الحديث الأوّل:
[١٧٦]: عَنْ أَبِي هُريرَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ، [ولا] (١) يَوْمَيْنِ، إلَّا [رَجُلًا] (٢) كَانَ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ" (٣).
قوله: "لا تَقَدّمُوا": "لا" ناهية. و"تَقَدّموا": فعلُ مُضارع، وفاعل، مجزوم بالنهي، وعلامةُ الجزم حذفُ "النون".
وأصْلُ "تقَدّمُوا": "تتقدّموا"، حُذف منه إحدى التاءين، قيل: "تاء" الفِعْل، وبقيت "تاء" المضَارع؛ لأنّها جاءَت لمعنى.
وقيل: حُذِفَت "تاء" المضَارعة؛ لقيام "تاء" الفِعْل مَقَامها، ودلالتها عليه.
وشرْطُ هذا الحذف: أن تتماثل الحرَكَتان، كقوله تعالى ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾ [البقرة: ٢٦٧]، ومنه: "لَا تَحَاسَدُوا" (٤).
وأما إن اختلفت الحرَكَتان - مثل: " [تتغافر] (٥) " و"تتعَلّم الحِكْمة" - لم يجز الحذف؛ لاختلاف الحرَكَتين. (٦)
و"رمَضَان": مفعُولٌ به. وهو لا ينصرف؛ للعَلَمية وزيادة الألف والنون.
_________________
(١) في "العمدة" (ط الثقافة، ص ١٣١): "أو".
(٢) في "العمدة" (ط المعارف، ص ٩٧): "رجلٌ".
(٣) رواه البخاري (١٩١٤) في الصوم، ومسلم (١٠٨٢) في الصيام، واللفظ لمسلم.
(٤) متفق عليه: البخاري (٦٠٦٥) ومسلم (٢٥٥٨/ ٢٣) من حديث أنس.
(٥) كذا بالنسخ. وفي "الإعلام لابن الملقن": "تتغافر الذنوب".
(٦) انظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ١٣٥)، (٥/ ١٥٨، ١٥٩)، أمالي ابن الحاجب (١/ ٢٠٣، ٢٠٤)، شرح التصريح (٢/ ٧٦١)، شرح شافية ابن الحاجب للرضي (٣/ ٢٩١)، شرح شافية ابن الحاجب للركن (٢/ ٩٦٦).
[ ٢ / ٢٩٧ ]
وعَلَميته عَلَمية جنس لشَهر الصّوم. ويُجْمَع على: "رَمَضَانات" [و"أرْمضة".
وقَال الزّمخشري: مَصْدَره: "رَمض" إذا "احترق من الرّمْضَاء"] (١). قَالَ أبو حيّان (٢): ويحتاجُ إلى نَقْل؛ لأنّ فَعَلَانًا ليس مَصْدرًا لفِعْل لازم، بل إنْ جَاء فيه كَان شَاذًّا.
قال: والأوْلى أنْ يكُون مُرْتجلًا، لا مَنْقُولًا. (٣)
وسيأتي الحديثُ عليه في الحديثِ الثّالث من "بابِ الصّوم".
قوله: "بصَوْم يَوْم ولا [يَوْمَين] (٤) ": يتعلّق بـ "تقدمُوا"، وهو مُضَمّن معنى "تسبقوا". (٥) و"البَاء" للمُصَاحَبَة (٦)، أي: "مُتَلبّسين" أو "مُحتَاطين".
و"لا" نافية، دَخَلَت بين حَرْفِ العَطْف والمعْطُوف؛ للتّأكيد.
و"صَوْم يوم": مُضَافٌ إلى مَعْمُوله، وهو الظّرفُ.
_________________
(١) سقْط من النسخ. وقد تكرّر الكلام عن "رمضان" على الوجه الصواب في الحديث الثالث من (باب الصّوم في السفر وغيره). وقد أكملتُ السقط من هناك.
(٢) تعليقُ ابن حيان كما يظهر بـ "البحر المحيط" (٢/ ١٧٣) ليس على جمع "رمضان"، بل على قول الزمخشري: إنّ "الرمضان" مصدر "رمض"، إذا احترق من الرمضاء. ففي الموضع سقط، وقد أكملته من الموضع الآخر.
(٣) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٢/ ١٧٣)، الكشاف (١/ ٢٢٦)، الصحاح للجوهري (٣/ ١٠٨١)، المطلع للبعلي (ص ١٢١)، لسان العرب (٧/ ١٦١)، تاج العروس (١٨/ ٣٦٤)، النحو الوافي (٤/ ٢٣٣).
(٤) بالنسخ: "بيومين". والصواب المثبت.
(٥) انظر: لسان العَرَب (١١/ ٥٣٧)، مجمَع بحار الأنْوَار (٤/ ١٨٠، ٢٢٩).
(٦) انظر: أوضح المسالك لابن هشام (٣/ ٣١ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ١٣٧ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ٨٨ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٦٤٦ وما بعدها)، الهمع (٢/ ٤١٧ وما بعدها).
[ ٢ / ٢٩٨ ]
قوله: "إلّا رَجُلًا": الاستثناءُ مُنقَطِعٌ، أي: "لكن رَجُلًا". (١)
ويجوز رَفْعُ "رَجُل" - أعني - على البَدَل من ضَمير "تقَدّمُوا". ويجُوز رفَعه، بتقدير فِعْل، أي: "إلا أنْ يتقَدّمه صَوْم رَجُل كان يصُوم صَوْمًا". والعَمَلُ على الرّواية (٢).
وتقدَّم الكلامُ على الاستثناء في الرابع من "التشَهّد".
وجملة "كَانَ يصُوم" في محلّ صفَة لـ "رَجُلا". وجملة "يصُوم" في محلّ خبر "كان".
و"صَوْمًا": مَصْدَر، ونعتُه محذوفٌ، أي: "صَوْمًا قبله".
وحَذْفُ الصّفة موجودٌ كثير. وقد تقدّم ذكرُ المواضع التي لا يجُوزُ حَذْفُ الصِّفة [فيها] (٣) في الحديث الثاني من "التيمم".
قَال ابنُ مالك: ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦]، أي: "قومك المعاندون". وكذلك: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]، أيْ: "أيّ مَعَاد". (٤)
قوله: "فليَصُمه": "الفَاءُ" سَبَبية، عاطِفَة (٥)، أي: "فبسبب ذلك فليَصُمه".
و"اللام": "لام" الأمر. (٦) وتقَدّم الكَلامُ عليها في الحديث الرّابع من
_________________
(١) راجع: البحر المحيط (٤/ ١١٥، ٦٤٦)، عقود الزبرجد (١/ ٤٥٢).
(٢) وقد سبق أنّ بعض نُسَخ "العُمدة" على إثبات "رجل".
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: شواهد التوضيح (ص ٨٥)، عقود الزبرجد (٣/ ١٤١)، شرح التسهيل (٣/ ٣٢٤)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١١٦٦)، الهمع (٣/ ١٥٨).
(٥) انظر: شرح الشذور لابن هشام (ص ٤٤٣)، شرح القطر (ص ٩٣)، شرح ابن عقيل (٤/ ٣٨)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٩٣).
(٦) انظر: اللامات للزجاجي (ص ٩٢)، علل النحو (ص ١٩٨)، نتائج الفكر (ص =
[ ٢ / ٢٩٩ ]
"الأوّل"، وفي الثّالث من "باب الصّفُوف".
والضّميرُ في "يَصُمه" يَعُودُ على "اليوم المتَقَدِّم"، والأمْرُ أمرُ إبَاحَة ورُخْصَة. (١) ولَو قَالَ: " [فليَصُمْها] (٢) " كَانَ له وَجْهٌ؛ [لأنّه تقَدّم] (٣) يوم أو يَوْمان.
ويحتمَل أنْ يعُود على [مَعْنى] (٤)، أي: مَفْعُول مُصَدَّر بـ "ما"، أي: "فليَصُم ما نُهي عنه".
الحديث الثاني:
[١٧٧]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - ﵁ -، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ". (٥)
قوله: "سَمِعْتُ رسُولَ الله - ﷺ - يقُول": "سَمِع" من الأفعال الصّوتية، إنْ تعلّق بالأصْوات تعَدّى إلى مفعُول واحِد، وإنْ تعَلّق بالذّوَات تعَدّى إلى اثنين، الثّاني جملة مُصدَّرَه بفِعْل مُضَارع من الأفعَال الصّوتية، هَذا اختيارُ الفَارِسي ومُوافقيه. (٦)
واختار ابنُ مَالك ومَن تبعه أنْ تكُون الجملة في محلّ حَال إنْ كَان المتقَدِّم مَعرفة - كما هو هُنا -، أو صفة إن كَان المتقَدِّم نَكِرَة. (٧)
_________________
(١) = ١١١)، اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٤٩)، الأصول في النحو (٢/ ٢١٩).
(٢) راجع: حاشية السندي على سُنن النسائي (١/ ٨٤)، (٥/ ١٩١).
(٣) غير واضحة بالأصل. وتظهر كأنّها: "فليُصلّها". والمثبت من (ب).
(٤) كذا بالنسخ.
(٥) كذا بالنسخ. ولعلها: "مَعْنِيٍ".
(٦) رواه البخاري (١٩٠٦) في الصوم، ومسلم (١٠٨٠) (٨) في الصيام.
(٧) انظر: البحر المحيط لأبي حيّان (٣/ ٤٧٢، ٤٧٣)، (٧/ ٤٤٦، ٤٤٧)، (٨/ ١٦٣)، عُمْدة القَاري (١/ ٢٣)، إرشاد السّاري (٨/ ١٨٨)، (٩/ ٤٠١)، (١٠/ ١٥)، الإعلام لابن الملقن (١/ ١٦٥، ١٦٦)، شَرْح التسهيل (٢/ ٨٤).
(٨) انظر: البحر المحيط لأبي حيّان (٣/ ٤٧٢)، إرشاد الساري (٨/ ١٨٨)، (٩/ ٤٠١)، =
[ ٢ / ٣٠٠ ]
فعلى قَول الفَارسي ومُوافقيه تكُون "يقُول" في محلّ مفعول بـ "أنّ". وعلى قَول ابن مَالك تكُون في محلّ الحال من "رسُول الله".
والجملة من "سَمِعتُ" مع ما بعْدها مفْعُولة بالقَول. وجملة "إذا رأيتُمُوه": في محلّ مفعُول بالقَول الثّاني.
وجملة "رأيتمُوه" في محلّ خَفْض بـ "إذا" عِنْد مَن جَعَل العَامِلَ فيها جوابها، وهي لا عَمَلَ لها في فِعْلِها. (١)
والضّميرُ يعُود على غَير مَذْكُور يُفسِّره السّياق، كقَوله تعَالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وقوله: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات: ٤]. (٢)
والتقديرُ: "إذا رَأيتُم الهِلالَ". (٣)
وقَدْ جَاء: "حَتَّى تَرَوا الهِلَالَ" (٤) مُصَرّحًا به. (٥)
قال أهْلُ اللغَة: يُقَال: "هِلَال" مِنْ أوّل لَيْلَة إلى الثّالثة، ثم يُقَال: "قَمَر" بعْد
_________________
(١) = (١٠/ ١٥)، شواهد التوضيح (ص ١٨٢).
(٢) راجع: حاشية الشِّهاب على تفسيرِ البيضَاوِي (٦/ ١٢١، ١٧١)، أمالي ابن الحاجب (١/ ١٨٧)، الجنى الداني (ص ٣٦٩ وما بعدها)، إيضاح شواهد الإيضاح (١/ ٦٤ وما بعدها)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٢٩٢، ٢٩٣).
(٣) فالمرادُ في الآية الأولى: "القرآن". والمقَدّر في الآية الثانية: "المكان". وانظر: البحر المحيط (١/ ٣٢٤)، (١٠/ ٥١٣)، فتح الباري (٢/ ٤٣)، نُخب الأفكار (٣/ ٢١١)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٥٢٦)، الإعلام لابن الملقن (١/ ٥١٥)، (٢/ ٢٤٥)، (٥/ ١٧١، ١٧٢)، عقود الزبرجد (١/ ٤٤٥)، شرح التسهيل (١/ ١٥٧)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (١/ ٨٠)، الهمع (١/ ٢٦٣، ٢٦٥)، النحو الوافي (٣/ ٦٣٩).
(٤) بل هي رواية وَرَدَت في "صحيح مُسلم" (١٠٨٠/ ٧) من حديث ابن عُمر. وانظر: الإعلام لابن الملقن (٥/ ١٧٢).
(٥) متفقٌ عليه: البخاري (١٩٠٦) ومُسلم (١٠٨٠/ ٣) من حديث ابن عُمر.
(٦) انظر: الإعلام لابن الملقن (٥/ ١٧٢).
[ ٢ / ٣٠١ ]
ذلك. (١)
قيل في معنى "الليلة الهلالُ": إنّ "الهِلال" أُقِيم مَقَام "الاسْتِهْلال"، كإقَامَة "العَطَاء" مَقَام "الإعْطَاء". (٢)
قَال الزَجّاج: ويُقَالُ للقَمَر "هِلال" من الليلة الأُولى والليلة الثّانية؛ لأنّه "يُهَلّ" بذِكْره فيهما، أي: "يُرْفَع الصّوتُ". فإذا تجاوَز ليلتين: فقد عُلِم، ولم يُحْتَج إلى رَفْع الصّوت بذِكْره. (٣)
قال: ومنهم مَن يُسَمّيه هِلالًا في الثّالثة. ومنهم مَن يُطْلِق ذلك عليه حتى يَسْتَدير، ثم هُو قَمَرٌ. (٤) نَقَل ذلك عنه "أحمد بن عبد الجليل. . . . . . . . .
_________________
(١) انظر: معاني القرآن وإعرابه، لأبي إسحق الزجاج، (١/ ٢٥٩)، الإعلام لابن الملقن (٥/ ١٧٢)، إسفار الفصيح (١/ ٤٠٦)، المخصص (٢/ ٣٧٦)، المحكم والمحيط الأعظم (٤/ ١٠٠، ١٠١)، المصباح (٢/ ٦٣٩).
(٢) قال أبو البقاء: "فأمَّا قولهم: (الليلة الهلالُ)؛ فيروى بالرفع على تقدير: (الليلةُ ليلةُ الهلال)، وبالنصب على تقدير: (الليلة طلوعُ الهلال)، أَو على أَن تجعل (الهلال) بمعنى (الاستهلال)، وهو من إقامة الجثة مُقام المصدر، وإنَّما يكون فيما ينْتَظر ويجوز أَن يكون وَيجوز ألَّا يكون. فلو قلت في انتهاء الشَّهر: (الليلة الْقَمَر)؛ لم يجز. وَقد يجوز أَن تقول: (زيدٌ غَدًا)، إِذا كانَ غائبًا وخاطبت من ينْتظر قدومه". انظر: اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ١٤١). وراجع: البحر المحيط (٢/ ٥٦٧)، الكتاب (١/ ٢١٦، ٤١٨)، المقتضب (٤/ ٣٥١)، شرح المفصل (٢/ ١٩٢)، الأصول لابن السراج (١/ ٦٣)، شرح ابن عقيل (١/ ٢١٤)، شرح التصريح (١/ ٢٠٨)، الهمع (١/ ٣٧٧).
(٣) انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (١/ ٢٥٩، ٢٦٠)، فتح الباري (٣/ ٤١٥)، شرح البخاري لابن بطال (٤/ ٢٢٠)، إرشاد الساري (٣/ ١١٩)، شرح جمل الزجاجي (٢/ ٨١)، إسفار الفصيح (١/ ٤٠٦)، المخصص (٢/ ٣٧٦)، المحكم والمحيط الأعظم (٤/ ١٠٠، ١٠١)، لسان العرب (١١/ ٧٠٢، ٧٠٣).
(٤) انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (١/ ٢٥٩، ٢٦٠)، إسفار الفصيح (١/ ٤٠٦)، =
[ ٢ / ٣٠٢ ]
[التدميري"] (١) في كتاب "التصْريح شَرْح غَريب الفَصيح" (٢).
وجُملةُ: "فصُومُوا": جَوَابُ "إذا". وكذلك جُملَة: "فاقدروا له" جوابُ "إنْ". وجملةُ الجوَاب لا محَلّ لها من الإعْرَاب، وكذلك جملة "- ﷺ -" وجملة "- ﵁ -". وتقَدّم ذِكْرُ الجُمَل التي لا محلّ لها في الحديث الأوّل من الكتاب، وفي الرّابع من "الأذان".
والرّؤية هنا بَصَريّة تتعَدّى إلى مفْعُول واحد، وقَد جَاءَ إجراؤها مجْرَى البصرية في أنْ يُجمَع لها بين ضَميري الفَاعِل والمفعُول لمسَمّى واحد، كـ "رأيتُنا" و"رأيتُني"، ومنه - في الحديث - قول عائشة - ﵂ -: "لَقَد رَأيتُنا مَعَ رَسُول الله - ﷺ - وَلَيْس لَنَا طَعَامٌ إلّا الأَسْوَدان" (٣)، وقول حُذَيفَة: "رَأيتني أنَا ورسُولُ الله - ﷺ - نتَوَضّأ مِن إنَاءٍ
_________________
(١) = المحكم والمحيط الأعظم (٤/ ١٠٠، ١٠١)، المخصص (٢/ ٣٧٦)، المصباح (٢/ ٦٣٩)، لسان العرب (١١/ ٧٠٢، ٧٠٣).
(٢) قد تقرأ بالأصل: "البديري". وفي (ب): "النذيري". والمثبت من مصادر الترجمة، فهو منسوب إلى "تدمير" بلد بالأندلس.
(٣) التصريح شرح غريب الفصيح: للشيخ أبي العباس أحمد بن عبد الجليل بن عبد الله الغساني التُّدْميري (من تدمير، بلد شرق قرطبة، بالأندلس)، المتوفّى بفاس سنة (٥٥٥ هـ). وهو مخطوط، منه نُسخة في مكتبة "نور عثمانية" برقم (٣٩٩٢). وله من الكتب: شرح المقصورة، وشرح أبيات الجمل للزجاجي، والمختزل، ونظم القرطين، والتوطئة، وغيرها. انظر: تاج العروس (١٥/ ٢٣٠)، إنباه الرواة على أنباه النحاة للقفطي (١/ ١٨٩)، بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي (١/ ٣٢١)، البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة للفيروز آبادي (ص ٧٤)، التكملة لكتاب الصلة لابن الأبار (١/ ٦٠)، معجم أصحاب القاضي أبي علي الصدفي لابن الأبار (ص ٤١)، هدية العارفين (١/ ٨٥)، الأعلام للزركلي (١/ ١٤٣)، الدليل إلى المتون العلمية (ص ٥٨١).
(٤) قال محقّق "شواهد التوضيح" (ص ٢٠١): "لم أقف على هذا القول في صحيح البخاري. ولكنى وجدت في (٨/ ١٢١) قول سعد: "وَرَأَيْتُنَا نَغْزُو وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الحُبْلَةِ. . .". وفيه الإشكال الذي يقصده المؤلف". وراجع: البخاري (٦٤٥٣).
[ ٢ / ٣٠٣ ]
وَاحِد" (١). (٢)
قال ابنُ مالك: كان من حَقّ هذا أن لا يجُوزَ، كما لا يجُوزُ "أبصرتُنا" و"أبصرتُني"، لكن حُملَت "رَأى" البَصَرَيّة على "رأى" القَلْبيّة؛ لمشَابهتها لها لَفْظًا ومَعْنى. (٣)
قَالَ (٤): ومِنْه قَولُ عنترة: -
فَرَأَيْتُنا ما بَيْنَنا مِنْ حاجِزٍ إلّا المِجَنُّ وَنَصْلُ سَيْفٍ مِقْصَلِ (٥)
قُلْتُ: "القَصْلُ": "القَطْعُ"، قَالَه في "الصّحَاح". (٦)
قَوله: "فإنْ غُمّ عَلَيكم فَاقْدرُوا لَه": "غُمّ" من الأفْعَال المبنيّة للمَفْعُول، لم
_________________
(١) قال محقّق "شواهد التوضيح" (ص ٢٠١): "لم أقف على هذا القول في صحيح البخاري. ولكنى وجدتُ في (١/ ٦٤) قول حذيفة: (رَأَيْتُنِي أَنَا وَالنَّبِيُّ - ﷺ - نَتَماشَى، فَأَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ. . .). وفيه الإشكال الذي يقصده المؤلف". وراجع: البخاري (٢٢٥).
(٢) انظر: شواهد التوضيح لابن مالك (ص ٢٠١، ٢٠٤)، عُقود الزبرجَد (٣/ ٢٣٣)، شرح التسهيل (٢/ ٩٢، ٩٣).
(٣) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢٠١، ٢٠٤)، عُقود الزبرجَد للسيوطي (٣/ ٢٣٣)، شرح التسهيل (٢/ ٩٢، ٩٣).
(٤) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢٠٤)، عُقود الزبرجَد (٣/ ٢٣٤).
(٥) البيتُ من الكَامل، وهو لعَنترة بن شَدّاد. والمرويّ فيه: "ونصل أبيض مفصل". وفي "شرح التسهيل": "ونصلُ أبيضَ مِقْصَل"، وفي موضع آخر: "وحَدُّ أبيضَ مفْصِل". وفي "المعجم المفصّل": "ونَضْلُ أَبْيَضَ مِقْصَلِ". انظر: شواهد التوضيح (ص ٢٠٤)، عُقود الزبرجَد (٣/ ٢٣٤)، شرح التسهيل (٢/ ٩٣)، الهمع (٢/ ٣٢١)، المعجم المفصّل (٦/ ٥١١).
(٦) قال الجوهري في "الصّحاح" (٥/ ١٨٠١): "القَصْلُ: القَطْعُ. وسَيْفٌ مِقْصَلٌ وقَصَّالٌ، أي: قَطّاعٌ، ومنه سُمِّيَ: القَصيلُ".
[ ٢ / ٣٠٤ ]
يُستَعْمَل إلا كَذَلك، كـ "جُنّ" و["لُقِي"] (١)، ومنه "اضطُرّ". (٢)
واختُلِف فيه، فقيل: من "الغَيْم"، أي: "كانت السّماءُ مُغَيِّمة". وأنكَر ذلك بعضهم، وقال: لو كَان من "الغَيْم" لقَال: "فإنْ غُيم عليكم". (٣)
قال "ابنُ الأثير": يُقَال: "غُمّ علينا الهلالُ" إذا حَالَ دون رُؤْيته غَيم أو نحْوه، من "غَمَمْتُ الشيءَ" إذا "غَطّيته". (٤)
وفي "غُمّ" ضَمير "الهلال" (٥)، مفْعُولٌ لم يُسَمّ فَاعِلُه.
قال: ويجُوز أنْ يكُون "غُمّ" مُسْنَدًا إلى الظّرف، أي: "فإن كنتم مَغْمُومًا عليكُم فأكْمِلُوا"، وتَرَكَ ذِكْر "الهلال" للاستغناء عنه. (٦)
قُلتُ: يُريد بـ "الإسنادِ إلى الظّرْف": أنّ المجْرُورَ قَائِمٌ مَقَامَ مفْعُوله الذي لم يُسَمّ فَاعِله.
_________________
(١) يُقال: "لُقِي الرجلُ" إذا أصابته اللقوة، وهو ضربٌ من الفالج يُصيب الوجه. انظر: الصحاح (٦/ ٢٤٨٥)، جمهرة اللغة (٢/ ٩٧٦)، تحفة المجد الصريح للَّبْليّ الفِهْري (ص ٣٣٧)، كتاب الأفعال (٣/ ١٥٠)، تاج العروس (٣٩/ ٤٧٨). ومثلها أيضًا: "أُلِق" بمعنى "جُنّ". انظر: الصّحاح (٤/ ١٥٦٨)، كتاب الأفعال (١/ ٤٦)، المخصص (١/ ٢٧٢)، إيجاز التعريف في علم التصريف (ص ٩١)، شرح الأشموني (٤/ ٦٣)، لسان العرب (١٠/ ٣٨٤).
(٢) انظر: الكتاب (٤/ ٦٧)، تحفة المجد الصريح (ص ٣٣٧)، كتاب الأفعال (٣/ ١٥٠)، الأصول لابن السرّاج (٣/ ١١٢)، جمهرة اللغة (٢/ ٩٧٦)، شرح جمل الزجاجي (١/ ٥٤٢)، لسان العرب (٤/ ٤٨٣)، (١٣/ ٩٦).
(٣) راجع: سبل السلام (١/ ٥٥٨)، إسفار الفصيح (١/ ٤٠٤، ٤٠٥).
(٤) انظر: النهاية لابن الأثير (٣/ ٣٨٨).
(٥) انظر: النهاية لابن الأثير (٣/ ٣٨٨).
(٦) انظر: النهاية لابن الأثير (٣/ ٣٨٨).
[ ٢ / ٣٠٥ ]
ورُوي: "فَإنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدرُوا لَهُ" (١). (٢)
قال: وفي رواية: "فَإنْ غُمّيَ عَلَيْكُم. . ." (٣). يُقَال: "أُغمي علينا الهلالُ" و"غُمِّيَ"، فهو "مُغْمًى" و"مُغَمّي"، إذا "حَالَ دُون رُؤْيته غَيْمٌ أو قَتَرة"، كما يُقَال: "غُمّ علينا".
ويُقَال: "صُمْنا الغُمّى"، و"الغَمّى" بالضّم والفَتْح، أي: "صُمْنا من غير رُؤية".
وأصْلُ "التَّغْميَة": "السّتر والتّغْطية". ومنه "أُغْمِيَ على المريض": إذا غُشِيَ عَليه؛ فَإنّ المرَضَ يَسْتُر عَقْلَه ويُغَطّيه. (٤)
قَالَ الشّيخُ "تَقيّ الدّين": إذا دَلّ الحسَاب على أنّ الهلالَ قد طَلع [في] (٥) الأُفق على وَجْهٍ يُرَى لَولا وجُود المانع - كالغَيم مثلا - فهذا يقتضي الوجُوب؛ لوجُود السَّبب الشَّرْعي. وليس حَقيقة الرّؤية [بمَشْرُوطة على] (٦) اللزوم؛ لأنّ الاتفَاق على أنّ المحْبُوسَ في المطمُورة إذا عَلِم بإكْمال العِدّة، أو بالاجْتِهَاد بالأَمَارَات أنّ اليَومَ من رَمَضَان وَجَبَ عليه الصّوْم، وإنْ لم يَر الهِلَال، ولا أخْبَرَه مَن رَآه. (٧)
قُلْتُ: الأكثرون (٨) على خِلافِ ما ذَهَبَ إليه الشّيخ، إلا أنْ يُحمَل كَلامُه على
_________________
(١) صحيح مُسلم (١٠٨٠/ ٣) من حديث ابن عمر.
