رُدّت سَاكِنَة؛ لانتفاء مُوجب القَلْب. (٢)
و"رَسُولَ الله": مفعُول القَوْل. وجملة "- ﷺ -" مُعترضَة لا محلَّ لها.
قوله: "حِين يَقْدَم": إنّ "حِين" ظَرْف زَمَان، ويجُوزُ فيه إذَا أُضيف الإعْرَابُ - على الأَصْل - والبنَاءُ، فإنْ كَان مَا وَلِيَه فِعْلًا مَبْنيًّا فالبنَاءُ رَاجِحٌ للتّنَاسُب، كقَوْله:
على حِينَ عَاتَبْتُ المشِيبَ على الصِّبَا [فقُلْتُ] ألَمَّا أَصْحُ والشّيْبُ وَازعُ؟ (٣)
وإنْ كَان فِعْلًا مُعْرَبًا - مثل مَا وَقَع هُنَا - أو جملَة اسمية: فالإعرابُ أحْسَن، وأجَاز الكُوفيون البنَاءَ، وعَليه قِراءَة نَافِع: "هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ" (٤). (٥)
_________________
(١) انظر: المصباح المنير (١/ ٢٤٦).
(٢) راجع: البحر المحيط (٢/ ٦٤)، إرشاد الساري للقسطلاني (٩/ ٢٧٢)، شرح ديكنقوز على مراح الأرواح (ص ١٢٠).
(٣) البيتُ من الطويل. وهو للنابغة الذبياني. وقد سقط بالنسخ من البيت لفظ: "فقلت". وقد سبق تخريج البيت. والشّاهد: "على حين"، فقد بناه على الفتح لما أضافه إلى الفعل الماضي، أي: "في حين". انظر: سر صناعة الأعراب (٢/ ١٦٦)، الأضداد لأبي بكر الأنباري (ص ١٤٠)، الأزمنة والأمكنة (ص ٤٩٨)، شرح المعلقات السبع (ص ٤٠)، العُمدة في محاسن الشعر (١/ ٢٣٧)، شرح أدب الكاتب لابن الجواليقي (ص ١٦٣)، خزانة الأدب للبغدادي (٦/ ٥٥٠، ٥٥١)، المعجَم المفصّل (٤/ ٢٩٢).
(٤) سورة [المائدة: ١١٩]. وانظر في القراءة: غيث النفع (ص ٢٠٤)، الكنز في القراءات العشر (١/ ٧٩)، (٢/ ٤٦٢)، شرح التصريح (١/ ٧٠٦)، أوضح المسالك (٣/ ١١٤)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (١/ ١٣٢)
(٥) انظر: الفائق للزمخشري (١/ ١١٠)، الكتاب (٢/ ٣٢٩، ٣٣٠)، مغني اللبيب (ص ٦٧٢)، شرح التصريح (١/ ٧٠٥ وما بعدها)، شرح التسهيل (٣/ ٢٥٥ وما بعدها)، =
[ ٢ / ٥٣٦ ]
وقَد تقَدَّم الكَلامُ على "حِين" في الرّابع مِن "كتَابِ الصّلَاة".
والعَامِلُ في "حِين": "رَأيْتُ"، و"يَقْدَم" مَع عَامِله في محلّ جَرّ بهَا.
و"إذَا": ظَرْف مُستقْبل لما يَأتِي مِن الزّمَان، فيه معنى الشّرْط غَالبًا، والعَامِلُ فيه جَوَابه، وقيل: فِعْله، على الخِلافِ في "إذَا" وعَملها، وقَد تقَدّم ذِكْرها في الحديثِ الثّاني مِن أوّل الكتاب. ويحتمل أنْ تكُون "إذا" [بَدَلًا] (١) مِن "حِين"، وجَوَابُها: "يَخُبُّ".
و"أوّل": ظَرفٌ منْصُوبٌ، العَامِلُ فيه" استلم"، و"مَا" مَصْدَريّة، أي: "استلم أوّل طَوَافِه". ويحتمل "أوّل" الرّفْع على الابتِدَاء، والخبرُ في جملَة "يَخُبُّ"، ويكُون " [إذا] (٢) " بَدَلًا مِن "حِين"، وتكُون جملة "أوّل مَا يَطُوف" في محلّ حَالَ مِن "رَسُول الله"؛ لأنّ الرّؤْيَة بَصَريّة، والتقْدير: "رَأيتُ رَسُولَ الله - ﷺ - أوّل طَوَافِه يَخُبُّ"، كَما قيل في قَوْله:
الحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ فَتِيَّةٌ . . . . . . . . . . (٣)
_________________
(١) = شرح المفصل (٢/ ١٧٩ وما بعدها، ٢٨٨)، (٣/ ١١٥)، علل النحو (ص ٤٤٥)، شرح ابن عقيل (٣/ ٥٩ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ١٤٨ وما بعدها)، سر صناعة الأعراب (٢/ ١٦٤ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٨٠٦ وما بعدها)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (١/ ٢٣٣ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (١/ ٩٧)، (٣/ ١٤٨٠)، أوضح المسالك (٣/ ١١١ وما بعدها)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٩٣، ١٠٢ وما بعدها)، الأصول لابن السّراج (١/ ٢٧٥ وما بعدها)، الكامل في اللغة والأدب (١/ ١٤٩ وما بعدها)، لسان العرب (٤/ ٨٣)، الهمع (٢/ ٢٣٠ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٣/ ٦٩، ٧٠).
(٢) بالنسخ: "بدل".
(٣) بالنسخ: "إذ".
(٤) صدر بيت من الكامل، وهو لعمرو بن معديكرب، وقيل: لأمرئ القيس، كما في "البخاري". وعجز البيت: "تَسْعَى بزينتها لكل جَهُولِ"، ويروى فيه: "تسعى بِبِزَّتِها"، والبعض يقول: "فُتَيَّةً". انظر: صحيح البخاري (٩/ ٥٤، كتاب الفتن، باب الفتنة التي تموج كموج البحر)، الكتاب (١/ ٤٠١)، الحماسة البصرية (١/ ١٨)، مجمع الأمثال للميداني (١/ ٤٠)، الانتخاب لكشف الأبيات المشكلة الإعراب للربعي =
[ ٢ / ٥٣٧ ]
يُروَى برَفْع "أوّل" ونصبه. (١)
ويحتمل أنْ تعمَل فيه "يَخُبُّ"، والتقْدير: "إذا استَلَم الرّكْن يَخُبُّ أَوّل مَا يَطُوف"، ويدخله التنازع إنْ قُلنا به فيما تَأخّر مِن العَوامِل عَن المعْمُول، وقد تقَدّم اختلافهم في ذَلك، وتقَدَّم الكَلامُ في الظّرْفَين يعْمَل فيهما عَامِلٌ واحِد في العَاشِر مِن "الصّلاة"، وسيأتي في البَاب بعْد هَذا.
و"ثلاثة" مصْدَر، و"أشْوَاط" مُضَافٌ إليه.
وقد تقَدّم الكَلامُ على "أوّل" في الحديثِ الأوّل مِن الكتاب.
الحدِيث السّابِع:
[٢٢٥]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: "طَافَ النَّبِيُّ - ﷺ - في حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ".
قوله: "في حَجّة الوَدَاع": يتعلّق بـ "طَافَ"، وهو مُقَدّر بظَرْف، أي: "في زَمَن الحَج"؛ لأنّ "الحَج" مَصْدَر، لا يكُونُ محلًّا للفِعْل، أو يُقَدَّر: "في مَقْدم حَجّة الوَدَاع".
و"الوَدَاع": اسمٌ للتَوديع، بفَتْح "الواو". (٢)
قوله: "على بَعِير": مُتعَلّق بحَال مِن "النبي - ﷺ -"، أي: "رَاكِبًا على بَعِير".
وجملة "يَسْتَلِم" حَالٌ أخْرَى، إذا قُلنَا بتَعَدّد الحَال، أو تَكُون حَالًا مِن الضّمير في الحَال؛ فيكُون حَالًا مُتدَاخِلَة.
و"الاستِلامُ": [قيل] (١): هُو مُشتَقٌّ مِن "السِّلام "- التي هِي "الحِجَارة" -
_________________
(١) = (ص ٦٦ وما بعدها)، لسان العرب (٨/ ٦٤)، المعجم المفصل (٦/ ٥٧٤).
(٢) انظر: عقود الزبرجد (٣/ ٢٢٣)، الكتاب (١/ ٤٠٢)، المقتضب (٣/ ٢٥٢، ٢٥٣)، الانتخاب لكشف الأبيات المشكلة الإعراب (ص ٦٦ وما بعدها).
(٣) انظر: إكمال الأعلام بتثليث الكلام (٢/ ٧٥٠).
[ ٢ / ٥٣٨ ]
بكسْر "السّين"، ولمّا كَان مَاسًّا للحَجَر قِيل لَه: "استِلام". وقيل: مِن "السَّلَام" بفَتْح "السّين"، فإنّ ذَلك الفِعْل [سَلَامٌ على الحَجَر. وقيل: أصْلُه مهْمُوز، "استَلأم" مِن "المُلائَمَة"، التي هِي الموَافَقَة، كأنّه] (٢) مُوَافِقٌ على تعْظيم الحَجَر، وفي تعْظيمه تعْظِيم للشَّرْع. (٣)
قَالَ بعضُهم: يُقال: ["استلأمت" فيه وَسَطًا] (٤)، كقَولهم: "شَأْمَل" و"شَمْأَل"، [وهُم] (٥) يقُولون في تصريفه: "شَمَلَتِ الرّيحُ"، "تَشْمُل"، فلا يَهمِزون. (٦)
ويُقَال: "استلم الحَجَر"، إمّا باليَد أو بالقُبْلَة. وبعضُهم جَعَل "الاستلام" باليَد أو بواسِطَة، و"السّلَام" بالفَم، وهُو غَريبٌ. (٧)
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) سقط بالنسخ، وأكمل من المصادر. وانظر: إرشاد الساري (٣/ ١٦٥)، الذخيرة للقرافي (٣/ ٢٣٨).
(٣) انظر: فتح الباري (٣/ ٤٧٣)، عمدة القاري (٩/ ٢٤٩)، التوضيح لشرح الجامع الصّحيح (١١/ ٣٧١، ٣٧٢)، إرشاد الساري (٣/ ١٦٥)، غريب الحديث لابن قتيبة (١/ ٢٢١)، مرعاة المفاتيح (٩/ ٦)، مرقاة المفاتيح (٥/ ١٧٦٦)، الذخيرة للقرافي (٣/ ٢٣٨)، الصّحاح (٥/ ١٩٥٢)، لسان العرب (١٢/ ٢٩٨).
(٤) في النسخ: "استلمت فيه وسطا"، ولعل بالموضع سقطًا. والمعنى: أنهم زادوا الهمزة فيه وسط الكلمة، كما في "الخصائص" (١/ ١٤٣)، وتهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١٥٢)، والمصباح (١/ ٢٨٧)، ولسان العَرب لابن منظور (١/ ١٧)، (١٢/ ٢٩٧)، وشمس العُلوم (١/ ٤٦)، وتاج العروس للزبيدي (٣٢/ ٣٨٦).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) راجع: التفسير البسيط للواحدي (٢٤/ ٢١٩)، اللباب لابن عادل (٩/ ٤٥)، إكمال المعْلِم (٨/ ٣٦٤)، مطالع الأنوار (٦/ ٥٦)، شرح المفصل (٤/ ١٦٢)، شرح المصريف للثمانيني (ص ٢٤٢)، لسان العرب (١/ ١٧)، (١١/ ٣٦٦)، وتهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١٥٢)، والمصباح المنير (١/ ٢٨٧).
(٧) انظر: فتح الباري (٣/ ٤٧٣)، إكمال المعلم للقاضي عياض (٤/ ٣٤٤)، شرح سُنن =
[ ٢ / ٥٣٩ ]
والألفُ واللام في "الرّكْن" للعَهْد، أي: "رُكْن الحَجَر الأسْوَد"، أو أرَادَ الجنْس، فقد قيل باستلام الأرْكَان كُلّها. والذي عَليه العَمَل، وثبَت مِن النّبي - ﷺ -: استلامُ الرُّكْنين اليَمَانيين. (١)
قوله: "بمِحْجَن": "المحْجَن": " [عَصَا مُعَقَّفَة] (٢) الرّأسُ، كالصّوْلجَان"، و"الميم" زَائِدَة، ويُجْمَع على: "محَاجِن". (٣)
و"البَاء" في "بمِحْجَن" مُتعَلِّق بـ "يَسْتَلِم"، وهِي للاسْتِعَانَة (٤).
[الحديث الثامن:
[٢٢٦]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: "لَمْ أَرَ النَّبيَّ - ﷺ - يَسْتَلِمُ مِنْ الْبَيْتِ إلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ" (٥).
الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ: الركن اليماني، والركن الشرقي الذي فيه الحجر الأَسود] (٦).
_________________
(١) = ابن ماجه للسيوطي وغيره (ص ٢١١)، الإعلام لابن الملقن (٦/ ٢١١)، نيل الأوطار (٥/ ٥٠)، مرعاة المفاتيح (٩/ ٦)، المجموع للنووي (٨/ ٣١)، الصحاح للجوهري (٥/ ١٩٥٢)، لسان العرب لابن منظور (١٢/ ٢٩٨).
(٢) انظر: عمدة القاري (٩/ ٢١٧)، شرح النووي (٩/ ١٣ وما بعدها)، التمهيد لابن عبد البر (١٠/ ٥١ وما بعدها)، المنتقى شرح الموطأ (٢/ ٢٨٢)، نخب الأفكار للعيني (٩/ ٣٨٣)، الإعلام لابن الملقن (٦/ ٢١١)، مرعاة المفاتيح (٩/ ٦)، تيسير العلام شرح عمدة الأحكام للبسام (ص ٣٩٩)، الشرح الكبير لابن قدامة (٣/ ٣٨٥).
(٣) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
(٤) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٣٤٧).
(٥) انظر: أوضح المسالك لابن هشام (٣/ ٣١ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ١٣٧ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ٨٨ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٦٤٦ وما بعدها)، الهمع للسيوطي (٢/ ٤١٧ وما بعدها).
(٦) رواه البخاري (١٦٠٩) في الحج، ومسلم (١٢٦٩) في الحج.
(٧) سقط هذا الحديث من نسخة ابن فرحون، ولعله لم يذكره لاستيفائه الكلام على ما به في =
[ ٢ / ٥٤٠ ]
بَاب التَّمَتّع
الحدِيث الأَوّل:
[٢٢٧]: عَنْ أَبِي جَمْرَةَ نَصْرِ بْنِ عِمْرَانَ الضُّبَعِيِّ، قَالَ: "سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ المُتْعَةِ؟ فَأَمَرَنِي بِهَا، وَسَأَلْتَهُ عَنْ الْهَدْيِ؟ فَقَالَ: فِيهِ جَزُورٌ أَوْ بَقَرَةٌ، أَوْ شَاةٌ، أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ. قَالَ: وَكَانَ نَاسٌ كَرِهُوهَا، فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ إنْسَانًا يُنَادِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ، وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ. فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَحَدَّثَتْهُ؛ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ - ﷺ -" (١).
قَالَ الشّيخُ تقيّ الدِّين: "أبو جمرة" بـ "الجيم" و"الرّاء" المهمَلَة. و"نصر" بـ "الصّاد" المهمَلَة. و"الضُّبَعي" بضَم "الضّاد" المعجَمَة، وفتح "الباء" ثاني الحروف، وبـ "العَين" المهْمَلَة. مُتفَقٌ عَليه. انتهى. (٢)
وأمّا "التمتّع": فيُقال: "تمتّعتُ بكَذا" أو "استمتَعتُ به" بمَعنى، والاسمُ: "المتعَة"، ومنه: "مُتْعَة النِّكَاح" و"مُتْعَة الطّلَاق" و"مُتعَة الحَج"؛ لأنّه انتفَاع. (٣)
قوله: "سَألتُ ابن عبّاس": تقَدّم الكَلامُ على "سَأل" وتعَدِّيه وتعليقه في الحديث الثّاني عَشر مِن "بَاب صِفَة الصّلاة".
و"عَن المتْعَة": يتعلّق بـ "سَألتُ".
قوله: "فأمَرَني": "الفَاء" سَببية. و"أمرَني" فِعْل وفَاعِل ومفعُول، الفَاعِل "ضَميرُ [ابن عَبّاس] (٤) ". وتقَدّم الكَلامُ عَلى "أمَر" في أوّل حَديثٍ مِن "بَاب
_________________
(١) = أحاديث أخرى. والله أعلم. وقد آثرت إضافة متن الحديث هنا للاستفادة. وراجع: العُمدة (ط دار الثقافة، ص ١٦٠)، العُمدة (ط مكتبة المعارف، ص ١١٥)
(٢) رواه البخاري (١٦٨٨) في الحج، ومسلم (١٢٤٢) في الحج.
(٣) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٧٤).
(٤) انظر: الصّحاح (٣/ ١٢٨٢).
(٥) بالنسخ: "النبي - ﷺ -".
[ ٢ / ٥٤١ ]
السِّواك". و"بهَا" يتعَلّق بـ "أمَر"، أي: "أمرَني بفِعْلِها".
قوله: "وسَألتُه عَن الهَدْي": التقدير: "عَن وجُوب الهَدْي لأَجْل التمتّع". "الهَدْي": "مَا يُهْدَى للحَرَم مِن النَّعَم"، ويُقَال: "هَدِيٌّ" على "فَعِيل"، وقُرئ بهما في قَوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، الواحِدة: "هَدْيَة" و"هَدِيّة". (٢٥٣٠)
قوله: "فقَالَ": يعني: "ابن عَبّاس".
"فيها جَزُور": الضّميرُ يعُود على" المتعَة". ويُروَى: "فِيهِ جَزُورٌ" (٢٥٣١)، أي: "في التّمَتُّع" (٢٥٣٢).
قوله: "جَزُور": مُبتَدأ، والخبرُ في قَوله: "فيه" (٢٥٣٣)، وبه يتعَلّق حَرف الجر، والتقدير: "جزور واجبَة فيه". ويجُوز أنْ تكُون فَاعِلًا، أي: "يجب فيها جَزُور".
_________________
(١) انظر: الإعلام لابن الملقن (٦/ ٢٦٩)، الصحاح للجوهري (٦/ ٢٥٣٣)، المصباح (٢/ ٦٣٦)، مختار الصحاح (ص ٣٢٥).
(٢) لم أقف على هذا الذي ذَكَره ابن فَرحُون إلّا في متن "العُمدة" المطبوع مع "إحكام الأحكام" (٢/ ٧٤). وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (١٤٤٢٥): قال: "حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمانٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (إِذَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ بَقَرَةَ الْوَحْشِ فَفِيهِ جَزُورٌ) ".
(٣) ويحتمل عندي أن يعُود الضّمير في "فيها" على "الهَدْيَة"، وفي "فيه" على "الهَدْي"، والمعني: "فقال في تفسير معنى الهَدْيَة" أو "الهَدْي". وينبغي على هذا أن يُكتب الحديث: "فقَال فيها: جَزُور. . .". وهو الأقرب عندي. ويُؤيّد هذا أنّ السؤال عن "الهَدْي"، وما رَوَاه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٦٢٣٩) والبيهقي في "السنن الكُبرى" (٨٨٩٣)، عن أبي جمرة أنّه قَالَ: وسُئِلَ - أي: ابْن عَبَّاسٍ - ﵄ - عَمَّا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ؛ فَقَالَ: "جَزُورٌ، أو بَقَرَةٌ، أَوْ شَاةٌ، أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ". والله أعلم.
(٤) كذا بالنسخ، وهو على الرواية الأخرى.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
و"الجزور": مِن الإبل، يقَع على الذَّكَر والأنثى، وهي مُؤنثة، والجمعُ: "الجُزُر" (١).
و"البقَرة": واحدة "البقَر"، يقَع على الذّكَر والأنثى، وإنما دَخَلته "الهاء" على أنّه واحِدٌ من جنس، والجمعُ: "البَقَرَات". و"البَاقِرُ": "جماعةُ البقر مَع رعاتِهَا". و"البَيْقُور" [يقَع على الذّكَر والأنثى] (٢)، وأهْلُ اليمَن يُسمّون "البقرة": "بَاقُورَة". (٣) ومنْه قَوله:
سَلَعٌ مَّا وَمِثْلُهُ عُشَرٌ مَّا عَائِلٌ مَّا وَعَالَتِ البَيْقُورَا (٤)
وهَذا البيت قَال [عيسَى بن عُمَر] (٥): لا أدْري مَا مَعنَاه، ولا رأيتُ أحَدًا يعرفه. (٦)
وقَال غيره: كانوا إذا أرادوا الاستسقاء في سَنة الجَدْب عَقَدوا في أذناب البقر
_________________
(١) انظر: الصحاح (٢/ ٦١٢).
(٢) كذا بالأصل. وفي "الصحاح": "البقر".
(٣) انظر: الصّحاح (٢/ ٥٩٤).
(٤) البيتُ من الخفيف. وهو لأمية بن أبي الصلت. انظر: الصحاح للجوهري (٥/ ١٧٧٨)، (٦/ ٢٤٣٦)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٤١٤)، لسان العرب لابن منظور (٤/ ٧٣)، المعجم المفصل (٣/ ١٥٦).
(٥) بالنسخ: "عدي بن عمرو". والصواب المثبت. وانظر: أمالي ابن الشّجري (٢/ ٥٧٠)، مُغني اللبيب (ص ٤١٤)، وهو في "الأزمنة والأمكنة" للمرزوقي (ص ٥٣٤): "عيسى بن عمرو". وعيسى بن عُمر الثقفي: هو مولى خالد بن الوليد، من أهل البصرة، ومن أئمة اللغة، أخذ عن أبي عمرو بن العلاء، وروى عن الحسن البصري والعجاج ورؤبة وجماعة، وعنه أخذ الأصمعي والخليل وسيبويه، وكان يتقعّر في كلامه. توفي سنة ١٤٩ هـ، أو ١٥١ هـ. انظر: خزانة الأدب (١/ ١١٦، ١١٧)، بغية الوعاة للسيوطي (٢، ٢٣٧)، الأعلام (٥/ ١٠٦).
(٦) انظر: مغني اللبيب (ص ٤١٤).
[ ٢ / ٥٤٣ ]
[وثَنَن] (١). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[عَراقبها] (٢) "السّلع" - بفتحتين - و"العُشَر" - بضمة وفتحة، وهما ضَرْبَان من الشّجَر - ثُم أوْقَدوا فيها النّار، وصَعَدوا بها الجبَال، ورفعُوا أصْوَاتهم بالدُّعَاء. ومعنى "عَالَت البيقور": أنّ السّنة أثقَلَت البقر بما حمّلتها من "السّلع" و"العُشَر". وفي هَذا البيت زيادة بالتأكيد ثلاث مرّات. (٣)
قوله: "أو شَاة": تقَدّم ذِكْر "الشّاة" في الحديثِ السّادِس مِن "الزّكَاة".
قوله: "أو شرك في دَم": هو بالرّفْع عطْف على مَا قبْله. و"الشّرْك" الاسم، ومنه: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: ٣٢]، أي: "اجْعَل له شركًا" (٤). و"في دَم" يتعلّق به،
_________________
(١) بالأصل غير مُنقّطة، وفي (ب): "وبين"، وهو ما في "مغني اللبيب" (ص ٤١٤)، وكذا في " الأزمنة والأمكنة" للمرزوقي (ص ٥٣٤). لكن الذي في "أمالي ابن الشّجري" (٢/ ٥٧٠): "ثنن عراقيبها: الثّنن: جمع ثنّة، وهو الشّعر المحيط بالعرقوب وبالظّلف وبالحافر".
(٢) كذا بالنسخ، وهو ما في "مُغني اللبيب" (ص ٤١٤)، ووَرَد لفظ "العراقب" في "أحكَام القرآن" لابن العربي (٢/ ٧١)، و"لسان العرب" (١١/ ٣٤)، ولهذا أبقيتُ على اللفظ، مع أنّ الوارد في كُل المصادر بخلاف ما سبق لفظ "عراقيبها"، كما في "أمالي ابن الشجري" (٢/ ٥٧٠)، و"الأزمنة والأمكنة" للمرزوقي (ص ٥٣٤)، ورغم أنّ المعاجم أوردت جمع "عرقوب" على "عراقيب" فقط، كما في "المصباح المنير" (٢/ ٤٠٥)، و"مجمع بحار الأنوار" (٣/ ٥٧٧)، و"المعجم الوسيط" (٢/ ٥٩٦).
(٣) انظر: الصّحاح للجوهري (٥/ ١٧٧٨)، (٦/ ٢٤٣٦)، لسان العرب لابن منظور (٤/ ٧٣)، جمهرة اللغة لابن دريد (١/ ٣٢٢، ٣٢٣)، الأوائل للعسكري (ص ٣٦)، أمالي ابن الشجري (٢/ ٥٧٠)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٤١٤)، المنتخب من غريب كلام العرب لكراع النمل (١/ ٦٨٧).
(٤) انظر: الصحاح للجوهري (٤/ ١٥٩٣، ١٥٩٤)، لسان العرب لابن منظور (١٠/ ٤٤٨ وما بعدها).
[ ٢ / ٥٤٤ ]
به، أو بصِفَة لـ "شرك".
قوله: "وكَان نَاس [كَرهُوهَا] (١) ": "كَان" الناقِصَة، وخبرها مُقَدّر، أي: "وكَان مِن الصّحَابة نَاس"، "فكَرهُوهَا" جملة في محلّ حَال مِن "ناس". أو يكون "نَاس" اسم "كَان"، و"كرهوها" خبرها، على الخلاف في وقوع خبر "كان" مَاضيًا (٢).
وجَاء الاسمُ نَكِرة؛ لأنّه جنس، كقوله:
. . . . . . . . . . . يكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ (٣)
ويحتمل أنْ تكُون [للنّكرة] (٤) صِفَة مُقَدّرة، أي: "وكَان نَاس مِن الصّحَابة كَرهُوها"، كما في قَوله تعَالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ (٥) [آل عمران: ١٥٤]، قيل: التقدير: "وطَائِفَة مِن غيركم"، مثْل: "السّمْن مِنْوَان بدِرْهَم"، أي: "منوان منه
_________________
(١) بالنسخ: "كرهوا".
(٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب لابن عادل (١٨/ ٢٥١)، البحر المحيط (١٠/ ٤٠)، شرح المفصل لابن يعيش (٤/ ٣٤٤).
(٣) عجز بيت من الوافر، وهو لحسّان بن ثابت. وصدر البيت: "كأَن سَبِيئَةً من بَيْتِ رَأْسِ"، ويُروى: "كأنّ سُلافةً". والشاهد: أنه جعل "مزاجها" وهو معرفة خبر "يكون"، و"عسل" اسمها وهي نكرة. ولقائل أن يقول: "يكون مزاجُها عسلٌ وماءُ"، فيجعل اسم "كان" ضمير "سلافة" أو "سبيئة"، و"مزاجها عسل" مبتدأ وخبر في موضع نصب بـ "كان"، وقد رُوي: "يكون مزاجُها عَسلًا وماءُ". انظر: البحر المحيط (٥/ ٣١٥)، علل النحو (ص ٢٥٢)، شواهد التوضيح (ص ٨٨)، شرح التسهيل (١/ ٣٥٦)، مغني اللبيب (ص ٥٩١، ٩١١، ٩١٢)، شرح المفصل (٤/ ٣٤١)، اللمحة (٢/ ٥٨٢ وما بعدها)، خزانة الأدب (٩/ ٢٢٤ وما بعدها، ٢٨١ وما بعدها)، الهمع (١/ ٤٣٥)، المعجم المفصل (١/ ٥١).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) سقط بالنسخ: "قد".
[ ٢ / ٥٤٥ ]
بدِرْهَم"، [فـ "منوان" مُبتدأ] (١)، ومُسَوّغه الصِّفَة المقَدّرَة. (٢)
قوله: "فرَأيتُ في المنَام": معطُوفٌ على محذُوفٍ تقديره: "فوَجَدتُ في نفسي، فنِمْت، فرَأيتُ"، فـ "الفَاء" في قَوله "فنمتُ" عَاطِفَة لا سَببية فيها، و"الفَاء" في "فرأيتُ" فيها مَعنى السَّبَبية.
والرّؤْيَة هُنا حِلْمّية، وقد تقَدّم الخِلافُ [فيها] (٣)، هَل هي عِلْميّة أو بَصَريّة، اختار ابن مَالِك (٤) أنّها عِلْميّة، وهَذا الحديثُ يَرُدّ عَليه؛ لأنّه أدْخَل عَليها "كأنّ" التشبيهية، وهي مخالِفَة لمعنَى العِلْميّة، فلو قُلتَ: "عَلِمْتُ زَيدًا كأنّه ضَاحِك" لم يجز؛ للمُنَافَاة التي بين العِلْم والتشبيه. فإنْ قَدّرتها بمَعنى "رَأى" البصَريّة صَحّ دُخُولها عَليها؛ لمُلَاءَمتِهَا لها؛ فيجُوز أنْ تقُول: "رَأيتُ زَيدًا كأنّه ضَاحِك"، أي: " [مُتشَبّهًا] (٥) به".
فإنْ جَعَلتها بمَعْنى البَصَريّة: كَان التقديرُ في الحديث: "فرَأيتُ رُؤْيَا كَأنّ إنسَانًا"، وتكُون جملة "كَان" في محلّ الحَال.
وإنْ جَعَلتَها العِلْميّة: فيحتمل أن يكُون "إنسانًا" مفعُولها الأوّل، وجملة "يُنادِي" المفْعُول الثّاني، و"كَأنّ" مُقْحَمَة لا عَمَلَ لها. ويحتمل أنْ تكُون "الكَاف" زَائِدة، وفُتِحَت "أنّ" لأجْل تقَدّم الرّؤيَة عَليها المقتَضيَة للعَمَل في اسمها وخبرها،
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: شرح التسهيل (١/ ٢٩٠)، مغني اللبيب (ص ٦١٣، ٦١٤، ٨٨١، ٨٨٢)، شرح الأشموني (١/ ١٩٣)، شرح التصريح (١/ ٢١٠).
(٣) بالنسخ: "فيهما".
(٤) انظر: إرشاد الساري (١/ ١٠٦)، (١٠/ ١٣٠)، شرح الشذور للجوجري (٢/ ٦٥٠)، شرح التصريح (١/ ٣٦٦، ٣٨٦)، شرح الأشموني (١/ ٣٧١)، شرح ابن عقيل (٢/ ٥٢ وما بعدها)، توضيح المقاصد (١/ ٥٦٥)، الهمع (١/ ٥٣٦).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٥٤٦ ]
فلمّا دَخَلت "الكَاف" عَليها دَخَلت مفتوحة فسَدّت مَسَدّ المفعُولَين، ولم تتعَلّق "الكَاف" بشيء لأنّها زَائدة.