(٢) انظر: النهاية لابن الأثير (٣/ ٣٨٩).
(٣) صحيح مُسلم (١٠٨٠/ ١٨) من حديث أبي هريرة.
(٤) انظر: النهاية لابن الأثير (٣/ ٣٨٩)، الإعلام لابن الملقّن (٥/ ١٧٢، ١٧٣)، إسفار الفصيح (١/ ٤٠٤، ٤٠٥)، تاج العروس (٣٣/ ١٨١).
(٥) كذا بالنسخ. وفي "إحكام الأحكام" (٢/ ٨): "من".
(٦) كذا بالنسخ. وفي "إحكام الأحكام" (٢/ ٨): "بشرط من".
(٧) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٨)، الإعلام لابن الملقن (٥/ ١٧٨، ١٧٩).
(٨) اختلف العُلماء في معنى "فاقدروا له". فقالت طائفة: معناه ضيقوا له وقدروه تحت =
[ ٢ / ٣٠٦ ]
مَن كان في مَطْمُورةٍ أو ما أشْبَه ذلك. (١)
وقد قال "مُطَرِّفِ": إنّ معنى "اقدروا له": "احسبوا له بحِسَاب المنجِّمين". (٢)
قال "ابنُ سيرين": "وليته لم يَقُله، وإنْ كَان من كبار التّابعين". والله أعلم. (٣)
قوله: "فاقدروا له": جَوَابُ "إنْ". وقَد تقَدّم الكَلامُ على "إنْ" الشَّرْطِيّة، ومَا لها مِنْ فِعْل وجَوَاب، في الرّابع من أوّل الكتاب.
الحديث الثالث:
[١٧٨]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "تَسَحَّرُوا فَإنَّ في السَّحُورِ بَرَكَةً" (٤).
قال "ابنُ الأثير" في "النّهاية": "السّحُور" بالفتح: اسمٌ لما يُتَسَحّر به من
_________________
(١) = السحاب، وممن قال بهذا أحمد وغيره ممن يجوز صوم ليلة الغيم عن رمضان. وقال ابن شريح وجماعة فيهم مُطرّف بن عبد الله وابن قتيبة وآخرون: معناه قدروه بحساب المنازل. وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور السلف والخلف إلى أنّ معناه: قدروا له تمام العدد ثلاثين يومًا. واحتج الجمهور بالروايات المذكورة في "مسلم" وغيره: "فأكملوا العدد ثلاثين"، وهو تفسير لـ "اقدروا له"، ولهذا لم يجتمعا في رواية، بل تارة يذكر هذا ويؤكده رواية: "فاقدروا ثلاثين". قال المازري: حمل جمهور الفقهاء قوله - ﷺ -: "فاقدروا له" على أن المراد إكمال العدة ثلاثين، كما فسره في حديث آخر. قالوا: ولا يجوز أن يكون المراد حساب المنجّمين؛ لأنّ الناسَ لو كُلفوا به ضاق عليهم؛ لأنه لا يعرفه إلا أفراد، والشرع إنما يُعرِّف الناسَ بما يَعرفه جماهيرهم. كذا قال النووي. انظر: شرح النووي على مسلم (٧/ ١٨٦، ١٨٩)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام لابن الملقن (٥/ ١٧٣ وما بعدها).
(٢) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٨)، الإعلام لابن الملقن (٥/ ١٧٣ وما بعدها).
(٣) انظر: شرح النووي على مسلم (٧/ ١٨٦)، إحكام الأحكام (٢/ ٨)، الإعلام لابن الملقن (٥/ ١٧٥ وما بعدها).
(٤) راجع: إحكام الأحكام (٢/ ٨).
(٥) رواه البخاري (١٩٣٣) في الصوم، ومسلم (١٠٩٥) في الصيام.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
الطّعَام والشّرَاب. وبالضّمّ: المصْدَر، والفِعْلُ نفْسه. وأكثرُ ما يُروَى بالفَتْح. وقيل: الصّوَابُ بالضّم؛ لأنّه بالفَتْح: الطّعَام. والبركَةُ والأَجْرُ والثّوابُ في الفِعْل، لا في الطّعام. انتهى. (١)
قوله: "عن أنس": تقَدّم أنّه يتعلّق بفِعْل مُقَدّر، أي: "رُوي"، والتقديرُ: "أنّه قَال"؛ ليَقُوم مَقَام المفْعُول الذي لم يُسّمّ فَاعِله. (٢)
و"قَالَ رَسُولُ الله": في محَلّ مَفْعُول القَول.
وجُملة "تسَحّروا": مَفْعُولَة بالقَوْل.
وجُملة (ﷺ): مُعترضَة، لا محلّ لها.
وجَاء الأمْر منه (٣) بفَتح "التّاء"؛ لأنّها كذلك في المضَارع، والأمْر مختَصَرٌ من المضَارع، فإنْ كان ما بعد حَرْف المضَارعة مَفْتُوحًا بنوا الأمْرَ على تلك الحركة، وإن كان سَاكنًا اجتلبوا له همزة الوَصْل؛ لأنّ العَرَبَ لا تبتدئ بسَاكِن، وعَلامةُ البناءِ فيه حَذْفُ النّون، التي هي عَلامة للرّفع في المضَارع، فكَما جُعِل حَذفُها في المضَارع عَلامَة الجزْم وعَلامَة النّصْب جُعِل حَذفُها في الأمْر عَلامَة للسّكون. هذا اختيارُ جماعة من النّحويين. (٤)
واختار أبو حَيّان ومَن قَبْله - كـ "ابن مَالك" - البناء على السّكُون، إلا أنْ يمْنَع
_________________
(١) انظر: النهاية لابن الأثير (٢/ ٣٤٧).
(٢) راجع: شرح قطر الندى (ص ١٩٠)، شرح ابن عقيل (٢/ ١٢٧)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٤٦ وما بعدها).
(٣) أي: من الفعل "يتسحّر".
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٥٤)، إيجاز التعريف في علم التصريف (ص ٨١ وما بعدها)، المفتاح في الصرف (ص ٥٤، ٥٥)، مسائل خلافية في النحو للعكبري (ص ١١٩ وما بعدها)، توضيح المقاصد (١/ ٣٠٥ وما بعدها)، النحو المصفى (ص ١١١ وما بعدها).
[ ٢ / ٣٠٨ ]
مَانِعٌ. والمانعُ: اتصَالُ الضّمائر به. (١)
[قوله: "تسَحّروا"] (٢) اتّصَل به [ضَمير] (٣) جَمَاعَة [المُذَكَّرِين؛ فمُنِع من السّكُون.
كما أنّ المضَارع - مع إعْرَابه - إذا اتّصَل به الضّمَائر يتَغَيّر آخِره، وينتَقِل إعرابه مِن الحرَكَات إلى الحُرُوف.
قوله: "فَإنْ": "الفَاءُ" سَبَبيّة، أي: "تَسَحّروا بسَبَبِ أنّ فيه بَرَكَة".
وأعاد "السّحُور" تأكيدًا له، وحَضًّا على فِعْله. ولَو قَال: "فإنَّ فيه بَرَكَة"؛ أغنى.
و"في السّحُور": يتعَلّق بخَبر "إنّ". و"بَرَكَةً": بالنَّصْب، اسم "إن".
و"في": معناها "الوعاء" (٤)، وهو هُنا مَجَازٌ، كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]. (٥)
قال القاضي أبو بكْر ابن العَرَبي: تأمّلتُ "فَعُول" من طَريق العَرَبيّة؛ فوَجَدتُ فيه مَطْلعَا شَريفًا، وهُو أنّ بناءَ "فعُول" للمُبالَغة، والمبَالَغة قد تكُون في الفِعْل المتعَدِّي، كما قَال الشّاعرُ:
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٥٤، ٢٥٥)، شرح قطر الندى (ص ٢٦)، توضيح المقاصد (١/ ٣٠٥ وما بعدها)، مسائل خلافية في النحو (ص ١١٩ وما بعدها).
(٢) كذا بالنسخ. ولعلّ الصواب: "وقوله". والعبارة مُتعلّقة بما اختاره أبو حيان وابن مالك ومُرتبة عليها.
(٣) كتب ناسخ الأصل: "جميع ضمير"، ثم وضع علامة تشبه المدة بلون أحمر فوق كلمة "جميع"، مما يدلّ على أنها علامة الإسقاط في المخطوط.
(٤) "في" هنا ظرفية مجازية.
(٥) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٧)، الجنى الداني (ص ٢٥٠)، مغني اللبيب (ص ٢٢٣، ٢٢٤، ٩٠٢)، شرح الأشموني (٢/ ٨٤)، الهمع (٢/ ٤٤٥).
[ ٢ / ٣٠٩ ]
ضَروبٌ بنَصْلِ السَّيْفِ سُوقَ سِمانِها . . . . . . . . . . (١)
وقد تكُون (٢) في الفِعْل القَاصِر، كَما قَال الشّاعرُ:
. . . . . . . . . . نَؤُومُ الضُّحَى لَم [تَنتَطِقْ] (٣) عَنْ
فوصف الأوّل بالمبالغة في الضّرب وهو فِعلٌ يتعَدّى، ووصف الثاني بالمبالغة في النّوم وهو فِعلٌ لا يتعَدّى.
وقد يأتي بناء "فعُول" لوَجْهٍ آخَر لا مُبالَغَة فيه، وهو العبارة به عن آلة الفعل، لا عَن الفِعل، كقولنا: "وَقُود" و"سَحُور" بفتح "الواو" و"السين" (٥)؛ فإنه عبارة عن "الحطب" وعن "الطَّعَام الذي يُتَسَحّر به"، فإذا ضَمَمْت "الفَاء" من "الوُقُود" و"السُّحُور" و"الطُّهُور" عَاد إلى الفِعْل. (٦) وله هُنا مع الحنفية
_________________
(١) صدرُ بيتٍ من الطويل، وهو لأبي طالب بن عبد المطّلب، في قصيدة رثى بها أَبَا أُميَّة ابْن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم، زوج أخته. وعجزه: "إذا عَدِموا زادًا فإنك عاقر". والشاهد: أنه نصب "سوق" جمع "ساق" بـ "ضروب"؛ لاعتماده على ذي خبر محذوف؛ أي: هو ضروب، أو: أنت ضروب. انظر: الكتاب لسيبويه (١/ ١١١)، الأصول في النحو (١/ ١٢٤)، خزانة الأدب (٤/ ٢٤٢)، (٨/ ١٤٦)، شرح التصريح (٢/ ١٥)، المقتضب (٢/ ١١٤)، شرح الأشموني (٢/ ٢٢٠)، المعجم المفصل (٣/ ٢٨٨).
(٢) أي: المبالغة.
(٣) بالنسخ: "ينتطق". والمثبت من المصادر.
(٤) عجز بيت من الطويل، وهو لامرئ القيس. وصدره: "وَتُضْحِي فَتيتُ المِسْكِ فَوْقَ فِراشها". وقيل فيه: "وَيُضْحى فَتِيتُ". انظر: ديوان امرِئ القيس (ص ٤٤)، جمهرة أشعار العرب (ص ١٢٩)، شرح ديوان المتنبي للعكبري (٣/ ٢٠٢)، المعجم المفصل (٦/ ٥١٤).
(٥) أي: بفتح "الواو" من "وَقُود"، و"السين" من "سَحُور".
(٦) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٤٣٧، ٤٣٨).
[ ٢ / ٣١٠ ]
[. . .] (١) انظره في "أحْكَام القُرآن". (٢)
الحديث الرابع:
[١٧٩]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - ﵄ -، قَالَ: "تَسَحَّرْنَا مَعَ النبي - ﷺ -، ثُمَّ قَامَ إلَى الصَّلاةِ". قَالَ أَنَسٌ: فقُلْت لِزَيْدٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً (٣).
قوله: "تسَحّرنا مع رسُول الله ﷺ": الجملة معْمُولة للقَول، والقَولُ قَائمٌ مقَام معْمُول مُتعَلّق حَرْف الجرّ.
و"مع": تقَدّم الكَلامُ عَليها في الحَديثِ الأوّل من "المسْح على الخفّين".
قوله: "ثُمّ قَام": عَطَف بـ "ثُمّ" المقتضية للمُهْلَة والترتيب. (٤) وتقَدّم الكَلامُ على "ثُمّ" في الثّاني من "باب الجنَابَة". وتقَدّم في الرّابع مِن "العيدين" ذكرُ تجرّدها عن المهْلَة.
قوله: "إلى الصّلاة": يتَعَلّق بـ "قَامَ". والمرَادُ "أنّه قَام إلى مَوْضِع الصّلاة"، ولو أراد "الصّلاة" لقَالَ: "ثُمّ قَامَ للصّلاة". وتقَدّم الكَلامُ على "إلى" في الثّامِن مِن أوّل الكتاب.
_________________
(١) بموضعها بالأصل فراغ بقدر كلمة. وسقط من (ب). قال ابنُ العربي في "أحكام القُرآن" (٣/ ٤٣٨) بعدها: ". . . عاد إلى الفعل، وكان خبرًا عنه، فثبت بهذا أن اسم الفعول بفتح الفاء يكون بناء للمبالغة، ويكون خبرًا عن الآلة، وهذا الذي خطر ببال الحنفية، ولكن قصرت أشداقها عن لوكه".
(٢) انظر: أحكام القرآن (٣/ ٤٣٨).
(٣) رواه البخاري (١٩٢١) في الصوم، ومسلم (١٠٩٧) في الصيام.
(٤) انظر: مغني اللبيب (ص ١٦٠، ٧١٣)، توضيح المقاصد (٢/ ٩٩٨)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٥٧٨)، شرح القطر (ص ٣٠٣)، شرح الأشموني (٢/ ٣٦٥).
[ ٢ / ٣١١ ]
قوله: "قَالَ أَنسَ": فِعْلٌ، وفَاعِل. وفَاعِلُ "قَالَ" الأُوْلى والثّانية ضَميرُ "زيد بن ثَابِت". و"قُلتُ": في محلّ نَصْب بالقَول.
و"كَم": كنايَةٌ عن عَدَد، كما أنّ "متَى" سُؤالٌ عن الزّمَان، و" [أين] (١) " سُؤَالٌ عن المكَان، و"كيف" سُؤَالٌ عن الأحْوَال، وتكُون " [كيْف] (٢) " [سُؤَالًا] (٣) عَن الأخْبَار مع الاسم المفْرَد. (٤)
وقَالَ "الفَرّاءُ" (٥): "كَمْ" اسمٌ بَسِيط. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بالنسخ: "أي". والتصويب من المصادر. ويُسْأل عن المكَان ب: "أيْن" و"أنّى". انظر: اللمع لابن جني (ص ٢٢٨)، شرح المفصل (٣/ ١٤٢).
(٢) كذا بالنسخ. وقد تكون: "كم"؛ فقد قال في "مغني اللبيب" (ص ٢٤٥): "زعم قوم أَن لغة تَمِيم جَوَاز نصب تمييز (كم) الخبرية إِذا كان الخبر مُفردا، ورُوي قَول الفرزدق: كم عمَّة لَك يَا جرير وَخَالَة فدعاء قد حلبت عَليّ عشارى بالخفض، على قِياس تمييز الخبرية، وبالنصب على اللُّغة التميمية، أَو على تقديرها استفهامية استفهام تهكم، أَي: (أَخْبرنِي بعَدد عمَّاتك وخالاتك اللَّاتِي كن يخدمنني فقد نَسِيته) ".
(٣) بالنسخ: "سُؤالٌ". والصّواب المثبَت.
(٤) انظر في معنى "كم": شرح المفصل (٣/ ١٦٥ وما بعدها)، شرح جمل الزجاجي (٢/ ٤٦)، جامع الدروس العربية (٣/ ١١٤). وانظر في معنى "متى": اللمع لابن جني (ص ٢٢٨)، علل النحو (ص ٢٢٣)، الأصول في النحو (٢/ ١٣٦)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (٢/ ٥٢٩). وانظر في معنى "أين": اللمع (ص ٢٢٨)، عِلَل النّحو (ص ٢٢٣، ٢٢٥)، الأصول في النحو (٢/ ١٣٦)، الإنصاف في مسَائل الخلاف (٢/ ٥٢٩). وانظر في معنى "كيف": المفصل للزمخشري (ص ٢١٧)، شرح المفصل (٢/ ٣٦٦ بالهامش)، (٣/ ١٣٩)، اللمع لابن جني (ص ٢٢٨)، علل النحو (ص ٢٢٣)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (٢/ ٥٢٩).
(٥) الذي يتضح من كلام الفراء أنها عنده مُركبة، لا بسيطة، ولم يصرّح في كتابه إلا بأنها مركبة، ولم ينسب إليه أحد أنها عنده بسيطة. وقد نقل المصنف العبارة من البحر =
[ ٢ / ٣١٢ ]
وقيل: مُرَكَّبٌ (١) مِن "كَاف" التشبيه و"مَا" الاستفهَاميّة، وحُذِفَت أَلِفُها لدُخُول حَرْفِ الجرّ عليها، وسكنت لكَثْرة الاستِعْمال، كَما قَالُوا في "لِمْ" و"فِيمْ". ونظيرها: " [كَأيٍّ] (٢) "؛ رُكّبت "الكَاف" فيهَا مَع "أيٍّ". (٣)
وتأتي (٤) استفهامية وخَبَرية. وكَثيرًا مَا جَاءَت الخبَريّة في القُرآن، ولم يأت تمييزها فيه إلّا مجْرورًا بـ "مِن". (٥)
وكِلاهُما مَبنيّ؛ [فالاستفهامية] (٦) لتضَمّنها معنى "الهَمْزَة"، والخبَرية لمشَابهتها "كَم" الاستفهامية في كَونها كِنَاية عَن عَدَدٍ مَا، أو بُنيت لشبهها بـ "رُبّ" في المبَاهَاة والافتِخَار. (٧)
_________________
(١) = المحيط لأبي حيان، لكنه سها فعزاها للفراء. وانظر: معاني القرآن للفراء (١/ ٤٦٦)، البحر المحيط (٥/ ٦)، شرح جمل الزجاجي (٢/ ٤٦، ٥١، ٥٢)، توضيح المقاصد (٣/ ١٣٣٥).
(٢) أي: "اسمٌ مُرَكّب".
(٣) بالنسخ: "وكأيّ". وهي في "البحر المحيط": "كأيّن". لكنهم قالوا: تُكتب "كأيّن" أيضًا: "كأيّ"؛ فلهذا أثبتُّها على ما ترى. وانظر: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٦)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٢٢).
(٤) انظر: معاني القرآن للفراء (١/ ١٦٨، ١٧٦، ٤٦٦)، البحر المحيط (٥/ ٦)، مُغني اللبيب (ص ٢٤٦)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (١/ ١٧١ وما بعدها، ٢٤٣، ٢٤٥)، شرح جمل الزجاجي (٢/ ٤٦، ٥١، ٥٢)، شَرْح المفصّل (٣/ ١٦٦)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٣٣٥)، همع الهوامع (٢/ ٦٠٢)، المدارس النحوية (ص ٢٠٣)، جامع الدروس العَرَبية (٣/ ١٢٢ وما بعدها).
(٥) أي: "كم".
(٦) انظر: البحر المحيط (٥/ ٦).
(٧) بالنسخ: "والاستفهامية". وانظر: شرح جمل الزجاجي (٢/ ٤٦).
(٨) انظر: مغني اللبيب (ص ٢٤٣ وما بعدها)، شرح جمل الزجاجي (٢/ ٤٦)، شرح المفصل (٣/ ١٦٥ وما بعدها، ١٦٨)، جامع الدروس العربية (٣/ ١١٨ وما بعدها).
[ ٢ / ٣١٣ ]
واعْلَم أنّ "كَم" لا تخلو مِن أنْ يتقَدّم عَليها حَرْف جَرّ أوْ لا.
فإنْ تقَدّم حَرْف جَر: فهي في مَوضِع خَفْض به.
وإنْ لم يتقَدّم عليها حَرْف جَرّ: فلا يخلُو مِن أنْ تكُون كناية عن ظَرْف زَمَان، أو ظَرْف مَكَان، فهي في مَوْضِع نَصْب.
وإن لم تكُن كناية عَن شَيءٍ من ذلك: فلا يخلُو مِن أنْ يكُون مَا بعْدها فِعْل، أو لا يكُون.
فإنْ لم يكُن بعدها فِعْل: فهي في مَوْضِع رَفْع.
[وإنْ كَانَ بعدَها فِعْلٌ غَير مُتَعَدّ: فهِي] (١) مُبتدأ.
وإنْ كان مُتعَدّيًا: فَلا يخلُو الفِعْلُ الذي بعْدَها مِنْ أنْ يكُون مُسْتَندًا إلى ضَمير يعُودُ على "كَم"، أو لا يَكُون.
فإنْ كَان الفِعْلُ الذي بعْدَها مُسْتَندًا إلى ضَمير يعُود عَليها: فهِي مُبتدأ، نحو: "كَم غُلامٌ جَاءَك؟ ".
وإن لم يكُن: فلا يخلُو من أن يكُون الفعلُ أخَذَ مَعْمُولَه، أو لا يكُون. فإنْ لم يكُن: فهي معْمُولة له. وإنْ كَانَ أخَذ: فيَجُوز فيها وَجْهان، الرفعُ على الابتداء، والنصبُ على الاشتغال. (٢)
_________________
(١) هذه الجملة سقطت بالنُّسَخ، وهي مما لا بُدّ منه لضبط المعنى، والعبارة في "شرح جمل الزجاجي" (ص ٥١): ". . . فإن لم يكن بعدها فعل فهي في موضع رفع، نحو: (كم رجل في الدارِ). وإن كان بعدها فعل فلا يخلو من أَن يكون متعدّيًا أَو غير مُتعدّ. فإن كان بعدها فعل غير مُتعدّ فهي مبتدأ. وإن كان بعدها فعل مُتعدّ. . .". وقد اقتصرتُ في الإضافة على بعض عبارة "شرح الجمل" كما ترى.
(٢) انظر: شرح جمل الزجاجي (٢/ ٥٠، ٥١)، شرح المفصل لابن يعيش (٣/ ١٦٥ وما بعدها).
[ ٢ / ٣١٤ ]
فعلى هذا: يكون الجوابُ مرفُوعًا، سواء كانت "كَم" في مَوضع رَفْع أو نَصْب أو خَفْض. (١)
إذا ثبَت ذَلك: فـ "كم" هُنا سُؤالٌ عن الزمان؛ فتكون في محلّ نَصْب على الظّرفيّة، أي: "كَمْ زَمَان تُقَدِّر كَان بيْن الأذَان والسَّحُور؟ "، فالعَامِلُ فيها "تقدّر" المحْذُوف. ويحتمَل أنْ تعْمَل فيها "كَان" عنْد مَن يُجيز عَملَ "كان" النّاقِصَة في الفَضلات (٢). وإنْ قَدّرْت "كَان" تامّة، وقَدّرْتها بـ "حَدَث" أو "وَقَع"؛ عَملَت باتّفَاق. (٣)
ولك أنْ تُقَدِّر "كَان" زَائِدة؛ ويكُون تقْديرُ الكَلام: "كَمْ بين الأذَان والإقَامة؟ "، أي: "كَم زَمنًا تُقَدِّر؟ "، فيعْمَل الفِعْلُ [في] (٤) "كَم" وفي "بيْن"، والفِعْلُ يعْمَلُ في مَعْمُولات.
ولك أنْ تُقَدِّر قبل "كَم" [مُضَافًا] (٥) محذُوفًا، إعرابه مُبتدأ، تقديرُه: "قَدْرُ كَم زَمَنًا بينهما؟ "، فـ "كَم" هُنا قائِمَة مَقَام المضَاف؛ فإعْرابها مُبتدأ، وجملةُ "كَان" واسمها وخبرها الخبر.
ويَدُلُّ على هَذا [التقدير] (٦) الجوَاب، وهُو: "قَدْرُ خمسين".
_________________
(١) انظر: شرح جمل الزجاجي (٢/ ٥٠، ٥١)، شرح المفصل (٣/ ١٦٨، ١٧١).
(٢) انظر: توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٦٩٢)، الخصائص (١/ ١٩٨)، اللمحة في شرح الملحة (٢/ ٥٧٧).
(٣) انظر: عُمدة القاري (١٠/ ٢٩٩)، عقود الزبرجد (١/ ٤٧٩)، اللمحة (٢/ ٥٧٧)، الخصائص (١/ ١٩٨)، شرح المفصل (٣/ ١٧١)، همع الهوامع (١/ ٤٩٠)، المنهاجُ المختَصر في علمي النَّحو والصَّرف (ص ٣١).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٣١٥ ]
و"قَدْر خَمْسِين": فيه حَذْفُ مُضَاف، أي: "كَان بينهُما قَدْرَ قِرَاءة خمسين" بالنّصب [على] (١) أنّه خَبر "كَان"، واسمُها في الظّرْف. أو هُو مَرْفُوعٌ، خَبرُ مُبتَدأ مَحْذُوف، يَدُلُّ عليه السُّؤَال. (٢)
و"آيةً": منْصوبٌ، على التّمييز.
وحَذْفُ المبتدأ في هَذا المثال وما أشبهه مِن الجائز.
والمبتدأ والخبر ينقَسِمان بالنّظر إلى الحَذْف والإثبات ثلاثة أقسام: -
١ - قسْمٌ يجب فيه حَذف المبتدأ.
٢ - وقسْمٌ يجب فيه حَذف الخبر.
٣ - وقسْمٌ يجوز فيه الأمْرَان. (٣)
وقَد تقَدّم ذكرُ المواضع التي يجب فيها حَذْف المبتدأ في الرّابع عَشر مِن "الجنَائِز". وأمّا حَذْفُ الخبر وجُوبًا: فتَقَدَّمَت في الثّالث من "بَاب استقبال القبلة".
وأمَّا مَا يستَوي فيه الأمْرَان: ففي مِثْل مَا وَقَع هُنا في السُّؤال والجوَاب، وفي مثل قولهم: "خَرَجتُ فإذا الأسَد"، أي: "حَاضِر". ونحو قَوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥]، أي: "كَذلك". (٤)
وعَلامَةُ الجرّ في "خمسين": "اليَاء"، وكَذلك في "عشرين" إلى "تسعين"، حملًا على جمع المذكر السّالم. وتمييزها مُفرَدٌ منصوبٌ، كتَمييز مَا زَادَ على "العَشَرة" إلى
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) راجع: شرح النووي (٧/ ٢٠٧)، مجمع بحار الأنوار (٥/ ٥٨٣).
(٣) راجع: أوضح المسالك (١/ ٢١٣ وما بعدها).
(٤) انظر: أوضح المسالك لابن هشام (١/ ٢١٧، ٣٢٩)، المسائل السفرية (ص ٢٧)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ١٢١)، شرح التصريح على التوضيح (١/ ٢٢٣)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٥٩، ٢٦٠).
[ ٢ / ٣١٦ ]
"العِشرين". (١)
الحديث الخامس:
[١٨٠]: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، وَأُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ -: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ" (٢).
قوله: "كَان يُدرْكُه": تقَدّم الكَلامُ على "كَان" في الحديث الأوّل من الكتاب. واسمُ "كَان" هُنا: ضَميرٌ يعُود على "النبي - ﷺ -"، وجملةُ "يُدْركُه" في محلّ خَبرها.
قوله: "وهُو جُنُبٌ": جملةٌ من مُبتَدأ وخَبر، في محلّ الحَال من فَاعِل "يُدْركُه"، والتقْديرُ: "وهُو ذُو جَنَابَة"؛ لأنّ لفْظَ "جُنُب" في الفَضَلات. وتقَدّم الكَلامُ على "جُنُبُ" في الحديث الخَامِس مِن أوّل الكتاب.
وتقَدّم الكَلامُ على "أهْل".
وهُو يُطلَقُ على "أهْل الرّجُل"، و"أهْل الدّار". وكذلك "الأَهْلَة". (٣) قَالَ الشّاعرُ:
وأَهْلَةِ وُدٍّ قَدْ تَبَرَّيتُ وُدَّهم وأَبْلَيْتُهم في الحمد جُهْدي ونَائلي (٤)
أي: "رُبّ مَن هُو أهْل للودّ تعَرّضت لَه وبَذَلتُ له في ذلك طَاقَتي مِن
_________________
(١) انظر: شرح ابن عقيل (١/ ٦٣)، النحو الوافي (٤/ ٥٢٢، ٥٢٣)، جامع الدروس العربية (٣/ ١١٧).
(٢) رواه البخاري (١٩٢٦) في الصيام، ومسلم (١١٠٩) في الصيام.
(٣) انظر: البحر المحيط (٤/ ٣٥٣)، الصّحاح (٤/ ١٦٢٨، ١٦٢٩)، خزانة الأدب (٨/ ٩٢)، إصلاح المنطق لابن السِّكيت (ص ١١٨).
(٤) البيتُ من الطويل، وهو لأبي الطّمحان القيني. انظر: الصّحاح للجوهري (٤/ ١٦٢٩)، لسان العرب لابن منظور (١١/ ٢٨)، إصلاح المنطق لابن السكيت (ص ١١٨)، المعجم المفصل (٦/ ٣٦٧).
[ ٢ / ٣١٧ ]
نائلي". (١)
قال "ابنُ السِّكِّيْت": يُقَال: "تَبَرّيتُ لمعْرُوفه تَبرِّيًا"، إذا "تعَرّضْتُ له". (٢)
فجَمْعُ "أهْلَة": "أهْلَات" و"أهَلَات" و"أهَالي"، زادُوا فيه "اليَاء" على غير قياس، كما جمعُوا "لَيْلًا" على "لَيَال". وقَد جَاء في الشِّعر: "آهال" مثل: "فَرْخٍ وأفْرَاخ" و"زَنْدٍ وأزْنَاد".
وتقُولُ: "فُلانٌ أهْلٌ لكذا وكذا"، ولا تقُول: "مُسْتَأهِل"، والعَامّة تقُوله. وقَد "أَهَلَ فُلانُ، يأهُل، ويأهِل، أُهُولًا"، أي: "تَزَوّج"، وكذلك "تَأهَّل". (٣)
قوله: "ثُم يغْتَسِل": "ثُمّ" للترتيب والمهْلَة. (٤) والحديثُ يحتمِل المهْلَة، ويحتمِل عَدَم المهْلَة فيها.
وقد تقَدَّم الكَلامُ عَليها (٥) في الحديثِ الثّاني مِن "الجنَابة"، وتقَدَّم كَوْنها لا مُهْلَة فيها في الحديثِ الرّابع من "العَيْد".
قوله: "ويَصُوم": أي: "يُعْتَدّ بصَوْم ذَلك اليَوم"؛ لأنّ نيته مِن الليل؛ ولذَلك قَالَ: "ويَصُوم"، فَأتَى بـ "الوَاو" المقْتَضية للجَمْع مِن غَير تَرْتيبٍ عند الأكثرين (٦).
_________________
(١) انظر: الصّحاح (٤/ ١٦٢٨، ١٦٢٩)، خزانة الأدب (٨/ ٩٢، ٩٣).
(٢) انظر: إصلاح المنطق لابن السّكيت (ص ١١٨)، الصّحاح (٢/ ٢٢٨٠)، درة الغواص في أوهام الخواص (ص ١١٥).
(٣) انظر: الصّحاح (٤/ ١٦٢٨، ١٦٢٩)، تهذيب اللغة (٦/ ٢٢٠، ٢٢١)، لسان العرب (١١/ ٢٨ وما بعدها)، المخصص (٤/ ٢٧١)، شرح المفصل (٣/ ٢٦٢ وما بعدها)، خزانة الأدب (٨/ ٩٢ وما بعدها، ٩٨)، تاج العروس (٢٨/ ٤٥).
(٤) انظر: مُغني اللبيب لابن هشام (ص ١٦٠، ٧١٣)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٩٩٨)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٥٧٨)، شرح قطر الندى (ص ٣٠٣)، شرح الأشموني (٢/ ٣٦٥).
(٥) أي: على "ثُمّ".
(٦) انظر: نتائج الفكر (ص ٢٠٨)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٤٥).
[ ٢ / ٣١٨ ]
الحديث السّادس:
[١٨١]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: "مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ؛ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ" (١).
قوله: "مَن نَسِيَ وَهُوَ صَائمٌ": "مَنْ" شَرْطِيّة، في محل رَفْع بالابتِدَاء، والخبرُ في فِعْلِها، وقِيل: في جَوَابِهَا. (٢) وَتقَدّم الكَلامُ عَليها في الرّابع مِن أوّل الكِتَاب، وفي العَاشِر منه.
قوله: "وهُو صَائِمٌ": جُملةٌ مِن مُبتدأ وخَبر، في محلّ الحال مِن ضَمير الفَاعِل في "نَسِي".
وتقَدّم الكَلامُ على "أَوْ"، وهِي هُنَا للتّفْصيل، وعَبّر بعْضُهم عَنْها بالتّقْسيم. (٣) وأحْكَامُها تقَدّمَت في الحديثِ الثّالِث مِن "بَاب السِّواك".
قوله: "فَليُتِمّ صَوْمَه": "الفَاءُ" جَوَابُ الشَّرْط، ومعناها السّبب. (٤)
_________________
(١) رواه البخاري (١٩٢٣) في الصوم، ومسلم (١١٥٥) في الصيام.
(٢) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١)، عقود الزبرجد للسيوطي (١/ ١٥٥)، مغني اللبيب (ص ٦٠٨، ٦٤٨)، شرح التسهيل لابن مالك (٤/ ٨٦)، همع الهوامع (٢/ ٥٥٤، ٥٦٦)، شمس العلوم (٩/ ٥٩٣٠).
(٣) انظر: شرح الزرقاني على الموطّأ (٢/ ٢٢٠)، مرعاة المفاتيح (٦/ ١٨٦)، الجنى الداني (ص ١٦٦، ٢٢٨)، توضيح المقاصد (٢/ ١٠٠٨، ١٠٠٩)، أوضَح المسالك (٣/ ٣٤١، ٣٤٢)، مُغني اللبيب (ص ٩٢ وما بعدها)، شرح ابن عقيل (٣/ ٢٣٢)، شرح الأشموني (٢/ ٣٧٨)، اللمحة (٢/ ٦٩٤ وما بعدها)، شرح التصريح (٢/ ١٧٣)، الهمع (٣/ ٢٠٦)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٤٦، ٢٤٧).
(٤) انظر: شرح الشذور الذهب (ص ٤٤٣)، شرح القطر (ص ٩٣)، شرح ابن عقيل (٤/ ٣٨)، الجنى الداني (ص ٦١ وما بعدها)، مغني اللبيب (٢١٤، ٨٧١)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٩٣).
[ ٢ / ٣١٩ ]
و"اللام": "لامُ" الأمْر، وهي بعْدَ "الفَاء" و"الواو" سَاكِنَة. (١) وتقَدّم الكَلامُ على "لام" الأمْر في الرّابع مِن الأوّل، وفي الثّالث مِن "بَاب الصّفُوف".
و"يُتمّ": مِن "أتَمّ"، مُضَاعَف الآخر، و"صَوْمه" مفْعُولٌ به.
وجَاءَت جملة "وهُو صَائمٌ" حَالًا بالواو والضّمير. وتقَدّم ذكْرُ الجُمَل الواقعة حَالًا. وشرطها إنْ كانت اسمية أن تَأتِي بالواو والضمير أو بأحدهما، والأصلُ الضمير. (٢)
قَال ابنُ هشام: يكُون الحَال جملة [بثَلاثة] (٣) شُروط: -
١ - أحدها: كونها خبرية. وغَلَط مَن قال (٤) في قوله:
اطْلُبْ ولا تَضْجَرَ مِنْ مَطْلَبِ . . . . . . . . . . . (٥)
إنّ "لا" ناهية، و"الواو" للحَال. بل الصّوابُ أنّ "الواو" للعَطْف.
_________________
(١) انظر: عقود الزبرجد للسيوطي (١/ ١٢٣)، الجمل في النحو للخليل بن أحمد (ص ٢٦٧)، حروف المعاني والصفات (ص ٤٦)، الأصول لابن السّراج (٢/ ٢١٩)، سر صناعة الإعراب (٢/ ٦٣).
(٢) انظر: شرح الكافية الشافية (١/ ٦٨)، الجنى الداني (١٦٤)، اللمحة (١/ ٣٩٢، ٣٩٧ وما بعدها)، مُغني اللبيب (٧٨٩)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٧١٩)، الفصول المفيدة (ص ١٥٥، ١٦٩، ١٧٠)، شرح ابن عقيل (٢/ ٢٧٩)، همع الهوامع (٢/ ٣٢٢)، النحو الوافي (٢/ ٣٩٨)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٠٣).
(٣) بالنسخ: "بثلاث".
(٤) هو: "الْأمين الْمحلي" في كتابه "المفتاح"، كما في "مغني اللبيب" (ص ٧٦٣) و"شرح التصريح" (١/ ٦٠٩).
(٥) صَدْرُ بيتٍ من السّريع، وهو لبعض الموَلّدين. وعجزه: "فآفَةُ الطَّالِبِ أن يَضْجَرَا". انظر: مُغني اللبيب لابن هشام (ص ٥١٩، ٧٦٣)، شرح التصريح (١/ ٦٠٩)، المعجم المفصل (٣/ ١٠١).
[ ٢ / ٣٢٠ ]
ثُم الأصَحّ: أنّ الفَتْحة فتحةُ إعراب - مثلها في قوله: "لا تأكُل السّمَك وتشرب اللبن" - لا بناءٍ لأجْل نُون توكيد خفيفة محذوفة.
٢ - الثاني: أن تكُون غير مُصَدّرة بدليل استقبال. وغَلط مَن أعْرَب ﴿سَيَهْدِينِ﴾ (١) مِن قَوله تعالى: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] حَالًا.
٣ - الثالث: أنْ تكُون مُرتبطة، إمّا بـ "الواو" والضّمير، نحو: ﴿خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ [البقرة: ٢٤٣]. أو بالضّمير فقط، نحو: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]، أي: "مُتعَادين". أو بـ "الواو" فقط، نحْو: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ١٤]. (٢)
قُلتُ: والذي وَرَد هُنا في الحديثِ مِن قَوله: "وَهُوَ صَائِمٌ" جملة اسمية بـ "الواو" والضّمير. وتقَدّم ذَلك مُحَرّرًا في الثّالِث مِن "المذي".
قوله: "فإنّما أطعَمَه اللهُ وسَقَاه": "إنّما" كَافّة ومَكْفُوفة، ويُقَالُ لها: "مُهيّئة"، أي: [هيّأت] (٣) للدّخُول على الفِعْل. (٤)
ويحتمل أنْ تكُون "ما" ههنا مَوصُولة بمَعنى "الذي"، وصِلتها جملة "أطْعَمَه اللهُ"، والعَائِدُ ضَميرُ الفَاعِل، وضميرُ المفعول عائدٌ على "الأكْل"، وتكُون "ما" مع
_________________
(١) بالنسخ: "سيهديني".
(٢) انظر: أوضح المسالك (٢/ ٢٨٥ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٥١٩، ٧٦٣، ٧٦٤)، شرح الأشموني (٢/ ٢٩، ٣٠)، شرح التصريح (١/ ٦٠٩ وما بعدها)، اللمحة (١/ ٣٩١)، الهمع للسيوطي (٢/ ٣٢٠).
(٣) كذا بالنسخ. لكن عبارتهم تنصّ على أنّ " (ما) في (إنّما) كافَّة مُهيِّئة لدخُول (إِنْ) على الجملة الفعلية". وراجع مثلًا: البحر المحيط (٩/ ٢٠٩، ٢١٠).
(٤) انظر: البحر المحيط (٧/ ٥٦٧، ٥٦٨)، (٩/ ٢٠٩، ٢١٠)، الجنى الداني (ص ٣٩٥ وما بعدها)، شرح المفصل (٥/ ٣٢)، مُغني اللبيب (ص ٤٠٤)، نتائج الفكر (ص ١٤٥)، موصل الطلاب (ص ١٥٦)، الهمع (١/ ٥٢١).
[ ٢ / ٣٢١ ]
صلتها [وعائدها] (١) في محلّ اسم "إنّ"، ويكُون "اللهُ" خبرها. و"سَقَاهُ": معْطُوفٌ عليه.
وتقَدّم الكَلامُ على "إنّما" في الحديثِ الأوّل من الكتاب.
الحديث السابع:
[١٨٢]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلكْتُ. قَالَ: "مَا [لَكَ] (٢)؟ ". قَالَ: وَقَعْتُ على امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ.
وَفي رِوَايَةٍ: أَصَبْتُ أَهْلِي في رَمَضَانَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ ". قَالَ: لا. قَالَ: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ ". قَالَ: لا. قَالَ: "فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ ". قَالَ: لا. قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ - ﷺ -، [فَبَيْنَا] (٣) نَحْنُ على ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ - وَالْعَرَقُ: الْمِكْتَلُ - قَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ؟ ". قَالَ: أَنَا. قَالَ: "خُذْ هَذَا؛ فتَصَدَّقَ بِهِ". فَقَالَ
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) كذا بالنسخ. وهو ما في بعض نُسخ "العُمدة". انظر: البخاري (١٩٣٦)، العُمدة (ط المعارف، ص ٩٨)، الإعلام لابن الملقن (٥/ ٢٠٨، ٢١٤)، الإفهام في شرح عُمدة الأحكام (ص ٣٩٢). وفي بعض النسخ: "أهلكك". انظر: العُمدة (ط الثقافة، ص ١٣٣)، إحكام الأحكام (٢/ ١٢).
(٣) بالنسخ: "فبينما". وهو ما في بعض نُسخ "العُمدة". انظر: الإفهام في شرح عُمدة الأحكام (ص ٣٩٢). والمثبت هو ما في أكثر النُّسَخ والمصادر، وهو ما عليه شَرَح ابن فرحون، ولتفريقه بين "بينما" وبين "بينا" في التقاء الأولى مع "إذ" و"إذا"، بخلاف "بينا". وانظر: البخاري (١٩٣٦)، العُمدة (ط الثقافة، ص ١٣٣)، العُمدة (ط المعارف، ص ٩٨)، إحكام الأحكام (٢/ ١٣)، الإعلام لابن الملقن (٥/ ٢٠٨).
[ ٢ / ٣٢٢ ]
الرَّجُلُ: على أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَوَاللهِ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا - يُرِيدُ: الْحَرَّتَيْنِ - أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي. فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ. ثُمَّ قَالَ: "أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ" (١).
"الحَرَّة": أرْضٌ تركبها حِجَارة سُود. (٢)
قوله: "بَيْنَمَا" و"بَيْنَا": تقَدّم في الثّالث من "السّواك". والتقديرُ هنا: "بين أوقات جلوسنا عند النبي - ﷺ -". و"نحْن": مُبتدأ، و"جلوسٌ" خَبره، و"عند النبي - ﷺ -" يتَعلّق بـ "جلوس".
ومتى اتصَل بـ "بين" "مَا" أو"الأَلِف" زَالَ عنها الاختصاص بالأسماء. (٣)
"إذْ": هي الفُجَائيّة. واختُلِف فيها، فقيل: هي ظَرْفُ مَكَان. وقيل: ظَرفُ زَمَان. وقيل: هي حَرفٌ بمَعنى المفَاجَأة. وقيل: حَرفٌ مُؤَكِّد، أي زائد. (٤)
وعلى القَوْل بظَرْفيّتها: فالعَامِلُ فيها الفِعْل الذي بَعْدَها؛ لأنّها غير مُضَافَةٍ إليه. وعَامِلُ "بينما" محذُوفٌ، يُفسِّره الفِعْلُ الوَاقِع بعْد "إذْ" (٥)؛ فيكُون التقديرُ في ذلك:
_________________
(١) رواه البخاري (١٩٣٦) في الصوم، ومسلم (١١١١) في الصيام.
(٢) هو موجود في بعض نُسخ "العُمدة"، وهو من كلام صاحب العُمدة. انظر: العُمدة (ط المعارف، ص ٩٨)، الإعلام لابن الملقن (٥/ ٢٠٩)، الإفهام في شرح عُمدة الأحكام (ص ٣٩٢)، جمهرة اللغة لابن دريد (١/ ٩٦).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٠١)، الإعلام لابن الملقن (٥/ ٢٠٩)، عقود الزبرجد (١/ ٢٧٠ وما بعدها)، اللمحة (١/ ٤٥١)، الجنى الداني (١٩٠)، التسهيل (ص ٩٣، ٩٤)، شرح التسهيل (٢/ ٢٠٩ وما بعدها)، شرح المفصل (٣/ ١٨)، التطبيق النحوي (ص ٢٣٧)، المنهاجُ المختَصر (ص ١٠٠).
(٤) انظر: مُغني اللبيب لابن هشام (ص ١١٥)، الجنى الداني (١٨٩، ١٩٠)، موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب (ص ١٠٠).
(٥) انظر: مغني اللبيب (ص ١١٥)، الجنى الداني (١٨٩، ١٩٠).
[ ٢ / ٣٢٣ ]
"بينما نحْن جلوس إذ جَاء رَجُل": "جَاء رَجُل بينما نحن جلوس".
وقَال الشّلوبين: "إذْ" مُضَافَة إلى الجمْلة، فلا يَعمَلُ فيها الفِعْل؛ لأنه مُضَافٌ إليه، ولا يعمَلُ المضَافُ إلى "إذْ" في "بينما"، لأنّ ما بعد "إذْ" لا يعمَلُ في ما قبلها.
قَال: وإنّما العَامِلُ في "إذْ" و"بينما" محْذُوفٌ يَدُلُّ عليه الكَلام. (١)
وقيل: العَامِلُ في "بين" مَا يليها، بِنَاء على أنّها مكْفُوفة عن الإضَافة، كما يعْمَل تالي اسم الشّرط فيه. (٢)
وقيل: "بين" خَبر لمحْذُوف، والتقديرُ: "بينما أنا قَاعِدٌ إذ جَاء عمرو": "بين أوْقَات قيامي مجيء عمرو"، ثم حُذف المبتدأ مَدْلُولا عليه بـ "جاء عمرو". وقيل: مُبتدأ (٣)، و"إذْ" خَبره، والمعنى: "حين أنَا قَائِم حين جَاء عمرو". (٤)
وذُكِر لـ "إذ" مَعْنيان آخَران مَع "بينما"، أحدهما: التأكيد. (٥)
قال ابنُ هشام في أثْناء كَلامه، ما معْناه: اختار ابنُ الشّجري أنّها (٦) تَقع زائدة بعْد "بينما" و"بينا" خاصّة؛ لأنّك إذا قُلت: "بينما أنا جالسٌ إذ جاء زيد"، وقَدّرت "إذ" غير زائدة أعْمَلْت فيها الخبر، وهي مُضَافة إلى جملة "جاء زَيد"، وهذا الفعلُ هو النّاصبُ لـ "بين"؛ فيعمَل المضَافُ إليه فيما قبل المضَاف. انتهى. (٧)
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب (ص ١١٥)، الجنى الداني (١٩٠).
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص ١١٥).
(٣) أي: "بينما مُبتدأ".
(٤) انظر: مغني اللبيب (ص ١١٥).
(٥) انظر: مغني اللبيب (ص ١١٥، ١١٦).
(٦) أي: "إذ".
(٧) انظر: عقود الزبرجد (١/ ٢٧١ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ١١٥)، شرح التسهيل (٢/ ٢٠٩ وما بعدها).
[ ٢ / ٣٢٤ ]
وقيل: النّاصبُ لـ "بين" [جوابُها] (١). والأصلُ: "بين"، زيدت عليها "ما" لتكُفّها عن الخفْض. فَإذا قُلْت: "بينما زيدٌ قائمٌ قام عمرو" الناصبُ لـ "بين": "قَام". واذا قُلْت: "بينما زَيدٌ قائمٌ إذ قام عمرو" أو "إذا النّاس يقولون" فالعَاملُ ما بعدهما. وهَذا خَاصٌّ بـ "بينما"، أمّا "بَيْنَا" فلا تلتقي بـ "إذ" ولا بـ "إذا". (٢)
قُلتُ: وكَذا جَرَى في هَذا الحديث في جَوَابهما. (٣)
وتقَدَّم الكَلامُ على "بين" في الثّاني من "الاستسقاء".
قوله: "فَقَالَ": معْطُوفٌ على "جاءه".
قوله: "يا رسُول الله. . . إلى آخره": معمولٌ للقول.
وتقدَّم القَولُ على حَرف النّداء في الرّابع من "الجنَابة"، وفي السَّابع من "الإمامة".
قوله: "قَالَ: مَا لَك؟ ": فاعِلُ "قَالَ": "النبي - ﷺ -"، و"مَا" استفهامية في مَوضِع رَفْع بالابتداء، والخبر في المجرور، أي: "أيُّ شيءٍ مُهْلك لك؟ ". (٤)
قوله: "قَالَ: وَقَعْتُ على امْرأَتي": حرفُ الجر يتعلّق بـ "وقَعتُ".
"وأنَا صَائمٌ": جملة من مُبتدأ وخبر، في محلّ الحال من ضَمير الفَاعِل في "وقَعتُ". وفي رواية: "أَصَبْتُ أَهْلِي" (٥)، وهو أصْرَحُ في الكِنَاية من "وَقَعتُ".
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: الإعلام لابن الملقن (٥/ ٢٠٩ وما بعدها)، عقود الزبرجد (١/ ٢٧٠، ٢٧١، ٢٧٢، ٢٧٣)، الجنى الداني (١٩٠)، التسهيل لابن مالك (ص ٩٣، ٩٤)، شرح التسهيل (٢/ ٢٠٩ وما بعدها).
(٣) انظر: الإعلام لابن الملقن (٥/ ٢١٠). وهو دليلٌ على أنّ اللفظ الوارد في الحديث أولًا هو "بينما" وثانيًا هو "بينا".
(٤) راجع: إرشاد الساري (٣/ ٣٧٧)، مرعاة المفاتيح (٦/ ٤٩٧).
(٥) متفقٌ عليه: البخاري (١٩٣٥) ومسلم (١١١٢/ ٨٧) من حديث عائشة.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
وَحَرفُ الجر يتعلّق بـ "جَاءَ" مُقَدّرَة.
و"الأهْلُ": تقَدّم الكَلامُ عليها قريبًا في الحديثِ قَبْل هَذا.
قوله: "فقال رسُول الله - ﷺ -": مثلُ الذي قبله.
و"هَلْ تجِد رَقَبَةً تُعتِقها؟ ": جملة مَحْكيّة بالقَول. و"تُعتقها": تحتمل الرّفْع على الاستئناف. أو تكُون في محلّ حَال مِن الضّمير في "تَجِد"؛ فتكُون حَالًا مُقَدّرَة. وتحتمل الجزْم على جَوابِ الاستفهام.
قوله: "قَالَ: لا": فَاعِلُ "قَالَ": ضَميرُ الرّجُل. و"لا": حَرفُ جَوَابٍ. ويقَدّر [بعْدَها] (١) محذُوفٌ، أي: "قَالَ: لا أجِد". (٢) وتقَدّم الكَلامُ على "لا" في الجواب، في الأوّل من " [باب] (٣) الحيْض".
قوله: "قَالَ: فهَل تَسْتَطِيع": فاعِلُ "قَالَ": "النبي - ﷺ -". و"أنْ تصُوم": في محلّ المفعُول. و"شَهْرَين": ظَرْفُ زَمَان، مفعُولٌ على السّعَة، بتقدير: "زَمَن شَهْرين". و"مُتَتَابعَين": صِفَتُه. (٤)
قوله: "قَالَ: لا": مثلُ ما [تقَدّم] (٥). وحُكْمُ جَوَابها: نقيضُ "نَعَمْ" و"بَلى". (٦)
قوله: "قَالَ: فهَل تجِد إطَعَام سِتّين مِسْكِينًا؟ ": "هَلْ" حَرفُ
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: إرشاد الساري للقسطلاني (٣/ ٣٧٧)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٥٥ وما بعدها).
(٣) بالنسخ: "باب". والصّواب المثبت. وانظر: العُمدة (ص ٤٩).
(٤) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٥٨).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: مغني اللبيب لابن هشام (ص ٦٥، ٣٢٩، ٤٥٢ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٥٥ وما بعدها).
[ ٢ / ٣٢٦ ]
استفهام (١)، تقَدّمَت.
قوله: "تجِد": مِن "وجدان الضَّالّة". (٢) وتقَدّم الكَلامُ على "وَجَدَ" في الثّاني من "باب الاستطابة". و"إطْعَام": مفْعُولٌ به، وهو مَصدَرٌ مُضَافٌ إلى مفعُوله. والمعنى: "طَعَام سِتّين"؛ لأنّ "الإطْعَام" يجده كُلّ أحَد، وأمّا طَعَامهم فمَفْقُودٌ عند الفُقَراء.