ويحتمل أنْ تكُون "كَأنّ" هُنا جَاءَت للتحقيق؛ فَلا [يتناقض] (١) العِلم، تقُول: "كَأنّ هَذا عندي" وأنتَ تريد أنّه عنْدك محقّقًا (٢).
قوله: "حَجّ مَبرور": خبرُ مُبتدأ محذُوف، أي: "هَذا حَجّ مَبرور". ومَبرور نعْتٌ لـ "حَجّ". وجَعل "يُنَادِي" بمَعنى "يقُول"؛ فتكُون الجمْلَة معمُولة لما تضمّنته الجمْلَة مِن معنى القَوْل.
قوله: "ومُتْعَة مُتقَبّلَة": [معطُوفٌ] (٣) عَليه.
قوله: "فأتيتُ ابنَ عبّاس": الضّميرُ لـ "أبي جمرة". و"أتَى" يتعَدّى إلى واحِد، وهُو "ابن عبّاس".
قوله: "فحَدّثتُه": معْطُوفٌ عليه. و"حَدّث" يتعَدّى إلى مفعُول بنفسه، وإلى الثّاني بحَرف الجَر، وقد تقَدّم الكَلام عَليها في الخامِس مِن "فضل الصّلَاة" (٤)، والثّاني هُنا محذُوفٌ، أي: "الرّؤيَا".
"فقَالَ": أي: "ابن عبَّاس".
"الله أكبر": هَذا الذِّكْر غَالبًا يُستَعْمَل عنْد التعجّب وتعْظيم المخْبر به؛ [لمناسبته] (٥) لذلك؛ لأنّ كُلّ مَا يحْدُث في الوجُود [فمِن] (٦) قُدْرَته وعَظَمَته وإحْدَاثِه
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) راجع: شرح التسهيل (٢/ ٦)، مغني اللبيب (ص ٢٥٣).
(٣) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "معطوفة".
(٤) أي: "فضْل صَلاة الجماعة".
(٥) بالنسخ: "لماسبته". ولعل الصّواب المثبت.
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٥٤٧ ]
﷾. (١)
ويحتمل قَوله: "حَجٌّ مَبرور، ومُتْعَة مُتقبّلَة" أن يكُون [إعْلَامًا] (٢) مِن الله وبُشْرَى مِن الملَك، ويحتمل أنْ يَكُون دُعَاءً لَه بذَلِك.
و"مَبرور": مفْعُولٌ مِن "بَرّ"، "يَبَرّ"، "بِرًّا"، فهو "بَارّ"، وذلك "مَبرور". يُقَال: "بَرِرْتُ والِدي" بالكَسْر "أَبَرُّه"، "بِرًّا"، فأنَا "بَرٌّ بِه" و"بَارّ". (٣)
قَال في "الصّحَاح": تقُول: "بَرّ حَجّه" و"بَرّ الله حَجّه"، "بِرًّا" بالكَسر في هَذا كُلّه. (٤) يُريد: بكَسْر "البَاء" في مَصادر الثّلاثة.
و"أبَرّ الله حَجَك" لُغَة في: "بَرّ الله حَجّك" (٥).
قوله: "سُنّةُ أبِي القَاسِم": يجُوز فيه النّصْب، أي: "الزَمُوا سُنّةَ أبي القَاسِم"، ويجُوز الرّفْع، أي: "هَذه سُنّةُ أبي القَاسِم".
وتقَدّم الكَلامُ على "السُّنَة"، وهي: "الطّريقَة"، يُقَال: "استَقَام فُلان على سَنَن واحِد". و"السُّنّة": "السِّيرة"، قَال الهذلي:
فَلا تَجْزَعَنْ مِن سُنَّةٍ أنْتَ سِرْتَها فَأَوّل رَاضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيرُهَا (٦)
_________________
(١) انظر: شرح البخاري لابن بطال (٩/ ٣٦٤)، عمدة القاري (٢٢/ ٢٢٣)، إرشاد الساري (٣/ ٢١٢)، مرقاة المفاتيح (٨/ ٣٥١٨).
(٢) بالنسخ: "إعلام".
(٣) انظر: الصحاح للجوهري (٢/ ٥٨٨)، المخصص لابن سيده (٤/ ٦١)، لسان العرب لابن منظور (٤/ ٥٢، ٥٣).
(٤) انظر: الصّحاح (٢/ ٥٨٨).
(٥) انظر: الصحاح (٢/ ٥٨٨).
(٦) البيتُ من الطويل، وهو لخالد بن زهير الهذلي. انظر: خزانة الأدب (٨/ ٥١٥)، مجمع الأمثال للميداني (٢/ ٢٤٧)، لسان العرب (٤/ ٣٨٩، ٣٩٠).
[ ٢ / ٥٤٨ ]
و"السُّنّة: "ضَربٌ مِن تمْر المدينَة". (١)
قَالَ الخَليل: ويُقَال: "سَنّ الشيءَ"، "صَوّرَه". و"المسنُون": "المصَوَّر". (٢)
وذِكْرُ ابنُ عَبّاس النبيَ - ﷺ - بكُنيَتِه - بـ "أبي القَاسِم" دون اسْمه في هَذا المحلّ دَليلٌ على المسَرّة بالرّؤيَا الصَّالحَة مِن الرّجُل الصّالِح وتأكيدها لما اعتَقَده مِن فِعْله - ﷺ -.
الحديث الثّاني:
[٢٢٨]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، وَأَهْدَى، فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ. وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، فكَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ ذي الْحُلَيْفَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ.
فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ لِلنَّاسِ: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوةِ، وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ، وَلْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ".
فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ مِنْ السَّبْعِ، وَمَشَى أَرْبَعَةً، وَرَكَعَ [حِينَ] (٣) قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلّمَ، فانْصَرَفَ، فأَتَى الصَّفَا، وَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ [أَطْوَافٍ] (٤)،
_________________
(١) انظر: الصحاح (٥/ ٢١٣٨، ٢١٣٩).
(٢) انظر: العين (٧/ ١٩٧)، الصّحاح للجوهري (٥/ ٢١٣٩)، لسان العرب (١٣/ ٢٢٤)، تاج العروس (٣٥/ ٢٢٩).
(٣) بالنسخ: "حتى".
(٤) بالنسخ: "أشواط".
[ ٢ / ٥٤٩ ]
ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ؛ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ [مِنْهُ] (١). وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ النَّاسِ (٢).
قوله: "تمتّع رسُولُ الله - ﷺ -": جملة في محلّ معمُول القَول. و"في حَجّة" يتعلّق بـ "تمتّع". وعطف على "تمتّع": ["وأهْدَى] (٣).
و"مَعَه" يتعَلّق بـ "سَاقَ"، وتقَدّم الكَلامُ على "مع" في [الأوّل] (٤) من "المسْح على الخفّين".
و"سَاق": مُتعَد إلى مفعُول به، وهو "الهدْي". وأصْلُه: "سَوَق"، تحرّكت "الواو" وانفتَح ما قبلها؛ [فانقَلبت] (٥) ألِفًا. (٦)
ويُقَال: "سَاقَ الماشية"، "يسُوقها"، "سَوْقًا" و"سِياقًا"، فهو "سائق"، و"سَوّاقٌ" شُدّد للمُبالَغَة. (٧)
ولا يتعلّق "معه" بـ "أهْدَى"؛ لأنّ المعنَى يكُون: "أهْدَى مع نفسه هَدْيًا"، وأمّا في "السَّوْق" فصَحيح أنْ يَسُوقه مَعه.
_________________
(١) بالنسخ: "عليه".
(٢) رواه البخاري (١٦٩١) في الحج، ومسلم (١٢٢٧) في الحج. وانظر لضبط المتن: صحيح البخاري (١٦٩١)، وصحيح مسلم (١٢٢٧/ ١٧٤)، والعُمدة (ط الثقافة، ص ١٦١، ١٦٢)، والعمدة (ط المعارف، ص ١١٦، ١١٧)، وإحكام الأحكام (٢/ ٧٥)، والإعلام لابن الملقن (٦/ ٢٣٧).
(٣) بالنسخ: "فأهدى".
(٤) بالأصل: "الأولى".
(٥) بالنسخ: "انقلبت".
(٦) انظر: الكتاب (٤/ ٢٣٨)، المنصف لابن جني (ص ١٩٠)، الممتع الكبير في التصريف (ص ٢٨٧)، ضياء السالك (٤/ ٣٩٢ وما بعدها).
(٧) انظر: الصحاح (٤/ ١٤٩٩).
[ ٢ / ٥٥٠ ]
قوله: "مِن ذي الحُلَيفَة": "مِن" لابتداء الغَاية، وتتعلّق بـ "سَاقَ"، وتقَدّم الكَلامُ على "ذِي الحُليفَة".
قوله: "وبَدأ رسُولُ الله - ﷺ - فَأهَلّ بالعُمْرَة": حرفُ الجر يصحّ أنْ يتعَلّق بـ "بَدَأ"، ويصحّ أنْ يتعَلّق بـ "أهَلّ". والمعنى على تعلّقه بـ "بَدَأ": أي: "بَدَأ بالعُمْرة فأهَلّ بها"، ولكن يُضعفه حَذْف الضّمير؛ لأنّه مَتى أعْمَل الأول أضْمَر الفَاعِل في الثّاني والمفعُول. و"بَدَأ" تقَدّم الكَلامُ عليها في الحادِي عشر مِن "صِفَة الصّلاة".
قوله: "فتمتّع النّاس مَع رَسُول الله (١) ": معطُوفٌ على مَا قبله. و"مع رسُول الله" يتعلّق بحَال مِن "رسُول الله"، أي: "حَاجّين مع رسُول الله"، أو يتعَلّق بـ "تمتّع".
قوله: "بالعُمْرَة إلى الحَجّ": يحتمل أنْ تكُون "إلى" بمَعنى "مَع"، أي: "مَع الحَجّ"، كقَوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] (٢).
ويحتمل أن تكُون "إلى" متعلّقة بحَال، أي: "مُضَافَة إلى الحَج"، وهَذا حَقيقة "القِرَان" (٣).
ويحتمل أنْ يكُون معْنى "التمتّع": "التَوَصّل"، أي: "توَصّلوا بعَمل العُمرة إلى عَمَل الحَج"، وإنّما سُمّى تمتعًا مجَازًا (٤). . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بعدها بالأصل: "- ﷺ -"، وفوقها علامات الإسقاط والحذف.
(٢) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢٥٣)، شرح التسهيل (٣/ ١٤١).
(٣) القِران: مصدر من قرن بين الحَج والعُمرة، إذا جمع بينهما بنية واحدة وتلبية واحدة. والقِران عند جماعة من العلماء في معنى التمتع؛ لاتفاقهما في المعنى، لكن القارن لا يجوز له الإحلال، كان معه هَدي أو لم يكن. انظر: التوضيح لابن الملقن (١١/ ٢٢٥، ٢٤٤).
(٤) لا يُسمّى مَن لم يحلّ من عُمرته مُتمتعًا؛ فالقَارن ليس بمُتمتع؛ وهو كذلك عند الفقهاء، لكن ذكر كثير من أهل العلم أنّ القارن يُسمّى مُتمتعًا في لسان الصّحابة؛ لأنّ بعض الصحابة عبر عن حَجّه - ﷺ - بالتمتع، مع أنّه - ﷺ - لم يحلّ من إحرامه. ورجّح ابن بطال أنه - ﷺ - أفرد الحج، لأنه - ﷺ - قال لِعَليٍّ: "لولا أنّ معى الهدى لأحللت"؛ فبان بهذا أنه لم يكن قارنًا؛ لأنّ القارن لا يجوز له الإحلال، كان معه هدى =
[ ٢ / ٥٥١ ]
لأنّه أسْقَط عَن نفْسِه أحَد السَّفَرين. (١)
قوله: "فكَان مِن النّاس مَن أهْدَى": "كَان" ترفَع الاسمَ وتنصب الخبر، اسمها: "مَن"، وهي مَوصُولة بمَعنى "الذي"، أي: "فكَان مِن النّاس الذي أهْدَى"؛ فـ "أهْدَى صِلَة "مَن"، والعَائد ضَمير الفَاعِل، وخَبرُ "كَان" في المجرور. و"مِن" في قَوله "مِن النّاس" للتبعيض، وكذلك: "ومِنهُم مَن لم يُهْدِ".
وجَعَل بعضُهم هَذا ومَا كَان مثله مِن مُقتضيات الحصْر؛ لأنّ بالتقسيم يَنْحَصِر المقَسَّم. وفيه نَظَر. (٢)
قوله: "فسَاقَ": معطُوفٌ على "أهْدَى"، و"مِن ذِي الحُليفَة" يتعلّق بـ "سَاقَ".
قوله: "ومِنْهُم مَن لم يُهْدِ": "من" مُبتدأ، والخبر في المجرور، و"يُهْدِ" مجزوم بـ "لم"، وهو في مَوضِع الصِّلة، والعائدُ الفَاعِلُ المستتر في الفِعْل.
قوله: "فَلمّا قَدم": "لمّا" حَرْفُ وجُوب لوجوب، أو ظَرْف (٣)؛ فيكُون "قَدم"
_________________
(١) = أو لم يكن، ولفعل أبي بكر وعمر، ولأنه هو الأصل وغيره رخصة. كما ردّ على من قال بأنه - ﷺ - كان متمتعًا بما رواه البخاري عن ابن عمر أنه - ﷺ - أهَلّ بالحج، ولما في حديث عائشة: "لو استقبلتُ من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى، ولجعلتها عمرة"، وهذا نصّ قاطع أنه - ﵇ - لم يهلّ بعمرة. انظر: تفسير الخازن (١/ ١٢٥)، شرح صحيح البخاري لابن بطال (٤/ ٢٤٥ وما بعدها)، تفسير الفاتحة والبقرة للعثيمين (٢/ ٤٠٨).
(٢) انظر: تفسير ابن عطية (١/ ٢٦٨)، البحر المحيط (٢/ ٢٦٣)، شرح صحيح البخاري لابن بطال (٤/ ٢٤٥ وما بعدها)، المنتقى شرح الموطأ (٢/ ٢٢٨ وما بعدها)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (١١/ ٢٢٦)، شمس العلوم (٩/ ٦٢١٦). وفي شمس العلوم (٩/ ٦٢١٦): "قال الفقهاء: المتمتّع: هو الذي يعتمر، فإِذا طاف وسعى لعُمرته حلَّ من إِحرامه، وتمتع بما لا يجوز للمفرِد والقارن أن يتمتع به من الطِّيْبِ والوَطءِ واللباس".
(٣) راجع: البحر المحيط (٢/ ٣٠٩)، (٤/ ٢٦٢).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ١٢٢)، (٣/ ٤١٩)، (٦/ ٢٠٧، ٢٩٨)، شرح الكافية الشافية =
[ ٢ / ٥٥٢ ]
في محلّ جَر بالإضَافَة.
وجوابُ "لمّا": "قَالَ". و"للنّاس" يتعَلّق بـ "قَالَ".
قوله: "مَن كَان مِنْكُم أهْدَى": "مَن" مُبتدأ، [مِن أدوات الشّرْط] (١)، وخبرهَا في فِعْلها على الخِلاف المتقَدّم. وجَوابُ الشّرط قوله: "فإنّه لا يَحِلُّ" مرفُوع؛ لأنّه خَبر "إنّ، لا جَوَاب "مَن". واسمُ "كَان": ضَمير "من"، وخَبرُها: "أهْدَى"، و"مِنْكُم" يتعَلّق بـ "أهْدَى". وتقَدّم الكَلامُ على "مَن" في الحديثِ العَاشر مِن أوّل الكتَاب.
قوله: "مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِي": "حَرُم" على وَزن "فَعُل"، مِن الأبنية اللازِمَة التي لا تتعَدّى إلى مفعُول (٢)، ففَاعِله ضَمير يعُود على "شيء" لأنّه في محلّ صِفَة، و"منه" يتعَلّق بـ "حَرُم". والضّمير في "منه" يعُود على "المحْرم"، أو على "شَيء". و"مِن" سَببية، أي: "حَرُم بسَببه"، أي: "بسَبَب إحْرَامه".
و"مِن شَيء" سَببية أيضًا، أو بمَعنى "اللام"، [أي] (٣): "حَرُم فِعْله لأجْل إحْرامه"، كقَوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ [البقرة: ١٩]، أي: "لأَجْل". (٤)
_________________
(١) = (٣/ ١٦٤٢ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٣٦٩)، الأصول في النحو (٢/ ١٥٧)، شرح التصريح (١/ ٧٠٠)، الكليات للكفوي (ص ٧٩٠)، الجنى الداني (ص ٥٩٤ وما بعدها)، حاشية الصبان (٢/ ٣٩١)، همع الهوامع (٢/ ٢٢٢).
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "مِن أسماء الشرط". والذي يظهر لي أن تكون: "وهي أداة للشّرط".
(٣) انظر: شرح التصريف للثمانيني (ص ٤٤٥)، شَذا العرف (ص ٢٣).
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "من".
(٥) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (١/ ١٤١)، شرح التسهيل (٣/ ١٣٤)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٢٩٥).
[ ٢ / ٥٥٣ ]
[قَوله] (١): "حتّى": حَرْفُ غَايَة، نَاصبَة للفِعْل المضَارع بإضْمَار "أنْ" (٢). و"يَقْضِيَ" فِعْل مُضَارَع، عَلامَة النّصْب فيه آخره. وتقَدّم الكَلامُ على "حتّى" في الحديثِ الثّاني مِن أوّل الكتَاب.
قوله: "ومَن لم يَكُن": "مَن" شَرْطيّة، في محلّ رَفْع بالابتدَاء. ويحتمل أنْ تكُون موصُولة أُشربَت معنى الشّرط.
و"لم" حرفُ جَزم، و"يكُن" فعْلُ مُضَارع مجزوم بـ "لم"، وعَلامة الجزم فيه سكون آخِره. والجمْلة في محلّ خبر "من"، أو في محلّ الصّلة.
وجملة "أهْدَى" في محلّ خَبر كَان.
قوله: "فليَطُف": "الفَاء" جَوابُ الشّرْط، و"اللام" لام الأمر، والفِعْلُ مجزومٌ بها. وتقَدّم الكَلامُ على "الفَاء" في السّادس مِن "الاستطابة"، و"لام الأمر" في الرّابع مِن الأوّل.
قوله: "بالبيت": يتعلّق بـ "يَطُف". وتقَدّم أنّ الألِف واللام في "البيت" للغَلبة، كهي في "المدينة" و"العَقبة". (٣) و"البَاء" للإلصَاق، وقيل: للتبعيض. و"بالصّفَا" معْطُوفٌ عَليه، و"المرْوَة" مَعْطُوف عَليه.
و"الصّفا" و"المروة": جَبَلا المسعَى. و"الصّفَا" في الأصل: جمعُ "صَفاة"، وهي
_________________
(١) بياض بالأصل بقَدْر كَلمة. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: الصّحاح (١/ ٢٤٦)، لسان العرب (٢/ ٢٣، ٢٤)، الكليات للكفوي (ص ٣٩٥، ٣٩٦)، مُغني اللبيب (ص ١٢٨ وما بعدها، ١٧٣ وما بعدها)، الجنى الداني (٣٦٧ وما بعدها، ٥٥٤، ٥٥٥)، شرح شُذور الذهب للجوجري (٢/ ٥٢٨).
(٣) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٣٣٨).
[ ٢ / ٥٥٤ ]
الصّخرة، والحجَر الأمْلَس. (١)
قوله: "وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ [بِالْحَجِّ] (٢)، وَلْيُهْد": معطُوفات مجزومَات بـ "لام الأمر".
وجَاء: ["فليُهِلّ"] (٣) مَضْمُوم الأوّل، مِن "أهَلّ" مُدْغَم، و"ليَحْلِل" مفتُوحُ الأوّل، مُفَكّك الآخر، وجَاء التفكيكُ فيهما، والكُلّ جَائز. (٤)
وعَلامَة الجزْم في قَوله "فليُهْد": حَذْفُ "اليَاء".
قوله: "فمَن لم يجد هَدْيًا": تقَدّم الكَلامُ على "وَجَد" في الثّاني مِن "باب الاستطابة"، وهي هُنا بمعنى "يُصِب"، مِن قولهم: "وَجَدتُ الضّالة" (٥). و"هَدْيًا" مفعُولٌ بها. والجزْمُ بـ "لم" لا بـ "مَن".
و"الفَاءُ" في قَوله: "فَليَصُم" جَوَابُ الشّرْط. و"اللام" لامُ الأمْر.
و"ثَلاثَة أيّام": ظَرْفٌ للصّوْم، مفْعُول على السّعَة، والتقدير: "فليَصُم زَمَن ثلاثة أيام".
ودَخَلَت "التاء" في "ثلاثة"؛ لأنها عَدَد مُذكّر، ويجُوز في الكَلام حَذفُ "التاء"
_________________
(١) انظر: النهاية لابن الأثير (٣/ ٤١).
(٢) سقط من النسخ.
(٣) كذا بالنسخ. وهو وارد في كتب الحديث، لكن في غير حديث الباب. والظاهر أنه مُراد الشيخ ابن فرحون بقوله: "وجاء"، ولتراجع الحاشية التالية.
(٤) فيجوز فيهما: "وليُهلّ"، و"وليُهلل" با لإدغام والفكّ، و"وليَحْلل" بالفكّ. كما يجوز: "وليحلّ" بالإدغام. وراجع: اللباب في علوم الكتاب (٧/ ١٨٠)، البخاري (٣١٧، ١٥٥٦، ١٧٨٦، ٥ ٤٣٩)، مُسلم (١٢١١/ ١١٣)، إرشاد الساري (٦/ ٤٣٣).
(٥) انظر: شرح التسهيل لابن مالك (٢/ ٧٩)، شرح التصريح (١/ ٣٦٥)، جامع الدروس العربية (١/ ٤٠).
[ ٢ / ٥٥٥ ]
إذا كان المميّز محذُوفًا، ومنه: "ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ" (١)، وحَكَى الكسائي: "صُمْنا مِن الشّهر خمسًا". (٢)
قوله: "في الحَجّ": أي: "في زَمَن الحَجّ". ويحتمل أنْ يتعَلّق بحَال مُقدّرة، أي: "واجبات" أو "كائنات في الحَج". ويحتمل أنْ يتعَلّق بـ "يَصُم".
قوله: "وسَبْعَة": يتوجّه في إعرابه النّصْب والجر، فالنّصْب بالعَطْف على "ثلاثة"، وهُو نظيرُ ما جَاء في الآيَة، ويجُوز فيه الجر على حِكَاية لَفْظ الآية. (٣)
قَال أبو حيّان في قَوله تعَالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]: المصْدَرُ مُضَافٌ للثّلاثة بعد الاتسَاع؛ لأنه لو بقي على الظّرفيّة لم تجُز الإضَافَة. (٤)
قوله: "إذا رَجع": هو حِكاية الآية. ويحتمل أنْ تكُون "إذا" هُنا لا شَرْطَ فيها، أي: "وَقْت رجُوعه". (٥)
فقيل: التقدير: "وَقْتَ رجُوعه [في] (٦) وَقْت الحَج"؛ فيجُوز على هَذا الصّوم قبل أنْ يُحرم بالحَجّ وبعْده.
_________________
(١) صحيحٌ: رواه مُسلم بنحوه (١١٦٤/ ٢٠٤)، وهو في سنن أبي داود (٢٤٣٣) بلفظه، من حديث أبي أيوب، وصحّحه الألباني في "صحيح أبي داود" (٢١٠٢).
(٢) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٦٧، ٥١٧)، (٧/ ٣٨٣)، كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي (٤/ ٤٠١)، شرح الشذور للجوجري (٢/ ٨٥٢)، توضيح المقاصد (٣/ ١٣١٨)، الصحاح (٥/ ٢٠٨٩)، لسان العرب (١٣/ ٨١).
(٣) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٦٧، ٥١٧)، (٧/ ٣٨٣).
(٤) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٦٥).
(٥) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٦٧).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٥٥٦ ]
وقيل: "في وَقْتِ أفْعَال [الحَج"] (١)؛ فَلا يجُوزُ إلّا بعْد الإحْرَام.
قَالَ أبو حيّان: والأوّل أوْلى؛ لقِلَّة الحَذْف. (٢)
وقيل: "في مَكَان الحَج"؛ فيجُوز مَا دَام بمَكّة، وإنْ لم يكُن في أشْهُر الحَج. (٣)
وعلى ما تقَدّم في "إذا" أنّها ظَرْف بمَعنى الوَقْت؛ فالعَامِلُ فيها: "فليَصُم"، يُقَال: يَلزَم عَليه تعَدّي العَامِل إلى ظَرْفي زَمَان؛ لأنّ ذَلك يجُوز مع العَطْف والبَدَل، وقد عطف بـ "الوَاو" شَيئين على شَيئين، كما في الآية؛ عطف "سبعة أيام" على "ثلاثة أيام"، وعطف "إذا" على الوقت المقَدّر في "الحج"، أي: "فليصُم ثلاثة أيام في وقت الحج وسبعة في وقت الرجُوع". ومثاله قولك: "أكرَمتُ زَيدًا يومَ الخميس وعمرا يوم الجمعة". (٤)
قوله: "إلى أهْلِه": يتعلّق بـ "رَجَع". وتقَدّم أنّ "رَجَع" [يجيء] (٥) لازِمًا ومُتعَدّيًا، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٨٣]، ومصدره:
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٦٦).
(٣) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٦٦). وقد حصل هنا من الشيخ ابن فرحون خلط وذهول عن مراد أبي حيان، فكلام أبي حيان وارد في تفسير قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، حيث قَدّر المحذوف فيه "زمانًا". وبعد هذا نجد أبا حيّان قد صرّح بعدها (٢/ ٢٦٧، ٢٦٨) بالمراد من قوله تعالى: "إذا رجعتم"، وأنه اختلف فيه، فمنهم من قال: الرجوع للأوطان أو الأمصار، ومنهم من قال: بعد الفراغ من أعمال الحج، سواء بمكة لمن بقي أو بالطريق، ومنهم من قال: لا بأس بصومها إذا رجع من منى.
(٤) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٦٧).
(٥) بالنسخ: "تجيء".
[ ٢ / ٥٥٧ ]
"رَجْعًا"، ومصدرُ اللازم: "رجُوعًا". (١)
قوله: "فطَاف رسُولُ الله - ﷺ -": هذا معطوفٌ على قوله: " [وبَدَأ] (٢) رَسُولُ الله فأهَلّ بالعُمرة، ثُمّ أهَلّ بالحَجّ. . . فَلَمّا قَدِمَ - أي مَكّة - قَالَ للنّاس كَذا"؛ فـ "طَاف" معطُوفٌ على "قَالَ".
قوله: "حين": ظَرفُ زَمَان، العَامِل فيها: "طَاف". وتقَدّم الكَلامُ على "حين" وحُكمها مع الإضَافة في الرّابع من "كتاب الصّلاة"، وفي الخامس من "صِفة الصّلاة". و"مَكّة": مفعُولٌ على السّعَة، أي: "إلى مَكّة".
قوله: "واستَلَم الرّكْنَ": تقَدّم معنى الاستلام وتفسيره قريبًا في "كتاب الحَج". و"أوّل" ظَرفُ زَمَان، العَامِلُ فيه "استَلم"، والتقديرُ: "أوّل شَيءٍ مِن أفعَال الطّوَاف".
قوله: "ثم خَبّ": تقَدّم قريبًا مَعنى "الخبب". و"ثلاثة أطْوَاف" منصوبٌ على المصْدَر، والعَامِلُ فيه: "خَبّ".
قوله: "من السّبع": "مِن" للتبعيض، والألف واللام في "السّبع" للعَهد، أي: "مِن السّبع الطّوْفات".
قوله: "ومَشَى أرْبَعَة": أي: "أربَعَة أطْوَاف"، فتُنصَب على المصْدَر، والعَامِلُ: "مَشَى"، والفِعْلُ اللازم والمتعَدّي يتعَدّيان إلى المصْدَر وإلى الظرْف (٣).
قوله: "ورَكَع، حين قضى طَوافه، بالبيت، عند المقَام، رَكعَتين": تقَدّم مثل هَذا؛
_________________
(١) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٣٠٣)، الإعلام لابن الملقن (١٠/ ٢٩٤)، تاج العروس (٢١/ ٦٥، ٦٦)، أسرار العربية (١٥٢)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (٢/ ٦٨١)، أمالي ابن الحاجب (١/ ٣٦١).
(٢) بالنسخ: "فبدأ".
(٣) انظر: البحر المحيط (٢/ ١٤٨)، المقتضب للمبرد (٤/ ٣٣٥)، شرح المفصل لابن يعيش (١/ ٣٠٨)، (٤/ ٣٠٤).
[ ٢ / ٥٥٨ ]
فـ "ركعتين" مصْدَر "رَكَع"؛ لأنّ المصْدَر اسمُ الفِعْل أو عَدَده أو ما قَام مقامه أو مَا أُضيف إليه، وهذا عَدَدُ المصْدَر، وعَدَدُ المصْدَر مصْدَر. (١)
قوله: "عنْد المقَام": ظَرْفٌ ومخفُوضٌ به، والعَامِلُ في "عند": "رَكَع".
قوله: "ثُم سَلّم، فانصَرَف، فأتَى الصَّفَا": كُلّها معْطُوفَات.
و"البَاءُ" في قوله: "بالصّفَا" ظرْفيّة. و"سَبْعَة أطْوَاف" مَصْدَر.
قوله: "ثُم لم يحلِل مِن شَيءٍ حَرُم [منه] (٢) ": تقَدّم إعرابُ مثله.
"وفَعَل مثْل مَا فَعَل": "مِثْل" هُنا مفعُولٌ به.
و"مَا" موصُولَة بمعنى "الذي"، وصِلَتها "فَعَل" الثّانية. ويحتمل أن تكُون مَصْدَريّة، أي: "وفَعَل فِعْل رَسُول الله مَن أهْدَى".
أو تكُون "مثل" هُنا زَائدة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] (٣)؛ وتكُون "مَا" مَع صِلتها مفعُولُ "فَعَل"، والفَاعِلُ: "مَن أهْدَى". وتقَدّم المفْعُول على الفَاعِل هُنا مِن بَاب الجَوَاز (٤).