قوله: "قَالَ: فمَكَثَ": يجُوزُ في "مَكَثَ" ضَمّ "الكَاف" وفتْحِها. وفيه زَمَانٌ محذُوفٌ، أي: "مَكَثَ زَمَانًا" أو "وَقتًا". (٣)
قوله: " [فبَيْنَا] (٤) نحْن على ذَلِك": تقَدّم الكَلامُ على " [بينما] (٥) " والعَامِلُ فيها أوّل هَذا الحديث.
و"نحن": مُبتدأ، والخبرُ: " [كَذَلك] (٦) "، أي: "فبَيْنَما نحْن كَائنُون كَذَلك". أو تكُون " [الكَاف] (٧) " الخبر، و"ذلك" مُضَافٌ إليه، و"الكاف" (٨) للخِطَاب.
_________________
(١) انظر: الكتاب (٣/ ٤٧٩)، الخصائص (٣/ ٣٨)، شرح التسهيل (٤/ ١٠٩)، الجنى الداني (ص ٣٤١)، الهمع (١/ ٢٩).
(٢) انظر: إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث النبوي (ص ١٧٥)، عقود الزبرجد (٢/ ٢٢٤)، تاج العروس (١/ ٢٦).
(٣) انظر: إرشاد الساري (٣/ ٣٧٨)، الإعلام لابن الملقن (٣/ ١١٣)، المطلع للبعلي (ص ١٦)، شمس العلوم (٩/ ٦٣٥٩).
(٤) بالنسخ: "فبينما". وقد سبق الكلام عليها.
(٥) غير واضحة في الأصل. والمثبت من (ب). وقد تكلم الشيخ ابن فرحون في أول هذا الحديث على "بينما" و"بينا"، فراجعه هناك.
(٦) كذا بالنُّسخ. والمراد قوله: "على ذلك". ووَرَد في حديث آخر لفظ: "فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. . ." (البخاري ٢٦٦١)، وفي حديثٍ آخر: "فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ سَمِعْنَا خَشْخَشَةَ سِلَاحٍ" (مُسلم ٢٤١٠/ ٤٠).
(٧) كذا بالنُسخ. والمرادُ في قوله: "كذلك".
(٨) أي: "الكاف" الثانية.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
وتقَع "الكَاف" في الخِطَاب للمُفْرَد المُذكّر مفْتُوحة، ويُكتَفَى بها عَن الجماعة. (١)
والعَامِلُ في "بَيْنَا" الخبر، أو العَامِلُ: "أُتِيّ النبي"، والتقدير: "بين أوْقَاتٍ نحْن فيها كَذلك أُتِيَ النبي". (٢)
و"العَرَقُ": جمعُ "عرقة"، وهِي ضَفيرة تُجْمَع إلى غَيرها. ورُوِي: "بعرق" (٣) بسُكُون "الرّاء". (٤)
قوله: "فيه تمرٌ": يتعَلّق بصِفَةٍ للعَرَق.
قال: "والعَرَقُ: المِكْتَل": مُبتدأ وخَبر.
قوله: "قَالَ": أي: "النبي - ﷺ -".
"أين السّائِل؟ ": مُبتدأ وخبر، الخبرُ في "أين". (٥)
وهي (٦) سُؤالٌ عَن المكَان، مَبنيّة؛ [لتضَمّنها] (٧) معْنى حَرْف الاستفهام. (٨)
_________________
(١) انظر: شرح التسهيل (١/ ١٤٥، ٢٤٦)، همع الهوامع (١/ ٣٠٠)، جامع الدروس العربية (١/ ١٢٩).
(٢) راجع: إرشاد الساري (٣/ ٣٧٨). وراجع ما سبق بالموضع الأول.
(٣) أشارت المصادر إلى أنّ الأشهر فتح الراء، وأنّ أصحابَ الحديث يخفّفون بتسكين الراء، وأنّ بعضهم ضبطه ورواه كذلك في الحديث. وقد وجدتُ رواية للحديث في "مُسند الإمام أحمد" (٧٧٧٢) ضُبطت بالتسكين.
(٤) انظر: مشارق الأنوار (٢/ ٧٦)، تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١٧)، تصحيح التصحيف وتحرير التحريف (ص ٣٧٩، ٣٨٠).
(٥) انظر: عُمدة القاري (٢/ ٦)، إرشاد السّاري (١/ ١٥٤).
(٦) أي: "أين".
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٨) انظر: إرشاد الساري (١/ ١٥٤)، اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٨٦)، شرح =
[ ٢ / ٣٢٨ ]
وتكُون للشَّرْط؛ فتَجْزم الفِعْل المضَارع (١).
وتستغرق في السّؤال جميعَ الأمْكِنة، ولذلك إذا قُلت: "أين زَيد؟ " يلزَم المجيب أنْ يُعيّن مَكَانه، بخِلافِ السّؤال بـ "الهمْزَة"، فَلَو قُلت: "أزيدٌ في [الدّار] (٢)؟ " فإنّه إنْ لم يكُن في الدّار يُجيبك بـ "لا"، ولا يلزمه أنْ يُجيب بتَعيين مَكَانه؛ لأنّ السّؤالَ ليس مُسْتغْرقًا جميعَ الأمكنة. (٣)
وأمّا عِلّة بنَائِها في الشّرْط: فلتضَمّنها معْنى حَرْف الشرط. (٤)
وتقُول في الاستفهام: "أين [زيد] (٥) قائمًا؟ " و"قائم"، فـ "زيد" مُبتدأ، والخبرُ في الظّرف. ولك نصب "قائمًا" على الحال من ضَمير الاستقرار في الظرف، [والرّفع] (٦) على أنّه خبر "زيد". (٧)
و"متى" في موضع نصْبٍ على الظّرفية، العَامِلُ فيها "قائم". فإنْ قُلت: "متى زَيدٌ قَائم؟ " لم يجز في "قائم" إلا الرّفع؛ لأنّ "متى" ظَرفُ زمان، وظُروفُ الزمان لا
_________________
(١) = جمل الزجاجي لابن عصفور (٢/ ٣٣٧)، علل النحو (ص ٢٢٣)، أسرار العربية (ص ٥١، ٥٢، ٢٦٨، ٢٦٩).
(٢) انظر: الكافية في علم النحو (ص ٤٦)، شرح المفصل (٣/ ١٣٤)، (٥/ ٧٠)، شرح ابن عقيل (٤/ ٢٦ وما بعدها)، دليل الطالبين لكلام النحويين (ص ٢٩)، المنهاجُ المختَصر في عِلمي النَّحو والصَّرف (ص ١٢٥).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: أسرار العربية (ص ٢٦٨، ٢٦٩)، شرح المفصل لابن يعيش (٣/ ١٣٣، ١٣٤)، (٥/ ٧٠).
(٥) انظر: شرح جمل الزجاجي (٢/ ٣٣٧)، اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٨٦)، أسرار العربية (ص ٥١، ٥٢، ٢٦٨، ٢٦٩).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٨) انظر: اللمع في العربية (ص ٢٣٣).
[ ٢ / ٣٢٩ ]
تكُونُ أخبارًا عن الجثَث. فَلَو قُلْت: "متى انطلاقك سَريعٌ؟ " جَاز: "سَريعًا"؛ لأنّ الانطِلاقَ حَدَثٌ، وظُروفُ الزّمَان تكُون أخْبارًا عن الأحْدَاث. (١)
قَالَ أبو الفتح ابن جني: إذا رَفَعتَ "سريعًا" فـ "متى" تكُون حَالًا للانطلاق. وَلو قُلْت: "متى زَيد جَالِسٌ؟ " لم تكُن "متى" حَالًا؛ لأنّ ظُروفَ الزّمان كما لا تكُونُ أخْبارًا عَن الجثَث لا تكُونُ أحْوالًا لها. (٢)
والخبرُ هنا واجبُ التقديم. والمواضعُ التي يجب فيها تقديم الخبر: -
١ - أن يكون اسم استفهام، كما في المثال المتقَدِّم.
٢ - أو يكون المبتدأ نكرة، لا [مُصحّح] (٣) للابتداء به إلا تقديم الخبر عليه ظرفًا أو مجرورًا، نحو: "في الدّار رَجُل".
٣ - أو يكُون المبتدأ اتصَل به ضمير يعُود على الخبر، نحْو: "في الدّار صاحبها".
٤ - أو يكون المبتدأ "أنّ" واسمها وخبرها، نحو قولك في: "عِلْمي أنّك مُنطلقٌ". (٤)
[فائدة] (٥):
شَرَط "الشلوبين" في مُسَوّغ الابتداء بالنَّكرة إذا كان ظَرفًا أو مجْرورًا: أن يكُون
_________________
(١) انظر: اللمع في العربية (ص ٢٣٣).
(٢) انظر: اللمع في العربية (ص ٢٨، ٢٣٣)، نتائج الفكر في النَّحو (٣٢٨).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: شرح ابن عقيل (١/ ٢٤٠ وما بعدها)، شرح المفصل (١/ ٢٣٤ وما بعدها)، (٤/ ٥٢٧)، شرح التسهيل (٢/ ١٥٢)، الأصول في النحو (١/ ٢٦٥)، همع الهوامع (٢/ ٩)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٦٧ وما بعدها).
(٥) من (ب)، وهي غير موجودة بالأصل.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
الظَرفُ مَعرفة، نحْو: " [في الدّار] (١) رَجُل" و"عنْدك امرأة".
قَالوا: والصّوابُ ألّا يُشْترَط إلا الاختصَاص، وإلّا وَرَدَ عليه: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨]، ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]، و"على كُلِّ سُلَامَى مِنَ ابن آدم صَدَقَةٌ" (٢)، و"لكُلّ سَاقِطةٍ لاقِطَةٍ"، و"لكُلّ جَدِيدٍ لَذّة" (٣)، و"لكُلّ قَادِمٍ دَهْشَة". (٤)
قُلتُ: وانظُر إلى هَذه الأمثلة التي اعترض بها؛ كُلّها مُقترنة بـ "كُلّ"، وذلك لأجْل معنى فيها، وهو أنّها لَو عُرّفت بالألِف واللام لم يجُز إضافتها، وهي لا تُستَعْمَلُ إلا مُضَافة، ولأنّ فيها مَا يقُوم مَقَام التعريف، وهو العُموم. (٥)
*****
ويجبُ تقْديمُ المبتدأ إذا كَان: -
١ - اسم شَرْط، نحْو: "مَن يَقُم أقُم مَعه". أو اسم استفهام، نحْو قولك: "أيّ رَجُل قام؟ ". أو "كيف" أو "كَم" الخبَريّة، نحو قولك: "كَم رَجُل عِنْدك! ". أو "مَا" التعجّبية، نحو قولك: "مَا أحْسَن زَيدًا! ".
٢ - أو يكُون المبتدأ والخبر مَعْرفتين، أو نَكِرَتين، نحو قَولك: "زيد أخوك"، و"أفضلُ مني أفضل منك".
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) مُتفقٌ عليه: البخاري (٢٧٠٧، ٢٨٩١) ومسلم (٧٢٠/ ٨٤)، من حديث أبي هريرة وأبي ذر - ﵄ -.
(٣) هو من أمثال العرب، وأصله بيتٌ - من الطويل - للحطيئة أو لضابئ، يقول فيه: "لكُلّ جَدِيد لَذَّة غير أننى. . رَأَيْت جَدِيد الْمَوْت غير لذيذ". انظر: جمهرة الأمثال للعسكري (٢/ ١٨)، المستقصى في أمثال العرب (٢/ ٢٩١).
(٤) راجع: مغني اللبيب (ص ٦١١).
(٥) انظر: البحر المحيط (٣/ ٦١٩)، جامع الدروس العربية (٣/ ٣٦).
[ ٢ / ٣٣١ ]
٣ - أو يكُون المبتَدأ مُشبهًا بالخبر، نحْو قَولك: "زَيد زُهَير شِعْرًا".
٤ - أو يكُون المبتدأ ضَمير أمْر وشأن، نحو قولك: " [هو] (١) زيدٌ قائم".
٥ - أو يكُون المبتدأ مخبرًا عنه بفِعْل، فاعله أو مفعوله الذي لم يُسَمّ فاعله مُضْمَران، نحو قَولك: " [زيدٌ] (٢) قَام"، و"زيد ضُرب".
٦ - أو يقع الخبرُ بعد "إلّا"، نحو: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. أو معنى "إلّا"، نحو: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢].
[وما عَدا] (٣) ذلك: فأنت فيه بالخيار. (٤)
قوله: "قَالَ: أنا": أي: "قَالَ السّائلُ: أنا".
فـ "أنا" مُبتدأ، خبره محذوفٌ، أي: "أنا السّائل". أو خبر (٥) مُبتدأ محذوف، أي: "السّائلُ أنا". (٦)
والمبتدأ ينقَسِم بالنّظر إلى الإثبات والحذف ثلاثة أقسام: -
١ - قِسْمٌ يلزمه فيه إثباتُ المبتدأ.
٢ - وقِسْمٌ يلزمه فيه حَذفه.
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٦٢)، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك (١/ ٢٠٥ وما بعدها)، (٢/ ٢٥٩)، شرح التصريح (١/ ٢١٣ وما بعدها، ٥٨٢)، شرح التسهيل (١/ ٢٩٦ وما بعدها)، شرح الأشموني (١/ ١٩٩ وما بعدها)، دليل الطالبين لكلام النحويين (ص ٤١)، همع الهوامع (١/ ٣٨٤ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٦٦)، النحو الوافي (١/ ٤٩٧ وما بعدها).
(٥) أي: (أو "أنا" خبر. . .).
(٦) انظر: إرشاد السّاري (١/ ١٥٤).
[ ٢ / ٣٣٢ ]
٣ - وقِسْمٌ أنت فيه بالخيار. (١)
فأمّا حَذْفُه وجُوبًا: فتقَدّم في الرّابع عَشر مِن "الجنَابة".
وأمّا وجُوبُ إثباته: فهو إذا كَان "مَا" (٢) التعجّبية، نحو: "مَا أحْسَن زيدًا"، ولا يجوزُ حَذْفها؛ لأنّ التعَجّبَ جَرى مجرَى المعتلّ، فلا يتغَير، وكذا كُلّ مُبتدأ لو حُذف لم يكُن عليه دَليل. (٣)
وأمّا الذي أنْت فيه بالخيار: فكُلّ مُبتدأ إذا حُذف كَان له ما يدلُّ عليه، كقولك: "المسك" إذا شَمَمت رائحة، و"الهلال" إذا رَأيته، ويجُوزُ إظهاره مع ذلك. (٤)
إذا ثبت ذلك: فجُملة "أنَا" المقَدّر وخَبره في محلّ نصب بالقول.
قوله: "قَالَ": أي: "النبي - ﷺ -": "خُذْ هذا" تقَدّم الكَلام على "أخَذ" في السّادس مِن "الاستطابة".
وأصْلُ الأمْر منه: "أُؤْخُذْ"، واستُثقِلت الهمزتان، فحُذفت الأولى، ثم حُذفت
_________________
(١) انظر: شرح الكافية الشافية (١/ ٣٥٣)، شرح ابن عقيل (١/ ٢٤٤ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٢٢١ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٤٨٥)، دليل الطالبين لكلام النحويين (ص ٤١).
(٢) أي: إذا كان المبتدأ هو "ما" التعجبية.
(٣) انظر: شرح الكافية الشافية (١/ ٣٥٣، ٣٥٨)، شرح التسهيل (١/ ٢٩٣)، شرح المفصل (١/ ٢٣٩)، (٥/ ١١٨)، أوضح المسالك لابن هشام (١/ ٢١٣ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٧٨٧، ١١٥، ٨٢٢).
(٤) انظر: شرح الكافية الشافية (١/ ٣٥٣)، شرح التسهيل (١/ ٢٨٦)، شرح المفصل لابن يعيش (١/ ٢٣٨ وما بعدها)، (٤/ ٤٠١)، شرح الأشموني (١/ ٢٠٥ وما بعدها)، شرح ابن عقيل (١/ ٢٤٤ وما بعدها)، أوضح المسالك (١/ ٢١٣ وما بعدها)، همع الهوامع للسيوطي (١/ ٣٩٠ وما بعدها).
[ ٢ / ٣٣٣ ]
الأخْرى؛ لثِقَل توالي ضَمّتين. (١)
و"هذا": مفعولٌ لـ "خُذ"، ولا يظهر إعرابه؛ لأنّه من أسماء الإشارة. وال "هَا" للتنبيه، و"ذا" الاسم. (٢)
وتقُولُ: "ذلك"، ولا تقُولُ: "هَذلك"؛ لأنّه لا يُجمَع بين "اللام" وحرف التنبيه. (٣) وتقَدّم في الثّالث من "باب استقبال القبلة".
ويجوز أن يكُون "هذا" مُنَادَى، على مَذْهَب مَن أجاز حَذْفَ حرف النّداء من اسم الجنس واسم الإشارة. (٤)
قوله: "فتَصَدّق به": "الفَاءُ" جَوابُ الأمر. و"تصَدّق": فعلُ أمر من "تصَدَّقَ".
قوله: "على أفْقَر منِّي": يتعَلّق بفِعْل محذُوف يدلّ عليه الكَلام، أي: "لا أتصَدّق به على أفقر مني"، أي: "على أحَدٍ أفقَر منّي"، فهو قائمٌ مَقَام موصُوفه.
ورُوي في "مُسلم": "أَفْقَرَ مِنَّا؟ " (٥) بإسْقاط حَرف الجرّ؛ فيحتمل أنْ يكون مَنْصُوبًا، أي: " [أتجد] (٦) أفقرَ منّا؟ ". ويحتمل أن يكون التقدير: "أتُعطي أفقرَ منّا؟ ".
_________________
(١) انظر: الجمل في النحو (ص ٢٤٨)، الصحاح (٢/ ٥٥٩)، علل النحو (ص ١٨٣، ٥٥٩)، شرح التصريف للثمانيني (ص ٣٩٣)، شرح ابن عُقيل (٤/ ٢٧٧)، شرح الشافية للركن الأستراباذي (٢/ ٦٩٩)، الهمع (٣/ ٤٦٣)، لسان العرب (٣/ ٤٧٢).
(٢) راجع: مُغني اللبيب (٤٥٥، ٤٥٦)، الجنى الداني (٣٤٨).
(٣) انظر: اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٤٨٧)، شرح الكافية الشافية (١/ ٣١٧، ٣١٨)، شرح الأشموني (١/ ١٢٢)، الصبان (١/ ٢٠٨).
(٤) انظر: إرشاد الساري (٥/ ٤٣١)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٢٩١)، شرح التسهيل (٣/ ٣٨٦، ٤٣٢)، مغني اللبيب (ص ٨٤٠)، اللمحة (٢/ ٦٢٥)، شرح التصريح (٢/ ٢٠٧)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ٤٢).
(٥) صحيح: مُسلم (١١١١/ ٨١).
(٦) غير واضحة بالأصل. وقد تقرأ: "أفجد". =
[ ٢ / ٣٣٤ ]
ويجوز الرفعُ بتقدير: "أيُوجَد أفقرُ منّا؟ "، أو: "مَن في الناس أفقرُ منّا؟ "، ويجوز أن يكُون بحَذف حَرْف الاستفهام، أي: "أأفقرُ منّا يُوجَد؟ ". (١)
و"أفقر": أفعلُ التفضيل، ولم تنطق العَرب بفِعْله، ونطقوا باسم فاعله؛ فقالوا: "فقير"، ولم يقُولوا: "فَقُر". وعن سيبويه: أنّه لم يُسْمَع. (٢)
واستُعمل "أفْعَل" هُنا بـ "مِن"، وله [ثلاثة] (٣) استعمالات: بالألف واللام، والإضافة. (٤)
و"مِن" مَعناها معه التبعيض. وقيل: لابتداء الغَاية. (٥) وتقَدّم حُكم "أفعَل التفضيل" في الأوّل مِن "الصّلاة".
قوله: "يا رسُولَ الله": مُنادَى مُضَاف. وتقَدّم الكَلامُ على "يا" في النّداء في الرّابع من "الجنابة".
قوله: "فوالله": قسَمٌ، جَوابُه "مَا". وقَد تقَدّم ما يُجاب به القَسَم في الثّاني من "باب الصفوف"، وفي العَاشر من "كتاب الصّلاة".
_________________
(١) = وانظر: الإعلام لابن الملقن (٥/ ٢٣٦).
(٢) انظر: فتح الباري (٤/ ١٧١)، عُمدة القاري (١١/ ٣٣)، إرشاد الساري (٩/ ٥٩)، الإعلام لابن الملقن (٥/ ٢٣٦)، مرعاة المفاتيح (٦/ ٥٠٦).
(٣) انظر: عقود الزبرجد للسيوطي (٢/ ٥٥)، الكتاب لسيبويه (٤/ ٣٣)، المنصف لابن جني (ص ١٦)، شرح التسهيل لابن مالك (٣/ ٤٦)، الخصائص (١/ ٢٧٠)، النهاية لابن الأثير (٣/ ٤٦٢)، المحكم والمحيط الأعظم (٦/ ٣٧٩)، لسان العرب لابن منظور (٥/ ٦١)، تاج العروس (١٣/ ٣٣٦).
(٤) بالنسخ: "ثلاث". والصواب المثبت.
(٥) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٦٠)، (٤/ ٦٣٦).
(٦) انظر: البحر المحيط (٦/ ٤٤٧)، (٧/ ١٠٣)، الجنى الداني (ص ٣١١، ٣١٢)، اللمحة (١/ ٤٢٦ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ١٣٩)، (٢/ ٩٣٤)، شرح الأشموني (٢/ ٣٠١)، شرح التسهيل (٣/ ١٣٦).
[ ٢ / ٣٣٥ ]
قوله: "بين لابتيها": ظرفٌ، ومخفوضٌ به، وعلامَة جَرّه: "الياء".
ويُقال: "لابة" و"لوبة" و"نوبة" بالنون. ومنه قيل للأَسْوَد: "لُوبيّ" و"نُوبيّ" باللام والنّون. وجمعُها: "لُوَب" و"لاب" و"لابَات". (١)
و"أهْلُ بَيْت": مُبتدأ، والخبر في "بين"، والعامل فيها.
و"أفْقَر": صِفَة للمُبتدأ. ويحتمل أن تكُون خبر مُبتدأ محذوف، أي: ". . . هُم أفْقر من أهْل بيتي". هَذا على أنَّها (٢) التَميمية.
ولك أنْ تجعلها الحِجَازيّة؛ فيكُون "أهْل بيت" اسمها، و"أفقر" خبرها، ويكُونُ الظرفُ مُتعَلقًا بالخبر، وهو "أفعَل"، وذلك جائزٌ في ["أفْعَل"، مِن نحْو] (٣) قَولك: "زَيدٌ عِنْدك أفْضَل من عَمرو". ولا يَبْطُل عَمَل "مَا" بالفَصْل [بمعْمُول] (٤) الخبر، نحو قَولك: "ما عندي زيدٌ قَائِمًا"، قاله ابن مالك وغيره. (٥)
وأما قوله: "يُريد الحَرّتَين": جُملة مُفسرة، لا محلّ لها من الإعراب. والجمَلُ التي لا محلّ لها تقَدَّمت في الأوّل من الكتاب.
قوله: "فضَحِك النبي - ﷺ -": معْطُوفٌ على مَا قبله.
وجملة (ﷺ): مُعترضة، لا محلّ لها.
قَالَ في "الصّحاح": يُقال: "ضَحِك، يَضْحَك، ضَحِكًا" بفتح "الضّاد"
_________________
(١) انظر: الإعلام لابن الملقن (٥/ ٢٣٥)، تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١٣٢)، لسان العرب (١/ ٧٤٥)، المحكم والمحيط الأعظم (١٠/ ٤٣١).
(٢) أي: "ما".
(٣) قد تقرأ: ("أفعل من"، نحو. . .).
(٤) بالنسخ: "لمعمول". والتصويب من المصادر.
(٥) انظر: إرشاد الساري (٣/ ٣٧٨)، (٩/ ٥٩)، مرقاة المفاتيح (٤/ ١٣٩٢)، مرعاة المفاتيح (٦/ ٥٠٦، ٥٠٧)، شرح التسهيل (٢/ ١٢)، درة الغواص (ص ٣٣).
[ ٢ / ٣٣٦ ]
وكسرها، و"ضَحِكًا" بكسر "الحاء"، و"ضِحِكًا" بكسر "الضّاد" و"الحاء". (١)
قوله: "حتى بَدَت أنيابه": تقَدّم الكَلامُ على "حتّى" في الثّاني من أوّل الكتاب، وهي هُنا حَرفُ ابتداء (٢).
و"بَدَت": مِن "بَدَا، يبْدو". (٣) وقد تقَدّم في الحادي عشر من "باب صِفَة الصَّلاة".
و"أنيابه": جمعُ "نَاب"، أصْله: "نَيَبَ"، تحرّكت "الياء"، وانفتح ما قَبلها؛ فقُلبت ألِفًا. (٤)
وتتعلّق "حتّى" بـ "ضَحِك".
قوله: "ثُمَّ قَالَ": "ثُمّ" تقَدّمَت في الثّاني مِن "بَابِ الجنَابَة".
وجُملةُ "أطْعِمْه أهْلَك": في محلّ مَعْمُول القَوْل.
***
_________________
(١) انظر: الصحاح (٤/ ١٥٩٧)، لسان العرب (١٠/ ٤٥٩).
(٢) انظر: مُغني اللبيب (ص ١٧٣ وما بعدها).
(٣) انظر: جمهرة اللغة (٢/ ١٠١٩).
(٤) انظر: أسرار العربية (ص ٢٥٥)، شرح المفصل لابن يعيش (٥/ ٢٠٢، ٤٣٣)، لسان العرب (١/ ٢٤٥).
[ ٢ / ٣٣٧ ]
باب الصّوم في السفر وغيره
[الحديث الأوّل] (١):
[١٨٣]: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: [أَصُومُ] (٢) في السَّفَرِ؟ - وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ -. فَقَالَ: "إنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ" (٣).
قوله: "عن عائشة: أنّ حمزة": الاسمان لا ينصرّفان، للعَلمية والتأنيث. (٤) و"الأسلَمي": نعْتٌ لـ "حمزة".
قوله: "قال للنبي": الضميرُ في "قال" يعود على "حمزة". والجملة في محلّ خبر "أنّ". و"أنّ" وما عَملت فيه في محلّ معمول، مُتعلّق حرف الجر.
قوله: "أصُومُ في السّفر؟ " لا: أصلُه: " [أأصُوم] (٥) في السّفر؟ "، فحُذفت همزة الاستفهام، لاجتماعها مع حَرف المضَارعة، وقد كثر حَذفُها في القُرآن، منه قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢]، أي: "أوَتِلك نِعْمةٌ تمنّها عَليّ؟ "، ومنه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] (٦)
_________________
(١) سقط من النسخ.
(٢) في بعض نُسَخ العُمدة: "أأصوم". وانظر: العمدة (ط الثقافة، ص ١٣٤).
(٣) رواه البخاري (١٩٤٣) في الصوم، ومسلم (١١٢١) في الصيام.
(٤) راجع: المفصل (ص ٣٥)، شرح الكافية الشافية (١/ ٢٥٢)، اللمحة (٢/ ٧٥٨)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٣١).
(٥) بالنسخ: "الصوم". والصواب المثبت.
(٦) انظر: البحر المحيط (٣/ ٧١٩)، (٨/ ١٤٨)، شَواهد التَّوضيح والتَّصحيح (ص ١٤٦، ١٤٧)، شرح التسهيل (٣/ ٣٧٩)، مغني اللبيب (ص ٢٠، ٢١، ٨٥٣)، =
[ ٢ / ٣٣٨ ]
وجملة "أصُوم في السّفر؟ " معْمُولة للقَول.
واعلم أنّ "الألِف" أصْلُ أدْوَات الاستفْهَام؛ ولهذا اختُصّت بأحْكَام: -
أحدها: جَوازُ حَذْفِها، سَواء تقَدّمت على "أم" أم لا. ومنه قَول عُمَر:
فَوَالله مَا أَدْرِي وَإِنْ كُنْتُ دَارِيًا بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أَمْ بِثَمان (١)
أراد: ["أبسَبْع"] (٢).
ومن ذلك قول الكُميت:
طَرِبْتُ وَمَا شَوْقًا إِلَى الْبِيضِ أَطْرَبُ وَلا لَعِبًا مِنِّي وذُو الشَّيْبِ يَلِعَبُ (٣)
أي: "أوَذُو. . .؟ ".
والثّاني: أنّها تَرِد لطَلَب التصَوّر، نحْو: "أزَيدٌ هَذا أم عَمرو؟ ".
ولطلَب التصديق، نحو: "أزيد قائمٌ؟ ".
و"هل" مختصّة بطَلَب التصديق، نحو: "هل قَامَ زيد؟ ".
الثالث: أنها تدخُل على الإثبات - كما تقَدّم - وعلى النفي، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ
_________________
(١) = الجنى الداني (ص ٣٤، ٣٥)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٢١٦)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ١٠٠٤)، همع الهوامع (٣/ ٢٢٦).
(٢) البيتُ من الطويل. وهو من قول عُمر بن أبي ربيعَة. انظر: الكتاب (٣/ ١٧٥)، مُغني اللبيب (ص ١٩، ٢٠)، الكامل للمبرد (٣/ ١٣٢)، الجليس الصالح الكافي (ص ١٥٦)، خزانة الأدب (١١/ ١٢٢)، المعجم المفصل (٨/ ١٨٦).
(٣) بالنسخ: "بسَبع". والصّواب من "مُغني اللبيب" (ص ٢٠).
(٤) البيتُ من الطويل. وهو للْكُمَيْت بن زيد بن الْأَخْنَس الْأَسدي. انظر: الحماسة البصرية (١/ ١٢٠)، خزانة الأدب للبغدادي (٤/ ٣١٣، ٣١٩)، (١١/ ١٢٣)، المعجم المفصل في شواهد العربية (١/ ٢٣٥).
[ ٢ / ٣٣٩ ]
نَشْرَحْ﴾ [الشرح: ١]. (١)
قوله: "وكَان كثيرَ الصّيام": اسمُ "كان": ضَميرُ " [ابن عمرو] (٢) "، و"كثير" خبرُ "كَان"، وهو مُضَافٌ إلى الفاعل، أي: "كثير صيامه". والجملة من "كان" واسمها وخبرها مُعترضَة، لا محلّ لها من الإعراب.
قوله: "قال": فاعلُه: "النبي - ﷺ -".
قوله: "إنْ شئت فصُم": الشرطُ وجوابه معمولُ القول.
و"شئت": تقَدّم الكَلامُ على تصريفها ومَادّتها في الحديث السّادس من "باب الإمامة".
وأصله: "شَيئَ" على وزْن "فَعِلَ" [بكسْر] (٣) "العَين". وإذا أُسند إلى ضمير الفاعل، [وهو] (٤) "التّاء" - كمَا جَاءَ هُنا - أو "النون"، نحو: "شيئن"، أو "نا"، نحو: "شيئنا"؛ سكن آخره، ونُقلت حركة المعتلّ - وهي الكسرة - إلى "الشّين"، وهي "فاءُ" الكلمة؛ فسكن حرف العلّة، والآخر سَاكِن للضّمير؛ فحُذف حَرْفُ العلّة لالتقاء الساكنين.
ومذهَبُ المبرد أنّ أصْله "فعَل" بفتح "العَين"، فلما اتصل بالضّمير ذهبت "الألِف" المنقَلبة عن "عَين" الكَلمة؛ لالتقاء السّاكنين، وكُسرت "الشِّين" لتَدلّ على
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب (ص ١٩ وما بعدها). وراجع: شَواهد التَّوضيح والتَّصحيح (ص ١٤٧ وما بعدها)، عقود الزبرجد للسيوطي (٢/ ٣١٥ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ١٧ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٢١٦ وما بعدها)، شرح المفصل (٥/ ١٠٣ وما بعدها)، الجنى الداني (ص ٣٤ وما بعدها)، همع الهوامع (٢/ ٥٨٢ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٤٤).
(٢) بالنسخ "ابن عُمر". والمراد: "حمزة بن عمرو".
(٣) غير واضحة بالأصل. ولعلها: "بكسرة". والمثبت من (ب).
(٤) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
[ ٢ / ٣٤٠ ]
أنّ المحذُوفَ "ياء"، كما في "بِعْت". (١)
قولُه: "فصُم": "الفَاءُ" في جواب الشّرط سَبَبية.
وللفَاء أقسامٌ تقدّمت في السّادس من "الاستطابة"، و"إن" الشرطية في السّابع من "الجنابة"، و"إنّ" المكْسُورة المشدّدة في الرّابع من أوّل الكتاب، وفيه الكَلام على مواضع فتحها وكسْرها. و" [على] (٢) " تقَدّمَت في الخامس مِن "الجنَابة".
الحديث الثّاني:
[١٨٤]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، قَالَ: "كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُول الله - ﷺ -، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ على الْمُفْطِرِ، وَلا الْمُفْطِرُ عَلى الصَّائِمِ" (٣).
قوله: "كنّا نُسَافر": "كان"، واسمها.
والأصْلُ في "كان": "كون"، تحرّكت "الواو"، وانفتح ما قبلها؛ فقُلبت ألِفًا، فصَار "كَان". فلما اتّصل بها الضّمير سكن آخر الفِعْل لأجْله؛ فاجتمع سكون "النون" وسكون "الألِف"، فحُذِفَت "الألِف" لالتقاء الساكنين، ثم أُدْغِمت "نُون"
_________________
(١) انظر: الكتاب (٤/ ٣٧٦ وما بعدها)، شرح التصريح (٢/ ٣٠٩)، شرح التصريف للثمانيني (ص ٤٤٠)، شرح المفصل (٥/ ٢٨٠، ٢٩٢)، اللباب في عِلَل البناء والإعراب (٢/ ٢٩٥، ٣٦١، ٣٦٧ وما بعدها)، المقتضب (١/ ٩٦ وما بعدها، ١١٥، ١٥٢ وما بعدها)، سر صناعة الإعراب (١/ ١٥٨)، أسرار العربية (ص ٥٩)، شرح ابن عقيل (٤/ ٢١٨)، الأصول لابن السراج (٣/ ٢٩٦ وما بعدها)، التعليقة على كتاب سيبويه (٥/ ٨١)، حاشية الصبان (١/ ٥٢)، تهذيب اللغة (١١/ ٣٠١، ٣٠٢)، تاج العروس (١/ ٢٩٢ وما بعدها)، دُستور العُلماء (١/ ٨٢)، فتح المتعال (ص ٢٣١ وما بعدها)، المخصّص (٤/ ٤٢٤ وما بعدها)، اللباب في قواعد اللغة وآلات الأدب (ص ١٢٧).
(٢) أي: التي في قوله: "ﷺ".
(٣) رواه البخاري (١٩٤٧) في الصوم، ومسلم (١١١٨) في الصيام.
[ ٢ / ٣٤١ ]
الفِعْل في "نُون" الضّمير، وضُمّت "الكَاف" لتَدُلّ على "الواو" المحذُوفة. (١)
وخَبرُ "كَان" في جملَة "يُسَافر".
و"مَع": تقَدّم الكلامُ عَليها في الحديثِ الأوّل مِن "المسْح على الخفّين".
قوله: "فَلَم": "الفَاءُ" عاطفة لا [سَبب] (٢) فيها. (٣)
"لم يَعِبْ": حَرْفُ جَزْم لنَفْي الزّمَان الماضي المنقَطِع مِن زَمَان الحال. (٤) وتقَدّمَت في الثّالث من "باب المذْي". و"يَعِبْ": فِعلُ مُضارع مجزوم بها. والجملة معطُوفةٌ على ["كُنّا"] (٥).
وفي غير هذا الحديث زيادَة تُبيّن وَجْه الكَلامَ هُنا، قَال فيها: "كُنَّا نُسَافِر مَع النبي - ﷺ -، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، فَلَم يَعِبْ الصَّائِمُ على الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ على
_________________
(١) انظر: الكتاب (٤/ ٣٧٦ وما بعدها)، شرح التصريح (٢/ ٣٠٩)، شرح التصريف للثمانيني (ص ٤٤٠)، شرح المفصل (٥/ ٢٨٠، ٢٩٢)، اللباب في عِلَل البناء والإعراب (٢/ ٢٩٥، ٣٦١، ٣٦٧ وما بعدها)، المقتضب (١/ ٩٦ وما بعدها، ١١٥، ١٥٢ وما بعدها)، سر صناعة الإعراب (١/ ١٥٨)، أسرار العربية (ص ٥٩)، شرح ابن عقيل (٤/ ٢١٨)، الأصول لابن السرّاج (٣/ ٢٩٦ وما بعدها)، التعليقة على كتاب سيبويه (٥/ ٨١)، حاشية الصبّان (١/ ٥٢)، تهذيب اللغة (١١/ ٣٠١، ٣٠٢)، تاج العروس (١/ ٢٩٢ وما بعدها)، دُستور العُلماء (١/ ٨٢)، فتح المتعال (ص ٢٣١ وما بعدها)، المخصّص (٤/ ٤٢٤ وما بعدها)، اللباب في قواعد اللغة وآلات الأدب (ص ١٢٧).
(٢) غير واضحة بالأصل. ولعلها: "تسبيب". والمثبت من (ب).
(٣) انظر: شرح الشذور لابن هشام (ص ٤٤٣)، شرح القطر (ص ٩٣)، شرح ابن عقيل (٤/ ٣٨)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٩٣).
(٤) انظر: مُغني اللبيب (ص ٣٦٥، ٨٧١)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٨١)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٢٧٢)، موصل الطلاب (ص ١٠١، ١٦٢).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٣٤٢ ]
الصَّائِمِ" (١)، والحديثُ يأتي بَعْد.
وقوله: "يَعِبْ": أصْلُ مَاضيه: "عيب"، تحرّكَت "الياء"، وانفَتَح ما قبلها؛ فقُلبت ألِفًا، [وجَاء] (٢) مُضَارعه "يَعِيب"، فلما دَخَل الجازم حَذَف "اليَاء"؛ لسكُونها وسكُون "البَاء". (٣)
قوله: "على المفْطِر": يتعَلّق بـ "يَعِبْ".
والألِفُ واللام في "الصّائم" مَوصُولة بمَعنى "الذي"، وتقَدّم الخلافُ في حَرْفيّتها. (٤)
و"لا" في قوله: "ولا المفْطِر" نافية، مُؤكِّدة للنّفْي قبلها. والتقدير: "ولا يَعِيبُ المفْطِرُ على الصّائم".
_________________
(١) صحيحٌ: رواه "مُسلم" في صحيحه بنحوه (١١١٦/ ٩٣، ٩٥، ٩٦) من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ -.
(٢) قد تقرأ بالأصل: "فجاء".
(٣) انظر: العين (٢/ ٢٦٣)، تهذيب اللغة (٣/ ١٥٠). وراجع في القلب: الكتاب (٤/ ٣٧٦ وما بعدها)، شرح التصريح (٢/ ٣٠٩)، شرح التصريف للثمانيني (ص ٤٤٠)، شرح المفصل (٥/ ٢٨٠، ٢٩٢)، اللباب في عِلَل البناء والإعراب (٢/ ٢٩٥، ٣٦١، ٣٦٧ وما بعدها)، المقتضب (١/ ٩٦ وما بعدها، ١١٥، ١٥٢ وما بعدها)، سر صناعة الإعراب (١/ ١٥٨)، أسرار العربية (ص ٥٩)، شرح ابن عقيل (٤/ ٢١٨)، الأصول لابن السرّاج (٣/ ٢٩٦ وما بعدها)، التعليقة على كتاب سيبويه (٥/ ٨١)، حاشية الصبّان (١/ ٥٢)، تهذيب اللغة (١١/ ٣٠١، ٣٠٢)، تاج العروس (١/ ٢٩٢ وما بعدها)، دُستور العُلماء (١/ ٨٢)، فتح المتعال (ص ٢٣١ وما بعدها)، المخصّص (٤/ ٤٢٤ وما بعدها)، اللباب في قواعد اللغة وآلات الأدب (ص ١٢٧).
(٤) انظر: شرح التسهيل (١/ ٢٠٠ وما بعدها)، مُغني اللبيب (ص ٧١ وما بعدها)، الجنى الداني (ص ٢٠١ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (١/ ٢٩٧ وما بعدها)، همع الهوامع للسيوطي (١/ ٣٣٢).
[ ٢ / ٣٤٣ ]
فـ "على" يتَعَلّق بالفِعْل المحْذُوف؛ لدلَالَة مَا قَبْله عَليه.
الحديث الثالث:
[١٨٥]: عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - ﵁ -، قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - في شَهْرِ رَمَضَانَ، في حَرٍّ شَدِيدٍ، حَتَّى إنْ كَانَ أحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ على رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ، إلَّا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ" (١).
قوله: "خرَجنا مَع رسُول الله": جملة معمُولة للقَول، والمراد: "مُسافرين"، فحَذَف الحال؛ لأنّها فَضْلة، لا عُمْدَة؛ وفي الكَلام ما يدلُّ عليها. (٢)
و"مَع": تقَدّم الكَلامُ عليها في الحديث الأوّل من "المسح على الخُفّين"، وتتعَلّق بـ "خَرَجْنا".
و"في شَهْر": يتعَلّق بحَال، أي: "حاجّين" أو "مُسافرين". أو يتعَلّق بـ "خَرَجْنا".
و"رَمَضَان": لا ينصرف؛ للعَلَمية مع زيادة الألف والنون. (٣)
و"الشّهر": مَصدر "شَهر يشْهر"، إذا "ظَهَر". وهُو اسمٌ للمُدّة الزّمانية المعْلومة. وقَالَ الزَجّاج: "الشّهرُ": "الهلالُ".
وقيل: يُسمّى "الشّهر" باسم "الهلال". والعَرَبُ تقُول: "رَأيتُ الشّهرَ"، أي: هِلاله. ويُقَال: "أشْهَرْنا"، أي: " [أتَى علينا] (٤) شَهْرٌ".
_________________
(١) رواه البخاري (١٩٤٥) في الصوم، ومسلم (١١٢٢) في الصيام.
(٢) انظر: شرح ابن عقيل (٢/ ١٥٥)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٦٩٢)، شرح التسهيل (١/ ٣٧٣)، (٢/ ٣٢١، ٣٥٤)، المقتضب (٣/ ١١٦)، أوضح المسالك (٢/ ٢٤٩)، همع الهوامع (١/ ٨١)، (٢/ ٢٩٣)، جامع الدروس العربية (٣/ ٩٦).
(٣) انظر: البحر المحيط (٢/ ١٧٣)، الصّحاح للجوهري (٣/ ١٠٨١)، لسان العرب (٧/ ١٦١)، تاج العروس (١٨/ ٣٦٤)، النحو الوافي (٤/ ٢٣٣).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٣٤٤ ]
قال الفرّاء: لم أسْمَع فيه فِعْلًا إلا [هَذا] (١).
وقال الثّعلبي: يُقَال: "شَهَرَ الهلالُ" إذا "طَلَع".
ويجمَع في القِلّة على "أشْهُر"، وفي الكثرة على "شُهور"، وهما مَقِيسَان فيه. (٢)
و"رَمَضَان": علمُ جنس لشَهر الصّوم. ويجمَع على "رمضانات" و"أرمضة".
وقال الزّمخشري: مَصْدره: "رَمِض" إذا "احترق من الرّمْضَاء". ويحتاجُ إلى نقْل؛ لأنّ "فَعَلان" ليس مَصْدَره " [فَعِل] (٣) " لازم، بل إنْ جَاء فيه كَان شَاذًّا. والأوْلى أنْ يكُون مُرْتجَلًا لا مَنْقُولا. (٤)
قولُه: "في حَرٍّ": يتعلّق بمُتعَلّق "في شَهر". ويحتمَل أنْ يكُون بدَلًا من حَرف الجرّ الأوّل، والتقديرُ: "وَقْت حَرّ"
و"شَديد": صِفَة لـ "حَرّ". و"شَديد" "فَعيل"، من "شَدُد"، فهو "شَديد".
قوله: "حتى [إنْ كَان أحدنا] (٥) ": يتعلّق بما يتعَلّق به "في شَهر". وتقَدّم الكَلامُ على "حتّى" في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب.
_________________
(١) بالنسخ: "هدنا". وانظر: البحر المحيط (٢/ ١٧٣).
(٢) انظر: البحر المحيط (٢/ ١٧٢، ١٧٣)، مشارق الأنوار (٢/ ٢٥٩)، لسان العرب (٤/ ٤٣٢)، معجم مقاييس اللغة (٣/ ٢٢٢)، المخصص (٢/ ٣٧٦)، النهاية لابن الأثير (٢/ ٥١٥)، مجمع بحار الأنوار (٣/ ٢٧٠)، المغرب (ص ٢٦٠)، المصباح المنير (١/ ٣٢٥)، التعاريف (ص ٢٠٩)، تاج العروس (١٢/ ٢٦٣ وما بعدها).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٢/ ١٧٣)، الكشاف (١/ ٢٢٦)، الصحاح للجوهري (٣/ ١٠٨١)، المطلع للبعلي (ص ١٢١)، لسان العرب (٧/ ١٦١)، تاج العروس (١٨/ ٣٦٤)، النحو الوافي (٤/ ٢٣٣).
(٥) بالأصل كما يظهر لي: "إنْ أها". وفي (ب): "إذا كنا". وقد أضفتُ "أحدنا" مع إمكانية الاقتصار على ما قبلها؛ لشبه "أها" بنهاية "أحدنا".
[ ٢ / ٣٤٥ ]
و"إن" هُنا هي المخفّفة مِن الثّقيلة.
واللام في "ليضع" الفَارقَةُ بين "أن" النّافية والمخفّفة. وقال الكوفيون: هي هُنا نافية، واللام بمَعْنى "إلا". (١)
وقَد تقَدّم الكَلامُ على "إنْ" المخَفّفَة [في] (٢) الثّاني مِن "باب التسوية"، وفي الأوّل من "كتاب الزّكاة".
وتقَدّم في الرّابع من أوّل الكتاب أنّ "حتّى" إذا وقع بعدها "إنّ" وَجَب كسرها. (٣)
وكان حَقّ موضع "اللام" الداخلة في خَبَرٍ، أنْ تكُون في جملة "كَان"؛ لأنّها [الخبر] (٤). لكنّ الجمْلة إذا وَقَعَت خبرًا لـ "إنْ" جَاز أنْ تدخُل "اللام" في أحَد أجزَائها، كقَوله تعَالى: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢]. (٥)
قال أبو البقاء: وقولُ الكوفيين أنّ "إنْ" بمعنى "ما"، و"اللام" بمعنى "إلّا" ضَعيفٌ جِدًّا. (٦)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٢/ ١٧)، (٥/ ١٢٦)، التبيان في إعراب القرآن (١/ ١٢٤)، الكشاف (٢/ ١٣٦)، الجمل في النحو للخليل بن أحمد (ص ٢٦٨، ٢٧٢)، شرح التسهيل (٢/ ٣٢ وما بعدها، ٧٦)، مغني اللبيب (٣٦، ٣٧، ٣٠٥ وما بعدها)، شرح المفصل (٤/ ٥٤٥ وما بعدها).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: شرح المفصل (٤/ ٥٣١)، اللمحة (٢/ ٥٥٢).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: شرح المفصل لابن يعيش (٤/ ٥٣٢ وما بعدها، ٥٤٨)، (٥/ ١٤٨)، شرح التسهيل لابن مالك (٢/ ٣٣ وما بعدها)، شرح الأشموني (١/ ٣٢٠)، جامع الدروس العربية (٢/ ٣٢٢).
(٦) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ١٢٤)، الكشاف (٢/ ١٣٦)، البحر المحيط =
[ ٢ / ٣٤٦ ]
قالوا: وظاهِرُ كَلام الزّمخشري أنّ "إنْ" هُنا عامِلَة في ضَمير الشّأن، كأنّه قَال: "حتّى إنّ الشّأن [والحديث] (١) ". (٢)
وقَال أبو البقَاء في قَوله تعالى: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢]: اسمُها محذوفٌ، أي: "وإنّا وجدنا". (٣)
فقَدّرَه غَير ضَمير الأمْر والشّأن، وضُعِّف، بل قَال بعضُهم: هو فاسِدٌ؛ لأنها إذا خُفّفت لا يكُونُ اسمها [إلا ظَاهرًا] (٤)، كقَوله تعَالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾ (٥) على قراءةِ النّصب والتنوين. (٦)
قال ابنُ عصفور: ولا يكُونُ اسمُها مُضْمَرًا، إلّا في ضَرورة. (٧)
فتلخّص من ذلك أنّ الأكثرين على أنه لا عمل لـ "إن" المخفّفة، وسواء دخَلت على جملة اسمية من مُبتدأ وخبر، أو على جملة فعلية. (٨)
_________________
(١) = (٥/ ١٢٦)، الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ١٥٩ وما بعدها).
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "في الحديث".
(٣) انظر: الكشاف (١/ ٢٠١)، (٢/ ١٣٦)، البحر المحيط (٥/ ١٢٦).
(٤) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٥٨٥).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) سورة هود: ١١١.
(٧) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢١٦ وما بعدها)، شرح التسهيل (٢/ ٣٣ وما بعدها)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٣٦، ٥٦، ٣٧١)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (١/ ١٥٩ وما بعدها).
(٨) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢١٦، ٢١٧)، التبيان في إعراب القرآن (١/ ١٢٤)، شرح جمل الزجاجي (١/ ١٨٢ وما بعدها)، الهمع (١/ ٥١٤).
(٩) انظر فيما سبق في "إن": البحر المحيط لأبي حيان (٢/ ١٧، ١٨)، (٥/ ١٢٦)، (٦/ ٢١٦ وما بعدها)، الكشاف للزمخشري (٢/ ١٣٦)، التبيان في إعراب القرآن (١/ ٥٨٥)، شرح التسهيل (٢/ ٣٢ وما بعدها، ٧٦)، مغني اللبيب (٣٦، ٣٧، ٣٠٥ =
[ ٢ / ٣٤٧ ]
ويجري في "إنْ" هنا الوجْهان المتقَدّمان، من الحذْف، ومن ضمير الأمر والشّأن. فالتقدير مع الحذف: "حتى إنّا كُنّا". والتقدير مع ضمير الأمر والشأن: "حتى إنّ الأمر والشأن كُنّا".
قوله: "من شدّة الحر": يحتمل أن يتعلّق بـ "يضع"، وجاز؛ لأنّ حَرْفي الجر مختلفي اللفظ (١).
ويحتمل أن تكون "مِن" سَببية، أي: "بسبب شدّة الحر"، أو بمعنى التعليل، أي: "لأجل". ويحتمل أن تتعلّق بحال، أي: "خائفًا من شدّة الحر". وقد يجوز تقدير غير الكون إذا فُهم المعنى.
قوله: "يضَع": أصلُه: "يوضَع". (٢) وهو كـ "يقَع"، وقد تقَدّم في الحديث الرابع من "الإمامة" توجيه ذلك وتصريفه.
الحديث الرّابع:
[١٨٦]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي سَفَرٍ، فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ ". قَالُوا: صَائِمٌ. قَالَ: "لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ" (٣). وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: "عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ" (٤).
قوله: "كَان رسُول الله - ﷺ - في سَفَر": حرفُ الجر يتعلّق بخبر "كان"، واسمها
_________________
(١) = وما بعدها)، شرح المفصل (٤/ ٥٣٢ وما بعدها، ٥٤٨)، (٥/ ١٤٨)، شرح الأشموني (١/ ٣١٨ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٣٢٧).
(٢) انظر: شرح الأشموني (١/ ١٦١)، النحو الوافي (١/ ٤٠٠ بالهامش).
(٣) انظر: شرح المفصل لابن يعيش (٥/ ٤٢٦)، الأصول في النحو (٣/ ٥٧)، الممتع الكبير في التصريف (ص ٢٨٠)، شرح التصريف للثمانيني (ص ٣٧٧)، إيجاز التعريف في علم التصريف (ص ١٩٢).
(٤) رواه البخاري (١٩٤٦) في الصوم، ومسلم (١١١٥) في الصيام.
(٥) رواه مسلم (١١١٥).
[ ٢ / ٣٤٨ ]
وخبرها في محلّ معمُول القَول.
قوله: "فرأى زحامًا": معطوفٌ على "كان".
و"زحامًا": مفعول "رأى"، والرّؤية بَصَريّة؛ فيتعدى إلى واحد. (١)
والمرادُ بـ "الزّحام": "المزاحمة". قال في "الصّحاح": "زحمته" و"زاحمته". و"الزحمة": "الزحام". (٢)
"ورجُلا قد ظُلل عليه": "رجلا" معطوفٌ على "زحامًا".