و"مِثْل" إذَا أُضيف إلى "أنّ" أو "إنّ" أو "مَا" جَاز بناؤها؛ فيحتمل أن تكُون الحرَكَة في "مثل" حَرَكَة إعرَاب، ويحتمل أن تكُون حَرَكَة بِنَاء، وعلى كِلا التقديرين
_________________
(١) انظر: تفسير ابن عرفة (١/ ٨٥)، إرشاد الساري للقسطلاني (١/ ٣٢٨)، شرح التسهيل (٢/ ١٧٨)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٦٥٦)، شرح ابن عقيل (٢/ ١٦٩)، المقدمة الجزولية (١/ ٨٥)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٦٤٤)، حاشية الصبان (٢/ ١٦١، ١٦٤)، جامع الدروس العربية (٣/ ٣٢).
(٢) بالنسخ: "عليه".
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٦٥٢)، مغني اللبيب (ص ٢٣٧، ٢٣٨). وراجع: شواهد التوضيح (ص ٢٥٦)، عقود الزبرجد (٢/ ١٥٥)، شرح التصريح (١/ ٦٥٥)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ٤٤٨).
(٤) انظر: شرح التسهيل (١/ ١٦١، ١٦٢)، شرح الأشموني (١/ ٤٠٢).
[ ٢ / ٥٥٩ ]
فهو مفعُول "مَا" لفظًا أو محلًّا. وقد تقَدّم ذِكْر "مثل" إذا أضيفَت إلى مَبني. (١)
قوله: "فسَاقَ الهَدْي": معْطُوفٌ على "أهْدَى"، و"مِن النّاس" يتعلّق بـ "سَاقَ".
الحديث الثّالث:
[٢٢٩]: عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا مِنْ الْعُمْرَةِ وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ فَقَالَ: "إنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي؛ فَلا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ" (٢).
قوله: "أنّها قَالَت": فُتحَت "أنّ" لأنّها معمُولة لمتعَلّق حَرْف الجر، أي: "رُوي أنّها قَالَت". وجملة "يا رَسُولَ الله" معْمُولَة للقَوْل.
و"مَا شَأنُ" مُبتدأ وخَبرُ، المبتدأ: "مَا"، والخبرُ: "شَأنُ". وجمعُ "شَأن": "شُؤون"، قاله ابنُ الأثير (٣).
وجملة "حَلّوا" في محلّ الحَال مِن "النّاس"، والحَالُ تجيءُ مِن [المضَاف إليه] (٤) إنْ كَان بين المضَاف والمضَاف إليه مُلابَسَة، نحو قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (٥) [البقرة: ١٣٥]. (١)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ١٠٤)، (٦/ ٢٠٠)، الكتاب (٣/ ١٤٠)، شرح التسهيل (٣/ ٣٥، ٢٦٢)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٩٢٢)، الأصول لابن السراج (١/ ٢٧٥)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٩٢، ٩٣، ١٠٧)، مغني اللبيب (ص ٦٧١)، شرح المفصل (٢/ ٢٨٧)، همع الهوامع (٢/ ٢٣٤).
(٢) رواه البخاري (١٥٦٦) في الحج، ومسلم (١٢٢٩) في الحج.
(٣) انظر: النهاية لابن الأثير (٢/ ٤٣٧).
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "المضاف".
(٥) تكررت في مواضع أخرى، فهي في سُور [آل عمران: ٩٥]، و[النساء: ١٢٥]، و[الأنعام: ١٦١]، و[النحل: ١٢٣].
[ ٢ / ٥٦٠ ]
و"الشّأنُ": "الحَالُ" (٢)، و"الحالُ" يُعبّر به عَن الشَّخص نفسه، يُقَال: "ما شَأنك مع فلان؟ "، أي: "ما بينكما مِن الملابَسَة؟ ".
والفِعْلُ من "شَأْن": "فَعَلَ"، كـ "ضَرَبَ"، يُقَال: "لأشأننّ شأنهم"، أي: "لأفْسِدنّ أمرهم"، ويُقال: "اشأن شأنك"، أي: "اعمل ما تحسنه"، و"شأنتُ شأنه" أي: "قصدتُ قصده"، و"ما شأنتُ شأنه" أي: "لم أكترِث لَه". (٣)
وقد تقَدّم ذِكْر المواضِع التي يأتي فيها الحَال من المضَافِ إليه في أوّل حَديثٍ من "باب الجمعَة".
[والعَامِلُ] (٤) في الحَال: معنى الإضَافَة، أو مَا في "الشّأن" مِن مَعْنى الفِعْل.
قوله: "مِن العُمْرَة": يتعلّق بـ "حَلّوا". و"حَلّ" ثُلاثي، وقد قُرئ: "فَإذَا أحْلَلْتُم فَاصْطَادُوا" (٥)، وهِي لُغَة (٦).
قوله: "ولم تحلّ أنْت": يحتمل أنْ تكون "أنت" تأكيدًا لفَاعِل "تحلّ". ويحتمل أن تكُون مُبتدأ، والخبرُ في قوله "لم [تحلّ] (٧) "، والتقديرُ: "وأنْت لم تحلّ". والجمْلَة في محلّ الحَال مِن الضّمير في "حَلّوا".
وجاءت جملة الفِعْل المضَارع حَالًا بـ "الواو" وحْدَها، ومتى جاءَت الحال
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٦٤٦)، عقود الزبرجد (٢/ ٣٦١)، شرح التسهيل (٢/ ٣٤٢)، شرح الأشموني (٢/ ٢١)، أوضح المسالك (٢/ ٢٦٩)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٣١٦، ٣٢١)، الهمع (٢/ ٣٠٥، ٣٠٦).
(٢) انظر: لسان العرب (١٣/ ٢٣٠).
(٣) انظر: الصّحاح (٥/ ٢١٤٢)، لسان العَرب (١٣/ ٢٣٠).
(٤) في (ب): "والفَاعِل".
(٥) سورة [المائدة: ٢]. وانظر في القراءة: الكشاف (١/ ٦٠٢).
(٦) انظر: اللباب لابن عادل (٧/ ١٨٠)، تفسير البيضاوي (٢/ ١١٤).
(٧) بالأصل: "يحلّ".
[ ٢ / ٥٦١ ]
مُضَارعًا بـ "الواو"؛ فالجُمْلَة اسمية (١)، أي: "وأنْت لم تحلّ". فإنْ قَدّرْت الجملَة خَبرًا عن "أنت" لم تحتَج إلى تقْدير. وإن جَعَلت "أنْت" تأكيدًا قُدّر فيه: "وأنْت لم تحلّ أنْت".
و"مِن عُمْرَتك" يتعلّق بـ "تحلّ". وقيل: "مِن" هُنا بمعنى "الباء"، أي: "ولم تحلّ أنت بعُمرتك"، كقوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، أي: "بطَرْف". (٢)
قوله: "فقَالَ": فاعلُه: ضَميرُ "النبي - ﷺ -". وجملة "إني لبّدتُ رَأسي" مُستأنَفَة؛ ولذلك كُسِرَت بعْد القَول؛ لأنّ القَوْلَ يقتَضي أنْ يكُون مَا بعْدَه مُستأنَفًا. (٣)
قوله: "وقَلّدتُ هَدْيي": معطُوفٌ على "لبّدت"؛ فيكُون محلّها خبرًا؛ لأنّ المعطوفَ على الخبر خَبرٌ (٤).
قوله: "فلا أحِلّ": "لا" نافية، "أحِلّ" فِعْل مُضَارع مَرفُوع بالضّمة، و"الفَاء" سَببية.
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٣/ ٤٦٥)، عقود الزبرجد للسيوطي (٢/ ٤٥٨)، شرح التسهيل (٢/ ٣٥٩، ٣٦١)، الجنى الداني (ص ١٦٤)، شرح الأشموني (٢/ ٣٦)، شرح المفصل لابن يعيش (٢/ ٢٤ وما بعدها، ٣٠).
(٢) انظر: شرح التسهيل (٣/ ١٣٧)، مُغني اللبيب لابن هشام (ص ٤٢٣)، الجنى الداني (ص ٣١٤)، همع الهوامع (٢/ ٤٦٢).
(٣) راجع: البحر المحيط (٣/ ١٦٩).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ١٠٤)، (٢/ ٧٤٤)، شرح التسهيل لابن مالك (١/ ٣٨٥)، شرح الأشموني (١/ ٢١٦)، شرح الكافية الشافية (١/ ٦١، ٤٢٦)، شرح التصريح (١/ ٤٥٥)، همع الهوامع للسيوطي (٣/ ١٣٥).
[ ٢ / ٥٦٢ ]
و"حَتى" حَرفُ غَاية ونَصْب (١)، يتعلّق بـ "أحِلّ"، وتقَدّم الكَلامُ عليها في ثاني حَديثٍ مِن الأوّل.
قال الشّيخُ تقيّ الدِّين: قوله: "مِن عُمْرَتك": قيل: "مِن" بمَعنى "البَاء"، أي: "تحلّ بعُمْرَتك"، وهَذا بناء على أنّه - ﷺ - كَان قَارِنًا (٢)، وأما لو كَان مُتمتّعًا لكَانت على بابها - يعني: لابتداء الغَايَة - لأنّ معْنى "حَلَلْت": "خَرَجْت" (٣)، فهِي كقَوْلك: "خَرَجْتُ من المسْجِد".
_________________
(١) انظر: همع الهوامع (٢/ ٣٨١).
(٢) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٧٩).
(٣) راجع: القاموس المحيط (ص ٩٦٨)، مختار الصحاح (ص ٧٩).
[ ٢ / ٥٦٣ ]
الحديث الرّابِع:
[٢٣٠]: عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: "أُنْزِلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. فَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَلَمْ يَنْزِلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهَا، وَلمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ. قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ" (١). (٢)
وَلِمُسْلِمٍ: "نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتعَةِ - يَعْنِي مُتْعَةَ الْحَجِّ - وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، ثُمَّ لَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ آيَةَ مُتْعَةِ الْحَجِّ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى مَاتَ" (٣). وَلَهُمَا بِمَعْنَاهُ.
_________________
(١) قوله: "قَالَ: أُنزِلَت": في محلّ رَفْع بالفِعْل الذي تعَلّق به حَرْف الجر، أي: "ورُوي عَن عِمران بن حصين أنّه قَالَ". وجملة "أُنزِلَت" معمُولُ القَوْل. و"آيَة" مفْعُول لما لم يُسَمّ فَاعِله لـ "أُنزِلَت". قوله: "في كتابِ الله": يعني: "لم ينزل هَذَا الحُكْم إلّا مُتَواترًا ثابتًا في كتابِ الله"؛ فيتعَلّق حَرْف الجر بـ "أُنزِلَت". قوله: "ففَعلنَاهَا": بمَعنى أنّها لم تُنسَخ، والعَامِلُ في "مَع": "فَعَلنَاهَا". والمعيّة هُنا تحتمل وَجْهَين: الموافَقَة في الفِعْل، أو الموافَقَة في الزّمَن وإن لم يفعَلها النبي - ﷺ - معهم، بل فَعَلوها في حَضْرته. ويحتمل أنْ [تكُون "مَع"] (٤) في محلّ حَال، أي:
(٢) رواه البخاري (٤٥١٨) في التسفير، (١٥٧١) في الحج.
(٣) بعدها زيادة موجودة بكُل نُسَخ "العُمدة" التي بين أيدينا بعد قوله: "قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ"، وهي قوله: "قَالَ الْبُخَارِيُّ: يُقَالُ: إنَّهُ عُمَرُ"، وسيشير ابن فرحون لرواية البخاري. وراجع: العمدة (ط الثقافة، ص ١٦٣)، والعمدة (ط المعارف، ص ١١٧)، وإحكام الأحكام (٢/ ٧٩)، والإعلام لابن الملقن (٦/ ٢٦٦)، وتيسير العلام للبسام (ص ٤٠٣).
(٤) رواه مسلم (١٢٢٦) (١٧٢) في الحج.
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٥٦٤ ]
"فعلناها مُصَاحبين".
قوله: "ولم ينزل قُرآن يحرّمها": يحتمل أن تكون الجملة في محلّ حَال من ضَمير المفعُول في "فعلناها"، وتقَدّم الكَلامُ على الحَال المصحُوبة بـ "لم"، وأنّ إثبَاتَ "الواو" مَع "لم" فَصيحٌ جَائِز، ومنَعَه بعضهم، ومِن ذلك قَوله تعَالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦]. (١) ويحتمل أنْ تكُون مُستَأنفَة.
قوله: "يحرّمها": في محلّ صِفَة لـ "قُرْآن". ويحتمل أن تكُون الجمْلَة مُعترضة، لا محلّ لها.
قوله: "حتى مَات": يتعلّق بـ "يَنْه". وتقَدّم الكَلامُ على "لم"، وعَلامة الجزم حَذفُ "الألف". وتقَدّم الكَلام على "عَن" في الثّالث مِن "باب الصّفوف". و"حتّى مَات": "حتّى" حَرْفُ ابتداء. و"مَات" فِعْل مَاض، تقَدّم الكَلامُ عليه، أصله "مَوَتَ"، تحرّكت "الواو" وانفتح ما قبلها؛ فانقَلَبت ألِفًا (٢).
قوله: "قَالَ رَجُلٌ برأيه": يحتمل أنْ يكُون الكَلامُ تَمّ عند قوله: "ولم يَنْه عنها"، ثم [ابتدأ مُتعلّق] (٣) لـ "حَتى" محذُوف معْطُوف على "لم يَنْه"، أي: "فلم يَنْه عَنها، ولم يقُل أحَدٌ فيها برَأيه حتّى مَاتَ قَالَ رَجُلٌ برَأيه". ويحتمل أنْ تكُون "حتّى" مُتعَلّقة بـ "يَنْه"، أي: "فلَم يَنْه عنها حَتى مَات، وبعد مَوته قَال فيها رجُلٌ برَأيه"؛ فتكُون
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٣/ ٤٦٥)، عقود الزبرجد (٢/ ٤٥٨)، اللمحة (١/ ٣٩٣، ٣٩٤)، شرح التسهيل (٢/ ٣٥٩، ٣٦١)، الجنى الداني (ص ١٦٤)، شرح الأشموني (٢/ ٣٦)، شرح المفصل (٢/ ٢٤ وما بعدها، ٣٠).
(٢) انظر: الكتاب (٤/ ٢٣٨)، المنصف لابن جني (ص ١٩٠)، الممتع الكبير في التصريف (ص ٢٨٧)، ضياء السالك (٤/ ٣٩٢ وما بعدها).
(٣) كذا بالنسخ.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
"بعْد" معمُولة لـ "قَالَ"، وهَذا هو الذي يَظهر مِن رواية "مُسْلم" بعْد هَذا.
والرّجُلُ المشَار إليه: "عُمَر بن الخطّاب" - ﵁ -، كما ذُكر عَن "البخَاري" (١).
قوله: "مَا شَاء": مَوصُولَة بمَعنَى "الذي"، والعَائِدُ محذُوفٌ"، أي: "شاءه". ومتى كَان العَائدُ ضَميرًا منْصُوبًا مُتّصلًا بالفِعْل ليس في الصِّلة ضَمير غيره جَاز حَذفه وإثباته (٢). وتقَدّم الكَلامُ على "شَاء" في الحديثِ الثّالث مِن "الإمَامَة". ويحتمل أنْ تكُون (٣) موصُوفة، ومحلّها مع صِلَتها أو صِفَتها مفْعُول بالقَول، أي: "قَالَ كَلَامًا شَاءَه"، أو "الذي شَاءَه".
قوله: "ولمسْلم": أي: "ورُوي لمسْلم"، أو: "جَاءَ لمسْلم".
و"نَزَلَت" إلى آخِر الكَلَام في محَلّ رَفْع، إمّا بـ "جَاء" أو بـ "رُوي" حَسب مَا تقَدّر لمتعَلّق حَرْف الجَر.
و"آيَة" فَاعِل "نَزَلت"، و"المتْعَة" مُضافٌ إليه.
وجملة "يعني: مُتْعَة الحَج" مُعترضَة؛ لتخرُج "مُتعَة النّساء". وهَذا التفسيرُ يحتمل أنْ يكُون مِن الرّاوي عَن "عِمران".
قوله: "وأمَرَنا بها رَسُولُ الله - ﷺ -": معْطُوفٌ على قوله في الحديث: "ففَعَلنَاهَا". و"أمَر" يتعَدّى إلى المفعُول الثّاني بحَرْف الجر، وقَد يتعَدّى إليه بنفْسه (٤)،
_________________
(١) صحيحُ البخاري (١٧٩٥)، من حديث أبي موسى.
(٢) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١)، الإعلام لابن الملقن (١/ ١٩٦)، عُقود الزبرجَد (٢/ ١٦٥)، شرح الكافية الشافية (١/ ٢٩٠)، توضيح المقاصد (١/ ٤٥٣)، شرح التصريح (٢/ ٤٣٦)، شرح المفصل (٢/ ٣٩١)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٥).
(٣) أي: "ما".
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٩٣، ٢٩٤، ٤٠٣، ٤٥٦)، (٢/ ٣٤٣)، (٦/ ١١٢)، (٩/ ٤٣٨)، الكتاب (١/ ٣٧، ٣٨)، الأصول في النحو (١/ ١٧٧ وما بعدها)، نتائج =
[ ٢ / ٥٦٦ ]
وتقَدّم الكَلامُ على "أمَر" في الأوّل مِن "باب السّواك".
قوله: "ثُمّ لم تنزل آيَة تنسخ آيَة مُتْعَة الحَج": جملَة "تنسخ" في محلّ صِفَة لـ "آيَة".
و"النّسخُ": رَفْعُ الحُكم الثّابت بالخطَاب المتقَدّم على وَجْه لولاه لكَان ثابتًا، مَع تَراخِيه عنه، من قَولهم: "نَسَخَت الشّمْسُ الظِّلَ". (١)
قوله: "ولهما بمَعْنَاه": يعني: "للبُخَاري ولمُسْلِم". ويتعَلّق "لهما" بخَبر عَن مُبتَدأ مُقَدّر، أي: "ولهما لَفْظ"، و"بمَعْنَاه" يتعَلّق بصِفَةٍ للَفْظ محذُوف.
***
_________________
(١) = الفكر (ص ٢٥٥، ٢٥٩، ٢٦٠)، المفصل (ص ٣٤٢)، شواهد التوضيح (ص ٢٥٣)، توضيح المقاصد (١/ ٥٧٣)، شرح ابن عقيل (٢/ ٦٧ وما بعدها)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٧١٢، ٧١٣)، شرح المفصل (٤/ ٥١٤ وما بعدها)، اللمحة (١/ ٣٢٥ وما بعدها)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٤٧٧)، المقتضب (٢/ ٣٥ وما بعدها، ٣٢١)، الهمع (٣/ ١٣ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٩٣ وما بعدها).
(٢) انظر: تفسير ابن عطية (١/ ١٩٠)، تفسير الثعالبي (١/ ٢٩٢)، البحر المحيط (١/ ٥٤٠)، المنتقى شرح الموطأ (٥/ ٢٢١)، مرعاة المفاتيح (١/ ٢٩٦، ٢٩٧)، شرح الورقات في أصول الفقه لجلال الدين المحلي (ص ١٥٨، ١٥٩)، إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٥٠ وما بعدها)، الصحاح (١/ ٤٣٣)، التعريفات للجرجاني (ص ٢٤٠)، الكليات للكفوي (ص ٨٩٢)، كشاف اصطلاحات الفنون (٢/ ١٦٩٢).
[ ٢ / ٥٦٧ ]
باب الهَدْي
الحديث الأوّل:
[٢٣١]: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: "فتَلْتُ قَلائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ [أَشْعَرهَا] (١)، وَقَلَّدَهَا - أَوْ قَلَّدْتُهَا - ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إلَى الْبَيْتِ. وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِلًّا" (٢).
قوله: "فتلتُ قَلائِد": أي: "أنها قَالَت. . .". وجملة "فتَلتُ" معْمُولَة للقَول. و"قَلائِد": جمعُ "قِلادَة"، وهو لا ينصرف؛ لأنّه على صيغة مُنتهى الجموع، وبالإضَافة انصَرَف (٣).
و"الهَدْي": "اسمٌ لما يُهْدَى للحَرَم"، يخَفّف ويُثَقّل؛ يُقَال: "هَدْي" و"هَدِيّ"، كـ "فَلْس" و"عَلِيّ". (٤)
قَالَ الجوهري: [الوَاحِدة] (٥): "هَدْيَة" و"هَدِيّة" بسكُون "الدّال" وكَسرها. (٦)
قَال ابنُ عَطيّة: يحتمل أنْ يكُون "الهَدْي" مَصْدرًا يُسَمّى به، كـ "الرّهْن" ونحوه؛ فيقَع للأَفرَاد والجَمْع. وقَالَ أبو عَمرو بن العَلاء: لا أعْرِفُ لهذه اللفظَة
_________________
(١) في بعض نُسَخ العُمدة: "أشعرتها".
(٢) رواه البخاري (١٦٩٩) في الحج، ومسلم (١٣٢١) (٣٦٢) في الحج.
(٣) انظر: الكتاب (١/ ٢٢)، (٣/ ٢٢١)، شرح الكافية الشافية (١/ ١٧٩)، أسرار العربية (ص ٥٥، ٢٢٥)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٧٢، ٥٢١)، شرح التسهيل (١/ ٤١)، شرح القطر (ص ٥٢)، المفصل (ص ٣٥)، شرح المفصل (١/ ١٦٦)، (٣/ ١٤٧)، الهمع (١/ ٩٢)، النحو المصفى (ص ٤٧).
(٤) انظر: الإعلام لابن الملقن (٦/ ٢٦٩)، الصحاح للجوهري (٦/ ٢٥٣٣)، المصباح (٢/ ٦٣٦)، مختار الصحاح (ص ٣٢٥).
(٥) بالأصل: "الواحد". والمثبت من (ب).
(٦) انظر: الصّحاح للجوهري (٦/ ٢٥٣٣).
[ ٢ / ٥٦٨ ]
[نظيرًا] (١). (٢)
قوله: "ثم أشْعَرَهَا": أي: "جَعَلَ لها شِعَارًا"، وهُو أنْ تُطعَن في [شِقّ] (٣) سنامها الأيمَن أو الأيسَر حتى يَسيل [مِنْه] (٤) دَم؛ ليُعْلَم أنّه هَدْي. (٥)
قوله: "أو قَلّدتها": يحتمل أنْ تكُون "أو" بمَعنى "الواو"، أي: "وقَلّدتها". ويحتمل أنْ تكُون "أو" للشّك، هَل وَقَع منه - ﷺ - تقليد في تلك المرّة أو لا؟
ويحتمل أن يكُون الشّكّ من الرّاوي، فلما حَكَى حديثها شَكّ، وأسْنَد إليها بـ "تاء" التّأنيث؛ فقَال: "أو قَلّدَتْهَا"، بضَمير مُستتر يعُود عليها. والرّوايةُ تأبى ذَلك.
قوله: "ثُمَّ بَعَث بهَا": أي: "بَعَثَ بها إلى الهَدْى". وأنّث؛ لأنّه أرَادَ عَدَد جماعَة منْهَا.
[قَوله] (٦): "إلى البَيْت": [جعل] (٧) البَعْث بها إلى "البيت" كالآيَة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]؛ لأنّ الحرَم مُعَظّم لتعظيم البيت،
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "معنى".
(٢) انظر: تفسير ابن عطية (١/ ٢٦٧)، البحر المحيط لأبي حيان (٢/ ٢٣٣)، الإعلام لابن الملقن (٦/ ٢٦٩).
(٣) بالنسخ: "منق".
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "منها". وراجع: طلبة الطلبة (ص ٣٦)، وما يأتي من مصادر.
(٥) انظر: تفسير القرطبي (٦/ ٣٨)، شرح النووي (٨/ ٢٢٨)، المنتقى شرح الموطأ (٢/ ٣١٣)، الإعلام لابن الملقن (٦، ٢٧١ وما بعدها)، مرعاة المفاتيح (٩/ ١٩٦)، كشف المشكل من حديث الصحيحين (٢/ ٤٦٧، ٤٦٨)، تفسير غريب ما في الصحيحين (ص ٥٠٥)، الصحاح (٢/ ٦٩٩)، لسان العرب (٤/ ٤١٣).
(٦) بموضعها بياض بالأصْل. والمثبت من (ب).
(٧) كذا يظهر لي بالأصل. وفي (ب): "حمل".
[ ٢ / ٥٦٩ ]
ومحرّم لتحريم البيت. أو يكُون في الكَلام حَذْف، والمرادُ: "ثُم بَعَث بها إلى حَرَم البيت". (١)
وقَالَ مَالِك في قوله تعالى: ﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]: المعنى: أنّ البعْث إلى البيت، ثُم أَخَّرَ الفِعْلَ فيها إلى طَوَاف الإفَاضَة بالبيت. فـ "البيت" على هَذا مُرَادٌ بنفسه. (٢)
قوله: "وأقَامَ بالمدِينَة": معْطُوفٌ على "بَعَثَ بها".
قوله: "فما حَرُم عليه شَيءٌ كَان له حِلًّا": "مَا" نافية، و"عَليه" يتعَلّق بـ "حَرُم"، و"شَيءٌ" فَاعِلُ "حَرُم". وجملة "كَان" مع اسمها وخبرها في محلّ صِفَة لـ "شيء". وخَبرُ "كَانَ": "حِلًّا"، واسمُها ضَميرٌ يعُود على "شَيء".
و"لَه": يتعلّق بصِفَة لـ "حِلّ"، تقَدّم؛ فانتَصَب على الحَال. أو يتعَلّق بـ "كَان" عند مَن أجَاز تعلّق الفَضلات بالأفْعَال النّاقِصَة (٣).
و"حِلٌّ" بمَعنَى "حَلَال". قَالَ في "الصّحَاح": يُقَال: "رَجُلٌ حِلّ من الإحْرَام" أي: "حَلَالٌ". ويُقَال: "أنْتَ حِرْمٌ" و"أنْت حِلٌّ" بمَعنى "حَلَال" و"حَرَام". و"حَلّ الهَدْي"، "يحلّ"، "حِلّة" و"حُلُولًا"، أي: "بَلَغ الموضِعَ الذي يحِلُّ فيه نَحْره". (٤)
_________________
(١) راجع: البحر المحيط (٧/ ٥٠٧).
(٢) انظر: موطأ مالك (١/ ٣٦٩، ٣٧٠/ برقم ١٢٠). وراجع: تفسير ابن عطية (٤/ ١٢١)، البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٥٠٧).
(٣) انظر: اللمحة (٢/ ٥٧٧)، شرح ابن عقيل (١/ ٢٧٦)، الخصائص (١/ ١٩٨)، (٢/ ٢٧٦)، الهمع (١/ ٤٩٠).
(٤) انظر: الصّحاح (٤/ ١٦٧٣، ١٦٧٤).
[ ٢ / ٥٧٠ ]
الحدِيث الثّانِي:
[٢٣٢]: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: "أَهْدَى النّبِيّ - ﷺ - مَرَّةً غَنَمًا" (١)
قوله: "مَرّةً": يقَع مَصْدَرًا وظَرْفًا.
قَالَ أبو البَقَاء: "المرّة" في الأصْل مَصْدَر من "مَرّ" "يمُرّ"، ثُم استُعمِل ظَرفًا اتسَاعًا. وهذا يدُلّ على قُوّة شبه الزّمَان بالفِعْل. (٢)
ولا يكُون المرَادُ بـ "المرّة": "الفِعْل"، أي: "أهْدَى هَدْيًا"، إنّما المرَادُ "المُهْدَى مِن الغَنَم مَرّة". (٣) وقد تقَدّم.
قوله: "غَنمًا": "الغَنَم": اسمٌ مُؤنّث موضُوع للجنس، يقَع على الذّكُور والإنَاث، وعليهما جميعًا. وإذا صَغّرتها ألحَقتَها "الهَاء"؛ فقُلت: "غُنيمة"؛ لأنّ أسماءَ الجمُوع لا واحِد لها مِن لَفْظِها إذا كَانت لغَير الآدميين فالتّأنيثُ لها لازِم؛ يُقَال: "له خمسٌ مِن الغَنَم ذُكُور"، فيُؤَنّث العَدَد وإنْ عَنَيتَ "الكِبَاش"؛ لأنّ العَدَد يجري في تذكيره وتأنيثه على اللفْظ، لا على المعنى. (٤)
_________________
(١) رواه البخاري (١٧٠١) في الحج، ومسلم (١٣٢١) (٣٦٧) في الحج.
(٢) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٥٢٢).
(٣) راجع: البحر المحيط (٤/ ٥٨٧)، اللباب في علوم الكتاب (٨/ ٢٩٣).
(٤) انظر: الكتاب لسيبويه (٣/ ٥٦٢)، الصّحاح (٥/ ١٩٩٩)، المقتضب (٢/ ١٨٦)، كتاب العَدَد في اللغة لابن سيده (ص ٤٦)، لسان العرب (١٢/ ٤٤٥).
[ ٢ / ٥٧١ ]
الحدِيث الثّالِث:
[٢٣٣]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: "ارْكَبْهَا". قَالَ: إنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ: "ارْكَبْهَا".
فَرَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا، يُسَايِرُ النَّبِيَّ - ﷺ -.
وَفِي لَفْظٍ: قَالَ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ: "وَيْلَكَ"، أَوْ: "وَيْحَكَ" (١).
قال الشّيخُ تقيّ الدِّين: كَلمَة "وَيْلَك" تُستعْمَل في التغليظ على المخَاطَب. وفيها ههُنا وَجْهان: -
أحدهما: أنْ تجري على هَذا المعنى، وإنما استحَقّ صاحِبُ البَدَنة ذلك لمرَاجَعَته وتأخّر امتِثَاله لأمْر الرّسُول - ﷺ -؛ لقَول الرّاوي: "في الثّانية أو الثّالثة".
والثاني: أنْ لا يُراد بها موضُوعها الأصْلي؛ ويكُون مما جَرَى على لسَان العَرَب في المخَاطَبَة مِن غَير قَصْد (٢)، كما قيل في قَوله - ﵇ -: "تَرِبَتْ يَمِينُكِ" (٣)، و"أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ" (٤)، وكما في قول العَرَب: "وَيْلَه" ونحوه. (٥)
[قَالَ ابنُ الأثير: "الوَيْلُ": "الحُزْنُ"] (٦) و"الهَلَاك" و"المشَقّة". وقَد يَقَع "الوَيْل" بمَعْنى "التعَجّب"، كقَولِه - ﵇ -: "ويلُ أُمِّهِ، مِسْعَرُ حَرْبٍ" (٧)
_________________
(١) رواه البخاري (٢٧٥٥) في الوصايا، ومسلم (١٣٢٢) في الحج.