وجملة "قد ظُلّل عليه" في موضع صفة لـ "رجُل"، كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: ١٣٤، ١٤١]. (٣)
وحرفُ الجر يتعلّق بـ "ظُلّل".
و"ظُلّل": مبني لما لم يُسمّ فاعله، والقَائم مقَام الفاعِل [المجرور. والمعنى] (٤): "ظُلّل عليه بثوبٍ أو كِسَاء"، أي: "جُعل عليه ظِلّ". (٥)
ويحتمل أن يكُون المفعولُ الذي لم يُسمّ فاعله ضَمير يعُود على "الرّجُل"، أي: "ظُلّل هو"، أي: "جُعل عليه ظِلٌّ".
وقد تعَدّى في قَوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾ [الأعراف: ١٦٠]، أي: "جَعَلنا الغمامَ عليهم". (٦) ويكُونُ التقْدير هُنا: "ظُلل بثَوبٍ عليه"؛ فيتعلق "عليه"
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (١/ ٣٣٤)، شواهد التوضيح (ص ٢٠١، ٢٠٤)، عُقود الزبرجَد (٣/ ٢٣٣)، شرح التسهيل (٢/ ٩٢، ٩٣).
(٢) انظر: الصّحاح (٥/ ١٩٤١).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٦٤٤).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) راجع: مرقاة المفاتيح (٤/ ١٤٠٢).
(٦) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٤٥)، التبيان في علوم القرآن (١/ ٦٥)، المنصوب على نزع الخافض في القرآن (ص ٣١٣ وما بعدها).
[ ٢ / ٣٤٩ ]
بصفةٍ للمَحذُوف.
قولُه: "فقال": أي: "النبي - ﷺ -": "ما هذا؟ ": "ما" مبتدأ، والخبر "هذا"، والجملة معمُولة للقَول.
ووَقَع السّؤالُ بـ "ما" الواقعة على ما لا يَعْقِل؛ لأنّه أراد الزحام والتظليل والرجُل، فاختَلَط مَن يعْقِل بما لا يَعقِل. (١)
ووَقَع الجوابُ بقولهم: "صَائمٌ"؛ ليُطّابق السّؤالَ، فهو خبرُ مُبتدأ محذوف، أي: "هو صَائمٌ".
وتقَدّم في الحديث السّابع من "الصّيام" قبل هَذا [المواضِع] (٢) التي يجب فيها حذفُ المبتدأ، والمواضع التي يجُوزُ حَذْفه فيها.
وتقدّم حُكمُ حذف الموصُوف في الثاني من "التيمّم".
قوله: "قال النبي - ﷺ -: ليس من البرّ الصّيام": "ليس" واسمها وخبرها، الخبرُ تقَدّم في المجرور (٣)، وبه يتعَلّق حَرْف الجر. و"في السّفر": يتعلّق بـ "الصّيام". وتقَدّم الكَلامُ على "ليس" في الأوّل من "الحيض".
قوله: "ولمسْلم": حَرْفُ الجرّ يتعَلّق بمُقَدّر، أي: "وَجَاء لمسلم" أو "رُوي لمسلم".
_________________
(١) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (١/ ٥٨١)، مرقاة المفاتيح (٤/ ١٤٠٢)، أوضح المسالك (١/ ١٥٥)، شرح الكافية الشافية (١/ ٢٧٧)، شرح المفصل (٢/ ٤٠٥، ٤٠٦)، شرح التصريح (٢/ ٤٨٥).
(٢) بالأصل: "الموضع". والمثبت من (ب).
(٣) لأنّ الخبر هو قوله: "من البر".
[ ٢ / ٣٥٠ ]
و"اللام" تُسَمّى "لام النّسْبة"، كَما تقُول: "لزَيدٍ [عَمٌّ] (١) ". (٢)
وتكُونُ جملة "عليكُم برُخْصَةِ الله" فاعِل "جاء" على الحكاية، أو مفعول "رُوي" على الحكاية أيضًا.
قوله: "عليكم برُخْصَة الله": المرادُ بـ "عليكم" هُنا الإغراء.
وهي اسمُ فِعْل. [وأسْماءُ] (٣) الأفعَال بحَسب ما تكُون له، إن كان الفعلُ مُتعدّيًا فهي مُتعدّية، وإن كان لازمًا كانت لازمة. (٤)
فههنا وقع "عليكم" في موضع "الزموا"، وهو مُتعدّي، أي: "الزموا رُخصة الله"، ثم دخلت "الباء" للتقوية في التعدية.
[أو] (٥) تقُول: "عليكُم" اسم لـ "خُذوا"، فتعَدّى بـ "الباء" كذلك، أي: "خُذوا برُخصة الله، وتمسّكُوا بها".
و"الكاف" في موضع جَر؛ لأنّ اسمَ الفِعْل هو الجارّ والمجرور جميعًا. (٦)
_________________
(١) بالنسخ: "عمرو". والمثبت من المصادر. وفي بعض المصادر: "لزيد عَم هُوَ لعَمْرو خَال". وانظر: البحر المحيط (١/ ٣٣)، شرح التصريح (١/ ٦٤٥)، الجنى الداني (ص ٩٧)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ٤٥٢).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٣)، تفسير الشعراوي (١٣/ ٧٩٩)، الإعلام لابن الملقن (٧/ ١٦٢)، شرح التسهيل (٣/ ١٤٤ وما بعدها)، الجنى الداني (ص ٩٧)، شرح الأشموني (٢/ ٧٧)، شرح التصريح (١/ ٦٤٥)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٧٥٤)، همع الهوامع (٢/ ٤٥١، ٤٥٢)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٨٣).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: شرح المفصل (٣/ ٣ وما بعدها)، توضيح المقاصد (٣/ ١١٦٨)، شرح الأشموني (٢/ ١٠٠ وما بعدها)، همع الهوامع (٣/ ١٠٢ وما بعدها).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: تفسير الإيجي (١/ ٥٠٣).
[ ٢ / ٣٥١ ]
قَالَ أبو حيّان في قوله تعَالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]: إغراءٌ، وهو اسمٌ للفِعْل. [وإن] (١) كَان الفِعْلُ مُتعدّيًا كَان اسمه مُتعدّيًا، وإلا كَان لازمًا. و"عليكُم" هُنا اسم لـ "الزم"، وهو مُتعَدّ. و"أنفسكم" مفعولٌ به. ويجوز أن يُؤتى بالضّمير المنفَصِل أيضًا، فتقُول: "عليك إيّاك". (٢)
و"الكاف" في مَوضِع جَر؛ لأنّ اسمَ الفعل هو الجارّ والمجرور. (٣)
و"على" لم تُستعمَل وحْدها اسم فِعْل، بخلاف "رويدكم"؛ فإنّ "الكاف والميم" هناك حَرف للخِطاب فقط، لا مَوْضِعَ لها؛ لأنّ "رويد" قد استُعملت اسمًا للأمر للمُواجهة من غير [كاف] (٤) الخطَاب.
وقيل في "عليك" و"رُوَيد" و"صَه" و"هَيْهات ذلك": إنّ مَوضِعها نَصْب، لأنّها عبارة عَن [لَفْظ] (٥) الفِعْل، فأشبهت المصَادر النائبة عن الفعل. (٦)
وزَعَم بعضُهم أنّ مَوضِعها رَفْعٌ بالابتداء، وقَد سَدّ فاعِلُها مسَدّ الخبر.
وعلى هذا: في "عليك" ضَميران، مُستَكِنّ مَرفُوع، وبارز مجرور، فإذا جئت بتَابع؛ جَاز رَفعه حملًا على ضَمير الفَاعِل، كقَولك: "عليكُم أجمعون" رفعت حملًا على الفَاعِل، و"عليكُم أجمعين" حملًا على "الكَاف". (٧)
ويحتمل أنْ يكُون قولُه هُنا "عليكُم برُخْصَة الله" فيه مفعُولٌ محذُوفٌ، أي:
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٣٨٨)، (٦/ ٤٩).
(٣) انظر: تفسير الإيجي (١/ ٥٠٣).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: البحر المحيط (٤/ ٣٨٨)، (٦/ ٤٩)، اللباب في علوم الكتاب (٧/ ٥٥٨)، الدر المصون (٤/ ٤٥١)، تفسير القرطبي (٢٠/ ١٢).
(٧) انظر: البحر المحيط (٤/ ٣٨٨)، (٦/ ٤٩).
[ ٢ / ٣٥٢ ]
"الزمُوا أنفُسَكُم رُخْصَة الله".
قوله: "التي رَخَّص لكُم": "التي" اسم ناقِص. و"رَخّص" في محلّ الصّلة، والعَائِدُ محذُوفٌ، أي: "التي رَخّصها لكُم". والصّلة والموصُول في محلّ جَر، صفة لـ "رُخْصَة الله".
ويجوز أن يكُون " [التي] (١) " مرفُوعًا، بتقدير " [هي] (٢) ". ويجوز النصب، بتقدير: "أعني".
و"لكُم": يتعلّق بـ "رَخّص"، ومَصدرُه "رَخّص، ترخيصًا"، و"الرُّخْصَة" الاسم. (٣) وإضافته هنا إلى الفَاعِل.
الحديث الخَامس:
[١٨٧]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي السَّفَرِ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ. قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ، وَأَكْثَرُنَا ظِلًا صَاحِبُ الْكِسَاءِ، [فَمِنَّا] (٤) مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ. قَالَ: فَسَقَطَ الصُّوَّامُ، وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ، فَضَرَبُوا الأَبْنِيَةَ، وَسَقَوْا الرِّكَابَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأَجْرِ" (٥).
قوله: "قَالَ: كُنّا": التقدير: "أنّه قَالَ"؛ ليقُوم مقَام معمُول حَرْف الجرّ. (٦)
_________________
(١) بالأصل: "الذي". والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "أي".
(٣) انظر: العين (٤/ ١٨٥)، الصّحاح للجوهري (٣/ ١٠٤١)، المصباح المنير (١/ ٢٢٤)، لسان العرب (٧/ ٤٠).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب). وهو ما سيشرح عليه ابن فرحون. لكن في أكثر نُسخ "العُمدة": "ومنّا". وانظر: صحيح مسلم (١١١٩/ ١٠٠)، العُمدة (ص ١٣٦)، إحكام الأحكام (٢/ ٢٢)، الإعلام لابن الملقن (٥/ ٢٨٢).
(٥) رواه البخاري (٢٨٩٠) في الجهاد، ومسلم (١١١٩) في الصيام.
(٦) راجع: شرح قطر الندى (ص ١٩٠)، شرح ابن عقيل (٢/ ١٢٧)، جامع الدروس =
[ ٢ / ٣٥٣ ]
و"كُنّا": "كَان" واسمها، وتقَدّم الكَلامُ عليها في الحديث الثّاني من هذا الباب.
قوله: "مع النبي - ﷺ -": تقَدّم الكَلامُ على "مع" في الحديث الأوّل من "المسح على الخُفّين". ويتعلّق بخبر "كان". و"في السّفر": يتعلّق بمُتعلّقه، أي: "كائنين معه في السّفر".
ويحتمل أن يتعلّق بحَال من اسم "كان"، [وتعمل فيه] (١) "كان" على قول مَن قال: تعْمَل "كان" في الفَضلات. (٢)
ويحتمل أن يكون "في سَفر" خَبر "كان"، و"مع" تتعلّق بصفة [لـ "سَفَر"] (٣)، تقَدّمت؛ فانتصبت على الحال.
ويحتمل أنْ تتعلّق "مع" بالاستقرار المقَدّر في المجرور المقَدّر خَبرًا، ويكُون التقديرُ: "كُنّا كائنين في سَفَر مُتوجّهين مع النبي - ﷺ -"، ولا يصحُّ أنْ تتعلّق بحَال من ضَمير الاستقرار؛ لأنّ الحالَ لا تتقَدّم على عامِلها المعنَوي عند البصريين (٤). وجُملةُ "ﷺ" لا محلّ لها؛ لأنّها مُعترضة، كجُملة "﵁".
قوله: "فمِنّا الصّائِم": "مِن" في الموضعين للتبعيض (٥)، وتتعلّقان بخبر المُبتدأ الواقع بعدهما. وتقَدّمَ الخبرُ فيها لإفادة التقسيم.
_________________
(١) = العربية (٢/ ٢٤٦ وما بعدها).
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "والعمل".
(٣) انظر: اللمحة (٢/ ٥٧٧)، شرح ابن عقيل (١/ ٢٧٦)، الخصائص (٢/ ٢٧٦)، الهمع للسيوطي (١/ ٤٩٠).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: نتائج الفكر (ص ٣٢٧).
(٦) انظر: الجنى الداني (ص ٣٠٩)، اللمحة (١/ ٦٤)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٣٥٤)، أوضح المسالك (٣/ ١٨)، مغني اللبيب (ص ٤٢٠)، شرح الأشموني (٢/ ٧٠)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٧٢).
[ ٢ / ٣٥٤ ]
وجَعَل "الباجي" من أدَوَات الحصْر السبر والتقسيم (١)، كهذا؛ والتقدير: "فمنّا الرّهْط الصّائِم، ومنّا الرّهْط المفْطِر".
وحَذْفُ الموصُوف، وإقامة الصّفة مقَامه جَائزٌ في مَوَاضع (٢) تقَدّمَت في الثّاني من "التيمم"، وفي الثّامن من "باب صفة الصّلاة". وجَاءَ هُنا محذُوفًا؛ لأنّ في الصّفة ما يدلُّ على الموصُوف، وهو "الصّوم".
وأفاد تعريف الصّائم زيادة تعظيم الموصوف، ولو قَال: "فمِن صَائم، ومِن مُفطر" لم يُوجَد هذا المعنى.
قال ابنُ المنير ناصر الدّين: التعريفُ بالألِف واللام يكُون للتفخيم والتّعظيم، كقَوله تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩].
وأمّا التنكير: فيكُون للتعظيم وغيره. فمِن التعظيم: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر: ٤٥]، [الذاريات: ١٥]. (٣)
والألِف واللام في "السّفر" للعَهْد، أي: "السّفر الذي وَقَع فيه الصّيام".
قوله: "يَوْم حَار": هُو مثل: "ليل قائم" و"نهار صَائم"، أي: "يُصَام فيه".
قوله: "قَالَ": أي: "أنس": "فنَزلنا منزلًا": "منزلًا" هُنا ظَرْف مَكَان؛ لأنّه أرَاد الموْضِع.
_________________
(١) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (١٠/ ٤٦٦)، إرشاد الساري (٨/ ٢٨٧)، (٩/ ٢٠٩)، الإعلام لابن الملقن (١/ ١٧٢، ١٧٣)، حاشية الصبان (٢/ ١٦٤).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ١١٠، ٥٥٥)، التبيان في إعراب القرآن (١/ ٣٠)، الكتاب لسيبويه (١/ ٢٢٧، ٢٢٨)، الأصول لابن السرّاج (١/ ١٩٣ وما بعدها)، شرح التسهيل (٢/ ٢٠٤)، همع الهوامع (٢/ ١٤٤ وما بعدها).
(٣) راجع: البحر المحيط (٢/ ٣٨٤)، (٩/ ٣٤٨)، اللباب في علوم الكتاب (٤/ ٦)، عمدة القاري (١/ ١٨٨)، الإعلام لابن الملقن (٣/ ٤٤٣).
[ ٢ / ٣٥٥ ]
قوله: "في يَوم حَارّ": يتعلّق بـ "نزلنا". ولا يصحّ أن يكُون صفة لـ "منزلًا"؛ لفَسَاد المعنى.
قوله: "وأكثرنَا ظلًّا صَاحِب الكِسَاء": "أكثر" مُبتدأ، وهو أفعل التفضيل، و"ظلًّا" تمييز، و"صاحب الكساء" خبر المُبتدأ.
وفصَل بالتمييز [بين] (١) المبتدأ والخبر؛ لأنّه من صلة "أفعل"، ولأنّه المقصود من الجملة الخبرية.
ويجوز أن يكون "صاحب الكساء" مُبتدأ، والخبرُ مُقَدّم عليه، ويكُون التقدير: "وصَاحِبُ الكِسَاء أكثرنا ظِلًّا". وهَذا أحْسَن.
قوله: "فمِنّا مَن يتّقي الشّمس بيَدِه": و"الفَاءُ" هنا سَببية، وحذف القِسْم الثاني للعلم به، أي: "فينا مَن يتّقي، ومنّا مَن لا يتّقي". أو يُقَدّر: "فمنّا مَن يتّقي بيده، ومنّا مَن يتّقيها بثوبه أو غير ذلك".
و"مِنّا": [مُتعلّق] (٢) بخَبر "من". و"مَن" هنا نكرة موصوفة، أي: "فمنّا شَخص أو رجُل". ويحتمل أن تكون موصُولة، أي: "فمنّا الذي يتّقي الشمس". والصّلة والصفة جملة "يتّقي".
و"الشّمس": مفعول "يتّقي". و"بيده" يتعلّق بـ "يتّقي".
و"الباء" باء الآلة، ويحتمل أن تكُون "باء" الحال، أي: "يتّقي الشمس مُظَلّلا بيده". (٣) والله أعلم.
قوله: "قال: فسَقَط الصُّوام": فعل، وفاعل. والمراد: "ضَعفوا عن الحركة".
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: مغني اللبيب (ص ١٤٨)، الجنى الداني (ص ٥٥، ٥٦).
[ ٢ / ٣٥٦ ]
قوله: "فضربوا الأبنية": معطوفٌ على "قام". وضربهم الأبنية يدلّ على أنَّ ظِلَّ "صاحب الكساء" كان في حال الركوب، أو كان بعد النزول، وظلّه بالكساء أكثر بالنسبة إلى مَن لا كساء له ولا بناء.
وجملة "وسَقوا": معطُوفة على الفِعْل قبله.
قوله: "فقَالَ رسُولُ الله - ﷺ -": "الفَاءُ" سَببية. وجملة "ذَهَب المفْطرون": معمُولة للقَول.
و"ذَهَب" تقَدّم الكَلامُ عليها في الثّاني من "الاستطابة".
والعَامِلُ في "اليوم": "المفطرون".
و"بالأَجْر": يتعلّق بـ "ذهب". و"الباء": "باء" التعدية (١).
الحديث السّادس:
[١٨٨]: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: "كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إلَّا في شَعْبَانَ" (٢).
قوله: "كان يكون": جملة في محلّ مفعُول القول.
وجملة "يكُون" في محلّ خَبر "كان".
و"الصّوم": يحتمل أن يكُون اسم "يكون"، وخبرها في المجرور. واسم "كان" الأولى: ضَمير الأمر والشأن، وتُفسّره الجملة.
ويحتمل أن يكُون "الصّوم" اسم "كان"، وجملة "يكون" خبرها، واسمُ "يكُون" ضَمير يعُود على "الصّوم"، وهو مُتَقَدِّم في الرُّتبة؛ فيعُود [الضّمير] (٣) عليه،
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب (ص ١٣٨، ٨١١)، الجنى الداني (ص ٣٧).
(٢) رواه البخاري (١٩٥٠) في الصوم، ومسلم (١١٤٦) في الصيام.
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٣٥٧ ]
كما يعُود في قوله: "ضَرَبَ غُلامَه زيدٌ" (١)، بنصب "غُلامه".
ومثل هذا ما قيل في قوله تعالى: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ﴾ [التوبة: ١١٧]. (٢)
قوله: "من رَمَضان": يتعلّق بـ "الصّوم". و"مِن" لبيان الجنس. و"رمضان" لا ينصرف (٣)، وقد تقَدّم الكَلامُ عليه في الثالث من "الصّوم في السَّفَر". [وتقَدّم] (٤) الكَلامُ على ضَمير الأمر والشّأن في السّادس من "باب القراءة في الصّلاة".
قوله: "فما أستطيع": "الفاء" سَببية. و"ما" نافية، وتقَدّمت في الثّامِن من "الجنابة". وتقَدّم الكَلامُ على "استطاع" في السّادس من "باب جامع".
وجملة "أنْ أقْضي" في محلّ مفعُول "أستطيع"، والفَاعِلُ ضَمير مُستتر يعُود على "عائشة".
و"أقضي": فِعلُ مُضَارع منْصُوب بـ "أنْ"، وعَلامَةُ نَصبه فتْحة آخِره. وتظْهَر الفَتْحَة في الفِعْل المضَارع إذا كَان آخِره "ياء" أو "واو"، وتُقَدّر فيما آخِره "ألِف". (٥)
_________________
(١) انظر: شرح التسهيل (١/ ١٦٠ وما بعدها)، (٢/ ١٣٥)، مغني اللبيب (ص ٦٣٩)، شرح المفصل (١/ ٢٠٢)، الأصول في النحو (٢/ ٢٣٨)، الخصائص (١/ ٢٩٥)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (١/ ٥٩).
(٢) انظر: البحر المحيط (٥/ ٥١٨)، اللباب في علوم الكتاب (٨/ ١١٧)، (٩/ ٢٩٠ وما بعدها)، (١٠/ ٢٢٩)، الدر المصون (٤/ ٦٠٨)، (٥/ ٤٣٩)، مُشكل إعراب القرآن لمكي (١/ ٣٠٠)، التبيان في إعراب القرآن (١/ ٥٩٢)، (٢/ ٦٦٢)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ١٩٤)، شَرح الأشموني (١/ ٤٠٧)، شرح المفصل لابن يعيش (٢/ ٣٣٩)، النحو الوافي (٢/ ٨٦).
(٣) انظر: البحر المحيط (٢/ ١٧٣)، الصّحاح للجوهري (٣/ ١٠٨١)، لسان العرب (٧/ ١٦١)، تاج العروس (١٨/ ٣٦٤)، النحو الوافي (٤/ ٢٣٣).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: الأصول في النحو (١/ ٤٨)، شرح التصريح (١/ ٩٢)، دليل الطالبين لكلام =
[ ٢ / ٣٥٨ ]
قوله: "إلا في شعبان": حرفُ الجر يتعلّق بـ "أقضي"، والاستثناءُ مُفرغ؛ لأنّ ما قبْل "إلّا" عَمل فيما بعدها؛ وتقَدّم الكَلامُ على "إلا" المكسُورة المشَدّدة في الرّابع من "التشهّد". وجَاز أن يعْمَل ما قبْل "إلا" فيما بعْدها؛ لأنّ الكَلامَ لم يتم بدونه. أما لو تمَّ الكَلام: لم يجز. (١)
قال أبو البقاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٣، ٤٤]، قال: لا يتعلّق "بالبينات" بـ "أرسلنا"؛ لأنّ ما قبل ["إلّا"] (٢) يعْمَل فيما بعْدها، إلا إذا تَمّ الكَلامُ على "إلّا" وما يليها، إلا أنّه جاء في الشِّعر:
نُبِّئْتُهُمْ عَذَّبُوا بِالنَّارِ جَارَتَهُمْ وَلَا يُعَذِّبُ إِلَّا اللهُ بِالنَّارِ (٣)
انتهى. (٤)
_________________
(١) = النحويين (ص ٢٠)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٦٥).
(٢) انظر: البحر المحيط (٣/ ٢٦٥)، (٥/ ٢٩٣)، (٧/ ١٢١)، أوضح المسالك (٢/ ٢٢٢)، مُغني اللبيب (ص ٥١٦)، شرح التصريح (١/ ٤١٤، ٥٣٩)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٣٤٢).
(٣) بالنسخ: "إلا لا". والصواب المثبت. وعبارة أبي البقاء هي: "لِأَنَّ مَا قَبْلَ (إِلَّا) لَا يَعْمَلُ فِيمَا بَعْدَهَا إِذَا تَمَّ الْكَلَامُ عَلَى (إِلَّا) وَمَا يَلِيهَا، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الشِّعْرِ. . .". وانظر: التبيان في إعراب القرآن (٢/ ٧٩٦). قلت: وقد يصح الكلام إذا أُثبتت "لا" أيضًا، ويكون المعنى: "لأنّ ما قبل (إلا) لا يعمل فيما بعدها في حالة واحدة، وهي إذا تَمّ الكلام. . .".
(٤) البيت من البسيط، وهو ليزيد بن الطثرية القشيري. قالوا: تقدم الفاعل المحصور بـ "إلا" على المجرور بالباء، وطوى ذكر المفعول، و"هل" بمعنى "ما"، والأصل: ما يُعذّب أحد أحدًا بالنار إلا الله. انظر: أوضح المسالك (٢/ ١١٣)، شرح التصريح (١/ ٤١٧)، ضياء السالك (٢/ ٣٣)، المعجم المفصل (٣/ ٤٢٩).
(٥) انظر: التبيان في إعراب القرآن (٢/ ٧٩٦).
[ ٢ / ٣٥٩ ]
قال أبو حيّان: [ولا] (١) يجوزُ عند البصريين أن يكُون ما بعد "إلّا" إلا مُستثنًى أو مُستثنًى منه أو تابعًا. وما وَقَع بخلافِ ذلك [قُدِّر] (٢) له عَامِل.
وأجاز الكسائي أن يقع بعد "إلا" المنصوب لما قبلها (٣)، نحو: "مَا ضَرَبَ إلا زَيدٌ عَمرا"، والمخفُوض، نحو: "ما مَرّ إلَّا زَيدٌ بعَمرو"، والمرفوع، نحو: "مَا ضَربَ إلّا زَيدًا عمرو"، ووافقه ابن الأنباري في المرفوع، والأخفش في الظرف والجار والحال. (٤)
فائدة:
قال الزّمخشري: وقوله تعالى: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]: إنّ "من المسّ" [مُتعلّق] (٥) بـ "يقومون". (٦)
وَرُدّ عليه: بأنّهم ليسوا مجانين في الآخرة. (٧)
فإنْ قيل: "إلّا" لا يعملُ ما قبلها فيما بعدها، وليس مُستثنى ولا مُستثنى منه ولا [تابعًا] (٨) له.
أُجيب: بأنْ يُفسّر "المسّ" بالتخييل. أو لعلّه رأى رأي الكسائي؛ فيندفع السّؤال. (٩)
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "فلا".
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) عبارة البحر المحيط (٦/ ٥٣٤): "وأجاز الكِسائيُّ أن تقع معمولا لما قبلها مَنصوبٌ، نحو: ما ضربَ إلَّا زيدٌ عَمرًا".
(٤) انظر: البحر المحيط (٦/ ٥٣٤).
(٥) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "متعلقًا".
(٦) انظر: الكشاف (١/ ٣٢٠).
(٧) انظر: البحر المحيط (٢/ ٧٠٦).
(٨) بالأصل: "بعًا". وفي (ب): "تبعًا".
(٩) راجع: البحر المحيط (٢/ ٧٠٧).
[ ٢ / ٣٦٠ ]
*****
إذا ثبت ذلك: فجَاء في لفظ هذا الحديث عن عائشة، أنّها قالت: "الشُّغْل برسُولَ الله" (١)، أي: "يمنعُني الشّغْل برسُولَ الله".
الحديث السّابع:
[١٨٩]: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ" (٢).
هذا الحديث لم يتّفق عليه الشّيخان؛ ففيه مُؤاخَذَة على الشّيخ.
قوله: "مَن مَات": "مَن" اسم شرط، في موضع رفع بالابتداء. والخبر في فِعْل الشّرط، وهو الصّحيح، وقيل: في جوابه. (٣) وقد تقَدّم الكَلامُ على "مَن" الشرطية في الرابع من أوّل الكتاب، وفي العَاشر منه.
وفاعِلُ "مَات": ضَميرٌ يعُود على "مَن".
و"صيام": هُنا مُبتدأ، والخبر في "عليه"، وبه يتعلّق حَرف [الجر. والجملة في محلّ] (٤) الحال من الضّمير في "مَات". و"الواو": "واو" الحال.
و"الصّيام": مصْدر "صَام". يُقَال: "صَومًا" و"صيامًا"، و"قَوْم صُوّم"
_________________
(١) مُتفقٌ عليه: البخاري برقم (١٩٥٠) ومُسلم برقم (١١٤٦/ ١٥١)، لكنه في صحيح البخاري من كلام يحيى.
(٢) رواه البخاري (١٩٥٢) في الصوم، ومسلم (١١٤٧) في الصيام.
(٣) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١)، عقود الزبرجد للسيوطي (١/ ١٥٥)، مغني اللبيب (ص ٦٠٨، ٦٤٨)، شرح التسهيل لابن مالك (٤/ ٨٦)، همع الهوامع (٢/ ٥٥٤، ٥٦٦)، شمس العلوم (٩/ ٥٩٣٠).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٣٦١ ]
بالتشديد، و"صِيّم". و"رَجُلٌ صَوْمان"، أي: "صَائم". (١)
وجملة "صَام عنه وَلِيّه": جَوَاب الشّرْط. والضّمير في "عنه" وفي "وَليّه" يعُودُ على "مَن".
وقد جاء فعلُ الشرط وجوابه ماضيان؛ ولذلك لم يظهر للشّرط عمل. وقد يجيئان مُضارعين؛ فيعمل فيهما الجزم. ويجيئان مختلفين؛ فيجزم المضارع لفظًا ومحلًّا، وينجزم الماضي محلًّا.
وضَعّف كثير من النحويين مجيء فِعْل الشّرط مُضارعًا وجوابه ماضيًا. والصّحيحُ: جوازه نظمًا ونثرًا، قاله ابن مالك.
وقد وَرَدَ من ذلك في الحديث الصّحيح: "إنَّ أبَا بَكْر رَجُلٌ أَسِيفٌ، مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ رَقَّ" (٢). (٣)
_________________
(١) انظر: الصحاح (٥/ ١٩٧٠)، لسان العرب (١٢/ ٣٥١).
(٢) صحيحٌ: البخاري (٣٣٨٤) من حديث عائشة.
(٣) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٦)، (٣/ ٩٩ وما بعدها، ٣٦٤، ٧١٧)، (٥/ ١٤٧، ١٤٨، ٤٥١، ٤٥٢)، شَواهد التَّوضيح والتصحيح (ص ٦٧ وما بعدها)، عقود الزبرجد (٣/ ٣٨ وما بعدها)، شرح التسهيل لابن مالك (٤/ ٧٥ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٩٠٩)، شرح التصريح (٢/ ٤٠١ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٦١٨، ١٦١٩)، اللمحة (٢/ ٨٧٢ وما بعدها)، شرح المفصل لابن يعيش (٥/ ١٠٧ وما بعدها)، الإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٥١٤ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٢٧٨ وما بعدها)، الهمع للسيوطي (٢/ ٤٩٢ وما بعدها، ٥٥٥ وما بعدها).
[ ٢ / ٣٦٢ ]
الحديث الثَّامن:
[١٩٠]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ فَقَالَ: "لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ [عَنْهَا] (١)؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى" (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ فَقَالَ: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أَكَانَ [ذَلِكَ] (٣) يُؤَدِّي عَنْهَا"؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: "فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ" (٤).
قوله: "جَاءَ رَجُل": جملة مِن فِعل وفَاعِل، في مَوضع مفْعُول القَول.
وأصلُ "جاء": "جيأ" تحرّكَت "اليَاء"، وانفتح ما قبلها؛ فانقلبت ألِفًا. ومصدر "جاء": "جَيْئَة"، وهُو مِن [بِنَاء] (٥) المرّة الوَاحِدة، إلّا أنّه وضع مَوضع المصْدَر، مثْل: "الرّجفَة" و"الرّحمة". [والاسمُ] (٦): "الجِيْئَة" - على "فِعْلة" - بكسر "الجيم".
ويُقال: "جئتُ مجيئًا حَسَنًا"، وهو شَاذٌّ؛ لأنّ المصْدَر من "فَعَل [يفْعِل": "مفْعَلٌ"] (٧) بفَتح "العَين"، وقد شَذّت منه حُروفٌ، فجَاءَت على "مفْعِل"،
_________________
(١) سقط من النسخ. والمثبت من "العُمدة" (ص ١٣٧).
(٢) رواه البخاري (١٩٥٣) في الصوم، ومسلم (١١٤٨) في الصيام.
(٣) سقط من النسخ. والمثبت من العُمدة (ط الثقافة، ص ١٣٨) وإحكام الأحكام (٢/ ٢٤) والإعلام لابن الملقن (٥/ ٣٠٣). وفي صحيح مسلم (١١٤٨/ ١٥٦) والعُمدة (ط المعارف، ص ١٠١): "أكان يُؤدي ذلك".
(٤) رواه مسلم (١١٤٨) (١٥٦) في الصيام.
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٣٦٣ ]
كـ "المجيء" و"المحيض" و"المكيل" و"المصير".
و"أجأتُه": أي: "جئتُ به". وتقُول: "الحمدُ لله الذي جَاءَ بك"، أي: "الحمْدُ لله إذ جئت". ولا تقُل: "الحمدُ لله الذي جئت". (١)
قلتُ: قوله "على مفْعِل في المحيض ومَا بعْده"؛ لأنّ "المحيض" و"المكيل" على وزْن "مَفعِل"، ثم أُعِلّ؛ فنُقِلَت حَرَكَة "اليَاء" إلى "الحاء" وإلى "الكَاف".
وإنما امتنع "الذي جئت"؛ لأنّه لا عَائِدَ على الموصُول. (٢)
قوله: "فقَالَ": مَعْطُوفٌ على "جَاء".
[و"يَا] (٣) رَسُولَ الله": تقَدّم الكَلامُ على حَرْفِ النّداء في الرّابع من "الجنابة"، والسّابع من "الإمامة".
قوله: "إنّ أُمِّي مَاتَت": كُسرت "إنّ" لأنّها وقَعَت بعد القَول. (٤) وقد تقَدّم ذكرُ المواضع التي تُكسَر فيها "إنّ" وتفتَح في الرّابع من أوّل الكتاب.
قوله: "فقَالَ": معطُوفٌ على "جَاءَ". وجملة النّداء معمُولة للقَول. وكُسرت "إنّ" في ابتداء الكَلام.
_________________
(١) انظر: الأصول لابن السراج (٣/ ٢٩٧)، الممتع الكبير في التصريف (ص ٣٢٦ وما بعدها)، شرح الشافية للرضي (٣/ ١٨٠)، الصحاح (١/ ٤٢)، لسان العرب (١/ ٥١ وما بعدها)، تاج العروس (١/ ١٨٢ وما بعدها)، المحكم والمحيط الأعظم (٧/ ٥٧٤)، كتاب الأفعال لابن القطاع (١/ ١٨٢).
(٢) راجع: شواهد التوضيح (ص ١٨٤)، شرح الكافية الشافية (١/ ٢٨٩ وما بعدها، ٢٩٥)، اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ١٢٥)، شرح المفصل (٢/ ٣٩١).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: شرح التسهيل (٢/ ١٨ وما بعدها)، المقدمة الجزولية (ص ١٢١)، شرح ابن عقيل (١/ ٣٥٣ وما بعدها).
[ ٢ / ٣٦٤ ]
و"أُمي": اسم "إنّ"، وعلامةُ النّصب فتحة مُقَدّرة؛ لأنه مما إضافة المتكلّم إلى نفسه (١). وجملة "ماتت" في محلّ الخبر.
قوله: "وعَليها صَوْم شَهْر": في محلّ الحال من فَاعِل "ماتت".
قوله: "أفأقضيه؟ ": "الفَاءُ" عاطفة، و"الهمزة" للاستفهام، على هذا أكثر المعربين (٢)، واختَاره الزّمخشري (٣) في كُلّ مَوضِع وَقَعَت "الفَاء" فيه بعد همزة الاستفهام.
وقَالَ ابنُ جني: "الفَاء" بعْدها زَائِدة. (٤)
قال ابنُ مالك: جَاءَ في بعْض روايات البخاري: "فَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ " (٥)، بحَذفِ هَمزة الاستفهام. (٦) وله نَظَائر كثيرة قَد تقَدّمَت.
قوله: "عَنْها": مُتعَلّق بـ "أَصُوم".
قوله: "فقَالَ": أي: "النبي - ﷺ -". "لَو كَان على أُمّك دَيْنٌ": فيه حَذْفٌ، تقديره: "أرأيت لَو كَان على أُمّك دَينٌ". فـ "رأيت" هنا العِلْميّة. والرّواية الأخيرة تدلُّ على
_________________
(١) راجع: أوضح المسالك (٤/ ٣١)، الصبان وشرح الأشموني (٣/ ٢٣٤)، النحو الوافي (٤/ ٦٣ وما بعدها).
(٢) انظر: البحر المحيط (٣/ ٢٩٥)، عُمدة القاري (٩/ ١٢٥)، إرشاد الساري (٨/ ٣٥٤)، النحو الوافي (٣/ ٥٧٠ وما بعدها).
(٣) انظر: البحر المحيط (٣/ ٢٩٥)، النحو الوافي (٣/ ٥٧٠ وما بعدها).
(٤) انظر: سر صناعة الإعراب (١/ ٢٧٩). وراجع: البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٢٩٥)، إرشاد الساري (٨/ ٣٥٤).
(٥) هو - كما قال - في بعض روايات البخاري. انظر: شَواهد التَّوضيح والتصحيح (ص ١٤٨)، إرشاد الساري (٣/ ٣٩١).
(٦) انظر: شَوَاهد التَّوضيح والتصحيح (ص ١٤٨)، إرشاد الساري (٣/ ٣٩١)، عقود الزبرجد للسيوطي (٢/ ٣١٦).
[ ٢ / ٣٦٥ ]
هذا الحذْف.
وجَوابُ "لو" يُحَال على جَوابِ السّائل مِن نفْي أو إثبات؛ فإنْ اختار الإثبات كان (١): "لو كَان دَينٌ عليها لقَضَيته"، وإنْ اختار النّفي كَان: "مَا أقضيه"؛ فخَرَجَ الكَلامُ مخرَج [الحضّ] (٢) والحثّ، وفي ضِمْنِه الجوَاب.
قوله: أكُنْت تَقْضيه؟ ": هُو في محلّ المفعُول الثّاني لـ "رأيت" العِلْمية المقَدَّرَة. [ويجُوزُ أنْ يكُون] (٣) جَواب "لَو" هُنا مفْهُومٌ مِن استخباره - ﷺ -؛ لأنّ مَعْنَاه [الحضّ] (٤) على القَضَاء والنّدْب إليه، [كَأنّه] (٥) قَالَ: "لَو كَان على أُمّك دَيْنٌ لقَضَيتَه"، فاستَغْنى عنه بدلَالة السّياق عَليه، وبيّنه الجوَاب في قَوْله: "نَعَم".
وإذَا ثَبَتَ ذَلك: فجُمْلة "أكُنْت. . .؟ " في محلّ المفْعُول المقَدّر؛ لأنّ شَرْطَه أنْ يكُون مَفْعُوله الثّانِي جُمْلَة استِفْهَاميّة، وبذَلِك جَاءَ القُرآن الكَريم، قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ (٦) [الواقعة: ٥٨، ٥٩]، ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ [النجم: ٣٣ - ٣٥] (٧) وقَد تقَدّم الكَلامُ على ذلك مُسْتَوفى في الحديث الأوّل مِن "باب صِفَة صَلاة النبي - ﷺ -".
ومفْعُول الأول في الموضعين كليهما: ضَمير المخاطَب. [والتقدير] (٨) في "أرأيت" الأوّل - المقَدّر - "أرأيتَكَ" بفتح "الكَاف"، والثّاني - الموجُود - "أرأيتَكِ"
_________________
(١) أي: كان الجواب.
(٢) بالنسخ: "الحظ". وانظر: تهذيب اللغة (٣/ ٢٥٦).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) بالنسخ: "الحظ".
(٥) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "كأنه".
(٦) كتب بالأصل: "أنتم تخلقونه أأنتم تخلقونه".
(٧) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٨٥، ٨٨، ٥١٠).
(٨) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٣٦٦ ]
بكَسر "الكَاف".
وقد وَقَع [مِثْل] (١) هَذا التركيب مَع "إنْ" الشّرْطيّة في قوله تعَالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ﴾ [يونس: ٥٠]، فاختار أبو حيّان أن يكُون جَوابُ الشرط محذوفًا [يدلُّ] (٢) عليه "أرأيتم إن أتاكم عذاب الله فأخبروني عنه". ونظيره: "أنتَ ظالمٌ إن فَعَلت فأنت ظَالم". (٣)
و"نَعَم": قد تقَدّم الكَلامُ عليها في الرّابع من "الجنابة".
قوله: "فدَيْنُ الله أحَقّ": مُبتدأ وخبر، معْمُول للقَول.
و"أحَقّ" هُنا يحتمَل أنْ تكُون "أفْعَل التفْضيل"، أي: "أحَقّ مِن غَيره". ويحتمَل أنْ تكُون بمَعنى "حَقِيق"، كَما قِيل في قَوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ﴾ [يونس: ٣٥] (٤)، وهَذَا أَوْلى؛ لأنّ قَضَاءَ دَيْن الوَالِدَين يجب على الوَارِث (٥).
قولُه: "أنْ يُقْضَى": يحتمل وَجْهَين، أحدُهما: أنْ يكُون بَدَلًا مِن المبتدأ -[وهُو] (٦) "دَينُ الله" - بَدَل اشتمال (٧)، . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: البحر المحيط (٤/ ٥١٠، ٥١١)، (٦/ ٦٨، ٦٩).
(٤) انظر: البحر المحيط (٥/ ٥٠٥)، (٦/ ٥٥)، أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٨٧)، الدر المصون (٦/ ٢٦)، المصباح (١/ ١٤٤)، تاج العروس (٢٥/ ١٨٢).
(٥) انظر: شرح صحيح مُسلم (١١/ ٨٤)، المبسوط للسرخسي (٤/ ١٦٢)، مختصر اختلاف العلماء للطحاوي (٢/ ٩١ وما بعدها)، المحيط البرهاني للمرغيناني (٩/ ٥١٢)، التاج والإكليل لمختصر خليل للمواق (٨/ ٥٧٩)، البيان للعمراني (٤/ ٥١ وما بعدها)، فتاوى الخليلي على المذهب الشافعي (٢/ ٢٠٢)، المغني لابن قدامة (١٠/ ٢٨ وما بعدها)، شرح الزركشي على مختصر الخرقي (٧/ ٢٢٥).
(٦) بالنسخ: "أو هو".
(٧) انظر: شرح التسهيل (٣/ ٣٣٥)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٥٧٢)، همع الهوامع للسيوطي (٣/ ١٧٦).
[ ٢ / ٣٦٧ ]
إلا أنّ [فيه] (١) الفَصْل بين البَدَل والمبْدَل مِنْه، وهُو "أحَقّ".
ويحتمل أنْ يكُون "أنْ يُقْضَى" في محلّ رَفْع بالابتداء، و"أحَقّ" خَبره، والجُمْلة خَبَر "دَيْنُ الله"، وقد أوْجَبُوا تقْديم الخبر في مِثْل: "عِنْدي أنّك قَائِم" (٢)، وهي (٣) مَصْدَريّة كـ "أنْ" الخفيفة.
و"يُقْضَى": مَبني للمَفْعُول.
ويحتمل أنْ يكُون "أنْ يُقْضَى" في محلّ جَرّ أو نَصْب، بتَقْدير حَرْف الجر، أي: "أحَقّ بأنْ يُقْضَى"، إذا قَدَّرْت "أحَقّ" بمَعْنى "حَقيق".
قوله: "وفي رِوَايةٍ": أي: "وَجَاءَ في رِوَايةٍ"؛ فيتَعَلّق حَرْف الجرّ [بالفِعْل. والجمْلة] (٤) بعْده الفَاعِل على الحكاية. و"جَاء": تقَدّم الكَلامُ عليها في أوّل هذا الحديث.
قوله: "فقَالَت": معطُوفٌ [على] (٥) " [جَاءَت] (٦) ".
وجملة "مَاتَت": في محلّ خَبر "إنّ".
"وعليها صَوْمُ نَذْر": مُبتدأ، وخَبر. والجمْلة في محلّ الحال من فَاعِل "ماتت". [و"صَوْمُ] (٧) نَذْر": بالإضافة، مِن باب إضَافة الموصُوف إلى صفته (٨)، ويتخَرّج على
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: الكافية في علم النحو لابن الحاجب (ص ١٦).
(٣) أي: "أنَّ" في قوله: "عنْدي أنّك قَائِم".
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "على جملة".
(٦) لا يظهر منها بالأصل إلّا: "الت". وفي (ب): "قالت". والمثبت الصواب، وقد سبق نظيره في كلام ابن فرحون في أوّل الحديث.
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٨) انظر: تحفة الأحوذي (٨/ ٢٦٢)، الإعلام لابن الملقن (٣/ ٣٧٦)، عقود الزبرجد للسيوطي (١/ ٤٥٣)، شرح المفصل لابن يعيش (٢/ ١٦٧ وما بعدها)، توضيح =
[ ٢ / ٣٦٨ ]
أنّ "النّذر" بمَعنى "المنذُور" (١). وإنْ رُوي: " [صَوْم] (٢) نَذْر" كَانَ بَدَلًا.
قوله: "أفَأصُوم عَنْها؟ ": "الهمْزَةُ" للاستفهام، و"الفَاءُ" عَاطِفَة، كما تقَدّم قَبْل.
قوله: "فقَال" النبي - ﷺ -: "أَرَأَيْتِ. . .؟ ". ودَلّ ذِكْرها هُنا على حَذْفها في الحديثِ الذي قَبْل.
[الحديث التاسع] (٣):
[١٩١]: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: "لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ" (٤).
قوله: "أنّ رسُولَ الله - ﷺ -": جملة في محلّ المفعُول الذي لم يُسَمّ فَاعِله لمتعلّق "عَن". وجملة "قَالَ" في محلّ خبر "أنَّ".
وجملة "لا يزالُ النّاسُ بخَير": في محلّ معمُول القَول.
و"يزال" هُنا أصلُها "زَول"، بكسر "الوَاو" في الماضي، من باب "خَاف يخَاف". وهي مِن أخَوَات "كَان"، ترفَع الاسم وتنْصب الخبر.
_________________
(١) = المقاصد والمسالك (٢/ ٧٩٧).
(٢) انظر: أسنى المطالب في شرح روض الطالب، لزكريا الأنصاري، (١/ ٥٨٦)، حاشية البجيرمي على شرح المنهج (٢/ ٨٢).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) سقط من النسخ، وبموضعها: "قوله". وترتب على هذا السهو والسقط أنْ رَقّم الناسخ الحديثين التاليين لهذا الحديث بالتاسع والعاشر، وسوف يتغير الترقيم لهذا. وقد راجعتُ إحالات المصنف؛ فوجدته في الحديث العاشر من (باب الرهن وغيره) يحيل عند الكلام على "ما" الظرفية المصدرية في قوله: "ما عشت" على الحديث التاسع هُنا. فتنبه.
(٥) رواه البخاري (١٩٧٥) في الصوم، ومسلم رقم (١٠٩٨) في الصيام.
[ ٢ / ٣٦٩ ]
بخِلافِ "زال" التي أصْلها "زَوَل" بفَتْح "الوَاو"، فإنّ مُضَارعها "يزول"، فهَذه لا عَمَلَ لها إلا كَسَائِر الأفْعَال. (١)
والتي مِن أخَوَات "كَان" لا تأتي إلّا بَعْد نَفْي أو نَهي. (٢) فالنّفي: كما تقَدّم. والنّهي: كقَوْل الشّاعر:
صَاحِ شَمِّرْ وَلَا تَزَلْ ذاكِرَ الْمَوْ تِ فَنِسْيَانُهُ ضلَالٌ مُبِينُ (٣)
واسم "زال": "النّاس"، والخبر في "بخَير".
و"الخير": هنا، واحدُ "الخيور"، وليس "أفْعَل التفضيل" (٤). ويحتمل أنْ يكُون المراد: "بخَير مَا أتى به غَيرهم من [الأمَم] (٥) ".
وقَد تقَدّم الكَلامُ على "خَير" في الثّامِن من "باب الجنابة". وتقَدّم ذِكْر "النّاس" في السّابع من "الإمامة".
ويجُوز أنْ [يكُون] (٦) "لا يزالُ" جَوَابًا لقَسَم مُقَدّر، أي: "والله لا يزال".
_________________
(١) انظر: أوضح المسالك (١/ ٢٣٢)، الجزولية (ص ١٠٤)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٢٤٠)، شرح الأشموني (١/ ٢٣٧)، شرح التصريح (١/ ٢٣٧)، شرح التصريف للثمانيني (ص ٤٣٧)، لسان العرب (١١/ ٣١٣، ٣١٦ وما بعدها)، تهذيب اللغة (١٣/ ١٧٣ وما بعدها)، تاج العروس (٢٩/ ١٥٢، ١٥٥)، النحو الوافي (١/ ٥٦٢ وما بعدها).
(٢) انظر: توضيح المقاصد (١/ ٤٩٢، ٥١٥)، شرح الأشموني (١/ ٢١٩ وما بعدها)، شرح قطر الندى (ص ١٢٧ وما بعدها)، علل النحو (ص ٢٤٧ وما بعدها)، الجزولية (ص ١٠٢، ١٠٤)، اللمحة (٢/ ٥٦٩ وما بعدها)، همع الهوامع (١/ ٤١٠).
(٣) البيتُ من الخفيف، وهو بلا نسبة. انظر: المعجم المفصل (٨/ ١٣٢).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٣٨)، (٣/ ٥٥)، (٨/ ٢٥٦)، إرشاد الساري (٤/ ٤١٩)، مرقاة المفاتيح (٨/ ٣١٢٧)، لسان العرب (٤/ ٢٦٤).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٣٧٠ ]
قوله: "مَا عَجّلوا": "مَا" هُنا ظَرْفيّة مَصْدَريّة، نحو قوله تعالى: ﴿مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]. واختُلف فيها، فقيل: إنّها اسم مُقَدّر بالمدّة. وقيل: حَرْف. وهي مَوْضُوعَة لما لَا يَعْقِل. (١)
و"عَجّلوا": في محلّ جَرّ، إذا قُدّرَت "مَا" بالمدّة.
الحديث [العاشر] (٢):
[١٩٢]: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَهُنَا: فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ" (٣).
قال الشّيخُ "تقيّ الدّين": الإقبالُ والإدْبار مُتلازِمَان - أعني: إقبال [الليل] (٤) وإدبار النّهار - وقد يكُون أحدهما أظْهَر للعَين في بعْض المواضع؛ فيُستدلّ بالظّاهر [على الخفي] (٥). (٦)
قوله: "إذا أقْبَل الليل": فِعْل، وفَاعِل.
و"الليل": واحد بمعنى الجَمْع، واحده: "لَيْلَة"، مثل: "تمْرة وتمْر". وقَد جُمِع (٧)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٢/ ٥٠٩، ٥٢٨)، (٣/ ٢٢٣)، (٤/ ٥٧٠)، (٥/ ٣٧٦)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٣٦٨)، (٥/ ٣١٠)، مُغني اللبيب (ص ٤٠٢، ٤٠٥)، شرح الأشموني (١/ ٧٥)، شرح قطر الندى (ص ١٢٩)، شرح شذور الذهب (١/ ٣٦٥)، همع الهوامع (١/ ٤٢٩، ٤٣٠)، دليل الطالبين لكَلام النحويين (ص ٨٨ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٦٣)، النحو الوافي (١/ ٣٥٤).
(٢) بالنسخ: "التاسع". وقد مر في الحديث السابق سبب التغيير.
(٣) رواه البخاري (١٩٤٥) في الصوم، ومسلم (١١٠٠) في الصيام.
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "على الخافي".
(٦) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٢٧).
(٧) أي: لفظ "ليلة". وراجع: البحر المحيط (٢/ ٦٢).
[ ٢ / ٣٧١ ]
على " [ليالي] (١) "، فزادوا فيها "الياء" على غير قياس. ونظيره: "أهْل، [وأهَالي] (٢) ". (٣)
قال في "الصّحاح": يُقَال: كَان الأصْلُ فيها: "ليلاة"، فحُذفَت؛ لأنّ تصغيرها هنا "لُيَيْلَيَة".
و"لَيْلٌ ألْيَل": شَدِيدُ الظُّلْمَة، و"لائل" أيضًا، مثل قولك: "شِعْرٌ شَاعِر" في التّأكيد.
قال الكسائي: ويُقال: "عاملته مُلايَلَةً"، كما تقُول: "مُياوَمَة". (٤)
قوله: "مِن ههنا": "مِن" لابتداء الغَاية. (٥)
و"هُنا": ظرْفُ مكان، يُشَار به للقريب، و"هَنّا" بفتح "الهاء" وتشديد "النون"، و"هِنَّا" بكسر "الهاء" وتشديد "النون"، لُغَات. و"ههنا": [زِيدَ] (٦) فيه "هاء" التنبيه. ويُقَال: "هنالك". (٧)
_________________
(١) كذا بالنسخ. وفي بعض المصادر: "ليال".
(٢) كذا بالنسخ. وفي بعض المصادر: "وأهال".