(٢) أي: "من غير قصد لموضوعه"، كما في إحكام الأحكام (٢/ ٨١، ٨٢).
(٣) متفقٌ عليه: البخاري (١٣٠) من حديث أم سلمة، ومُسلم (٣١٠/ ٢٩) من حديث أنس. وفي صحيح مسلم (٣١٣/ ٣٢) بلفظ: تَرِبَتْ يَدَاكِ" من حديث أم سلمة.
(٤) صحيح: مسلم (١١/ ٩)، من حديث طلحة بن عُبيد الله.
(٥) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٨١، ٨٢).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) صَحيحُ البخاري (٢٧٣١)، مِن حَديثِ المِسْوَرِ بن مَخْرَمَة.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
تعَجُّبًا مِن شَجَاعَته وجُرْأته وإقْدَامِه. (١)
و"الوَيْلُ": مَصدرٌ، لا فِعْلَ لَه مِن لَفْظه، ومَا [ذُكِر مِن] (٢) قولهم: "وَألَ وَيلًا" مَصنُوع. ولم يجئ مِن هَذه المادّة التي فَاؤها "واو" وعَينها "يَاء" إلّا: "وَيْل" و"وَيْح" [و"وَيْس" و"وَيْب"] (٣). ولا يُثَنّى، وقَد جُمِع على: "وَيْلات" (٤)؛ قَال امرئُ القَيس:
وَيَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيزَةٍ فَقَالَتْ لَكَ الْوَيْلَاتُ إِنَّكَ مُرْجِلِي (٥)
وإذا أُضيف ["وَيْل"] (٦) فالأحْسَنُ فيه النّصب، وإذا أُفرِد اخْتِيرَ الرّفعُ، ويجُوز النّصب. (٧) وتقَدّم في الثّالث مِن الأوّل.
قوله: "رَأى رَجُلًا": جملة في محلّ خَبر "أنّ"، والرؤيَة بَصَريّة؛ فتكون جملة "يَسُوق بَدَنة" في محلّ صِفَة لـ "رَجُل"، أو حَال مِن "رَجُل" وإنْ كَان نَكِرَة؛ لأنّ الرّجُلَ معْلُوم. ويحتمل أنْ يكُون [موصوفًا] (٨)؛ أي: "رَأى رَجُلًا في القَوم"، ثُم حَذَفها للعِلْم بها، أو لأنّ الحالَ مِن النّكِرَة جَائِزَةٌ (٩).
_________________
(١) انظر: النهاية لابن الأثير (٥/ ٢٣٦).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) غير واضحة بالنسخ. والمثبت من "البحر المحيط".
(٤) عبارة "البحر المحيط" لأبي حيان (١/ ٤٣٥): "ولا يُثنَّى ولا يُجمَع. ويُقال: (وَيْلَهُ)، وَيُجمعُ على: (وَيلات) ".
(٥) بالنسخ: "فقل". والبيتُ من الطويل، وهو لامرئ القيس، كما ذكر. انظر: شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات (ص ٣٦)، خزانة الأدب (٣/ ٤٤٨، ٤٤٩)، تاج العروس (١٥/ ٢٤٨)، (٣١/ ١٠٧)، المعجم المفصّل (٦/ ٤٧٣).
(٦) بالأصل: "ويه" كما يظهر لي، وفي (ب): "فيه".
(٧) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٣٥، ٤٣٦).
(٨) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٩) انظر: البحر المحيط (١/ ٤١٢)، إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص ١٨)، =
[ ٢ / ٥٧٣ ]
قوله: "فقَالَ: اركَبْهَا": أي: "قَالَ النبي - ﷺ -: ارْكَبْهَا". والجمْلَةُ معْمُولَة للقَول. "قَالَ الرّجُلُ: إنّها بَدَنَة" [ففَاعِلُ] (١) "قَالَ": ضَميرٌ يعُود على "صَاحِبِ البَدَنَة". وفَاعِلُ "قَالَ" الثّالثة: "ضَميرُ النبي - ﷺ -".
قوله: "فرَأيتُه": فِعْلٌ وفَاعِل، والرّؤيَةُ بَصَريّة.
و"رَاكِبهَا": حَالٌ. وجَاءَت الحَالُ مُضَافَة إلى ضَمير "البَدَنَة"؛ لأنّ النية بها الانفْصَال، مِن بَابِ إضَافَة اسم الفَاعِل إلى معمُوله. وحُكي فيها المَاضي، كقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨]. (٢)
وجملَة "يُسَايِر النَّبي - ﷺ -" حَالٌ ثَانية على القَوْل بتعَدّد الحَال، أو في محلّ الحَال مِن الضّمير في "رَاكِبهَا"؛ فتكُون حَالًا مُتدَاخِلَة.
و"المسَايَرَة": "المجَارَاة"، كَذا في "الصّحَاح" (٣). والظّاهرُ أنّ المرَادَ هُنا: "الممَاشَاة" و"المحَاذَاة".
قوله: "إنّها بَدَنَة": يُريد: "إنّها بَدَنَة [مُهْدَاة"] (٤)، أو تكُون "البَدَنَة" [اسمًا] (٥) لما يُهْدَى مِن البُدْن، قال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] (٦)، وهَذا الصّحيح، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = نتائج الفكر (ص ١٨٢)، شرح المفصل (٢/ ٧٩، ٢٠٣).
(٢) غير واضحة بالأصل. وتشبه: "وفاعل".
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٤١٩)، الإعلام لابن الملقن (٦/ ٢٧٩)، نتائج الفكر (ص ٨٨ وما بعدها)، شرح المفصل (٤/ ٩٩، ١٠٠)، مُغني اللبيب (ص ٩٠٦)، شرح القطر (ص ٢٧١)، شرح التصريح (٢/ ١٢)، تاج العروس (٣٩/ ١٤٧).
(٤) انظر: الصّحاح للجوهري (٢/ ٦٩١).
(٥) بالأصل: "مُهدَلة".
(٦) بالأصل: "اسم".
(٧) انظر: لسان العرب (١٣/ ٤٩)، المعجم الوسيط (١/ ٤٤).
[ ٢ / ٥٧٤ ]
[فكَأنّه] (١) أفْهَم النبيّ - ﷺ - مَعنى يُوجِب تحريمَ رُكُوبها عَليه، والنبيّ - ﷺ - عَالمٌ بذَلِك.
و"البَدَنَة" تقَع على: الجمَل [والنّاقَة] (٢) والبَقَرَة، وهِي بالإبل أشْبَه. وسُمّيت "بَدَنَة" لعِظَمِهَا وسِمنِهَا. (٣)
قوله: "في الثّانيَة أو الثّالثَة": صِفَتَان لموصُوفٍ محذُوف، أي: "في المرّة الثّانيَة أو في المرّة الثّالثَة".
و"المرّة" تقَدّم الكَلامُ عَليها، وأنّها ظَرْفٌ أصْلُه المصْدَر.
ويحتمل أنْ تكُون هَذه المرَاجَعَة في وَقتٍ واحِد، ويحتمل أنْ تكُون في أوقاتٍ، فإنْ كَان أمْرُه - ﷺ - في أوْقَاتٍ احتمل التقدير أنْ يكُون: "في الرؤية الثّانية" أو "المقَالَة الثّانية".
وجَاء في روايةٍ: "وَيْلَك، ارْكَبْهَا" (٤)، وفيه تشْديد غَليظ وإغْلاظ. (٥)
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وتشبه: "وتكون".
(٢) بالأصل: "وللناقة".
(٣) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ١٠٨)، تهذيب اللغة (١٤/ ١٠٢)، تحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٤٤)، لسان العَرَب (١٣/ ٤٩).
(٤) صحيح مُسلم (١٣٢٢/ ٣٧٢)، من حَديث أبي هُريرة. وفي متن "العمدة" (ط الثقافة، ص ١٦٥)، و"العمدة" (ط المعارف، ص ١١٨) ضمن الحديث الذي نحن فيه: "وَفِي لَفْظٍ: قَالَ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ: (ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ)، أَوْ: (وَيْحَكَ) "، ولم يذكر الشيخ ابن فرحون هذه الزيادة - أي: "ارْكَبْهَا" - ضمن الحديث.
(٥) انظر: الإعلام لابن الملقن (٦/ ٢٨٠، ٢٨١).
[ ٢ / ٥٧٥ ]
الحدِيث الرّابِع:
[٢٣٤]: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا. وَقَالَ: "نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا" (١).
تقَدّم الكَلامُ على "أمَرَ" وتعَدّيه في أوّل "بَابِ السّوَاك".
و"أنْ أقُوم": يحتَمل أنْ يكُون مفْعُولُ "أمَرَ". ويحتَمل أنْ ينتَصِب بتقدير "البَاء"، أي: "بأَنْ أقُوم".
قوله: "على بُدْنه": تعَدّى "أَقُوم" بـ "على"؛ لأنّه تضَمّن مَعنى "أخْلُفُه" و"أَتَوَكّل لَه". "وأنْ أتَصَدَّق" معطُوفٌ على "أنْ أقُوم"، وكذلك: "وأنْ لا أُعْطِي". و"أُعْطِي" يتعَدّى إلى مفْعُولين، الأوّل: "الجَزّار"، والآخَر: "شَيئًا"، وقد تقَدّم الكَلامُ في الثّاني مِن "بَابِ المرور" على "شَيئًا". و"مِنْهَا" يتعَلّق بصِفَة لـ "شَيء"، تقَدّم؛ فانتَصَب على الحَال (٢).
قوله: "وَقَالَ": معْطُوفٌ على "أمَرَنِي".
و"أجِلّتها": جمعُ "جِلَال"، مِن "التّجليل"، وهُو "التَغْطية". (٣)
وكَان ابن عُمر - ﵁ - "يُجلّلُ بُدْنَه القبَاطيَّ" (٤).
وتجليلُ الفَرَس: أنْ يُلبسه الجُلّ، [ويُجَلّل به أعْلَاه] (٥).
_________________
(١) رواه البخاري (١٧١٧) في الحج، ومسلم (١٣١٧) في الحج.
(٢) راجع: التبيان في إعراب القرآن (١/ ١٦٥).
(٣) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٢٨٩)، لسان العرب (١١/ ١١٩).
(٤) رواه الإمام مالك بالموطأ (١/ ٣٧٩، كتاب الحج).
(٥) كذا بالنسخ. وهي في الصّحاح: "وتَجَلّلَه، أي: عَلاه". وفي المعجم الوسيط: "تجلّل بِه: تغطى، والشَّيْء: أَخذ جله، وعَلاه". وانظر: الصحاح (٤/ ١٦٦١)، لسان العرب (١١/ ١١٩)، المعجم الوسيط (١/ ١٣١).
[ ٢ / ٥٧٦ ]
وفي الكَلام محذُوف، أي: "أتَصَدّق [على الفُقَراء بهذه الأشياء".
و"المتصَدّق"] (١): الذي يُعْطي، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ [الحديد: ١٨]، أصْلُه: "المتَصَدِّقين والمتَصَدِّقات"، ثُم أُدْغِمت "التّاء" في "الصّاد". (٢)
وجَرَى هَذَا العَطْف على اللغَة الفَصيحَة في عَدَم تِكْرَار حَرْف الجَر مَع المعْطُوف، فلَم يَقُل: "وأنْ أتَصَدّق بلَحْمِهَا وبجُلُودِهَا وبأَجِلّتهَا". وقَد جَاء ذَلك في قَوله تعَالَى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، ولَو جَاء الكَلَام: "رَبّنا آتِنَا في الدُّنيَا حَسَنَة والآخِرَة حَسَنَة" جَاز. (٣)
قوله: "وقَالَ: نَحْن نُعْطِيه": تقَدّم الكَلامُ على "نَحْن" في الرّابع مِن "الهدْي" (٤). و"نُعْطيه" مفعُوله الثّاني محذُوف، أي: "نُعْطيه أجْرَة".
و"مِن عِنْدنا": يتعَلّق بـ "نُعْطيه". و"مِن" لابتداء الغَايَة، أي: "ابتداء زَمَن الإعْطاء مِن عندنا"؛ فتكُون "مِن" للابتِداء في الزّمَان، وكذلك قيل في قوله تعالى:
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "على الفقراء، والمتصدق". وفي "الصحاح" (٤/ ١٥٠٦): "والمتصدِّق: الذي يُعطي الصدَقةَ. ومررتُ برجلٍ يَسأل، ولا تقُل: يتصدّق، والعامّة تقوله، وإنما المتصدِّق الذي يُعطي".
(٢) انظر: الصّحاح (٤/ ١٥٠٦). وفيه: "أصله: المُتَصَدِّقينَ، فقُلبت التاء صَادًا، وأدغِمت في مُثلها". وراجع: عُمْدة القَاري (٨/ ٢٨٠)، التوضيح لشرح الجامِع الصّحيح (١٠/ ٣٧٢)، مَطالع الأنوار (٤/ ٢٦٨)، طرْح التثريب (٧/ ١٨٦).
(٣) انظر: اللباب في علوم الكتاب لابن عادل (٦/ ٤٣٧)، التبيان في إعراب القرآن (١/ ١٦٥)، (٢/ ١٠٣٩)، البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٦٨٤)، إرشاد الساري (٩/ ٢٢٠)، شرح التسهيل لابن مالك (٣/ ٣٨٤).
(٤) كذا بالنسخ. وهو سهو منه، فقد أحال على الحديث الذي نحن فيه. وقد سبق وورد لفظ "نحن" في السابع من أوّل الصيام، وسيأتي مرارًا.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] (١).
ولو اقتصر على قوله: "نحْن نُعْطيه" كَفَى عن قوله: "مِن عِنْدنا"، إلّا أنّه أرَاد - ﷺ - أن يُنبّه على أنّ "الهَدْي" قد خَرَج لله بنيّته وبنَحْره؛ فالذي يُعطَى للجزّار مِن عند الشّخص لا ينقصُ الهَدْي.
الحديث الخَامِس:
[٢٣٥]: عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَتَى عَلَى رَجُلٍ أَنَاخَ (٢) بَدَنَتَهُ، فَنَحَرَهَا. فَقَالَ: "ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -" (٣).
قوله: "قَالَ: رَأَيتُ": الرّؤيَة بَصَريّة؛ فتكُون جملَة "أتَى على رَجُل" في محلّ حَال مِن "ابن عُمَر" (٤). ومفعُولُ "رَأى": "ابن عُمَر". وتعَدّى "أتَى" بـ "على"؛ لأنّه تضَمّن مَعْنى "مَرّ" (٥). وجملةُ "أنَاخَ [بَدَنته"] (٦) في مَوْضِع صِفَة لـ "رَجُل".
قوله: "فنَحَرَهَا": يحتمل أنْ يُريد: "فأَرَاد نَحْرَهَا"، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ (٧) [النحل: ٩٨]، وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأعراف: ٤]، أي: "أرَدْنَا إهْلاكَهَا". (٨)
ويحتمل انْ يكُون مَع الرّجُل بُدْنًا غيرها؛ لأنّه قَال: "ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقيَّدَة"؛ فأمَرَه
_________________
(١) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ١٠٥).
(٢) في "صَحيح البُخَاري" ونُسَخ "العُمْدة": "قد أناخ". وانظر: صَحيح البخاري (١٧١٣)، والعُمدة (ط الثقافة، ص ١٦٦)، والعُمدة (ط المعارف، ص ١١٩).
(٣) رواه البخاري (١٧١٣) في الحج، ومسلم (١٣٢٠) في الحج.
(٤) بالنسخ: "رَسُول الله".
(٥) راجع: البحر المحيط (٨/ ٢١٨).
(٦) بالنسخ: "بَدَنَة".
(٧) بالنسخ: "وإذا".
(٨) انظر: البحر المحيط (٤/ ١٨٧)، (٥/ ١١)، إحكام الأحكام (١/ ١٢٩).
[ ٢ / ٥٧٨ ]
فيها بالسُّنة. ويحتمل أنْ يكُون الأمرُ لغَير الرّجُل؛ تعريفًا بالسُّنة، بمَعنى: "ابعثُوها قَائِمَة".
"بَعْثُ الدّابّة": إثارَتها. و"بَعثُ الموتَى": نَشْرهُم. ومِنْه: "فَبَعَثْنَا البَعِيرَ" (١). (٢)
قوله: "قِيَامًا": حَالٌ مِن ضَمير المفْعُول، وهَذا يدُلُّ على أنّه أرَاد جماعَة بُدْن، وهي حَالٌ مُقَدّرَة؛ لأنّها إذا كَانَت "قَائِمَة" فقَد "انبَعَثَت". ويحتمل أنْ يكون "ابعَثْهَا" بمَعنى: "حثّهَا على القِيَام".
و"مُقيَّدَة": حَالٌ بعْد حَال - إنْ قُلنَا بتعَدّد الحَال - أو حَال مِن الضّمير في "قِيَامًا"؛ فتكُون الحَالُ مُتدَاخِلَة.
و"قِيَامًا": جمعُ "قَائِم". ويحتمل أنْ يكُون مَصْدَر "قَام"، أي: "ابعَثها قِيامًا" بمَعنى "أقمها قِيامًا"، مِن مَعنى "ابعثها"، مثل: "قَعَدتُ جُلوسًا" (٣)، أو يُقدّر: "ابعَثْهَا فتَقُوم قِيَامًا".
قوله: "سُنّة محمّد - ﷺ -": هو مَرفُوع، أي: "هَذه سُنّة محمّد - ﷺ -". أو يكُون منصُوبًا بتقدير: "الزَمُوا سُنّة محمّد"؛ فيكُون من باب "الإغراء"، وقَد تقَدّم الكَلامُ على "الإغراء" في الثّامِن مِن أوّل الكُتَاب.
و"مُقَيَّدَة": اسمُ مفْعُول، مِن "قَيّد" "يُقَيّد". (٤)
***
_________________
(١) مُتفقٌ عليه: البخاري (٣٣٤) ومسلم (٣٦٧/ ١٠٨)، من حديث عائشة.
(٢) انظر: لسان العرب لابن منظور (٢/ ١١٧)، القاموس المحيط (ص ١٦٥)، تاج العروس للزبيدي (٥/ ١٦٩).
(٣) انظر: شرح المفصل (١/ ٢٧٤، ٢٧٦)، شرح القطر (ص ٢٢٤)، مغني اللبيب (ص ٧٢٩)، شرح ابن عقيل (٢/ ١٧٣)، شرح التصريح (١/ ٦٩٥)، الهمع (٢/ ٩٩).
(٤) انظر: النهاية (٤/ ١٣٠)، لسان العرب (٣/ ٣٧٢).
[ ٢ / ٥٧٩ ]
بَاب الغسْل للمُحْرِم
الحدِيث الأَوّل:
[٢٣٦]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ. وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لا يَغْسِلُ المحْرِمُ رَأْسَهُ. [قَالَ] (١): فَأَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ -﵁-، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرنَيْنِ، وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْت عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أرْسَلَنِي إلَيْكَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْأَلُكَ، كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ، [فَطَأْطَأَهُ] (٢) حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ: اصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: "هَكَذَا رَأَيْتُهُ -ﷺ- يَفْعَلُ" (٣).
[وَفي] (٤) رِوَايَةٍ: فَقَالَ الْمِسْوَرُ لابْنِ عَبَّاسٍ: "لا أُمَارِيكَ أَبَدًا" (٥).
قولُه: "اختَلَفَا بالأبْوَاء": جملَة في محلّ خَبر "أنّ". و"البَاءُ" في قَوله "بالأبْوَاء" ظَرْفيّة بمَعنى "في".
قولُه: "فقَالَ ابنُ عبّاس": "الفَاءُ" سَبَبيّة.
وجملة "يغسِل [المحرم] (٦) رأسَه" في محلّ معمُول القَول، وكذلك جملة: "لا
_________________
(١) سقط من النسخ. وقد شرح الشيخ ابن فرحون عليه. وهو ما في نُسَخ "العُمدة" (ط الثقافة، ص ١٦٦، ط المعارف، ص ١١٩).
(٢) بالنسخ: "وطأطأه". والشّرح ونُسَخ العُمدة على المثبت.
(٣) رواه البخاري (١٨٤٠) في جزاء الصيد، ومسلم (١٢٠٥) في الحج.
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) رواه مسلم (١٢٠٥) (٩٢) في الحج.
(٦) سقط من النسخ.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
يغسِلُ المحْرمُ رَأسَه". والمرادُ بهذا الغسْل: الغسْلُ الواجب.
قولُه: "قَالَ": فَاعِلُ "قَالَ" الثّالثة: ضمير "عبد اللَّه بن حنين".
و"إِلَى أَبِي أيُّوب" جَار ومجرور ومُضَاف إليه. وعَلامة الجر في "أَبِي": "الياء". وعلامة الجر في "أيّوب" الفَتْحَة؛ لأنه لا ينصرف؛ للعَلَمية والعُجمَة (١).
وقد جمعتُ ما ينصَرف مِن أسماء الأنبياء في بيتٍ (٢)؛ فقُلتُ:
لتَصْرِف شُعَيْبًا ثُمّ نُوْحًا وَصَالِحًا وَلُوطًا وَهُوْدًا وَالنّبِيّ مُحَمَّدا
قولُه: "فوَجَدتُه": معْطُوفٌ على "أرْسلَني"، وقَد تقَدّم الكَلامُ على "وَجَد" وأحْكَامها في الثّاني مِن "بَاب الاستطَابة".
قوله: "بين القَرْنين": "بين" ظَرْفٌ، تقَدّم الكَلامُ عليه في الثّالث مِن "باب السّواك". و"القَرْنين" يعني به: "قَرْنَي [البئر] (٣) "، وهما بناء على جَانبيها (٤).
قولُه: "فسَلّمتُ عَليه": أي: "فجِئتُه فسَلّمْتُ عليه"، فهو معْطُوفٌ على محذُوفٍ.
قولُه: "فقَالَ: مَن هَذا؟ ": "مَن" مُبتَدأ، استفهَاميّة، و"هَذا" خَبره، والجمْلَة معْمُولَة للقَول.
قولُه: "قُلتُ: أنا عبد اللَّه بن حُنَيْن": فيه حَذْفٌ، أي: "مَن هَذا الذي سَلّم؟ قُلتُ: أنا عبد اللَّه. . . ".
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ٥٧٦).
(٢) انظر: حاشية الصبان (٣/ ٣٧٦).
(٣) بالأصل: "البين". وفي (ب): "البيت".
(٤) انظر: إرشاد الساري (٣/ ٣١٣)، الإعلام لابن الملقن (٦/ ٣٠١)، النهاية لابن الأثير (٤/ ٥٢)، لسان العرب (١٣/ ٣٣٢).
[ ٢ / ٥٨١ ]
الجمَلُ المفتَتَحَة بالقَول إِذَا ترتّب بعضُها على بعْض في المعنى؛ فالأفْصَح أن لا يُؤتى فيها بحَرفٍ يُرَتِّب، اكتفاءً بالترتيب المعنوي. (١)
قال أَبُو حيّان: وقد جَاء في "الشُّعَراء" من ذلك عشرون مَوضعًا في قصة موسى -﵇- بغير عَطْفٍ، إلَّا ثَلاثة جَاء منها اثثان جَوَابًا [وواحِدٌ] (٢) كالجَوَاب. ومثله في القُرآن كَثيرٌ. (٣)
إِذَا ثبَت ذَلك: فقَد جَاء: "قُلتُ" -ولم يقُل: "فقُلْتُ"- على الوَجْه الأفْصَح، وإنْ لم يتَعَدّد القَول. وفي بَعْض النُّسَخ: "فقُلْتُ" (٤) على الوَجْه الآخَر.
و"أنا عبد اللَّه" مُبتدأ وخَبر، في محلّ معْمُول القَول.
ولو قَالَ: "عبد اللَّه بن حُنَيْن" كَفى في الجوَاب عَن "أنا".
قولُه: "أرْسَلَني إليْك عَبدُ اللَّه بن عبّاس": تحتمل الجمْلَة أن تكُون خَبرًا بعْد الخبر، وتحتمل أنْ تكُون حِكَاية الحَال الماضية مُستأنَفَة، أي: "أنا أرسلني". وجملة "يَسْأَلُك" في محلّ الحَال مِن "عَبد الله"، بتقدير: "وهُو يسْأَلك"؛ لأنّ المضَارع إذَا لم تَصْحَبه "الوَاو" قُدِّر بجُمْلَة اسمية، ويكُون حَالًا مُقَدّرَة (٥).
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٤٠)، إرشَاد السّارِي (١/ ٣٣٥).
(٢) بالنسخ: "وَاحِدًا". والمثبت من "البحر المحيط".
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٤٠).
(٤) كذا وَرَد في صحيح البخاري (١٨٤٠)، وصحيح مُسلم (١٢٠٥/ ٩١)، والعُمدة (ط الثقافة، ص ١٦٦).
(٥) انظر: البحر المحيط (٣/ ٤٦٥)، عُقود الزَّبرجَد (٢/ ٤٣٢، ٤٥٨)، الفصول المفيدة في الواو المزيدة (ص ١٥٥، ١٦٩، ١٧٠)، شرح التسهيل (٢/ ٣٥٩، ٣٦١)، شرح الأشموني (٢/ ٣٦)، شرح المفصل (٢/ ٢٤ وما بعدها، ٣٠)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٧١٩)، مُغني اللبيب (ص ٧٨٩)، اللمحة (١/ ٣٩٢، ٣٩٧ وما بعدها)، الجنى الداني (١٦٤)، شرح الكافية الشافية (١/ ٦٨)، شرح ابن عقيل =
[ ٢ / ٥٨٢ ]
قولُه: "كَيْف كَانَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- يَغْسِل. . .؟ " جملة "يَغْسِلُ رَأسَه" في محلّ خَبر "كَان"، و"رَسُول اللَّه" اسمها.
و"كيف": هُنَا ظَرْف، والعَامِلُ فيها: "يَغْسِل". ويحتمل أنْ تكُون في مَوضِع حَال مِن فَاعِل "يَغْسِل"، أي: " [أمخَللًا] (١) يَغْسِل رَأسَه؟ ". ويحتمل أنْ [يُقَدّر] (٢) بمَصْدَر، أيْ: "أيُّ غسْل كَان رَسُولُ اللَّه يَغْسِل؟ ".
وجَاءَت "كيف" هُنا مُعَلّقة بـ "يَسْألك"، وتقَدّم الكَلامُ على "سَأل" في الحديثِ الثّاني عشر مِن "بَاب صِفَة صَلاة النبي -ﷺ-".
والعَامِلُ في المصْدَر: "يَغْسِل".
وجملةُ "وهُو مُحْرِم" في محلّ الحَال مِن ضَمير الفَاعِل في "يَغْسِل".
قولُه: "فوَضَعَ أَبُو أيُّوب يَدَه على الثّوب": المجرورُ يتعَلّق بـ "وَضَعَ"، و"يَدَه" مفْعُولُ "وَضَعَ"، و"أَبُو أيّوب" الفَاعِل.
قولُه: "فطَاطَأه": معْطُوفٌ على "وَضَعَ". ومعنى "طَأطَأ": "خَفضه"، ومصْدَره: ["تطَأطُؤًا"] (٣). (٤)
والذي وَقَع فيه الاختلاف بين ابن عبّاس والمسْور خِلاف مَا فَعَله أبو أيوب
_________________
(١) = (٢/ ٢٧٩)، الهمع (٢/ ٣٢٢)، النحو الوافي (٢/ ٣٩٨)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٠٣).
(٢) كذا بالأصل. وفي (ب): "أمحللًا".
(٣) كذا بالنسخ.
(٤) كتبت بالأصل: "تطاطيًا" وفوق الياء همزة. والوارد بالمعاجم: "طأطأة" و"تطأطُؤ". وهذا ما لم يكن المراد بالمصدر عند ابن فرحون أصل الفعل؛ فتكتب: "تَطَأْطَأَ".
(٥) انظر: الصحاح (١/ ٦٠)، النهاية لابن الأثير (٢/ ١٣١)، (٣/ ١١٠)، لسان العرب (١/ ١١٣)، شمس العلوم (٧/ ٤٠٥٤).
[ ٢ / ٥٨٣ ]
مِن صِفَة غسل الرّأس، وهو مُطابقٌ للسّؤَال، إلَّا أن يكُون المراد بقوله "يَغْسِل المحْرِم رَأسه": "غَسل مُبَالَغَة أم لا؟ ". (١)
قولُه: "حَتّى بَدَا لي رَأسه": "حَتّى" حَرْفُ ابتِدَاء، وقَد تقَدّمَت في الحديثِ الثّاني مِن أوّل الكتاب.
قولُه: "ثُمَّ قَالَ": معْطُوفٌ على ["فطَأْطَأَه"] (٢).
قولُه: "لإنسَان": "اللام" في قَوله "لإنسَان" تُسَمّى "لام التبليغ". وجملة "يَصُبّ عَليه" صِفَة لـ "إنسَان"، وجملة "اصْبُب" معْمُولَة للقَول.
قولُه: "فصَبّ على رَأسِه": أي "الماءَ"، فالمفْعُولُ محذُوفٌ.
قولُه: "ثُمّ [حَرّك رَأسَه] (٣) بيَدَيه": "البَاء" للاستعَانَة (٤)، وفَاعِلُ "حَرّكَ": ضَميرُ "أَبِي أيّوب"، و"رَأسَه" مفعُول، و"بيَدَيه" يتعَلّق بـ "حَرّك".
قولُه: "فأقْبَل بهما وأدْبَر": أي: "أقْبَل بيَدَيه وأدْبَر بهما إِلَى مُؤَخّر الرّأس"، وهو مَا فَوق "القَفَا". ويحتمل أنْ يُقْبِل بهما مِن المؤَخِّر إِلَى المقَدم، ثُم يَرُدّهما إليه. (٥)
قولُه: "ثُمّ قَالَ: هَكَذا": "الهَاء" للتنبيه، و"الكَاف" جَارّة، و["ذَا"] (٦) اسم
_________________
(١) راجع: إرشاد الساري للقسطلاني (٣/ ٣١٣)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ١٩٣)، شرح الزرقاني على الموطأ (٢/ ٣٣٦).
(٢) بالنسخ: "وطَأطَأه".
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: أوضح المسالك (٣/ ٣١ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ١٣٧ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ٨٨ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٦٤٦ وما بعدها)، الهمع للسيوطي (٢/ ٤١٧ وما بعدها).
(٥) انظر: المنتقى شرح الموطأ (١/ ٣٧)، المسالِك في شرح مُوطَّأ مالك (٢/ ٢١)، نيل الأوطار للشوكاني (١/ ١٩٦، ١٩٩)، مجمع بحار الأنوار (٤/ ٢٠٤).
(٦) بالنسخ: "إذا".
[ ٢ / ٥٨٤ ]
إشارة مجرورة بـ "الكَاف" (١). أو تكُون "الكَاف" اسمًا مُقَدّرًا بنَعْت لمصْدَر محْذُوف، و["ذَا"] (٢) مجرورٌ بالإضَافَة، والتَقْدير: "فِعْلَا مثل ذَا رَأيتُ النّبي -ﷺ-". وأحْسَنُها أنْ تكُون "الكَافُ" مفْعُولًا بفِعْل مُتقَدّم عَليه، أي: "مثل ذَا رَأيتُ النّبي -ﷺ- يفْعَل"، أي: "يفْعَل مثل هَذا".
والضّميرُ في "رَأيتِه" ضَمير "النّبي -ﷺ-"، وفَسّرَه بقَوله: "ﷺ". وجملةُ "يَفْعَل" في محلّ الحَال مِن ضَمير المفْعُول في "رَأيتُه".
قولُه: "وفي رِوَايةٍ": يتعَلّق بمَحْذُوف، أي: "وَجَاءَ في رِوَايةٍ"، [أو: "رُوِي"] (٣)، وعَليهما تكُون الجمْلَة بعد المجْرور في محلّ الفَاعِل لـ "جَاء"، أو في محلّ مفْعُول لم يُسَمّ فَاعِله.
وجملة "لا أُمَارِيك" معمُولة للقَول. ويحتمل أنْ تكُون جَوابًا لقَسَم محذُوف، أي: "واللَّه لا أمَارِيك".
و"أبَدًا" ظَرْفُ زَمَان، وَيأتي الكَلامُ عَليها في الثّاني عَشر مِن "كتاب النِّكَاح". وجمعُ "أبَدًا": "آبَاد" (٤).
* * *
_________________
(١) انظر: المقتضب للمبرد (٤/ ١٤٠، ٣٥٠)، الجنى الداني (ص ٧٩، ٨٩)، الأصول في النحو لابن السراج (١/ ٤٣٧)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٦٢٤)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٨١، ٢٦٨).
(٢) بالنسخ: "إذا".
(٣) سقط من النسخ. ويُؤكّده قوله بعدها: "وعليهما". وقد سبق نظيره مرارًا.
(٤) انظر: الصّحاح (٢/ ٤٣٩)، المصباح المنير (١/ ١).
[ ٢ / ٥٨٥ ]
باب فَسْخ الحَجّ إلى العُمْرَة
الحدِيث الأَوّل:
[٢٣٧]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ -ﷺ- وَأَصْحَابُةُ بِالْحَجِّ، وَلَيْسَ مَعَ [وَاحِدٍ] (١) مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ -ﷺ- وَطَلْحَةَ، وَقَدِمَ عَلِيُّ مِنْ الْيَمَنِ؛ فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ -ﷺ-. فأمَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً؛ فَيَطُوفُوا، ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا، إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ؛ فَقَالُوا: نَنْطَلِقُ إلَى مِنًى وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ؟ ! فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -ﷺ-؛ فَقَالَ: "لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لأَحْلَلْتُ".
وَحَاضَتْ عَائِشَةُ، فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا طَهُرَتْ وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، [يَنْطَلِقُونَ] (٢) بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ؛ فَأَمَرَ عَبْدَ الرحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الحَجِّ (٣).
[قولُه] (٤): "أهَلّ النبي -ﷺ- وأصْحَابه بالحَجّ": الجُمْلَة معْمُولة للقَوْل، و"بالحَجّ" يتَعَلّق بـ "أهَلّ"، و"أصْحَابه" مَعْطُوفٌ عَليه.
قولُه: "وليس مَع واحِدٍ مِنْهُم هَدْي": جملة في محلّ الحَال مِن المعطُوف والمعطُوف عليه، و"هَدْي" اسمُ "ليس"، وخَبرهَا مُتعَلّق "مَع"، و"مِنْهُم" يتعَلّق بصِفَة لـ "وَاحِد".
_________________
(١) كذا بالنسخ. وفي البخاري (١٦٥١)، والعمدة (ط الثقافة، ص ١٦٧)، والعُمدة (ط المعارف، ص ١٢٠): " أحَدٍ".
(٢) في صحيح البخاري (١٦٥١)، والعمدة (ط المعارف، ص ١٢٠): "تَنْطَلِقُون". وفي البخاري (٧٢٣٠): "أتَنْطَلِقُون".
(٣) رواه البخاري (١٦٥١) في الحج، ومسلم (١٢١٣) في الحج.
(٤) بياضٌ بالأصل بقَدْر كَلمة، والرّاجح أنّها: "قوله".
[ ٢ / ٥٨٦ ]
وتقَدّم الكَلامُ على "لَيْس" في الحَديثِ الأوّل مِن "الحَيْض"، وعلى "مَع" في الحديثِ الأوّل مِن "المسْح على الخُفّين".
وَلَا يجُوزُ أنّ تتعَلّق "مِنْهُم" بصِفَة لـ "هَدْي"؛ لفَسَاد المعْنَى.
وتقَدّم مثل هَذَا التركيب في قَوله -ﷺ-: "لَيْسَ على أكْتَافِهِ مِنْهُ شَيْءٌ" (١) في الحديثِ السّابع مِن "باب جَامِع"، فانظُر مَا قِيل فيه.
قولُه: "غَيرَ النّبِي -ﷺ-": "غَير" نُصب بالاستِثْنَاء، وهُو الأصْلُ، ويجُوزُ فيه الجر على الصِّفَة لـ "وَاحِد"، وفيه بُعْدٌ، للفَصْل بَين الصِّفَة والموصُوف باسم "لَيس"، ولأنّه لَا يَبْقَى في الكَلامِ تَنْصيصٌ على أنَّ مَع النّبي -ﷺ- هَدْي.
قولُه: "وطَلْحَة": معطُوفٌ على "النّبي"؛ فهو مخفُوضٌ، وعَلامَةُ الخفْض الفَتْحَة؛ لأنّه لا ينْصَرِف؛ للعَلَمِيّة والتّأنيث (٢).
قولُه: "وقَدِم عَلَيٌّ مِن اليَمَن": جملةٌ مُستَأنَفَة، لا محلّ لها مِن الإعْرَاب، وتقَدّم ذِكْرُ الجُمَل التي لا محلّ لها في الحَديثِ الأوّل مِن الكِتَاب.
قولُه: "فقَالَ: أهْلَلتُ بما أهَلّ به النَّبي -ﷺ-": يحتمل أنْ يكُون هَذا جَوَابًا لسُؤَال قيل له: "بم أهْلَلْت؟ فقَالَ: أهْلَلتُ بما أهَلّ به النبي -ﷺ-"، والجمْلَة معْمُولَةٌ للقَول. ويحتمل أنْ يكُون إنْشَاء الإحْرام، و"مَا" مَوصُولَة بمَعْنى "الذي".
وقَد جَاء في البخَاري: "أنّ النّبي قال لعَليّ: بِمَا أهْلَلْت؟ فَقَالَ: أهْلَلْتُ. . . " (٣)؛
_________________
(١) نصّه هناك: "عن أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قال: قال رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: لا يُصَلِّي أحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ". وانظر: العُمدة (ص ٩٠).
(٢) راجع: المفصل للزمخشري (ص ٣٥)، المغرب (ص ٥١٩)، تاج العروس (٢٤/ ٢١، ٢٢)، النحو المصفى (ص ٤٧).
(٣) صحيحُ البخاري (١٥٥٧، ١٥٥٨، ١٥٥٩)، من حديث جابر وأنس وأبي موسى الأشعري -﵁-.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
ففيه دَليلٌ على أنَّه جَوَاب.
واستدلّ [به] (١) ابنُ مَالك على ثبُوت "الألِف" مَع "مَا" الاستفهاميّة بعْد حَرْف الجر. (٢)
قَالَ ابنُ مَالك: في حديثِ [سُرَاقَةَ بن] (٣) مَالِك بن جُعْشُم "مُرْنِي بِمَ شِئْتَ" (٤) دَليلٌ على إجراء "مَا" الموصُولة مجرَى "مَا" الاستفهاميّة، في حَذْف ألِفِهَا إِذَا جُرّت، لكن يُشترَط كَوْن الصِّلَة "شَاءَ" وفَاعِلها، انتهى. (٥)
و"الهَاءُ" في قَوْلِه "بِه" تعُود على "مَا".
قولُه: "فأمَرَ النَّبي -ﷺ- أصْحَابَه أن يجعَلُوها عُمْرَة": تقَدّم الكَلامُ على "أمَرَ" في الحديثِ الأوّل مِن "بَاب السِّوَاك".
وتقَدّم [في] (٦) العَاشِر مِن أوّل الكِتَاب فَرْق بَين "كَرِهْتُ خُروجَك" و"كَرِهْتُ أنْ تخرُج" (٧).
والضّميرُ في قَوْله: "يجعَلُوهَا عُمْرَة" يعُود على الحجّة التي أحْرَمُوا بها، بمَعْنى أنّهم حَوّلُوا عَمَلَها إِلَى عَمَل العُمْرَة.
و"عُمْرة" مفْعُول ثَان لـ "جَعَلَ"، والتقدير: "أنْ يجعَلُوا عَمَلها عَمَل عُمْرَة".
_________________
(١) سقط من النسخ. ولا يستقيم المعنى إلا به.
(٢) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢١٧). وراجع: إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص ١١٤)، عقود الزبرجد (١/ ١٣٠)، (٢/ ٣١٩، ٣٢٠).
(٣) سقط من النسخ. والمثبت من "شواهد التوضيح".
(٤) صحيح البخاري (٣٩١١)، من حديث أنس، بلفظ: "بما". وذكر القسطلاني في إرشاد الساري (٦/ ٢٢٣) اختلاف النسخ.
(٥) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢٥١).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) انظر: نتائج الفكر في النحو (١/ ٩٧).
[ ٢ / ٥٨٨ ]
وتقَدّم الكَلامُ على "جَعَلَ" في الرّابع مِن أوّل الكتَاب.
قولُه: "فَيَطُوفُوا، ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا": كُلّها معطُوفَات على "أنْ يجعلوها"، وعَلامَةُ النّصب فيها حَذْفُ "النون".
قولُه: "إلّا مَن كَان مَعَه الهَدْي": "مَن" موصُولة بمعنى "الذي"، وصلتها: جملة "كَان"، واسمها "الهَدْي"، وخَبرها مُتعَلّق "معه".
ومحلُّ "مَن" وصِلتها وعَائِدها نَصْبٌ بالاستثناء، وهو استثناء مُتّصِل مِن مُوجَب. وتقَدّم الكَلامُ على "إلّا" في الحديثِ الرّابع من "التشهد".
وتقَدّم الكَلامُ على "مَن" وأقسَامها في الرّابع مِن أوّل الكتاب، وعلى "ثُم" في الثّاني من "الجنابة".
وأتَى هُنا بـ "ثُم" ولم يَأت بـ "الواو"، لأنّ بين الطّواف والتقصير مُهْلَة، وهو زَمَنٌ طَويل.
و"اليَاء" في "يَحِلّوا" مَفتُوحَة؛ لأنّه مِن "حَلّ" الثُّلاثي.
وتقَدّم الكَلامُ على "مَع" في الحديثِ الأوّل مِن"المسْح على الخفّين".
قوله: "فقَالُوا: نَنْطَلِق إِلَى مِنًى": حَرفُ الجر يتعَلّق بـ "ننطَلِق"، والجملَة كُلّها محكيّة بالقَول. و"منًى" مصروفٌ، اسمٌ للمَوضِع.
وجملة "وَذَكَرُ أحَدِنا يَقْطر" مُبتدأ وخَبر، الخبرُ: جملة "يَقْطر". والجملة الكُبرى في محلّ حَال مِن فَاعِل "ننطلق"، والرابطُ: "الوَاو".
قولُه: "فبَلَغَ ذَلِك النَّبي -ﷺ-: "ذَلِك" فَاعِلُ "بَلَغَ"، و"النّبي" مفعُوله. وإنَّما لم تظهر الحرَكَة في "ذَلِك"؛ لأنّه اسم إشارة. والجملَة معطُوفَة على الجمْلَة قبْلها. وجملة "ﷺ" مُعترضَة، لا محلَّ لها.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
قوله: "فَقَالَ": معطُوفٌ على "بَلَغَ"، والفَاعِلُ: "ضَميرُ النَّبي -ﷺ-". " [فقَالَ] (١): لَو استَقْبَلتُ مِن أمْرِي مَا استَدْبَرت" "لَو" حَرْفٌ لما [كَان] (٢) سَيَقَع لوقُوع غيره (٣)، وجَوابُهَا: "مَا أهْدَيْت". وتقَدّم الكَلامُ على "لَو" في الحديث الأوّل مِن "الصّلاة".
قوله: "ولولا أنّ مَعي الهَدْي لأحْلَلت": "لَولا" حَرفُ امتناع لوجُود، يلزم بعدها المبتدأ، ويجب معها حَذْفُ الخبر إِذَا سَدّ جَوابها مَسَدّه (٤)، كما جَاءَت هُنا. و"أنّ" في محلّ رَفْع بالابتِدَاء، أي: "لَولا وجود الهَدْي لأَحْلَلت". و"الهَدْي" اسمُ "أنّ" منْصُوبٌ، وخَبرهَا تقَدّم عَليه في "مَع". والجُملَة كُلّها مِن "أنّ" واسمها وخبرها في محلّ رَفْع.
وتقَدّم الكَلامُ على "لَولا"، والموَاضِع التي يُحذَف فيها الخبر وجُوبًا في "باب السّواك"، وفي الثّالِث مِن "بَاب استِقْبَال القِبْلَة".
قوله: "وحَاضَت عَائِشَة": جملَة مُستأنَفَة، "فنَسَكَت" معْطُوفٌ عَليه، و"المنَاسِك" مفعُولٌ على السّعَة، أي: "في المنَاسِك"، أو تضمّن "نَسَكَ" مَعْنى "فَعَلَ"،
_________________
(١) قبلها بياض صغير.
(٢) سقط بالنسخ. والمثبت من بعض المصادر.
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ١٤٤)، (٣/ ٦٤٥، ٦٤٧)، (٤/ ١٠)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٦٣٠)، شرح ابن عقيل (٤/ ٤٧)، الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ٦٤)، اللمحة (٢/ ٨٠٦)، الجنى الداني (ص ٢٧٢ وما بعدها)، مُغني اللبيب (ص ٣٤٦).
(٤) انظر: الإعلام لابن الملقن (١/ ٥٥١)، الصاحبي (ص ١١٩)، المفصل (ص ٤٣٢)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٦٥٠)، الجنى الداني (ص ٥٩٩ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ١٧٣)، (٣/ ١٣٠٧)، مُغني اللبيب (ص ٣٥٩، ٣٦٠)، شرح التصريح (٢/ ٤٣١)، شرح التسهيل (١/ ٢٨٣)، شرح المفصل (٢/ ٣٤٢)، (٥/ ٩٠)، تاج العروس (٤٠/ ٤٨٦)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٥٨).
[ ٢ / ٥٩٠ ]
أي: "فَعَلَت المنَاسِك"، و"كُلّهَا" تَأكِيدٌ للمَنَاسِك.
قوله: "غير أنَّها لم تَطُف": تقَدّم الكَلامُ على "غير" في الحديثِ الأوّل من "باب استقبال القبلة"، وحُكمُها مع "أنّ" في الثّاني عشر من "الجنائز". وبقي شيءٌ مِن مَواضِعها، وذَلك أنّها تقْطَع عَن الإضَافَة؛ فتقول: "ليس غير" و"لا غير"، والجمهُورُ على جَواز "لا غير".
وذَكر ابنُ هِشَام (١) أنّ "لا غير" لحنٌ، وفي قوله نَظَر، انتهى. (٢)
و"غَير" منصُوبَة بالاستِثْناء المتّصِل، والتقديرُ: "نَسَكَت المنَاسَك كُلّها غَير الطّوَاف بالبيت".
قولُه: "فلَمَّا طهرت": "لمّا" حَرْفُ وجُوب لوجُوب، واختار الفَارسيّ أنَّها ظَرْف زَمَان بمَعنى "حين"، ومَا بعْدَها في محلّ جَر بها، والعَامِلُ فيها جَوابها، واختَار ابنُ مَالك كَونها بمَعنى "إذ"؛ فيكون أيضًا مَا بعْدَها في مَوضِع جَر بها. وعلى القَول بأنّها حَرفُ: فيجب أن يكُون الواقِع بعْدَها في محلّ جَزْم؛ لأنّها تكُون مِن حُروف [المُجَازَاة] (٣) لافتقَارِهَا إِلَى جَوَابٍ. (٤)
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب (ص ٢٠٩)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ١٣٨)، أوضح المسالك (٢/ ٢٠٨).
(٢) انظر: شرح المفصل (٣/ ١٠٤)، شرح الأشموني (٢/ ١٦٥)، شرح التصريح (١/ ٥٢٢)، الصبان (٢/ ٤٠٣)، الهمع (٢/ ١٩٩)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢١٧).
(٣) في الأصل: "المجَازَات".
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ١٢٢)، (٣/ ٤١٩)، (٦/ ٢٠٧، ٢٩٨)، اللمحة (٢/ ٨٤٩)، المقتضب (٢/ ٤٤)، شرح التسهيل (٤/ ٦٥)، الجنى الداني (ص ٥٩٤ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٣٦٩)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٦٤٢ وما بعدها، ١٥٧٧)، الأصول في النحو (٢/ ١٥٧)، شرح التصريح (١/ ٧٠٠)، الكليات للكفوي (ص ٧٩٠)، حاشية الصبان (٢/ ٣٩١)، همع الهوامع (٢/ ٢٢٢، ٥٤٤).
[ ٢ / ٥٩١ ]
قولُه: "وَطَافَت": معطُوفٌ على "طَهرَت".
و"قَالَت": جَوابُ "لمّا".
قوله: "ينْطَلِقُون": مِن تمام الجُمْلَة المحكيّة بالقَول، والضّميرُ يعُود على "مَن تمتّع، فأَتَى بالعُمْرَة ثُم بالحَجّ".
قوله: "بحَجّ وعُمْرَة": لَو جَاء: (وعُمْرَةً) [منصُوبًا] (١) كَان حَسَنًا، أي: "بحَج مع عُمرةٍ". و"أنْطَلِق بحَجّ" معطُوفٌ عَليه، أي: "بحَجّ مُفرَد"، فحذفَ الصِّفَة.
قوله: "فأمَرَ": أي: "النبي -ﷺ-"، "عبد الرّحمن بن أَبِي بكر أنْ يخرج" التقديرُ: "بأنْ يخرُج"، فحذف حَرْف الجر مِن المفعُول الثّاني، ولو قَالَ: "فأمَرَ عبدَ الرَّحمن بالخروج مَعَها" جَاز؛ لأنّه مَصْدَر، بخِلافِ قَولك: "أمَرتُ زيدًا بعَمرو"؛ فإنّه لا يجُوزُ: "أمَرتُ زَيدًا عَمْرا" (٢). وقد تقَدّم الكَلامُ على "أمَر" في الحديثِ الأوّل مِن "بَاب السّوَاك".
قوله: "فَاعْتَمَرت بعْدَ الحجّ": هُنا محذُوفٌ تقديره: "فخَرَجَ مَعَها إِلَى التنعيم، فاعتَمَرت بعْد الحج"، وقَد جَاء ذَلك مُبيّنًا في روايةٍ أخرى.
الحدِيث الثّاني:
[٢٣٨]: عَنْ جَابِرٍ قَالَ: "قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً" (٣).
قوله: "قَدِمنا مَع رسُول اللَّه -ﷺ-: يعني: "إِلَى مَكّة". يحتمل أنْ يكُون عَبّر
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) راجع: شواهد التوضيح (ص ٢٥٣)، الأصول في النحو (١/ ١٧٧ وما بعدها)، شرح المفصل (٤/ ٥١٤ وما بعدها)، نتائج الفكر (ص ٢٥٥، ٢٥٩، ٢٦٠)، اللمحة (١/ ٣٢٥ وما بعدها)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٧١٢ وما بعدها)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٤٧٧)، الهمع للسيوطي (٣/ ١٣ وما بعدها).
(٣) رواه البخاري (١٥٧٠) في الحج، ومسلم (١٢١٨) في الحج.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
بـ "القُدوم" عَن التّوَجّه؛ لأنّ أمره لأصحَابه بأنْ يجعلوها عُمْرَة كَان قبل دُخُول مَكّة، أو يكون مِن باب التسمية بما يَؤول إليه حَالهم تَفَاؤلًا. ويحتمل أنْ يكُون أمْره -ﷺ- بذَلك كَان لبَعْض أصْحَابه بعْدَ قُدومِهم مَكّة، وكَان أمره لغَيرهم قبْل دُخُوله.
وكذلك قوله: "ونَحْن نقُول: لبّيك بالحَجّ" لم يكُن ذلك فيهم كُلّهم؛ لأنّه وَرَدَ في حديثٍ غير هذا: "فمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، ومِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالعُمْرَةٍ" (١)، وسيأتي في الحديث الذي بعْد هَذا مَا قَالَه القَاضي (٢) في وَقْتِ ذلك.
قوله: "ونحْن نقُول: لبّيك بالحَجّ": جملة في محلّ الحَال مِن فَاعِل "قَدِمْنَا". وقد تقَدّم الكَلامُ على "لبّيك" قَريبًا في الحديث السّابع مِن "بَاب ما يلبس المحرم".
وتقَدّم الكَلامُ على "نحْن"، وهو ضَميرُ رَفع مُنفَصِل، للمُتكَلّم ومَعَه غيره، أو للمُعَظِّم نفسه، ويُبنى للافتقار إِلَى مُفسّر، كأخواته. وحُرِّك آخِره؛ لئلا يجتمع سَاكِنَان. وضُمّ؛ لأنّه ضَميرُ رَفْع لمتكَلِّم، فأَشْبَه "تَاء" "قُمْتُ"، وقيل: لأنّ "النّون" تُشبه "الواو"، فحُرِّكَت بما يُجانِسها. (٣)
وموضِعه رَفْعٌ بالابتِدَاء، وخَبره: جملَة "نقُول"، و"لبّيك. . . إِلَى أَخِره" معْمُولُ للقَول.
قولُه: "فأمَرَنَا رَسُولُ اللَّه -ﷺ-": هُنا محذُوفٌ، أي: "أمَرَنَا بفَسْخها؛ فجَعَلناها عُمرة"، أو "أمَرَنا بأنْ نجعَلها عُمرة؛ فجَعَلناها عُمرة".
والضّميرُ في "جَعَلْنَاها" يعُود على "الحجّة" وإنْ لم تُذكر؛ لأنّ الكَلامَ يدُلُّ عَليها. أو يكُون الضّمير يعُود على "التلبية"؛ لأنّها تقَدّمَت بالحَجّ، أي: "فجَعَلنا
_________________
(١) متفقٌ عليه: البخاري (١٥٦٢)، ومسلم (١٢١١/ ١١٨) من حديث عائشة.
(٢) انظر: إكمال المعلم للقاضي عياض (٤/ ٢٣٧).
(٣) انظر: شرح المفصل لابن يعيش (٢/ ٣٠٦، ٣٠٧)، اللمحة (٢/ ٩٠٤)، الهمع للسيوطي (١/ ٢٣٧ وما بعدها).
[ ٢ / ٥٩٣ ]
التلبية تلبية عُمْرَة".
وتقَدّم الكَلامُ على جَعَلَ في الحديثِ الرّابع مِن الكتاب.
الحدِيث الثّالِث:
[٢٣٩]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَباسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً.
فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الحِلِّ؟ قَالَ: "الْحِلُّ كُلُّهُ" (١).
قولُه: "صَبيحة رابعة": يُريد "صَبيحة ليلة رابعة".
وقد اختُلِف في الوَقْت الذي أمَرَهم النّبي -ﷺ- فيه بالفَسْخ.
فقال القَاضي: الذي تدُلُّ عليه النّصُوص في "صَحيح البخاري" و"مُسلم" وغيرهما أنّ ذلك بعد إحرامهم بالحَج ومُنتهى سَفرهم ودنوهم مِن مَكّة بـ "سرِف" على ما في حَديث عَائِشَة (٢)، وبعد طوافه بالبيت وسَعيه على ما في حَديثِ جَابر (٣). ويحتمل [تكراره] (٤) الأمْر بذلك بالموضعين. (٥)
وقَالَ الإمامُ المازري: يحتمل أنْ يكُون ذَلك عِنْد الإحْرَام؛ ليكُون مَا فَعَلُوه قِرانًا، أو بعد إحرامهم بالعُمْرة؛ فيكُون ذلك إرْدَافًا. (٦)
قولُه: "صَبيحة رَابعة": يُريد به "مِن الشهر"، فـ "صبيحة رَابعة" منصُوبٌ على
_________________
(١) رواه البخاري (١٥٦٤) في الحج، ومسلم (١٢٤٠) في الحج.
(٢) صحيح البخاري (١٥٦٠).
(٣) صحيح مسلم (١٢١٣/ ١٣٦).
(٤) بالأصل: "تكراه". وفي (ب): "تكرار".
(٥) انظر: إكمال المعلم للقاضي عياض (٤/ ٢٣٧).
(٦) انظر: المُعْلم للمازري (٢/ ٨١)، إكمال المعلم (٤/ ٢٣٦، ٢٣٧).
[ ٢ / ٥٩٤ ]
الظّرف، والعَامِلُ فيه: "قَدِم". وجملة "قَدِم" معمُولَة للقَول.
و"أصْحَابه": مَرفُوعٌ، معطُوفٌ على "رَسُول اللَّه"، ويجُوز فيه النّصب على أنَّه مفعُولٌ مَعه.
قوله: "فأمَرَهُم أنْ يجعلوها عُمرة": تقَدّم الكَلامُ على "أمَر" في أوّل "باب السّواك". و"أنّ" في محلّ نَصب بـ "أمَرَ"، أو جَر، على الخِلاف. وعَلامَةُ النصب في " [يجعلوها] (١) حَذفُ "النون".
ويحتَمل أنْ تكُون "جَعَلَ" بمَعنى "صَيّر"؛ فتكُون "عُمْرَة" خَبرهَا. ويحتَمل أنْ تكون بمَعْنى "سَمّى"، أي: ("أمَرَهُم أنْ يُسَمّوهَا عُمْرَة". وقَد تقَدّم الكَلام على "جَعَلَ" في الرّابع مِن أوّل الكِتَاب.
قوله: "قَالُوا: يا رَسُولَ اللَّه، أيّ الحِلّ": أي: "قَالَ أصْحَابُه المحْرِمُون بالحَجّ. . . ". و"أيّ الحِلّ؟ " يجُوزُ فيه الرّفعُ على الابتِدَاء، والخبرُ محذُوفٌ، أيْ: "أيّ الحِلّ نُحِلّه".
ويكُون قَوله: "الحِلّ كُلّه" مُبتَدأ خَبره محْذُوفٌ، أي: "الحِلّ كُلّه أَحِلُوا"، ويكون "كُلّه" تأكيدًا للحِلّ. أو تُقَدّر له مُبتدأً، أي: "هُو الحلُّ كُلّه". ويجوزُ النّصبُ، أي: "أحِلّوا الحِلّ كُلّه".
ويجوز أيضًا على المصدَر، أي: "أيّ الحِلّ نُحِلّ؟ "؛ لأنّ "أيًّا" إِذَا أضيفت إِلَى المصْدَر انتصبت [انتصابه] (٢)، فأعربت مَصْدرًا، وكذلك إِذَا أُضيفت إِلَى مَكَان كانت مَكانًا، أو إِلَى زَمَان كَانت زَمَانًا (٣).
_________________
(١) بالنسخ: "يجعلونها".
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "النهاية".
(٣) انظر: ضياء السالك (٤/ ٤٦)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٠٤).
[ ٢ / ٥٩٥ ]
والعَامِلُ في "أيّ": "نحِلّ".
لكن الرّوَايةَ إِذَا عُلِمَت اتبعَت.
وجاز تأكيد "الحلّ" بـ "كُلّ"؛ لأنّ الحِلّ يتجزئ، فبعضه بالرّمي، وبعضه بالإفَاضَة. ولم يسألُوا عَن ذَلك، وإنَّما أرادوا بالاستفهام التحقيق في الجواب، هل هو الحِلّ الذي يعهَدُونه من الإحرام؟ أو هو حِلّ آخَر يختصّ [بتلك] (١) الحجّة في ذلك الإحرام؛ فأجَابَهم النّبي -ﷺ- عَن ما اشتبه عليهم.
الحدِيث الرّابع:
[٢٤٠]: عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ -وَأَنَا جَالِسٌ- كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسِيرُ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: "كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ" (٢).
العَنَقُ: "انبساطُ السَّيرِ". والنَّصُّ: فوق ذلكَ.
قَالَ الشّيخُ تقيّ الدِّين: هَذا الحديثُ لا يتعَلّق بفَسْخ الحَج إِلَى العُمرة، وأدْخَله المصَنِّف في بابه. (٣)
قوله: "عن عُروة": أي: "رُوي عن عُروة أنّه قَالَ"، فـ "أنّه قَال" في محلّ المفعُول الذي لم يُسَمّ فَاعِله. [. . . أسَامَة] (٤).
و"كيف" تأتي بعْد "سَأل" لتسدّ مَسَد المفعُول الثّاني؛ لأنّ "سَأل" تجري مجرَى
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) رواه البخاري (١٦٦٦) في الحج، ومسلم (١٢٨٦) (٢٨٣) في الحج.
(٣) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٩١).
(٤) كذا بالأصل. والراجح أنّ بالموضع سقطًا واشتباهًا من النّاسخ، ولعل السقط أن يكون: "وسُئل: فِعلٌ مبني لما لم يُسَم فاعله، والمفعولُ الذي لم يُسَمّ فاعله: أسامة". وراجع: إرشاد الساري (٦/ ٤٤٩).
[ ٢ / ٥٩٦ ]
أفعَال القُلوب؛ لكَونه يَظْهَر به مَا في القَلْب. (١)
وجملة "وأنَا جَالِس" مِن مُبتدأ وخَبر، في محلّ الحال، و"الواو" "واو" الحَال. وقد تقَدّم الكَلامُ على الجُمَل الحالية في الثّالث من "المذي". و"أنَا": ضَمير مَرفُوع مُنفَصِل (٢).
و"كَيْف" هُنا يحتمل أنْ تكُون منصُوبة المحَلّ على المصْدَر، أيْ: "أيّ سَير كَان يَسير رَسُول اللَّه؟ ". ويحتمل أن تكُون حَالًا، أي: "أمعنقًا أو منصًّا؟ "، فهو حَالٌ من فَاعِل "يَسير".
وجملة "يَسير" في مَوضِع خَبر "كان".
و"حين": ظَرْفُ زَمَان، العَامِلُ فيه: "يَسير". و"دَفَع" جملة في محلّ جَر بالظّرْف. وتقَدّم الكَلامُ على "حين" في الخامِس مِن "صِفَة صَلاة النبي -ﷺ-".
قولُه: "كَان يَسير العَنَق": "كَان" واسمها وخبرها، فاسمها مُستتر في "كان" ضَميرٌ يعُود على "النبي -ﷺ-"، والخبرُ جملة "يَسير".
و"العَنَق": بفتح "العَين" و"النّون"، اسمُ المصْدَر، والمصْدَرُ من "أعْنَقَ"، "إعْنَاقًا". (٣) فالمرادُ هُنا: "كَان يَسير سَير العَنَق"، فحذف المضَافَ وأقَامَ المضَافَ إليه مَكَانه، أو يكُون التقدير: "سَيرًا مثل سَير العَنق".
قولُه: "فإذَا وَجَدَ فَجْوَةَ نَصّ": تقَدَّم الكَلامُ على "إذا" في الحديث الثّاني مِن الأوّل، وجَوَابها: "نَصّ"، وهُو العَامِلُ فيها إن قُدِّر فِعْلها في محلّ جَر بالإضَافَة إليها،
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٣٥)، (٢/ ٣٤٩)، شرح الأشموني (١/ ٣٧١)، توضيح المقاصد (١/ ١٥٣، ٥٥٩)، جامع الدروس العربية (١/ ٣٥).
(٢) راجع: النحو الوافي (٣/ ٦٣١).
(٣) انظر: النهاية لابن الأثير (٣/ ٣١٠)، لسان العرب (١٠/ ٢٧٤).
[ ٢ / ٥٩٧ ]
وإلّا ففِعْلُها العَامِلُ فيها، وقد تقَدّم. و"وَجَد" تقَدّم الكَلامُ عليها في الثّاني من "باب الاستطابة"، وهي هُنا بمَعنى: "أصَاب".
و"الفَجْوَة": "الفُرْجَةُ بين الشّيئين". (١)
و"النّصّ": "غَايةُ [الشيء] (٢) وأقْصَاه"، ثم سُمّي به ضَرْبٌ من السّير، قاله ابنُ الأثير. (٣)
الحدِيث الخَامِس:
[٢٤١]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَقَفَ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فقَالَ: "اذْبَحْ وَلا حَرَجَ". وَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فقَالَ: "ارْمِ وَلا حَرَجَ". فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إلَّا قَالَ: "افْعَلْ وَلا حَرَجَ" (٤).
قَالَ الشّيخُ تقيّ الدِّين: "الشّعور": "العِلْم"، وأصله من المشَاعر، وهي الحوَاسّ؛ فكأنه يستند إلى الحواسّ. انتهى. (٥)
قوله: "أنّ رَسُولَ اللَّه -ﷺ-": فُتِحَت "أنّ" لأنّها في موضِع القَائم مَقَام فَاعِل مُتعَلّق حَرْف الجرّ.
وجملة "وَقَفَ" في مَوضِع خَبر "أنّ". قالَ ابنُ الأثير: يُقَال: "وَقَفْتُهُ"، فَـ "أوَقَفَ" و"اتَّقَفَ"، أصلُه: "اوتَقَفَ"، "افتَعَل"، من "الوقوف". (٦)
_________________
(١) انظر: المصباح المنير (٢/ ٤٦٣).
(٢) بالنسخ: "السير". والمثبت من المصادر.
(٣) انظر: النهاية لابن الأثير (٥/ ٦٤)، لسان العَرب (٧/ ٩٨).
(٤) رواه البخاري (١٧٣٦) في الحج، ومسلم (١٧٣٦) في الحج.
(٥) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٩١).
(٦) انظر: النهاية لابن الأثير (٥/ ٢١٦).
[ ٢ / ٥٩٨ ]
و"في حَجّة": يتعَلّق بـ"وَقَف". والمرادُ: "في زَمَن. . . حجّة الوَدَاع": والاسمُ مُرَكّب تركيب إضَافة، عَلَم على "حجّة النبي -ﷺ- التي لم يحجّ بعْدَها"، إلَّا أن تكُون الالِف واللام بعْدَها [عِوضًا] (١) مِن ضَمير الإضَافَة، أي: "في حجّة وَدَاعِه"؛ فينتقِل عَن مَعنى العَلَمِيّة.
وهُنا محذُوفٌ، أي: "وَقَف في حجّة الوَدَاع بعَرَفَة".
و"الوَدَاع": بفَتْح "الوَاو": [اسمٌ] (٢) للتودِيع. (٣)
قوله: "فجَعَلوا يسْألُونه": معطُوفٌ على "وَقَف". و"جَعَل" هُنا مِن أفعَال المقَارَبة (٤)، خبرها: جملة "يسألُونه"، وتقَدّم الكَلامُ عَليها في الحديث الرّابع مِن أوّل الكتاب، واسم "جَعَلَ" يعُود على محذُوفٍ تقْدِيره: "فوَقَفَ للنّاس فجَعَلُوا يسْألُونه". وهنا محذُوفٌ تقْديره: "يَسْألُونه عَن أفْعَال الحَجّ".
وجملة "فقَالَ رَجُلٌ" معطُوفَة على "يسألُونه"، وإن لم [يجر] (٥) مجراهَا، وَلَا [يحلّ] (٦) محلّها، وقد تقَدّم أنّ ذَلك عندهم ليس بمَشْروطٍ في المعطُوف عليه. (٧)
_________________
(١) بالنسخ: "عوض".
(٢) سقط بالنسخ. وقد سبق نظيره.
(٣) انظر: إكمال الأعلام بتثليث الكلام (٢/ ٧٥٠).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ١٣٧)، (٤/ ٣٨٤)، شرح المفصل (١/ ٤٣)، شرح ابن عقيل (١/ ٣٢٣)، أوضح المسالك (١/ ٣٠٤)، همع الهوامع (١/ ٤٧١).
(٥) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "يجر".
(٦) كذا بالنسخ.
(٧) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٥٥)، (٢/ ٣٤٩)، (٥/ ٢٣٧)، (٦/ ٢٣)، (١٠/ ٢٤٦)، تفسير القرطبي (٣/ ٢٧)، إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص ١٧، ١٥٨، ١٩٣)، عقود الزبرجد للسيوطي (٣/ ١٥٥)، اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٨٦، ٨٧)، مغني اللبيب (ص ٦٦٨)، شرح التصريح (١/ ١٥٨)، شرح المفصل =
[ ٢ / ٥٩٩ ]
قوله: "لم أشْعُر": الجمْلَة معمُولَة للقَوْل، التقديرُ: "حَلَقتُ قبل الذّبح ولم أشْعُر"، لكنّه قَدّم مَا يدْفَع عنه اللَوم ويقيم له العُذر، وهو عَدَم شُعوره؛ ولذلك أتى بـ "الفَاء" المقتَضية للسّببيّة.
ويحتمل أن يكُون التقديرُ: "لم أشْعُر بالمنْع -أو بالحُكْم- فحَلَقتُ".
وتقَدّم الكَلامُ على "قبْل" و"بعْد" في الرّابع مِن الأوّل.
قولُه: "أنْ أذْبَحَ" و"أنْ أرْمِي": في مَوضِع جَرّ بالإضَافَة، أي: "مِن قبْل الذّبح" و"مِن قبْل الرّمي".
قوله: "اذْبَح": يحتمل أنْ يُريد النبي -ﷺ- "في المستقبَل، في إحْرَام غير هَذَا"، "وَلَا حَرَجَ" إنْ كَان ذَبَح ورَمَى، أو إنْ كَان ذَبَح ولم يَرْم؛ فالأمرُ على ظَاهِره. (١)
وخبرُ "لا" محذُوفٌ، أي: "لا حَرَجَ عَليْك"، مثل: "لا بَأس" (٢). وجَاز هُنا إنْ عَملَت "لا" عَمَل "إنّ" حَذفُ الخبر، كما جَاز فيها إِذَا عَملَت (٣) عَمَل "ليس" في قَولهم:
مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرَانِهَا فَأنَا ابنُ قَيْسٍ لَا بَرَاحُ (٤)
_________________
(١) = (٥/ ١٢٩)، شرح الأشموني (١/ ٣٧١)، شرح ابن عقيل (٢/ ٩٧).
(٢) انظر: إكمال المعلم (٤/ ٣٨٩)، الإعلام لابن الملقن (٦/ ٣٥١)، شرح الزرقاني على الموطأ (٢/ ٥٨٩).
(٣) انظر: عمدة القاري (٢/ ٨٩)، الإعلام لابن الملقن (٦/ ٣٥١)، عقود الزبرجد (٢/ ٨٢)، أمالي ابن الشجري (٢/ ٦٥).
(٤) أي: "لا".
(٥) البيتُ من مجزوء الكامل، وهو لسعد بن ناشب، أو لسعد بن مالك بن ضبيعة. ويروى فيه: "مَن فرَّ". انظر: الكتاب (٢/ ٢٩٦)، أمالي ابن الشجري (١/ ٤٣١)، خزانة الأدب (١/ ٤٦٧)، (٤/ ٣٩)، لسان العرب (٢/ ٠٩ ٤)، المعجم المفصل (٢/ ٥١، ٧٨).
[ ٢ / ٦٠٠ ]
أي: "لا برَاحَ لِي". (١)
والجمْلَة في محلّ الحَال، أي: "افْعَل ذَلك غَير آثِم".
قولُه: "فجَاءَ رَجُلٌ آخَر": "آخَر" ["أفْعَل"] (٢)، ولم يجئ هُنا لمعنى التفضيل، إنّما جَاءَ لمعنى الوَصْف بالتأخّر عَن الذي قبْله. (٣)
قولُه: "فقَالَ: لم أشْعُر فنَحَرْتُ قبْل أنْ أرْمي. فقَالَ: ارْم": [فِعْلُ أمْر، محذُوف حَرْف العِلّة] (٤). و"لا حَرَج" إعرابه كإعْرَاب الذي قبْله.
وعَلامَةُ النّصب في "أنْ أرْمي" الفتْحَة، ولَو كَان مَرفُوعًا لكَانَت الضّمّة مُقَدّرَة، أو مجزومًا لكَان بحَذْف "الياء".
قولُه: "فما سُئل عَن شيء": أي: "مَا سُئل النبي". وتقَدّم الكَلامُ على "سَألَ" في الثّاني عَشر مِن "بَاب صِفَة الصّلاة".
والعَامِلُ في "يَومئذ": "سُئِل".
وتقَدّم الكَلامُ على "شَيء" في الحديثِ الثّاني مِن "باب المرور".
و"قُدِّم" و"أُخِّر": فِعْلان مَاضِيان مَبنيّان للمَفْعُول، في محلّ الصِّفة لـ "شيء"،
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٨١ وما بعدها)، إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص ٢٠١)، عقود الزبرجد (٢/ ٨١)، أمالي ابن الشجري (١/ ٤٣١)، (٢/ ٦٥، ٦٦، ٥٣٠)، إيضاح شواهد الإيضاح (٢/ ٧٠٨)، شرح ديوان الحماسة للمرزوقي (ص ٣٥٩، ٣٦٠)، الجليس الصالح الكافي (ص ١٣)، مغني اللبيب (ص ٣١٥)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٢٣٨)، شرح الأشموني (١/ ٢٦٧)، أوضح المسالك (١/ ٢٧٥)، القاموس المحيط (ص ١٣٥٢)، الهمع (١/ ٤٥٦، ٤٥٧).
(٢) بالنسخ: "فعل". والمثبت بالرجوع للمصادر.
(٣) انظر: شرح الشذور لابن هشام (ص ٥٨٩)، شرح قطر الندى (ص ٣١٦)، شرح التصريح (٢/ ٣٢٧، ٣٢٨)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٢١).
(٤) زيادة من (ب).
[ ٢ / ٦٠١ ]
والمرادُ: "مِن مَسنُونَات الحَجّ غير المرتّبَة". وأمّا المترتّب مِن المنَاسِك: فلا يجُوزُ تقديمُ بعضِه على بعْض.
قولُه: "وَلَا أُخِّر": بزيَادة "لا" النّافية؛ تأكيدًا للنّفي في قولِه: "ما سُئل"، أي: "وَلَا سُئل عَن شيءٍ أُخِّر"، فحَذف الجملَة كُلّها لدلالَة النفي عليها، ولو لم تَأت "لا" لم يتَخَلّص هَذَا المعْنى.
قوله: "إلّا قَالَ": إيجابُ للنّفي. و"قَالَ" في محلّ الحَال، وهو [أحَد] (١) الموَاضِع التي يجب حَذْف "قَد" فيها مَع الماضي الوَاقِع حَالًا. وقد تقَدّم أنّ مِثال ذَلك: "مَا تكَلّم إلّا قَالَ حَقًّا" (٢)، وذَكَرنا ذَلك في الحديثِ السّابع مِن أوّل الكتاب.
وجملة "افْعَل وَلَا حَرَج" معمُولة للقَول.
ويجوز في "الواو" في قَوله: "وَلَا حَرَج" أنْ تكُون بمعنى "البَاء"، أي: "افْعَل بلا حَرَج". وقد سُمِع مِن كَلامِهم: "بعْتُ شَاةً ودِرْهمًا"، أي: "بدِرْهَم". (٣)
وقيل في قولِه تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢]: إنّ "الواو" بمعنى "الباء"، أي: "خَلَطُوا عَمَلًا صَالحًا بآخَر سَيئًا". (٤)
_________________
(١) بالنسخ: "واحد".
(٢) انظر: شرح المفصل (٢/ ٢٨)، شرح التسهيل (٢/ ٣٥٩)، شرح الأشموني (٢/ ٣٢)، توضيح المقاصد (٢/ ٧٢١، ٧٢٢)، مغني اللبيب (ص ٥٣٧)، الصبان (٢/ ٢٦٢، ٢٦٣، ٢٨٠)، الهمع (٢/ ٣٢٢، ٣٢٥، ٣٢٦)، النحو الوافي (٢/ ٣٩٧).
(٣) انظر: البحر المحيط (٥/ ٤٩٨)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٤٦٩، ٨٢٥)، شرح التسهيل لابن مالك (٢/ ٣٢٤).
(٤) انظر: البحر المحيط (٥/ ٤٩٨).
[ ٢ / ٦٠٢ ]
الحدِيث السَّادِس:
[٢٤٢]: عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ: أنَّهُ حَجَّ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَرَآهُ يَرْمِي الْجمْرَةَ الْكُبْرَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: "هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبقَرَةِ، -ﷺ-" (١).
قوله: "أَنَّهُ حَجّ": فُتِحَت "أنّ" لأنّها معْمُولة للعَامِل في حَرْف الجر. وجملة "حَجّ" في محل خَبر "أن".
و"مَع ابن مَسْعُود": مُتعَلّق بـ "حَجّ". و"مَع" تقَدّم الكَلامُ عَليها في الحديثِ الأوّل مِن "المسْح على الخُفَّيْنِ".
وجملة "فَرَآه" معطُوفَة على جملة "حَجّ". والضّميرُ البَارِز في "رآه" يعُود على "ابن مَسْعُود"، والمستتر يعود على "عبد الرحمن". والرؤية بَصَريّة تتعَدّى إلى مفعُول واحِد.
وعلى هذا: تكون جملة "يَرمي" في محلّ حَال من ضَمير "عبد اللَّه بن مسعود". و"الجمرة" مفعُولُ "يَرمى"، و"الكُبرى" صِفة "الجمرة".
و"كُبْرَى": "فُعلى"، تَأنيثُ "أكْبَر" (٢)، تقَدّم الكَلامُ على هَذا المثَال في الثّاني من "باب دخُول مَكّة".
ويحتمل وَصْفها بـ "الكُبرَى" أنْ يكُون لأجْل أنّها تختصّ بالرّمي في اليوم الأوّل دون أختيها، أو لأنّها في نَشَز (٣) من الأرْض بخلاف أختيها، أو لأنّها أقرَب إِلَى
_________________
(١) رواه البخاري (١٧٤٧) في الحج، ومسلم (١٢٩٦) (٣٠٧) في الحج.
(٢) انظر: العين (٥/ ١٨٧)، النهاية لابن الاثير (٤/ ١٤٠)، المخصص (٥/ ٥٨)، تاج العروس للزبيدي (١٤/ ٩).
(٣) النَّشَزِ: المرتفع من الأرض. انظر: النهاية لابن الأثير (٥/ ٥٥).
[ ٢ / ٦٠٣ ]
البيت؛ فلهَا شَرَفٌ زَائد بذَلك. (١) واللَّه أعلم.
قوله: "بسَبع حَصَيات": هو جمعُ "حَصَاة"، مثل: "بَقَرَة" و"بَقَرات". ويُقَال: "حَصَاة" و"حَصَى". (٢) و"الباء" في "بسبع": "باء" الاستعانة. و"سبع": اسم جمع، وسقطت العَلامَة منه على القَاعِدة في عَدَد المؤنّث.
قوله: "فجَعَلَ البيت": معطُوفٌ على مَا قبله، أي: "جهة منى"؛ لأنّه واقِفٌ في مِنى.
قوله: "ثُمَّ قَالَ" أي: "عبد اللَّه بن مسعود". "هَذا مَقَامُ الذي أُنزِلَت": "المقَام": "مَفْعَل"، مِن"القِيَام"، ويكُون للمَصْدَر والزّمَان والمكَان (٣)، والمرادُ به هُنا: المكَان.
و"هَذا" مُبتَدأ، و"مَقَام" خَبره. و"الذي أُنزِلَت": جملة "أُنزِلَت" صِلَة "الذي"، والعَائدُ الضّميرُ في "عَليه". و"سُورَة": مفعُولٌ لم يُسَمّ فَاعِله لـ "أُنزِلَت". والجمْلَة مِن الصِّلَة والموصُول في موضِع جَر بالإضَافة إِلَى "مَقَام".
وإنَّما خَصّ "سُورة البقرة" لما اشتملت عليه من أحكَام الحَجّ. (٤)
_________________
(١) انظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٢/ ١٦٤)، الإعلام لابن الملقن (٦/ ٣٥٧، ٣٥٨)، مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ١٩٣)، مجمع بحار الأنوار (٥/ ٥٩٩)، المبدع في شرح المقنع لابن مفلح (٣/ ٢١٨).
(٢) انظر: الصّحاح (٦/ ٢٣١٥).
(٣) انظر: الصّحاح (٥/ ٢٠١٧)، المصباح (٢/ ٧٠٠، ٧٠١).
(٤) انظر: فتح الباري (٣/ ٥٨٢)، نيل الأوطار (٥/ ٨٠).
[ ٢ / ٦٠٤ ]
الحدِيث السّابِع:
[٢٤٣]: عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عمر: أَنَّ رَسُولَ اللَّهَ -ﷺ- قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ". قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالْمُقَصِّرِينَ (١). قَالَ: "وَالْمُقَصِّرِينَ" (٢).
قوله: "اللهم": مُنَادَي، عُوّض من حَرْف النِّداء "الميم" عند البصريين؛ ولذلك لم يجمَعُوا بينهما إلّا في ضَرورة، كقوله:
إنِّي إذَا مَا حَدَثٌ ألَمَّا أَقُول: يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا (٣)
خلافًا للفَرّاء (٤)؛ فإنه يقُول: الأصْلُ: "يا اللَّه أُمّنَا بخَير".
ورُدّ هَذا بقَوله تعالى: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ﴾ [الأنفال: ٣٢]؛ لما فيه مِن التنَاقُض. (٥) وتقَدّم ذِكْرها في الحديثِ الأوّل مِن "الاستطابة".
قوله: "ارْحَم المحَلّقين": قَالَ ابنُ الأثير: "المحَلِّقُون": "الذين حَلَقوا شُعورهم
_________________
(١) ببعض نُسَخ العُمدة: "وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ".
(٢) رواه البخاري (١٧٢٧) في الحج، ومسلم (١٣٠١) (٣١٧) في الحج.
(٣) البيتُ من الرجز، وقد سبق. انظر: الحماسة البصرية (٢/ ٤٣١)، خزانة الأدب للبغدادي (٢/ ٢٩٥)، المعجم المفصل (١٢/ ٨٢).
(٤) انظر: أمالي ابن الشجري (٢/ ٣٤٠)، الهمع (٢/ ٦٤).
(٥) انظر: ما يجُوزُ للشاعر في الضرورة (ص ٢٤٠)، أمالي ابن الشجري (٢/ ٣٤٠، ٣٤١)، أسرار العربية (١٧٦، ١٧٧)، سر صناعة الأعراب (٢/ ٩٤، ١٠٣)، شرح التسهيل (٣/ ٤٠١)، الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ٢٧٩ وما بعدها)، شرح المفصل (١/ ٣٦٦، ٣٦٧)، شرح الشذور للجوجري (١/ ٣٢٥)، شرح التصريح (٢/ ٢٢٤)، همع الهوامع (٢/ ٦٣ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٥٤)، النحو المصفَّى (١/ ٤٩٨).
[ ٢ / ٦٠٥ ]
في الحج أو العُمرة". وإنّما خَصّهم بالدّعَاء دون "المقَصّرين" -وهم الذين أخَذُوا مِن أطْرَاف شعورهم، ولم يحلِقُوا- لأنّ أكثر مَن أحْرَم مع النبي -ﷺ- لم يكُن [لهم] (١) هَدْيٌ، وكَان النبي -ﷺ- قد سَاقَ الهَدْيَ، ومَن معه هَدْي فإنّه لا يحلِق حَتَّى ينحَر هَدْيَه، فلمّا أمر مَن ليس معه هَدْي أن يحلِق ويُحِلّ وَجَدوا في أنفسهم مِن ذلك، وأحَبّوا أن يأذَن لهم في المقام على إحْرَامهم حَتَّى يُكْمِلُوا الحَجّ، وكانت طَاعَة النبي -ﷺ- أوْلى [بهم] (٢)، فلَمَّا لم يكُن لهم بُدّ مِن الإحْلال كَان التقصير في نفوسهم [أخَفّ] (٣) مِن الحَلْق؛ فمالَ أكثرهم إليه، وكَان فيهم مَن بادَر إِلَى الطّاعَة وحَلَق ولم يُراجِع؛ فلذلك قَدّم المحَلّقين وأخَّر المقَصِّرِين. (٤)
قوله: "قالوا: يا رَسُولَ اللَّه، والمقَصِّرين؟ قَالَ: والمقَصِّرين": هَذَا معطُوفٌ على محذُوف، تقديره: "يا رَسُولَ اللَّه، قُل: اللَّهُمَّ ارْحَم المحلّقين والمقصرين". ويحتمل أن يكُونوا أرادوا "واو مَعَ" لا "واو العَطْف"، فقالوا: "يا رسول اللَّه مع المقصِّرين". والأوّل أظهَر؛ لأنه في الآخرة أجابهم بطِبْق سُؤالهم. (٥)
وانظر كيف قَالوا أوّل مُرَّة: "والمقَصّرين يا رسُولَ اللَّه" وفي الثّانية: "يا رسُولَ اللَّه والمقَصِّرين"، فقَدَّموا "المقَصّرين" في أوّل سُؤَالهم، وأخَّروهم في المرّة الثّانية، وهَذا فيه [ضَرْبٌ] (٦) من التلطّف ودَفْع المعَارَضَة؛ لأنّهم في الأولى قدّموا ما هُم عليه
_________________
(١) كذا بالنسخ. وفي "النهاية": "معهم".
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب)، وهو ما في "شرح المشكاة للطيبي" (٦/ ٢٠٠٩). وفي "النهاية لابن الأثير" (١/ ٤٢٧): "لهم".
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٤٢٧). وراجع: شرح المشكاة للطيبي (٦/ ٢٠٠٩) مرقاة المفاتيح (٥/ ١٨٣٠)، لسان العرب (١٠/ ٦٠).
(٥) راجع: شرح المشكاة للطيبي (٦/ ٢٠٠٩)، مجمع بحار الأنوار (٤/ ٢٨٠).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٦٠٦ ]
أحْرَص وثنّوا بتنبيهه بحَرْف النداء وتعظيمه بصفته العُظمَي، وفي الثّانية بدَؤوا بتعظيمه والتضرّع إليه وثنّوا بمَقصودهم ومُعظم حَاجتهم، [ولعَلّ] (١) ذلك [أنْ] (٢) يكُون من الأسباب المليّنة له في إجابتهم. واللَّه أعلم.
فقوله: "والمقَصِّرين" معْطُوفٌ على "المحَلّقين"، وإن فَصَل بين الكَلامَين كَلامهم وسُؤَالهم.
الحدِيث الثَّامِن:
[٢٤٤]: عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا حَائِضٌ. [قَالَ] (٣): "أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا قَدْ أفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ. قَالَ: "اخْرُجُوا" (٤).
وَفِي لَفْظٍ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "عَقْرَى حَلْقَى، أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟ ". قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: "انْفِرِي" (٥).
قال الشيخُ تقيّ الدِّين: ["عَقْرَى"] (٦) مفتُوحُ "العَين" سَاكنُ "القاف"، و"حَلْقى" مفتوح "الحاء" سَاكن "اللام".
وآخِر اللفظَين بـ "ألِف" التأنيث المقصُورة مِن غَير تنوين.
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) بالنسخ: "فقال". والمثبت من العُمدة، وعليه الشرح.
(٤) رواه البخاري (١٧٣٣) (١٧٥٧) في الحج، ومسلم (١٢١١) (٣٦٨) في الحج.
(٥) رواه البخاري (١٧٧١) في الحج.
(٦) بالنسخ: "عَقْرى حَلْقى". والمثبت من "إحكام الأحكام".
[ ٢ / ٦٠٧ ]
وقَالَ بعضُهم: "عَقْرَىً حَلْقَىً" بالتنوين؛ لأنه أشْعَر أنّ الموضِع مَوضِعُ دُعَاء، فأجراه مجرى كلام العَرَب في الدُّعَاء بالفَاظ المصَادر، فإنها مُنَوّنة، كقَولهم: "سَقْيًا" و"رَعْيًا" و"جَدْعًا" و"كيًّا".
وقيل: "عَقْرَى" بمَعنى "عَقَرَهَا اللَّه".
وقيل: أرَاد "عَقَرَ قَومَها".
وقيل: "جَعَلها عَاقرًا لا تَلِد".
وأمّا "حَلْقَى": فإمّا بمعنى "حَلَق شَعْرها"، أو بمعنى "أصابها وَجَع في حَلْقها"، أو بمَعنى "تحْلِقُ قَومَها بشُؤمِهَا".
وقيل: هَذا من الكَلام الذي كثر على ألسِنة العَرَب، حَتَّى لا يُرَاد به أصْل مَا وُضِع له، كقولهم: "تَرِبَت يَدَاك"، و"قَاتَلُه اللَّه"، و"أفْلَحَ وأبيه"، وغير ذلك من الألفاظ. (١)
قوله: "حَجَجْنَا مَع النبي -ﷺ- فأفَضْنا": المعنى: "شَرَعْنا في أفعَال الحَجّ، فأفَضْنا"، فالفِعْل في الحقيقة على المقَدّر. و"يَوم" ظَرْفٌ، العَامِلُ فيه: "أفَضْنا". والضّميرُ في "أفَضْنا" ضَمير الفَاعِل، وهُو كِنَاية عَن "عَائشة وأزْوَاجه"؛ لأنّ النّاس كُلّهم لم يُفيضوا في ذلك اليوم.
وفيه: أنّ أزواجه إفاضتهن لم يكُن للنبي عِلْم بمَن تأخّر مِنْهُن عَن الإفَاضَة، حَتَّى قالت له عَائِشَة: "إنها أفاضَت".
وعليه مِن الإشْكَال: أنّه إِذَا شَكّ في إفاضة صَفية، كيف طَلبها لحاجَته قبل إفاضَتها؟ إلا أنْ يحمَل أنّه عَلم بإفاضَتهن من حيث الجُمْلَة، فلَمَّا أخبر بحيضتها خَشِي أن تكُون تأخّرَت عَنهُن بسبب حيضتها فلم تُفِض؛ فقَالَ ذَلك، فأخبرته أنّ
_________________
(١) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٩٦).
[ ٢ / ٦٠٨ ]
الحيضَة جَاءَت بعْد إفَاضَتها.
قوله: "فَأرَاد منها ما يُريد": "مَا" مَوصُولَة مفْعُولَة، والعَائِدُ عَليهَا ضَميرٌ منصُوب محذُوف، التقدير: "الذي يُريده الرّجُل". وتقَدّم أنّ ضَمير المفعُول يحذَف غَالبًا مَع "شَاء" و"أرَاد" (١). و"مِن أهْله" يتعلّق بـ "يريد".
قوله: "فقُلتُ: يا رَسُولَ اللَّه، إنّها حَائِض": الجملَة كُلّها معمُولة للقَول. وقَال: "حَائض"، ولم يقُل: "حَائِضَة"؛ لأنّها صِفَة لا يشركها فيها الذّكَر، كـ "طَامِث" و"مُرْضِع" (٢).
قوله: " قَالَ: أحَابستنا هِي؟ ": "أحابستنا" مبتدأ معتَمد على "همزة" الاستفهام، ووَقَع هُنا صِفَة مُطَابقة لمفْرَد؛ فيجُوز فيها ما يَجوز في: "أقَائمٌ زَيدٌ؟ " من الرّفع على الابتداء، و"زَيدٌ" فَاعِل سَدّ مَسَد الخبر، أو الرّفْع على الخبر، و"زَيدٌ" مبتدأ. (٣)
ونظيرُ هَذه المسألة: قولُه -ﷺ-: "أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ " (٤). (٥)
وَلَا يَجوز أن يكون "حابستنا" مبتدأ، و"هي" خبره؛ لأنّ "حابستنا" إضافته غير معرفة؛ لأنّ اسمَ الفَاعِل لا يتعرّف بالإضَافة إِذَا كان بمعنى الحال أو
_________________
(١) انظر: تفسير الزمخشري (١/ ٨٧)، البحر المحيط (١/ ١٤٥).
(٢) انظر: الأصول في النحو لابن السّرّاج (٣/ ٨٤)، شرح الكافية الشافية (٤/ ١٧٣٧)، شرح المفصل (٣/ ٣٧١ وما بعدها)، المقتضب (٣/ ١٦٣)، البلغة في الفرق بين المذكر والمؤنث للأنباري (ص ٨٥، ٨٦)، لسان العرب (٨/ ١٢٧).
(٣) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٩/ ١٣)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٧٢٣)، شرح الأشموني (١/ ١٨٢)، شرح الكافية الشافية (١/ ٣٣٢)، شرح ابن عقيل (١/ ١٩٧، ١٩٨)، الهمع للسيوطي (١/ ٣٦٣).
(٤) متفقٌ عليه: البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠/ ٢٥٢)، من حديث عائشة.
(٥) انظر: شواهد التوضيح (ص ٦٣ وما بعدها)، عقود الزبرجد (٣/ ١٩٩ وما بعدها)، نتائج الفكر (ص ٣٢٨)، الهمع (١/ ٣٦٣).
[ ٢ / ٦٠٩ ]
الاستقبال (١)، والمعنى هُنا على الاستقبَال.
وإنَّما جاز أن يكُون مُبتدأ؛ لكونه اعتمَد على همزة الاستفهام.
وإنَّما منعناه من أن يكون خَبرًا عن ["هي"؛ لأنّه لا يَجوز أن يخبر عن] (٢) النّكرة بالمعرفة (٣)؛ فلذلك قُلنا: يَجوز في "هِي" الوَجْهَان من الرفع على الفَاعِلية؛ لأنّ الصّفة قد اعتَمَدت، أو الرّفع على الابتداء. وهَذان الوَجْهَان جائزان فيه، وفيما هو على المثال.
بخِلافِ قَولك: "أقَائمٌ الزّيْدَان؟ "، فإنّه لا يجوزُ في "أقائم" إلّا الرّفع على الابتداء، وفي "الزيدان" الرّفع على الفَاعِلية؛ لأنّ الوَجْه الآخَر -وهو أن يكون "الزيدان" مُبتدأ، و"قَائِم" خبر مُقَدّم- مُتعَذّر؛ لأنّ المبتَدأ المثنّى لا يُخبر عنه بمُفْرَد؛ وإذا تعَذّرَت المطَابَقَة امتَنَع الابتدَاء في "الزّيدان". (٤)
ويبقى هُنا [سُؤال] (٥)، وهو على "ابن الحاجب" في قَوله في كافيته: "أو الصِّفَة. . . رَافعَة لظَاهر" (٦)، يعني: أنّ شرط الصّفة المعتَمدة على نفي أو استفهام أن
_________________
(١) انظر: شواهد التوضيح والتصحيح (ص ٦٥)، عقود الزبرجد للسيوطي (٣/ ٢٠١)، مغني اللبيب (ص ٦١٢، ٦١٣).
(٢) كتبت بالهامش، وبعدها: "صح أصل"، وهو دليل على أنّ النسخة قد قوبلت على الأصل. واللَّه أعلم.
(٣) انظر: البحر المحيط (٣/ ٢٦٨)، عقود الزبرجد (١/ ٣٨٩)، مُغني اللبيب (ص ٧٦٨)، شرح المفصّل (٤/ ٨٥)، شرح القطر (ص ١٢٤).
(٤) انظر: البحر المحيط (٢/ ٧٤٦)، (٧/ ٢٢٩)، عقود الزبرجد (٣/ ٢٠٢)، مغني اللبيب (ص ٦١٣)، شرح المفصل (١/ ٢٤١، ٢٤٣)، اللمحة (١/ ٢٩٨)، شرح ابن عقيل (١/ ١٨٩)، شرح الكافية الشافية (١/ ٣٣١، ٣٣٢، ٤٧٨)، شرح القطر (ص ٤٤، ١٢١)، الهمع للسيوطي (١/ ٦٩، ٣٩٥).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: الكافية في علم النحو (ص ١٥).
[ ٢ / ٦١٠ ]
تكون رِافعَة لاسم ظَاهر، لا رَافعة لاسم مُضمَر، وهذا هُنا اسمٌ مُضمَر، ويجوز فيه ما يَجوز في الاسم الظّاهر من جَواز [الوَجْهين] (١) مع المطَابقة في رَفع المضمَر؟
قال النّيلي (٢): الظّاهر أنّه أرَاد بـ "الظّاهر" المنفَصل؛ لأنّ الاتفاقَ على أنّ "أقائمٌ هُو؟ " جَائز على أنّ "هُو" مُرتفع بـ "قَائم". (٣)
وقَالَ السّيد: الصّوابُ أنْ تقُول: "رافعة لغَير ضَمير مُستتر"؛ ليخرج منه مثل: "أقائمان الزيدان؟ "، ويدْخُل: "أقائم الزيدان؟ " و"أقائمٌ أنتم؟ ". (٤)
ويُمكن أنْ يُجاب: بأنّ المرادَ بـ "الظاهر" الظّهور اللغوي، لا الاصطلاحي؛ وحينئذ لم يتوَجّه النقض بمثل: "أقائم أنتم؟ "؛ لأنّ "أنتم" ظَاهِرٌ في اللفظ.
قولُه: "قالوا: يا رَسُولَ اللَّه. . . أفَاضَت يَوم النّحر": هذا يدُلّ على أنّه كَان مع "عَائِشَة" غيرها من أزواجه. وذكر الضّمير، وكَان من حَقّه أنْ يُقَال فيه: "قُلن: يا رَسُولَ اللَّه"، لأنَّها أرَادَت ["الحبس"] (٥)، والمعنى: "فلا حَبْس بسَببها". وهذا يدُلّ على أنّه أمْر مَشْهور عندهم، مَعْلُوم من خَبره -ﷺ- أنّ الحائضَ لا تطُوفُ بالبيت.
قوله: "قَالَ: اخرُجُوا": المعنى: "تجهّزوا للتوَجّه"، أو [تقول] (٦): "اخرجوا [لتتجهوا] (٧) "، أو يحمَل على ظَاهِره (٨).
_________________
(١) بالنسخ: "الوجهان".
(٢) للنيلي شرح على الكافية، ويرجح أن يكون المنقول منه.
(٣) راجع: نتائج الفكر للسهيلي (ص ٣٢٨).
(٤) راجع: شرح الكافية الشافية (١/ ٣٣١، ٣٣٢)، شرح ابن عقيل (١/ ١٨٩، ١٩٨)، شرح الأشموني (١/ ١٨٢)، الهمع (١/ ٣٦١).
(٥) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "الجنس".
(٦) كذا بالنسخ.
(٧) بالأصل: "لنتجهو" أو "لنتجهر". وفي (ب): "لتتجهزوا".
(٨) راجع: عمدة القاري (١٠/ ٧٠).
[ ٢ / ٦١١ ]
قوله: "وفي لَفْظٍ": أي: "ورُوي في لفظٍ". "قَالَ النبي"؛ فتكُون جملة "قَالَ" وما بعدها مفعُول لم يُسَمّ فَاعِله. ويحتمل أن تكون في محلّ رَفع بالابتداء، والخبرُ في المجرور، أي: "قولُه كَذا إِلَى آخِره ثابتٌ في لفظ".
وتقَدّم الكَلامُ على "عَقْرَى" و"حَلْقَى".
قوله هنا: "أطافت يوم النحر؟ " يُؤيّد ما تقَدّم مِن عَدم إحاطته بمَن طاف مِن نسائه ومَن لم يطف.
قوله: "نَعَم": تقَدّم القَولُ على "نعم" في الحديثِ الرّابع من "الجنابة".
قوله: "قَالَ: انفري": يحتمل أنْ يكُون أمرًا لـ "صَفيّة" بأن تنفر معهم. ويحتمل أن يكون أمرًا لـ "عَائشة" الرّاوية للحَديث.
قَالَ في "الصّحاح": يُقَال: "نَفَر الحَاجّ مِن مِنى"، "نَفْرًا". و"نَفَر القَوم في الأمْر"، "نُفُورًا". و"نَفَرَت الدّابّة"، "تَنْفُر" و"تَنْفِر"، "نِفارًا" و"نُفورًا". (١)
الحدِيث التّاسِع:
[٢٤٥]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ قَالَ: "أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ" (٢).
قولُه: "أُمر النّاس": الفعلُ مبني لما لم يُسَمّ فَاعِله، و"النّاس" مفعُوله الذي لم يُسَمّ فَاعِله. وتقَدّم الكَلامُ على "ناس" ومَادّته في السّابع من "الإمامة".
و"أُمِر" يتعَدّى لوَاحِد، وللثّاني بحَرْف الجر، الثّاني هُنَا: "أنْ يكون"، والتقدير: "بأنْ يكُون". وتقَدّم الكَلامُ على "أمر" وتعَدّيه في الحديث الأوّل مِن "بَاب السِّوَاك".
وتقَدّم الكَلامُ على "كَان" في الحديث الأوّل من الكتاب. وهي هُنا النّاقِصَة،
_________________
(١) انظر: الصّحاح (٢/ ٨٣٣).
(٢) رواه البخاري (١٧٥٥) في الحج، ومسلم (١٣٢٨) في الحج.
[ ٢ / ٦١٢ ]
اسمها "آخِر" بالرّفع، وخبرها في المجرور، أى: "أن يكون آخِرُ عَهْدِهم كَائنًا بالبيت". ويحتمل أن يكُون "آخِر" منصُوبًا على أنَّه خَبرها، واسمُها مُتأخِّر مُقَدَّر يتعَلّق به حَرْف الجر، تقديره: "أن يكُون آخِرَ عَهْدهم كائنًا في البيت". ويحتمل أنْ يكون "آخِر" منصُوبًا على أنَّه خبرها، واسمها مُتأخّر مُقَدّر يتعَلّق بحَرْف الجر، تقديره: "أنْ يكُون آخِر عَهْدهم [الطّوَاف] (١) بالبيت". (٢)
ويجوز أن تكُون "البَاء" في "بالبيت" زائدة، أي: "آخِر عَهْدهم البيت". والمعنى على "أن يكُون آخِر ما يعهَدونه مِن مَنَاسِك الحَج: البيت".
و"العَهْدُ" يكُون بمَعنى "الأمَان"، وبمَعنى "اليَمين" و"الموْثِق" و"الذّمّة" و"الحِفَاظ" و"الوَصيّة". و"العَهْد": "المطر يكون بعد المطر". (٣)
وانظر قوله: "المرأة الحائض"، ولو اقتصَر على: " [الحائض] (٤) " كَفَى؛ لأنّ "الحائض" صِفَة مختصّة بالنّساء. والجوَابُ: أنّ الكَلامَ جَاء على الأصْل، فانتفى السّؤال. ولو جَاءت الصِّفة دون الموصُوف احتيج إِلَى الجوَاب، بأنْ يُقَال: الموصُوفُ إنَّما حُذف لدلالة الصِّفَة عَليه.
قوله: "إلَّا أنّه خُفف عَن المرأة الحائض": الأصْلُ أنّ الاستثناءَ مُتّصِل في التقدير؛ لأنّ تقدير الكَلام: "أُمر النّاسُ بأنْ يكُون آخِر عَهدهم بالبيت، إلّا المرأة الحائض، فإنّه خُفّف عنها"، فـ "المرأة" مُستثنَاةٌ مِن "النّاس" المأمُورين بالطّواف، ثُم جَاء التركيب "إلَّا أنّه خُفّف"، فيحتمل أن تكون "الهاء" في "أنّه" ضَمير الأمر
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) راجع: إرشاد الساري (٣/ ٢٥٢).
(٣) انظر: الصّحاح (٢/ ٥١٥، ٥١٦)، النهاية لابن الأثير (٣/ ٣٢٥)، القاموس المحيط (ص ٣٠٣)، لسان العرب (٣/ ٣١١، ٣١٤).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٦١٣ ]
والشّأن، أي: "إلَّا أنّ الأمْر والشّأن خُفّف ترك الطّوَاف عن المرأة الحَائِض". ويكُون الاستثناءُ مُنقَطعًا بهذا الاعتبار، متّصِلًا بالاعتبار الأوّل.
ويحتمل أن يكُون الضّمير في "أنّه" يعُود على "الطّوَاف"، أي: "إلّا أنّ الطّوافَ خُفّف"، وتكُون "إلّا" بمَعنى "غَير"، أي: "غير أنّه"، وهُو مُنقَطِعٌ أيضًا.
ويحتمل أنْ يكُون الضّمير في "أنّه" يعُود على "النّبي -ﷺ-"، أي: "غير أنّ أمْر النّبي -ﷺ- خُفّف"؛ ففي "خُفّف" ضَمير يعُود على الأمْر المفهُوم من "أُمر النّاس"، والآمِر هو: "النبي -ﷺ-".
الحدِيث العَاشِر:
[٢٤٦]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: "اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ [لَيَاليَ مِنًى، مِنْ أَجْل سِقَايَتِهِ] (١)؛ فَأَذِنَ لَهُ" (٢).
قولُه: "استأذن العبّاس": تقَدّم في الحديثِ الأوّل مِن "الاستسقاء" ذِكْر أبنية "استَفْعَل". والمعنى: أنّه طَلَب الإذْن مِن النّبي -ﷺ- في المبيت بمَكّة وبترك المبيت بمِنى. والمبيتُ بمِنى واجِبٌ (٣).
و"الإذن": مصدَر "أذِن"، والأمرُ منه: "إئذَنْ" بالكَسر. [و"آذن"] (٤) بمعنى "أعْلَم"، قَالَ تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. ويُقَال: "أَذِن" بمعنى "استَمَع". (٥)
_________________
(١) كذا بالنسخ. وفي العُمدة والبخاري ومسلم: "من أجل سقايته ليالي منى".
(٢) رواه البخاري (١٧٤٥) في الحج، ومسلم (١٣١٥) في الحج.
(٣) انظر: نيل الأوطار (٥/ ٩٦).
(٤) بالنسخ: "إاذن". والمثبت بالرجوع للمصادر.
(٥) انظر: البحر المحيط (٢/ ٧١٤)، (٥/ ٤٣١)، اللباب لابن عادل (١٠/ ١١٠)، الدر المصون (٦/ ٦٢)، إشاد السّاري (٣/ ٣٠٤) - رياض الأفهام (١/ ٦٣٩)، =
[ ٢ / ٦١٤ ]
قولُه: "أنْ يبيت بمَكّة": التقدير: "في أنْ يبيت بمَكّة".
و"بَات" مِن أخَوات "كَان" ترْفَع الاسم وتنْصِب الخبر، بشرط أنْ لا تكُون بمَعنى "نَزَلَ"؛ فإنّها تصير تامّة، كقَولك: "بات الحاجّ بمنًى".
وأمّا إِذَا قُلت: "بَات زَيد قائمًا"؛ فإنها تكُون النّاقصَة. (١)
وإنْ قَدّرت هُنا [أنّه يبيت] (٢) بمَكّة سَاقيًا للحَاج، أو مُستمرًا على السّقي: كانت النّاقِصَة.
وإنْ قَدّرت أنّه ينزل بمَكّة لأجْل السِّقَاية: فلا عَمَلَ لها.
و"البَاء" في "بمَكّة" ظَرْفيّة. وأقسَام "البَاء" تقَدّمَت.
و"مَكّة" مُرَادِف لـ "بَكّة"، والعَرَبُ تُعاقِب بين "البَاء" و"الميم"، كـ "لازم" و"لازب"، و"رَاتب" و"رَاتم". (٣)
وقيل: بـ "الميم" الحرَم كُلّه، وبـ "البَاء" [مُزدحم] (٤) النّاس حيث يتباكّون، وهُو المسْجِد ومَا حَولَ البيت. (٥)
_________________
(١) = (٤/ ١٤٢)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٣٨٨)، (٦/ ١٠٥)، المفتاح في الصرف (ص ٨٠)، الهمع (٣/ ٥٠٩)، الصّحاح (٥/ ٢٠٦٨)، لسان العرب (١٣/ ٩).
(٢) انظر: شرح التسهيل (١/ ٣٤٢)، شرح الكافية الشافية (١/ ٤٠٩)، شرح الأشموني (١/ ٢٣٦)، أوضح المسالك لابن هشام (١/ ٢٤٨)، المقدّمة الجزولية (ص ١٠٢)، دَليل الطّالبين لكَلام النحويين (ص ٤٢).
(٣) غير واضحة بالأصل.
(٤) انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (١/ ٤٤٥)، اللباب لابن عادل (٥/ ٣٩٧)، الإعلام لابن الملقن (٦/ ١٠٤)، شرح المفصل (٥/ ٣٩٠)، توضيح المقاصد (٣/ ١٦٣٠)، الزاهر في معاني كلمات الناس (٦/ ١٠٢)، لسان العرب (١/ ٤١٠، ٧٣٨).
(٥) بالنسخ: "مزحم". والمثبت من "تفسير ابن عطيّة".
(٦) انظر: تفسير ابن عطية (١/ ٤٧٤). وراجع: تفسير الرازي (٨/ ٢٩٩)، اللباب لابن عادل (٥/ ٣٩٧)، الإعلام لابن الملقن (٦/ ١٠٤)، مرعاة المفاتيح (٩/ ٤٥٩)، =
[ ٢ / ٦١٥ ]
وأجَاز الزَّجّاج أنْ تكُون "الميم" بَدَلًا من "الباء"، وأنْ يكُون اشتقاقُ "مَكّة" من قَولهم: "امتَكّ الفَصيلُ [مَا في] (١) ضَرْع النّاقة" إِذَا "مَصّ مَصًّا شَديدًا حتّى لا يبقى فيه شَيء"؛ فسُمّيت بذَلك لشِدّة الازدِحَام فيها. والبَدَلُ عنده أحْسَن. (٢)
قوله: "مِن أجْل سِقَايته": تقَدّم الكَلامُ على "مِن أجْل" في السّادس مِن "الإمَامة".
و"لَيَالِي": جمعُ "لَيْلَة"، وزادوا فيه "اليَاء" على غَير قياس، ونظيره: "أهْل" و"أهَالِي". وقيل: الأَصْلُ في "لَيْلَة": ["ليلاة"] (٣) فحذفت؛ لأنّ تصغيرها: ["لييلية"] (٤). و"الليلُ" اسمُ جنس، تقُول: "لَيْلَة" و"لَيْل"، مثل: "تمْرة" و"تمْر". (٥)
وتقَدّم ذِكْر "الليل" في العَاشر مِن "باب الصَّوْم".
و"مِنى": سُمّيت "منى" لما "يُمْنَى فيها مِن الدّم"، على ما ذكره "محمد بن يزيد" (٦). ومِن هذا: "مَنَى الرّجُل" و"أمْنَى". . . . .
_________________
(١) = الزاهر في معاني كلمات الناس (٢/ ١٠٦)، لسان العرب (١٠/ ٤٩١).
(٢) غير واضحة في الأصل. وفي (ب): "من".
(٣) انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (١/ ٤٤٥). وراجع: اللباب لابن عادل (٥/ ٣٩٧، ٣٩٨)، الإعلام لابن الملقن (٦/ ١٠٣، ١٠٤)، مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٤/ ٨١)، مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٣٩٢)، مرعاة المفاتيح (٩/ ٤٥٩)، الصحاح (٤/ ١٦٠٩)، الزاهر في معاني كلمات الناس (٢/ ١٠٦)، لسان العرب (١٠/ ٤٩٠، ٤٩١)، الكليات للكفوي (ص ٢٥٣).
(٤) بالنسخ: "ليلية". والمثبت من المصادر.
(٥) بالنسخ: "لييلة". والمثبت من المصادر.
(٦) انظر: الصّحاح (٥/ ١٨١٥)، لسان العرب (١١/ ٦٠٨)، المخصص (٤/ ٢٧١)، تهذيب اللغة (٨٥/ ٣١١)، خزانة الأدب (٨/ ٩٣).
(٧) لعل المقصود المبرد، أو ابن ماجه.
[ ٢ / ٦١٦ ]
إِذَا "سَالَ منه المني". (١)
وقيل: هي مُشتقة مِن "مَنَى اللَّه علينا الشيء، يمنيه، منيًا"، إِذَا "قَدّره". و"المَنَى": "القَدر". ومنه قولُه تعالى: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ [النجم: ٤٦]، أي: "تُقَدّر". (٢)
و"منى" مصروفٌ؛ لأنّه غَلَب عليه الموضِع، ولو أرَاد البُقْعَة لمُنِع مِن الصَّرْف. (٣)
قولُه: "فَأَذِن لَه": أي: "أَذِن لَه النبي -ﷺ- في المبيت لأجْل السِّقَاية". و"أَذِن" قد تقَدّم الكَلامُ على الأمر منه في الأوّل من " [باب] (٤) حُرْمَة مَكّة".
الحدِيث الحَادِي عَشر:
[٢٤٧]: عَنْهُ -أيْضًا- قَالَ: "جَمَعَ النَّبِيُّ -ﷺ- بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِـ "جَمْعٍ"، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إقَامَةٌ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلا عَلَى إثْرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا" (٥).
تقَدّم الكَلامُ على "الحادي عَشر" ومَا بعْده مِن التركيبات في الحادي عَشر مِن باب "صِفَة الصّلاة".
قوله: "عَنْه": أي: "عبد اللَّه بن عُمر".
قوله: "أيضًا": مَصْدَر "آض". يُقَال: "أَض، يئيض، أيضًا"، إذا "رَجع". (٦)
_________________
(١) انظر: لسان العرب (١٥/ ٢٩٣).
(٢) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٢٥)، الصحاح (٦/ ٢٤٩٧)، النهاية لابن الأثير (٤/ ٣٦٨)، المصباح المنير (٢/ ٥٨٢)، لسان العرب (١٥/ ٢٩٣، ٢٩٤).
(٣) انظر: الصحاح (٦/ ٢٤٩٨)، لسان العرب (١٥/ ٢٩٣).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) رواه البخاري (١٦٧٣) في الحج، ومسلم (١٢٨٧) (٢٨٧) في الحج.
(٦) انظر: الصّحاح للجوهري (٣/ ١٠٦٥)، النهاية لابن الأثير (١/ ٥٣)، المصباح المنير للفيومي (١/ ٣٣).
[ ٢ / ٦١٧ ]
قولُه: "جمع النبي -ﷺ- بين المغرب والعشاء بجَمْع": المرادُ: "بين صَلاتي المغرب والعشاء"، وتقَدّم الكَلامُ على "بين" في الثّالث من "باب السواك". والعَامِلُ في "بين": "جمع".
قوله: "بجَمْع": "الباء" ظَرْفيّة. و"جمْع" عَلَمٌ على "المزدلفة"، سُمّيت به لأنّ آدَم وحَوَاء لما أُهْبطَا اجتمعا به. وهو مصْروفٌ إِذَا أرَدْت به الموضِع أو أرَدت به البُقْعَة؛ لأنّه ثُلاثي سَاكِن الوَسَط. (١)
و"الباء" في "بجَمْع" تتعَلّق بـ "جَمَعَ"، و"بإقَامَة" يتعَلّق به أيضًا. وحَرفا الجر مختلفا المعنى؛ "الباء" الأولى ظَرفيّة، والثّانية للإلصَاق. ويحتمل أنْ تكُون "الباء" في "بإقَامَة" للحَال، أي: "جَمَعَ النّبي مُقيمًا لهما".
وأمّا قوله: "لكُلّ واحِدة منهما" فيتعَلّق بصِفَة لقَوله: "بإقامة"، تقَدّمت؛ فانتَصَبت على الحَال، أي: "بإقَامَة كَائنة لكُلّ واحِدةٍ منهما". و"منهما" يتعَلّق بصِفَةٍ لـ "واحِدَة". [وتقَدّم الكَلامُ] (٢) على "كُلّ" في الأوّل مِن الكتاب.
وأمّا "واحِدة": فصِفَة لموصُوفٍ محذُوف، أي: "لكُلّ صَلاةٍ واحِدة". و"واحِدة" بمَعنى "مُنْفَرِدَة" (٣).
قول: "ولم يُسَبّح": معْطُوفٌ على قوله: "جَمَعَ"، و"بينهما" ظَرْفٌ لـ "يُسَبّح"،
_________________
(١) انظر: الإعلام لابن الملقن (٦/ ٣٨٨)، مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٤/ ٨١)، النهاية لابن الأثير (١/ ٢٩٦)، تحرير ألفاظ التنبيه للنووي (ص ٣١٩)، المخصص (٥/ ١٦٠)، لسان العرب لابن منظور (٨/ ٥٩)، معجم البلدان (٢/ ١٦٣)، الاقتراح في أصول النحو للسيوطي (ط البيروتي، ص ١٤٢).
(٢) تكرار بالأصل.
(٣) انظر: أوضح المسالك لابن هشام (٢/ ٢٥٨)، شرح الشذور للجوجري (٢/ ٤٥٥)، شرح التصريح (١/ ٥٧٨).
[ ٢ / ٦١٨ ]
والضّميرُ يعُود على "المغرب والعِشَاء".
قوله: "وَلَا على إثْر واحِدةٍ منهما": أي: "وَلَا سَبّح على إثر واحِدة منهما". إن أراد بـ "واحدةٍ منهما" "العشاء الآخرة" لم يكُن في اللفظ تكرار. وإن أراد "المغرب والعشاء، جاء فيه تكرار للمَغرب، لأنّ قولُه: "بينهما" يقتضي نفي التسبيح بعد "المغرب".
قوله: "إثْر": بكَسْر أوّله وسكُون ثانيه، أو بفَتحَتين على أوّله وثانيه. ونظيره مما جَاء على "فِعْل" و"فَعَل": "قِيْد رُمْح" و"قَاد رُمْح"، و"قِيْبَ قوس" و"قَابه"، و"قِلتُ قِيلًا" و"قَالًا". (١)
* * *
_________________
(١) انظر: الصّحاح (١/ ٢٠٧)، (٢/ ٥٧٥)، لسان العرب (١/ ٦٩٣).
[ ٢ / ٦١٩ ]
باب المحْرِم يَأكُل مِنْ صَيْد الحَلال
الحدِيث الأوّل:
[٢٤٨]: عَنْ أَبِي قتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: خَرَجَ حَاجًّا؛ فَخَرَجُوا مَعَهُ، فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ -[فيهِمْ] (١) أَبُو قَتَادَةَ- وَقَالَ: "خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ حَتَّى نَلْتَقِيَ". فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ، إلَّا أَبَا قتَادَةَ، لَمْ يُحْرِمْ. فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ، إذْ رَأَوْا [حُمُرَ وَحْشِ] (٢)، فَحَمَلَ أَبُو قتَادَةَ على الْحُمُرِ؛ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلْنَا، فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا. [ثُمَّ قُلْنَا: أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لحْمِهَا] (٣)، فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-؛ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: "مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أو أَشَارَ إلَيْه؟ " [قَالُوا] (٤): لا. قَالَ: "فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا" (٥).
وَفِي رِوَايَةٍ: فقَالَ: "هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ " فَقُلْت: نَعَمْ. فَنَاوَلْتُهُ الْعَضُدَ، [فَأَكَلَهَا] (٦). (٧)
قوله: "أنّ رَسُولَ اللَّه -ﷺ- خَرَجَ حَاجًّا": فُتحت "أنّ" لأنّها معمُولة، وتقَدّم الكَلامُ على المواضِع التي تُفتَح فيها "أنّ"، والمواضِع التي تُكسَر فيها في الرابع من أوّل الكتاب. وجملة "خَرَجَ" في محلّ خبر "أنّ". و"حَاجًّا" منصُوبٌ على الحَال، مِن فَاعِل "خَرَج".
_________________
(١) سقط من النسخ. والمثبت من "العمدة" (ص ١٧٣).
(٢) بالنسخ: "حُمرًا". والمثبت من العمدة، وعليه الشرح.
(٣) سقط من النسخ. والمثبت من العمدة، وعليه الشرح.
(٤) بالنسخ: "فقالوا". والمثبت من العمدة، وعليه الشرح.
(٥) رواه البخاري (١٨٢٤) في جزاء الصيد، ومسلم (١١٩٦) (٦٠) في الحج.
(٦) كذا بالأصل. وفي "العُمدة": "فأكَلَ منها".
(٧) وهي في البخاري (٢٥٧٠) في الهبة.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
قوله: "فخَرَجُوا معه": الضّمير يعُود على "الصّحابة" وإنْ لم يتقَدّم لهم ذِكْر؛ لأنّ المعنى مفْهُوم. و"معه" يتعَلّق بحَال، أي: "فخَرَجُوا حَاجّين معه".
قوله: "فصَرَف طَائفة منهم": أي: "مِن أصْحَابه"، فيهم أَبُو قتادة. يحتمل أنْ يُريد بـ "صَرْفِهم": "تمييزهم وتبيينهم"، أي: "مَيّزهم مِن الناس"، ومنْه في الحديث: "إِذَا صُرِّفَتِ الطُّرُقُ. . . " (١)، أي: "بُيِّنَت". وإنّما قُلنَا ذَلك لأنّه لم يَذْكُر مُتعَلّق الفِعْل، فلم يقُل: "صَرَفَهم إِلَى كَذا"، ويدُلّ على ذَلك قولُه: "وقَالَ: خُذوا سَاحِل البحر"؛ فيكُون هذا القَول بعْد التمييز.
ويحتمل أنْ يكُون التقدير: "فصَرَف طَائفة إِلَى جِهَة غير جِهَة سَاحِل البحر" [تورية] (٢)، ثم حَذَف الرّاوي ذِكْر الجهَة، وذَكَرَ المقْصُودَ مِن الحديث.
قوله: "فيهم أَبُو قَتَادة": يتعَلّق حَرْف الجر بخَبر عَن المبتدأ، وهو "أبو قتادة".
و"خُذُوا" هُنا بمَعنى "تَوجّهوا". وتقَدّم الكَلامُ على "أخَذ" والأمر منه في السّادس مِن "بَاب الاستطابة".
فإنْ قَدّرت "خُذوا" بـ "توَجّهوا" يكُون "سَاحِل البحر" ظَرْفًا بمعنى "توجّهوا جهَة سَاحِل البحر إِلَى أنْ نلتقي معكم". ويحتمل الفِعْل الرّفع، أي: "خُذوا سَاحِل البحر (حَتَّى) نحن (نلتقي) مَعَكُم".
فعلى الأوّل: يكُون لسَيرهم غَاية، وهو "لُقى النّبي -ﷺ-"، وتكُون "الياء" مفتُوحَة (٣). وعلى الثّاني: لا يكُون "لُقى النّبي" غَايَة لسَيرهم، إنما القَصْد به حِفْظ سَاحِل البَحْر، وتكُون "اليَاء" سَاكِنة، ويُرَجّح هَذا كَونهم ذَبَحُوا الصَّيد وأكَلُوا
_________________
(١) صَحيحٌ: البخاري (٢٢١٣)، مِن حَديث جَابر. وانظر: النهاية لابن الأثير (٣/ ٢٤).
(٢) كذا بالنسخ.
(٣) أي: الياء في قوله: "نلتقي".
[ ٢ / ٦٢١ ]
وسَاروا حتّى بَلغُوا النّبي -ﷺ-.
ونظيرُ هَذا: قوله: "حَتى يَقُولُ الرّسُولُ" (١) بالرّفْع. ومنه قَولهم: "مرض حتّى لا يرْجُونه" أي: "هُم لا يَرْجُونه". (٢)
قَال ابنُ مالك: في قَول البراء: "إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامُوا قِيَامًا حَتَّى يَرَوْنَهُ قَدْ سَجَدَ" (٣) إشْكَالٌ؛ لأنّ "حتّى" فيه بمعنى "إِلَى أنْ"، والفعلُ مُستقبل؛ فحَقّه أن يكُون بلا "نُون"؛ لاستحقاقه النّصب، لكنّه جَاء على لُغَة مَن يَرفَع الفِعْل بعد "أنْ"، [حملًا على "أنْ" المخَفّفة] (٤)، كقراءة مجاهد: ﴿لَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٥) بضَمّ "الميم". وإذا جَاز تَركُ إعْمالها ظَاهِرَة؛ فترْكُ إعْمالها مُقَدّرَة أوْلَى بالجَوَاز. انتهى. (٦)
قُلتُ: والعَملُ بعد هَذا على الرّوَاية.
وقَد تقَدّم الكَلامُ على "حتّى" وأقسَامها في الحدِيث الثّاني مِن أوّل الكتاب.
قوله: "فلَمَّا انصَرَفُوا": تقَدّم أنّ "لمّا" عند سيبويه حَرف وجوب لوجوب،
_________________
(١) سورة [البقرة: ٢١٤]. وهي قراءة نافع وابن عامر في رواية الوليد، كما في البحر المحيط (٢/ ٣٧٣)، والمبسوط في القراءات العشر لابن مهران (ص ١٤٦)، وجامع البيان في القراءات السبع للداني (٢/ ٩١٢).
(٢) انظر: البحر المحيط (٢/ ٣٧٣)، شواهد التوضيح (ص ١٣٠)، عقود الزبرجد (٢/ ٣٥)، الكتاب (٣/ ٢٥)، الأصول لابن السراج (٢/ ١٥٢)، مغني اللبيب (ص ١٧٠)، الجنى الداني (ص ٥٥٢)، شرح التصريح (٢/ ٣٧٤).
(٣) صَحيحٌ: البخاري (٧٤٧)، من حديث البراء.
(٤) كذا بالنسخ. وفي المصدر: "حملا على (ما) أختها".
(٥) من سورة البقرة: ٢٣٣. وانظر: البحر المحيط (٢/ ٤٩٨، ٤٩٩)، (٦/ ٤١٥).
(٦) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢٣٥، ٢٣٦).
[ ٢ / ٦٢٢ ]
وعند الفَارسيّ ومَن تبعه ظَرْف بمَعنى "حين"، وقَدّرها ابن مالك بـ "إذْ". (١) والعَامِلُ فيها جَوَابها، وهو: "أحْرَمُوا". وتقَدّم الكَلامُ عليها في الحديثِ الرّابع مِن "المذْي"، وفي السّادِس مِن "باب صِفَة الصّلاة".
قوله: "كُلّهم": تأكيدٌ للضّمير المرْفُوع. و"إلّا" حَرْفُ استِثناء. و"أبا قَتَادة": إنْ كَان منصُوبًا فعلى الاستثناء، والمرَادُ: "الطّائفَة الذين أمَرَهم النّبي -ﷺ- أن يأخُذوا سَاحِلَ البَحْر". وإنّما تعَيّن النّصب على الاستثناء؛ لأنّه (٢) مِن مُوجَب.
وقد رأيتُه في بعض النُّسَخ: "أبو قتَادة" (٣) مرفُوعًا.
وذكر ابنُ مالك (٤) أنّه كَذلك، ووَجّه الرّفْع؛ فقَالَ: "إلّا" بمعنى "لكن"، و"أبو قتادة" مُبتدأ، و"لم [يُحْرِم] (٥) " خَبره.
قال: ونظيرُه في كتابِ اللَّه قَراءَة ابن كَثير وَأَبِي عَمرو: ﴿وَلَا يَلْتَفِت مِنْكُم أحَدٌ إلَّا امْرَأَتُكَ إنّه مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُم﴾ (٦)، فـ "امْرَأَتُكَ" مرفُوعٌ بالابتِدَاء، والجمْلَة خَبره. وَلَا يجُوزُ أنْ تجعَل "امْرَأَتُكَ" بَدَلًا؛ لأنّها لم [تسِر] (٧) مَعَهُم فيتضَمّنها ضَمير
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ١٢٢)، (٣/ ٤١٩)، (٦/ ٢٥٧، ٢٩٨)، اللمحة (٢/ ٨٤٩)، المقتضب (٢/ ٤٤)، شرح التسهيل (٤/ ٦٥)، الجنى الداني (ص ٥٩٤ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٣٦٩)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٦٤٢ وما بعدها، ١٥٧٧)، الأصول في النحو (٢/ ١٥٧)، شرح التصريح (١/ ٧٠٠)، الكليات للكفوي (ص ٧٩٠)، حاشية الصبان (٢/ ٣٩١)، همع الهوامع (٢/ ٢٢٢، ٥٤٤).
(٢) أي: لأنه استثناءٌ من مُوجَب.
(٣) صحيحٌ: البخاري (١٨٢٤).
(٤) انظر: شواهد التوضيح (ص ٩٤).
(٥) بالنسخ: "يجزم".
(٦) سورة [هود: ١٨]. وانظر: البحر المحيط (٦/ ١٨٩).
(٧) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "تتبين".
[ ٢ / ٦٢٣ ]
المخَاطَبين، ودَلّ على أنَّها لم تسِر معهم قِراءَة النّصْب. (١)
قوله: "لم يُحرِم": جملة مُؤَكِّدة لما قَبْلها؛ فلا محلّ لها. ويحتمل أنْ تكُون في محلّ خَبر مُبتدأ محذُوف، أي: "وهُو لم يُحْرِم". ويحتمل أنْ تكُون في مَوضِع الحَال، وفيه بُعْد.
قوله: "فبينما هُم يسيرون": ["بين"] (٢) إِذَا لَزِمَتها "مَا" انقَلَبت مِن المكَانية إِلَى الزّمَانية، وكذلك "الألِف"، والتقدير عندهم: "بين أوقات كذا"، ويزولُ عنها الاخْتصَاص بالأسماء؛ فيليها إذ ذَاك الجمْلَتان (٣)، وقد وَقَع بعد "بين" هُنا الجمْلَة الإسمية، والتقدير: "بين أوقات سَيرهم".
قوله: "إذْ رَأوا حُمُر وَحْش": "إذْ" هُنا الفُجَائيّة عند الأكثَرين. وبعضُ البصريين يمْنَع مجيئها فُجَائيّة. (٤)
والعَامِلُ في "بينما": "يَسيرون"، وهي جملة من فِعْل وفَاعِل مرفوع بـ "النّون"، في محلّ خَبر "هُم". وتقَدّم الكَلامُ على "هُم" قريبًا.
والعَامِلُ في "إذ" مَعنى المفَاجَأة، أو الفِعْل الواقِع بعدَها وهُو
_________________
(١) انظر: شواهد التوضيح (ص ٩٤، ٩٥).
(٢) بالنسخ: "بينما". وقد مر نظيره.
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٠١)، الإعلام لابن الملقن (٥/ ٢٠٩)، عقود الزبرجد (١/ ٢٧٠ وما بعدها)، (٢/ ٤٢١)، سر صناعة الإعراب (١/ ٣٩)، اللمحة (١/ ٤٥١)، الجنى الداني (ص ١٧٦، ١٩٠)، التسهيل (ص ٩٣، ٩٤)، أمالي ابن الشجري (٢/ ٥٩١)، شرح التسهيل (٢/ ٢٠٩ وما بعدها، ٢٣١)، شرح المفصل (٣/ ١٨)، الهمع (٢/ ٢٠٣ إلى ٢٠٦)، المنهاجُ المختَصر (ص ١٠٠)، النحو الوافي (٢/ ٢٨٦ وما بعدها).
(٤) انظر: عقود الزبرجد (١/ ٢٧١)، مُغني اللبيب (ص ١١٥)، الجنى الداني (ص ١٨٥ وما بعدها)، موصل الطلاب (ص ١٠٠).
[ ٢ / ٦٢٤ ]
"رأوا". (١) وقد تقَدّم الكَلامُ على "إذْ" الفُجَائية مُستَوفى في الحديثِ الثّاني من "باب استقبال القِبْلَة" وفي السّادِس مِن "الجنَائز"، وفي السّادِس مِن "الصيام" ذكر العَامِلُ فيها مُستَوفى.
والرّؤية هُنا بَصَريّة.
و["حُمرَا"] (٢) مفعُوله. و"حُمُر" جَمعُ "حمار".
قولُه: "فحَمَلَ أَبُو قتَادة": جملة من فِعْل وفَاعِل، معطُوفة على "رَأوا". و"على الحُمُر" يتعَلّق بـ "حَمَل". وجملة "فعَقَر" معطُوفَة على "حَمَلَ". و"منها" يتعَلّق بصِفَة لـ "أتَان" تقَدّم فانتصَب على الحَال. و"أتانًا" مفعُول "عَقَر".
و"الحمار" يقَع على الذّكَر والأنثى، و"الأتَان" لا يقَع إلّا على الأنثى خَاصّة، وَلَا يُقَالُ فيه: "أتَانَة"، وإنْ كَان قَد جَاء في بعْض الأحَادِيث (٣). قاله ابنُ الأثير. (٤)
قولُه: "فنزلنا": أي: "عن دوابّنا". ويحتمل أن يكون نزولهم عن مكان كانوا فيه. وههنا محذُوفٌ يدُلّ عليه سِياقُ الكَلام، أي: "فنزلنا، فطَبَخْنَا -أو شَوَينا- فأكَلنَا". ويحتمل أنْ يكُون "أَبُو قتَادة" توَلّى العَمَلَ كُلّه، ولم يكُن نُزولهم إلّا للأَكْل. و"مِن لحمِهَا" يتعَلّق بـ "أكَلنَا".
قوله: "ثُم قُلنا": في "ثُمّ" هُنا مَعنى "الاستبعاد". وذَكَر الزمخشري أنّه أحَد مَعَانيها (٥)، أي: "استبعدوا أنْ يحل أكْل لحْم الصّيد للمُحْرِم"، وهُو مِن [المعنى] (١).
_________________
(١) انظر: مُغني اللبيب (ص ١١٥)، الهمع (٢/ ١٧٧).
(٢) كذا بالنسخ. والمقصود قوله: "حُمُر وَحْش".
(٣) أقول: الذي يظهر لي أنه ليس المراد بالحديث هنا ما ورد عن النبي -ﷺ-، ولكن حديث الناس. واللَّه أعلم.
(٤) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٢١).
(٥) انظر: تفسير الزمخشري (٢/ ٤٣٤)، البحر المحيط لأبي حيان (١/ ٤٢٢)، (٤/ ٤٣٠)، =
[ ٢ / ٦٢٥ ]
قوله: "أنأكُل لحْم صَيد؟ ": هذه الجمْلَة معمُولة للقَول. و"الهمزة" هُنا فيها مَعنى الإنكَار. و"صَيْد" بمَعنى "مَصِيد" (٢). والجملة كُلّها معمُولَة للقَول. وجملة "ونحن مُحرِمُون" في مَوضِع الحَال مِن فَاعِل "نَأكُل".
قوله: "فحَملنَا مَا بقيَ مِن لحْمِها": "مَا" مَوصُولَة، وصِلَتها: جملة "بَقيَ". و"مِن لحمِهَا" يتعَلّق بـ "بَقيَ". والصّلَة والموصُول في مَوضِع مفْعُول "حملنَا". و"مِن" في المواضِع الثّلاثة للتبعِيض، وقد تقَدّم الكَلامُ على "مِن" وأقسَامها في العَاشر من أوّل الكتاب.
قوله: "فأدرَكنَا رَسُولَ اللَّه -ﷺ-؛ فسَألناه عَن ذلك؟ ": معطُوفٌ على "أدرَكنا". وتقَدّم الكَلامُ على "سَأل" وتعَدّيه وتعْليقه في الحديث الثّاني عشر من "باب صِفَة صَلاة النّبي -ﷺ-". و"عَن ذَلك" يتعَلّق به.
قولُه: "فقَالَ: مِنْكُم أحَدٌ أمَرَه؟ ": "أحَدٌ" هُنا مُبتدأ، ومُسَوّغ الابتِداء به استفْهَام مُقَدّر، أي: "أأحَد منكم أمَره؟ "، والصِّفة أيضًا بـ "منكم" وإنْ تقَدّمَت وصَارَت حَالًا فإنّها مُسَوِّغَة. (٣)
وحَذْفُ همْزة الاستفهام في الكَلام كَثير. ومِن ذلك قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢]، اي: "أوَتلك؟ ". ومنه في الحديث: "عَيَّرتَهُ بِأُمِّهِ يَا أَبَا ذَرٍّ؟ " (٤)، والأصْلُ: "أعَيّرته؟ ". (١)
_________________
(١) = (٦/ ٢٢١).
(٢) كذا بالنسخ.
(٣) انظر: الصّحاح (٢/ ٤٩٩)، المصباح (١/ ٣٥٣).
(٤) انظر: شرح ابن عقيل (١/ ٢١٦ وما بعدها)، شرح التسهيل (٣/ ١٨٤)، مغني اللبيب (ص ٨٨٢)، شرح التصريح (١/ ٢١٠).
(٥) لم أقف عليه بهذا اللفظ إلا في كتاب "المختصر النصيح في تهذيب الكتاب الجامع =
[ ٢ / ٦٢٦ ]
فـ "منكُم" يتعَلّق بصِفَة لـ "أحَد". وجملة "أمَرَه" في محلّ الخَبر.
ويحتمل أنْ يتعَلّق "منْكُم" بـ "أمَرَه"، أي: "وهَل أحَدٌ أمَرَه منْكُم" [المعنى] (٢). و"مِن" للبيان.
ويضعف أنْ يكُون "منكُم" مُتعلّقًا بخَبر عَن "أحَد"، ويكُون "أمَرَه" في مَوضِع الصِّفَة؛ لأنّ الاستفهامَ إنَّما هُو عن الأمْر، ولَو كَان صِفَةً لم يكُن مُسْتفْهَمًا عَنه.
قوله: "أنْ يحمل عَليها": التقدير: "بأنْ يحمل عليها"، فحذف حَرف الجر، والمحَلّ منصُوبٌ بـ "أمَرَ".
ولحذف "الباء" هُنا مُسَوِّغان، أحَدهما: كَون الفِعْل مِن الأفعَال التي يُحذَف معها حَرْف الجر. والثّاني: كَونه مع "أنْ"، و"أنْ" يجُوز معها حَذف حَرف الجر إِذَا لم يُلبس. (٣)
_________________
(١) = الصحيح" للمُهلب المريي الأندلسي (١/ ١٨٩). والأصل في صحيح البخاري برقم (٣٠) لكن بثبوت الهمزة. واللَّه أعلم.
(٢) انظر: البحر المحيط (٣/ ٧١٩)، شواهد التوضيح (ص ١٤٦، ١٤٧)، عقود الزبرجد (٢/ ٣١٦)، الجنى الداني (ص ٣٤)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٢١٦).
(٣) كذا بالأصل.
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٠٣، ٤٥٦)، (٢/ ٣٤٣)، (٦/ ١١٢)، (٩/ ٤٣٨)، اللباب لابن عادل (١/ ٤٤٩)، شواهد التوضيح (ص ٢٥٣)، الإعلام لابن الملقن (٣/ ٨٢)، الكتاب (١/ ٣٧ وما بعدها)، المقتضب (٢/ ٣٥ وما بعدها، ٣٢١)، دليل الطالبين لكلام النحويين (ص ٧٤)، الأصول لابن السراج (١/ ١٧٧ وما بعدها)، المفصل (ص ٣٨٧، ٣٨٨)، شرح المفصل (٤/ ٥١٤ وما بعدها)، نتائج الفكر (ص ٢٥٩، ٢٦٠)، اللمحة (١/ ٣٢٥ وما بعدها)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٧١٢ وما بعدها)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٤٧٧)، الهمع (٣/ ١٣ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٩٣ وما بعدها)، المنصوب على نزع الخافض (ص ٢٦١ إلى ص ٣٢٦)، النحو المصفى (ص ٦٣٥).
[ ٢ / ٦٢٧ ]
قوله: "أو أشَارَ إليه": الضّمير يعُود على "الصّيد". ويُروَى: "أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا؟ " (١) بمَعنى "جماعة الحُمُر".
قوله: "قَالُوا: لَا": "لَا" حَرفُ جَوابٍ، أي: "لا، لم نُشر وَلَا أمَرْنَا". وقد تقَدّم الكَلامُ على "لا" جَوابًا في الأوّل من "كتاب الحيض".
قوله: "قَالَ: فكُلوا ما بَقي مِن لحمها": "كُلوا" أصله "أأكلوا" (٢)، وتقَدّم في السّادس مِن "الزّكَاة" الكَلامُ على "أكَلَ" و"أمَر". و"مَا" مَوصُولة، و"بَقي" الصِّلَة، والعَائدُ الفَاعِل، و"مِن لحمها" يتعَلّق بـ "بَقي". و"مِن" للتبعيض أو للبَيَان.
قوله: "وفي روايةٍ: فقَالَ: هَل مَعَكُم منْه شَيء؟ ": يحتمل أنْ يتعَلّق حَرْف الجر بخَبر عَن الجمْلَة القَوليّة على الحِكَايَة. ويحتمل أنْ يتعَلّق بـ "رُوي"، أي: "ورُوي في روايةٍ" أو "جَاء في روايةٍ".
و"شَيء" مرْفُوعٌ بالابتِدَاء، و"مَعكُم" الخبر. و"منْه" يتعَلّق بصِفَة لـ "شَيء"، تقَدّم؛ فانتَصَب على الحَال، أو يتعَلّق بمُتعَلّق "مَعكم"، أو [بحَال] (٣) مِن الضّمير في [الاستقرار] (٤).
ويحتمل أن [يرتفع] (٥) "شَيء" بـ "معكم"؛ لأنّه اعتَمَد على الاستفْهَام. ويحتمل أن يتعَلّق "منه" بخَبر عن "شيء"، و"معكم" يتعلّق بمُتعَلّق الخبر، أو يتعَلّق "معكم" بصِفَة لـ "شيء" تقَدّم فانتصَب على الحال. ولا يصحّ أن يكُون "معكم" حَالًا من
_________________
(١) كما في البخاري (١٨٢٤)، ومسلم (١١٩٦/ ٦١)، والعُمدة (ص ١٧٣).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٥٤)، اللباب لابن عادل (١/ ٥٥١)، اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٣٦٢ وما بعدها)، شرح ابن عقيل (٤/ ٢٧٧).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٦٢٨ ]
الضّمير في "منه" إِذَا جُعل خَبرًا عن "شيء"؛ لأنّ الحالَ لا تتقَدّم على عَامِلها المعنَوي (١).
وتقَدّم الكَلامُ على "شَيء" في الحديثِ الثّالِث مِن "بَاب المرور".
قوله: "فقُلت: نَعَم": أي: "نَعَم، مَعَنا منه شَيء"، [فقَامَ] (٢) حَرفُ الجَوَاب مقَامَ الجمْلَة المحْذُوفَة.
قوله: "فنَاوَلتُه العَضُد": "نَاوَل" يتعَدّى إِلَى مفعُولين، تقُول: "ناولتُه الشيءَ". ويجيء مُتعدّيًا لوَاحِد؛ تقُول: "تنَاوَله زَيد". (٣) وهُو هُنا مُتعَدٍّ لاثنين، الثّاني: "العَضُد".
والمنَاوِل للنّبي -ﷺ-: "أبو قتَادة"؛ لأنّه الذي [ملك] (٤) الصّيد، وإنْ كَان سُؤاله -ﷺ- للطّائفة كُلّها؛ لأنّ الحَديثَ كَان مَعَهُم.
_________________
(١) انظر: أسرار العربية (ص ١٥١، ١٥٤)، الإنصاف في مسائل النحويين (١/ ٢٠٣)، نتائج الفكر (ص ٣٢٧)، اللمحة (١/ ٣٧٩، ٣٨٠)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٧٥٢ وما بعدها)، توضيح المقاصد (٢/ ٧٠٧)، شرح التصريح (١/ ٥٩٥).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) راجع: الإعلام لابن الملقن (٥/ ٤٣٧)، لسان العرب (١١/ ٦٨٤)، (١٢/ ١٧٥)، المصباح المنير للفيومي (٢/ ٦٣١).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٦٢٩ ]
الحديث الثّاني:
[٢٤٩]: عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثامَةَ اللَّيْثيِّ، أَنَّهُ أَهْدَى إلَى النَّبِيِّ -ﷺ- حِمَارًا وَحْشِيًا، وَهُوَ بالأَبْوَاءِ -أَوْ بِوَدَّانَ- فَرَدهُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا رَأَى مَا في وَجْهِه؛ قَالَ: "إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ" (١).
وَفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: "رِجْلَ حِمَارٍ" (٢).
وَفي لَفْظٍ: "شِقَّ حِمَارٍ" (٣).
وَفي لَفْظٍ: "عَجُزَ حِمَارٍ" (٤).
قَالَ الشّيخُ تقيّ الدِّين: الأصْلُ أن يتعَدّى "أهْدَى" بـ "إلى"، وقَد يتعَدّى بـ "اللام"، ويكُون بمعناها. ويحتمل أن تكُون "اللام" بمَعنى "لأَجْل"، وفيه ضَعفٌ. انتهى. (٥)
و"وَحْشيًّا": صِفَة لـ "حمار".
وجملة "وهُو بالأبْوَاء" في مَوضِع الحَال مِن ضَمير الفَاعِل في "أهْدَى"، أو مِن "النّبي -ﷺ-". و"بالأبْوَاء" يتعَلّق بخَبر "هُو".
و"وَدَّانَ" لا ينصرف؛ للعَلَمية وزِيَادة الألِف والنُّون. (٦)
"فرَدّه عليه": أي: "رَدَّه النّبي -ﷺ- عَليه".
_________________
(١) رواه البخاري (١٨٢٥) في جزاء الصيد (٢٥٧٣) في الهبة، ومسلم (١١٩٣) في الحج.
(٢) رواه مسلم (١١٩٣) (٥٤).
(٣) رواه مسلم (١١٩٣) (٥٤).
(٤) رواه مسلم (١١٩٣) (٥٤).
(٥) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ١٠٢).
(٦) انظر: معجم ما استعجم للبكري (٤/ ١٣٧٥).
[ ٢ / ٦٣٠ ]
قَالَ صَاحبُ "العُمْدة": إنَّما رَدّه عَليه؛ لأنّه ظَنّ أَنَّه صِيد لأَجْلِه، والمحْرِمُ لا يَأكُل مَا صِيد لأَجْلِه. (١)
وقَالَ الشّيخُ تقيّ الدّين: حمل على أنّه كَان حَيّا، ويدلُّ عليه تبويب البُخَاري (٢). ويرُدّه ما ذُكر مِن الرّوايَات من قَوله: "عَجُز حمار" و"شِقّ حمار"؛ فإنّها قَويّة في الدّلالة على كَون المهْدَى بعضًا غير حَي؛ فيحمَل "حمارًا وَحْشيًا" على المجَاز وتسمية البعض باسم الكُلّ، أو فيه حَذْف مُضَاف. (٣)
قُلْتُ: يُريد: يُقَدّر: "أهْدَى بعض حمار وَحْشي"، وفيه ضَعْفٌ.
قَوله: "إنّا لم نَرُدّه عَليْك إلّا أنّا": "إنّ" الأولى مكْسُورة؛ لأنّها في ابتداء الكَلَام. و"أنّ" الثّانية مفتُوحَة؛ لأنّه حُذف منها "اللام" التي للتعليل، أي: "إلّا لأجْل أنّا حُرُم" (٤)؛ فتكُون "أنّا" في محلّ مفعُول لَه.
قوله: "لم نَرُدّه": قَالَ الشّيخُ تقيّ الدّين: المشهورُ عند المحَدِّثين فيه فتْحُ "الدّال". وهو خِلاف مَذْهَب المحقّقين مِن النُّحَاة، ومُقتضى مَذهَب سيبويه فيه الضّم، وكَذلك في كُلّ مُضَاعَف مجزُوم أو موقُوف اتّصَل به ضَمير المذَكّر. وذلك مُعلّل عندهم بأنّ "الهاء" حرفٌ خَفي، فكأنّ "الواو" تالية "الدّال"؛ لعَدَم الاعتِداد بـ "الهاء"، ومَا قبل "الواو" يُضَمّ، وعبّروا عن ضَمّتها بالاتباع لما بعدها.
وحُكي في مثل الأوّل الموقُوف لُغَتَان أُخْرَيان، [إحداهما] (٥): الفَتْح، الثانية:
_________________
(١) هذا ثابت في نُسخة "العُمدة" (ط المعارف، ص ١٢٥)، وكذا في متن العُمدة المطبوع مع "الإعلام" لابن الملقن (٦/ ٤١٠).
(٢) بوّب الإمام البخاري (٣/ ١٣) له في صحيحه بعنوان: "بَابٌ: إِذَا أَهْدَى لِلْمُحْرِمِ حِمَارًا وَحْشِيّا حَيًّا لَمْ يَقْبَلْ".
(٣) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ١٠٢).
(٤) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ١٠٢).
(٥) بالنسخ: "أحدهما".
[ ٢ / ٦٣١ ]
الكَسر. وأُنْشِد فيه:
قَالَ أَبُو لَيْلَى لِحبلى مُدِّهِ حتَّى إذا مَدَدْته فَشُدِّهْ
إنَّ أَبَا لَيْلَى نَسِيجُ وَحْده (١).
انتهى. (٢)
قُلتُ: حَكى ثَعْلَب: "زُرّ القميص" و["زُرَّه"] (٣) بالحرَكَات الثّلاث (٤).
والأوْجُه المتقَدّمَة إنّما هِي فيما اتّصَل به ضَمير المذَكر.
فإن اتّصَل به ضَمير مُؤنث: فالفَتح ليس إلّا، نحو: "ردّها" و"لم يردّها"؛ لأنّ "الهاء" حَرْفٌ خَفيّ، فكَأنّ "الألِف" وَلِيت "الدّال"، و"الألِف" لا يكُون قبلها إلّا [مفتُوحًا] (٥). (٦)
واعلَم أنّ "رَدّ" إذا كَانت بمَعنى "صَيّر" تعَدّت إلى مفعُولين، كقوله تعالى: ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة: ١٠٩]. (٧) وليست "رَدّ" هُنا بمَعنى
_________________
(١) الأبيات من الرجز، ولا يُعرف قائلها. انظر: إعراب القرآن للأصبهاني (ص ٤٢١) وهو فيه بلفظ: "لحبلٍ"، الزاهر في معاني كلمات الناس (١/ ١٨٢، ٢٣١)، تحفة المجد الصريح في شرح كتاب الفصيح (السفر الأول) للبلي (ص ٢٥٦، ٢٥٧).
(٢) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ١٠٢).
(٣) بالنسخ: "زر". والمثبت من الإعلام لابن الملقن.
(٤) انظر: الفصيح لثعلب (ص ٢٦٧). وراجع: شرح النووي على مسلم (٨/ ١٠٤)، الإعلام لابن الملقن (٦/ ٤١٥)، تحفة المجد الصريح (السفر الأول) للبلي (ص ٢٥٦)، المخصص (١/ ٣٩٣).
(٥) بالنسخ: "مفتوح".
(٦) انظر: الإعلام لابن الملقن (٦/ ٤١٦)، تحفة المجد الصريح (السفر الأول) للبلي (ص ٢٥٦، ٢٥٧)، علل النحو (ص ١٧١، ٤١٩).
(٧) انظر: شرح التسهيل (١/ ٣٤٧)، (٢/ ٨٢)، أوضح المسالك (٢/ ٤٥)، الهمع =
[ ٢ / ٦٣٢ ]
"صَيّر".
قوله: "فلمّا رَأى مَا في وَجْهه": تقَدّم الكَلامُ على "لمّا" قَريبًا. و"مَا" موصُولة بمَعنى "الذي"، وصِلتها المجْرور. وهُنا محذُوف، أي: "مِن الكَراهِيَة لرَدّه عَليه" (١).
قوله: "إنّا لم نَرُدّه": جملة "لم نرُدّه" في محلّ خَبر "إنّ".
قوله: "إلّا أنّا": الاستثناءُ مُفرغٌ، أي: "إلّا لأجْل أنّا حُرُم".
قوله: "وفي لفظ لمسْلِم": المجرورُ الأوّل يتعَلّق بـ "رُوي"، أو يتعَلّق بخبر مُبتدأ عن الوَاقِع بعده على الحِكَاية. والمجرورُ الثّاني يتعَلّق بـ "لَفْظ"، أو بنَعْتٍ لـ "لَفْظ".
و"رِجْل حمار" منْصُوبٌ بـ "أهْدَى" مُقَدَّرًا، يُفَسِّره الحديث قَبله، وكَذلك "شِقّ حمار" و"عَجُز حمار".
* * *
_________________
(١) = (١/ ٥٤٤)، جامع الدروس العربية (١/ ٤٤).
(٢) راجع: الإعلام لابن الملقن (٦/ ٤١٦).
[ ٢ / ٦٣٣ ]
تأليف الشيخ الإمام العلامة بدر الدين أبي محمد عبد اللَّه ابن الإمام العلامة أبي عبد اللَّه محمد
ابن فرحون المدني رحمة اللَّه عليه
تحقيق
مكتب الهدي لتحقيق التراث
أبو عبد الرحمن عادل بن سعد
[ ٣ / ١ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٣ / ٢ ]
الجزء الثالث
[ ٣ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
رقم الإيداع:
الرقم الدولي (ردمك):
دار الإمام البخاري
الدوحة - قطر
الدوحة - قطر - طريق سلوى - بجوار إشارة الغانم الجديد
ص. ب ٢٩٩٩٩ - هاتف: ٠٠٩٧٤٤٤٦٨٤٨٤٨ - فاكس ٠٠٩٧٤٤٤٦٨٥٥٨٨
albukharibooks@gmail.com
[ ٣ / ٤ ]