(٣) انظر: الصحاح للجوهري (٥/ ١٨١٥)، لسان العرب (١١/ ٦٠٨)، المخصص (٤/ ٢٧١)، شرح المفصل (٣/ ٢٦٢ وما بعدها)، خزانة الأدب (٨/ ٩٢ وما بعدها، ٩٨)، تاج العروس للزبيدي (٢٨/ ٤٥).
(٤) انظر: الصّحاح (٥/ ١٨١٥)، تهذيب اللغة (١٥/ ٣١٨).
(٥) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢٢، ١٨٩)، الكتاب (٤/ ٢٢٤)، المقتضب (١/ ٤٤)، الأصول لابن السراج (١/ ٤٠٩)، الجنى الداني (ص ٣١١، ٣١٢)، اللمحة (١/ ٤٢٦ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ١٣٩)، (٢/ ٩٣٤)، شرح الأشموني (٢/ ٣٠١)، شرح التسهيل لابن مالك (٣/ ١٣٦)، المفصل (ص ٣٧٩)، المقدمة الجزولية (ص ١٢٤)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٧١).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٢١)، شرح الأشموني (١/ ١٢٣ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ١٤٧)، النحو الوافي (١/ ٣٢٨، ٣٣٨).
[ ٢ / ٣٧٢ ]
قال ابنُ عطية في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الأحزاب: ١١]: إنّها ظرفُ زَمان. (١)
ولم يتعَقّب عليه أبو حيّان (٢)؛ لأنّه المرَاد، وعليه المعنى.
قوله: "وأدْبر النهار": فعْل، وفَاعِل.
قال صاحبُ "الصّحاح": "النّهار" ضدّ "الليل"، ولا يُجمَع، كما [لا] (٣) يُجمَع "العَذاب" و"السّراب"، فإنْ جمعته قُلت في قليله: "أنْهُر"، وفي الكثير: "نُهُر"، مثل "سَحَاب وسُحُب". (٤)
و"دَبَرَ" و"أدْبَر"، بمَعنى. وقد قُرئ بهما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ (٥) [المدثر: ٣٣]. (٦)
وقد تقَدّم الكَلامُ على "إذا" في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب.
و"الفَاءُ" في قوله "فقد أفْطَر الصّائم" جَواب الشّرط. والألف واللام في "الصّائم" للجنس.
_________________
(١) انظر: تفسير ابن عطية (٤/ ٣٧٣).
(٢) انظر: البحر المحيط (٨/ ٤٥٩).
(٣) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
(٤) انظر: الصحاح (٢/ ٨٣٩، ٨٤٠)، لسان العرب (٥/ ٢٣٨).
(٥) قال أبو حيان: "قرأ ابن عَبَّاسٍ وابن الزُّبَيْرِ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وابن يَعْمُرَ وأبو جَعْفَرٍ وشيبةُ وأبو الزناد وقتادة وعمر بن عبد الْعَزِيزُ وَالْحَسَنُ وطلحة والنحويان والابنان وأبو بكر: إِذَا ظرف زمان مستقبل دَبَرَ بفتح الدال. وابن جبير وَالسُّلَمِيُّ وَالْحَسَنُ: بخِلاف عنهم. وابنُ سيرينَ وَالْأَعْرَجُ وزيد بن عَلِيٍّ وأبو شَيْخٍ وابن مُحَيْصِنٍ ونافع وَحَمْزَةُ وَحَفْصٌ: إِذْ ظرف زمان مَاض، أَدْبَرَ رباعيا، والْحَسَنُ أيضًا، وأبو رَزِينٍ وأبو رَجَاءٍ وابن يَعْمُرَ أيضًا، والسلمي أيضًا، وطلحة أَيضًا. والْأَعْمَشُ ويونس بن عُبَيْدٍ وَمَطَرٌ: إذا بالألف، أَدْبَرَ بالهمز، وكذا هو في مصحف عَبْدِ اللَّهِ وَأُبَيٍّ، وهو مناسب لقوله: إِذا أَسْفَرَ". انظر: البحر المحيط (١٠/ ٣٣٥).
(٦) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٣٣٥)، العين (٨/ ٣٢)، لسان العرب (٤/ ٢٧٠).
[ ٢ / ٣٧٣ ]
و"أفْطَر": بمَعْنى: "دَخَلّ في الفِطْر". (١)
قال الشّيخُ "تَقِيّ الدّين": وتكُون الفَائدة على الأوّل: أنّ الليلَ غير قابل للصوم، وأنه بنفس دخوله خرج الصائم [من الصّوم] (٢) الحسي، فلو أمْسَك حِسًّا فهو مُفطِر شَرْعًا. وفائدته: إبطالُ الوصال.
وتكُون الفائدة على الثّاني: ذكرُ العَلامة التي [بها] (٣) يحصل جواز الإفطار، وإسنادُ الإقبال والإدبار إلى الليل والنهار مَجَاز. (٤)
الحديث [الحادي عشر] (٥):
[١٩٣]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ -، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ الْوِصَالِ. قَالُوا: إنَّكَ تُوَاصِلُ. قَالَ: "إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إنِّي أُطْعَمَ وَأُسْقَى" (٦).
وَلِمُسْلِمٍ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ؛ فَلْيُوَاصِلْ إلَى السَّحَرِ" (٧).
قوله: "عن الوصال": تقَدّم الكَلامُ على "عن" في الحديث الثّالث من "باب الصفوف"، وفي الحادي عشر من "صفة الصّلاة". ويتعَلّق هُنا بـ "نَهْى".
قال في "الصّحاح": يُقَال: "وَاصَله، مُواصَلةً، ووصَالًا"، ومنه: "المواصَلَة في الصّوم وغيره". (٨)
_________________
(١) انظر: سُبل السلام للصنعاني (١/ ٥٦٦).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٢٧)، سُبل السلام للصنعاني (١/ ٥٦٦).
(٥) بالنسخ: "العاشر". وقد مر في الحديث قبل السابق سبب التغيير.
(٦) رواه البخاري (١٩٦٢) في الصوم، ومسلم (١١٠٢) في الصيام.
(٧) رواه البخاري (١٩٦٣) في الصوم (١٩٦٧) ولم أقف عليه في مسلم.
(٨) انظر: الصحاح (٥/ ١٨٤٣).
[ ٢ / ٣٧٤ ]
قوله: "إنَّك تُواصل": "إنّك": "إنّ"، واسمها، وخبرها. وكُسرت "إنّ" لأنّها بعد القَول (١).
قوله: "قَالَ": أي: "النبي - ﷺ -". "إني لَسْتُ كهيئتكم": "لستُ" في محلّ خبر "إنّ". و"كهيئتكم" تتعلّق بخَبر "ليس"، أي: "كائنًا كهيئتكم".
وإنْ جَعَلت "الكَاف" اسمًا؛ كان مَا بعدها مجرورًا بالإضافة، والمراد: "مثلكم"، كما جَاء مُبينًا في رواية "مُسْلم": "إِنَّكُمْ لَسْتُمْ فِي ذَلِكَ مِثْلِي" (٢). (٣)
و"الهيئة": بفتح "الهاء" وكسرها. (٤)
قيل: إنّه - ﷺ - أُكْرِم بذَلك. والكَلامُ على ظاهره، يُطْعَم ويُسْقَى.
وقال "مُحيي الدّين النّووي": لو كان حقيقة لم يكن مُواصِلًا. ويُقوِّي ذلك: قوله في الرّواية الأخْرَى: "إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي" (٥)، ولفظ "ظَلّ" لا يكُونُ إلّا في النّهار بلا شَكّ.
قال القَاضي: يحتمل أنْ يكُون كِنَاية عن القُوّة التي جَعَلها الله تعالى له، حتى يكُون كمَن فُعِلَ مَعه ذَلك. (٦)
_________________
(١) انظر: شرح التسهيل (٢/ ١٨ وما بعدها)، المقدمة الجزولية (ص ١٢١)، شرح ابن عقيل (١/ ٣٥٣ وما بعدها).
(٢) صَحيح مُسلم (١١٠٣/ ٥٨).
(٣) انظر: الكواكب الدراري (٩/ ٩٨)، الإعلام لابن الملقن (٥/ ٣٢٠).
(٤) انظر: الإعلام لابن الملقن (٥/ ٣٢٠)، الصّحاح (١/ ٨٥)، لسان العرب (١/ ١٨٩)، تاج العروس (١/ ٥١٩).
(٥) مُتفقٌ عليه: البخاري (٧٢٤١) ومُسلم (١١٠٤/ ٦٠) من حديث أنس.
(٦) انظر: شرح النووي على مُسلم (٧/ ٢١٢، ٢١٣)، إكمال المعلم بفوائد مسلم (٤/ ٣٩)، إرشاد الساري (٣/ ٣٩٧)، (١٠/ ٣٦، ٢٨٤)، المنتقَى شرح الموطأ للباجي (٢/ ٦٠)، طرح التثريب للعراقي (٤/ ١٣٢ وما بعدها)، الإعلام لابن الملقن =
[ ٢ / ٣٧٥ ]
والجمْلة من "ليس" واسمها وخبرها في محلّ خبر "إنّ".
وجملة "أُطْعَم" في محل خَبر "إنّ"، "وأُسْقَى" معطُوفٌ عليه، وهُما مَبينان لما لم يُسَمّ فَاعِله.
قوله: "ولمسْلِم": أي: "ويُروَى لمسْلم" أو "جَاء لمسْلم"، فيتعلّق حَرف الجر بالمقَدّر. وتكُون جملة: "عَن أَبِي سَعيد الخُدري. . . إلى آخر الحديث" في محلّ رَفْع بالمتعَلّق به حَرْف [الجر] (١).
قوله: "فأيّكُم": مُبتدأ، وخَبره جملة "أراد".
والمبتدأ واجبُ التقديم؛ لأنّه من أسْماء الاستفهام. وقد تقَدّم ذكرُ المواضع التي يجب فيها تقْديم المبتدأ (٢) في السّابع من "كتاب الصّيام".
قوله: "أنْ يُوَاصِل": [في محلّ] (٣) مفعُول" أرَاد"، أي: "أرَاد الوصَال".
ول "أَيّ" أقْسَام مَذْكُورة في الثّالث مِن "التيمّم".
و"إلى السَّحَر": يتعَلّق [بـ "يُوَاصِل"] (٤).
***
_________________
(١) = (٥/ ٣٢١)، كشف المشْكل من حَديث الصحيحين (٢/ ٥٤٥ وما بعدها)، سُبل السلام (١/ ٥٦٦).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٦٢)، أوضح المسالك (١/ ٢٠٥ وما بعدها)، (٢/ ٢٥٩)، شرح التصريح (١/ ٢١٣ وما بعدها، ٥٨٢)، شرح التسهيل (١/ ٢٩٦ وما بعدها)، شرح الأشموني (١/ ١٩٩ وما بعدها)، دليل الطالبين (ص ٤١)، همع الهوامع (١/ ٣٨٤ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٦٦)، النحو الوافي (١/ ٤٩٧ وما بعدها).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٣٧٦ ]
بَاب أفْضَل الصّيَام وغَيره
الحديث الأوَّل:
[١٩٤]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵄ -، قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنِّي أَقُولُ: وَاللهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ. (١) فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. فَقَالَ: "فَإِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؛ فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ". قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ". قُلْتُ: أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا؛ فَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ دَاوُد، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ". فَقُلْتُ: إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. [قَالَ: "لا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ] (٢) ". (٣)
وَفي رِوَايَةٍ: "لا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ (٤) دَاوُد، شَطْرَ الدَّهْرِ، صُمْ يَوْمًا، وَأَفْطِرْ يَوْمًا" (٥).
[قوله] (٦): "قال: أُخبر": الفِعلُ مبني لما لم يُسَمّ فاعله. و"رَسُول الله" [مفعوله] (٧) القائم مَقَام الفَاعِل. وتقَدّم الكَلامُ على "أخْبر" و"خَبّر" في الخامس من
_________________
(١) سقط هنا من النسخ: "فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: أَنْتَ الَّذِي قُلْتَ ذَلِكَ؟ "، وهو موجود في أكثر نُسخ "العُمدة". ولم أثبته؛ لأنّه هو الذي شرح عليه ابن فرحُون، ولأنه غير موجود بنسخة "العُمدة" (ط المعارف، ص ١٠٢)، ولا في إحدى روايات "البخاري" (١٩٧٦).
(٢) سقط من النسخ.
(٣) رواه البخاري (١٩٧٦) في الصوم، ومسلم (١١٥٩) في الصيام.
(٤) في أكثر نُسخ "العُمدة": "صَوم أخي". وليست في "البخاري" (١٩٨٠، ٦٢٧٧) ولا "مسلم" (١١٥٩/ ١٩١). وانظر: العُمدة (ط الثقافة، ص ١٤٠)، والعمدة (ط المعارف، ص ١٠٢)، وإحكام الأحكام (٢/ ٢٩) والإعلام لابن الملقن (٥/ ٣٣٠).
(٥) رواه البخاري (١٩٧٩) في الصوم، (٦٢٧٧) في الاستئذان.
(٦) كشط بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "مفعول".
[ ٢ / ٣٧٧ ]
"فضْل الجماعة".
وهي إحْدى الأفعَال المتعَدّية إلى ثَلاثة: وهي "أعْلَم" و["أرَى"] (١) و"أنْبَأ" و"نَبّأ" و"حَدّثَ". (٢)
وهُنا سَدّت "أنّ" المفتُوحَة مَسَدّ المفعُول الثّاني. أو يكُون "أُخبر" مُتعدّيًا بـ "الباء"، أي: "أُخبر بأنَّ"، ثُم حُذِف حَرْف الجر.
وجملة "أقُول" في محلّ خَبر "أنّ".
قوله: "والله لأصُومَنَّ": جملةُ القَسَم وجوابه معْمُولة القَول. وتقَدّم ذكرُ حروف القَسَم في العاشر من "الصّلاة". وتقَدّم جَواب القَسَم في العاشر من "كتاب الصّلاة"، وفي الثّاني من "باب الصّفوف".
و"النَّهار" و"الليل": منْصُوبان على السّعَة، أي: "في النّهار" و"في الليل"؛ لأنّ الفِعْلين لا يتعَدّيان إلى مفْعُول به.
قوله: "مَا عِشْتُ": "مَا" مَصْدَريّة ظَرْفيّة (٣). وقد تقَدّمت قريبًا في الحديث التَّاسع (٤).
_________________
(١) بالنسخ: "علم". وليست "علم" من الأفعال السبعة التي تتعدّى لثلاثة، إلا على قول الحريري وابن معط، وقد ضُعّف، كما في "توضيح المقاصد" (١/ ٥٧٢ وما بعدها).
(٢) انظر: شرح التسهيل (٢/ ١٠٠ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٦٨١)، المفصل (ص ٣٤١ وما بعدها)، شرح المفصل (٤/ ٣٠١ وما بعدها)، اللمحة (١/ ٣٣٠)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٥٧٢ وما بعدها)، شرح ابن عقيل (٢/ ٦٤ وما بعدها)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٤٨٤)، شرح التصريح (١/ ٣٨٦ وما بعدها)، مُعجم الصواب اللغوي (١/ ٢٢)، جامع الدروس العربية (١/ ٤٥).
(٣) انظر: شرح الأشموني (١/ ٧٥)، مُغني اللبيب (ص ٤٠٢، ٤٠٥)، العُمدة في إعراب البردة (ص ٦٦)، شرح قطر الندى (ص ١٢٩)، شرح شذور الذهب (١/ ٣٦٥)، همع الهوامع (١/ ٤٢٩، ٤٣٠)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٦٣).
(٤) هو دليل صحة التعديل في ترقيم الأحاديث بالباب السابق.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
قوله: "فقُلتُ له: قد قُلتُه": في الكَلام اقتضَابٌ يدُلّ عليه السّياق، أي: "فقيل للنبي - ﷺ - ذلك، فقال لي: أنت قُلته؟ فقال عبد الله: قد قُلته". (١)
قوله: "بأبي أنت وأمّي": حرفُ الجر يتعلّق بمحْذُوف، تقديره: "أفديك بأبي" (٢)، وتكُون "أنت" [تأكيدًا] (٣) للكَاف في "أفديك". و"أمّي" معطوفٌ على "أبي".
وتأكيدُ الضّمير المنصُوب بالضّمير المرفُوع جَائزٌ، منه قَوله تعَالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] (٤). (٥)
ويجوز أن تكون "أنت" مُبتدأ، والخبرُ في جُملة "أفْديك" مُتقَدّم محذُوف، أي: "أنتَ أفْديك بأَبي". وهَذا مِن كَمال حُسْن الأدَب عِنْد خِطَاب النبي - ﷺ -.
وقَدّم الأب على الأُم؛ لأنّ تعَلّق الوَلَد بوَالِده وتوَقّعه لنُصْرَته لا يُوجَد في الأُم. والعَرَبُ تقَدّم عند الخطاب هَذَا ومثله؛ استعطافًا واستجلابًا وتَوْطِئَةً.
فإنْ قُلْت: فقَد قَدّم قُبيل هَذا "قد قُلتُه يَا رَسُولَ الله"، ولم يَذكُر "بأبي أنْتَ وأُمّي". فالجوَاب: أنّه آثَرَ سُرعَة [إجابة] (٦) النبي - ﷺ - فيما سَأَل عنْه، [ثُم] (٧) أتَى بما
_________________
(١) سبق أنّ أكثر نُسخ متن "عُمدة الأحكام" فيها: "فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: أَنْتَ الَّذِي قُلْتَ ذَلِكَ؟ ". والله أعلم.
(٢) انظر: الزاهِر في مَعاني كَلمات النّاس، لأبي بكر الأنباري، (١/ ١٦٢).
(٣) بالنسخ: "تأكيد".
(٤) وكذا ورَدَت في سورة [غافر: ٨] وسورة [الممتحنة: ٥].
(٥) انظر: البحر المحيط (١/ ٦٢٥)، شرح المفصل (٢/ ٢٢٥)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٩٨٦)، أوضح المسالك (٣/ ٣٦٨)، الصبان (٣/ ١٢٣)، همع الهوامع (١/ ٢٧٨)، (٣/ ١٨٢)، النحو الوافي (٣/ ٤٣٦).
(٦) سقط من النسخ. ولعل الصّواب المثبت.
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٣٧٩ ]
هُو في نيته مُقَدّمًا، وهُو نَوْعٌ آخَر مِن الأَدَب.
قوله: "فَقَالَ": أي: "النبي - ﷺ -". "فإنّك لا تسْتَطيعُ ذَلك": الجمْلة معمُولة للقَول. وجملة "لا تستطيع" خبر "إنّ"، و"ذلك" مفعُول بـ "تستطيع".
وتقَدّم الكَلامُ على "إنّ" ومَواضِع كَسْرها في الرّابع من الأوّل.
وتقدّم الكَلامُ على "لا" في الثّاني من "باب الاستطابة".
وتقَدّم الكَلامُ على اسم الإشَارة في الثّالث من "باب استقبال القبلة".
قوله: "فصُم وأفْطِر، وقُم ونَم": "فصُم": "الفَاءُ" سَبَبيّة.
هذه الأفعَال الأرْبعة كُلّها لازِمَة، غير مُتعَدّية إلى مفْعُول به؛ لأنّها أوْصَافٌ غير ثابتة. وقَد تقَدّم المتعَدّي وغير المتعَدّي مِن الأفْعَال في الخامس من "باب فَضْل الجماعة".
قوله: "من الشّهر": يتعلّق بـ "صُمْ" الآخرة.
وإنما أعاد ذِكْر الصّيام؛ لبُعْدِه من مُتعلّقه؛ فيُحمَل الأمر الأوّل على النّدب على ما ينبغي له ولغيره في أحْواله [وحالاته] (١) مُدّة حَيَاته، ثم ذَكَر مَا يختصّ بعَبد الله بن عَمرو - ﵁ -، فقال: "صُم من كُلّ شَهْر ثلاثة"، [أنّث] (٢) العَدَدَ؛ لأنّ الأيّام مُذَكّرة.
وتقَدّم الكَلامُ على "يَوم" في الحديثِ الثّالث مِن "الاستطابة". وتقَدّم الكَلامُ على العَدَد في الثّالِث من "التيَمّم".
قوله: "فإنّ الحسَنة بعَشْر أمثَالها": أنَّثَ "عَشْرًا" رَعْيًا للمَوصُوف المحذُوف،
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "ذَكّر".
[ ٢ / ٣٨٠ ]
أي: "فله عشر حَسَنات". (١)
ونظيره في التذْكير: "مَرَرتُ بثَلاثة نَسّابات"؛ رَاعَى الموصُوفَ المحذُوف، أي: "بثَلاثةِ رجَال نسّابات". (٢)
وقَال "أبو عَليّ" وغَيره: أُنّث؛ لإضَافَة "الأَمْثَال" إلى مُؤَنّث، وهُو ضَمير "الحسَنَات"؛ فيَكُون كقَوله: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ [يوسف: ١٠]. (٣)
وزَاد "أَبُو البَقَاء" في الآيَة (٤): لأَنّ "الأمْثَال" في المعْنَى مُؤَنّثة؛ لأنّ مِثلَ الحسَنَة حَسَنَة. (٥) وقُرِئ في الآيَة: "عَشْرٌ أَمْثَالُهَا" (٦)؛ رُفِع على الصّفَة لـ "عَشْر". (٧)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ٧٠٢)، تفسير الزمخشري (٢/ ٨٣)، الإعلام لابن الملقن (٥/ ٣٣٩ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٦٦٦).
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٧٠٢).
(٣) انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٦٦، ٧٠٢)، (٦/ ٢٤٤)، (٧/ ٢٥٥)، اللباب في علوم الكتاب (٧/ ٢٢٦)، (٨/ ٧٣)، الإعلام لابن الملقن (٥/ ٣٤٠)، اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ١٠٤، ١٠٥)، مغني اللبيب (ص ٦٦٦)، الخصائص (٢/ ٤١٧)، توضيح المقاصد (٢/ ٧٩٥)، سر صناعة الإعراب (١/ ٢٧)، شرح الأشموني (٢/ ١٣٦، ١٣٧)، الصبان (٢/ ٣٧٣)، همع الهوامع (٢/ ٥١١، ٥٩٩). وقال أبو حيان: "قرأ الْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وأبو رَجَاءٍ: تَلْتَقِطْهُ، بتاء التأنيث، أُنِّث على المعنى". انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٤٤)، الخصائص (٢/ ٤١٧).
(٤) أي: قَوله تعالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
(٥) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٤٢٣، ٥٥٢)، البحر المحيط (٤/ ٤٦٦، ٧٠٢)، اللباب في علوم الكتاب (٧/ ٢٢٦)، (٨/ ٧٣).
(٦) من سُورة [الأنعام: ١٦٠]. قال أبو حيان: "قرأ الْحَسَنُ وابن جُبَيْرٍ وَعِيسَى بن عُمَرَ وَالْأَعْمَشُ وَيَعْقُوبُ وَالْقَزَّازُ عن عَبْدِ الْوَارِثِ عَشْرٌ بالتنوين، أَمْثَالُهَا بالرفع على الصفة لِعَشْرٍ". انظر: البحر المحيط (٤/ ٧٠٢).
(٧) انظر: البحر المحيط (٤/ ٧٠٢)، تفسير الزمخشري (٢/ ٨٣)، اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ١٠٤، ١٠٥).
[ ٢ / ٣٨١ ]
قوله: "وذَلِك مِثْل صِيَام الدّهْر": تقَدّم الكَلامُ على "مِثْل" في الحديث الرّابع مِن "بَاب الأذَان".
قوله: "قُلتُ: [إنّي] (١) أطيق أفْضَل مِن ذَلك": ضَميرُ "قُلتُ" لـ: "عبد الله بن عَمرو". و"أفْضَل": أفْعَل تفْضيل. و"مِن": مُتَعَلّقة به، ومَعْنَاها: التبْعِيض، وقيل: لابتِدَاءِ الغَايَة (٢). و"أفْضَل": صِفَة لموصُوف محْذُوف، أي: "أطيقُ صِيامًا أفْضَل".
قوله: " [إنّي] (٣) أُطِيقُ أفْضَل": جملةٌ محْكيّة بالقَوْل. وجملةُ "أُطيق. . ." في محلّ خَبر "إنّ".
قوله: "قَالَ: فصُم يَوْمًا": أي: "قَالَ النبي - ﷺ -".
"صُمْ يَوْمًا": "صَام" يتعَدّى إلى ظَرْفه وإلى مَصْدَره، ولا يتعَدّى إلى مفْعُول به. [فـ] (٤) "يَومًا": ظَرْفُ زَمَان، مَعْمُول لـ "صُم".
قوله: "وأفْطِر يَوْمَين": مثله، ظَرْفٌ مُثّنى.
قوله: "قُلتُ: [أُطِيق] (٥) أَفْضَل مِن ذَلك": مِثْل مَا تقَدّم.
قوله: "فَذَلك صِيَام دَاود": التقديرُ: "فذَلك مثلُ صِيام دَاود". (٦) و"داود": لا ينصرفُ؛ للعَلَمية والعُجْمَة (٧).
_________________
(١) كذا بالنسخ. وفي المتن: "فإنّي".
(٢) انظر: البحر المحيط (٦/ ٤٤٧)، (٧/ ١٠٣)، الجنى الداني (ص ٣١١، ٣١٢)، اللمحة (١/ ٤٢٦ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ١٣٩)، (٢/ ٩٣٤)، شرح الأشموني (٢/ ٣٠١)، شرح التسهيل (٣/ ١٣٦).
(٣) كذا بالنسخ. وفي المتن: "فإنّي".
(٤) غير واضحة بالأصل. ويظهر أنّها: "و". والمثبت من (ب).
(٥) بالنسخ: "إني أطيق". وهي ليست بالمتن.
(٦) لا حاجة إلى التقدير؛ لأنه وَرَد في متن الحديث كما قَدّره.
(٧) انظر: البحر المحيط (٢/ ٥٨٠).
[ ٢ / ٣٨٢ ]
قوله: "وهو أفْضَلُ الصّيام": "وهو" مُبتدأ، و"أفْضَل" خبره، و"الصّيام" مُضَافٌ إليه.
واستُعْمِل "أفْعَل" بالإضَافة إلى مَعْرفَة. وقَد تقَدّم أنّه إذا أُضيف إلى مَعْرفة: فإنّ أُوّل "أفْعَل" بما لا تفضيل فيه وَجَبَت المطَابَقَة، كقَولهم: "النّاقِص والأشَجّ أعْدَلا بني مَروان".
وإنْ كَان على أصْله في إفَادَة المفَاضَلَة: جَازَت المطَابقَة، كقَوله تعَالَى: ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣]، و﴿هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧]، وتَرْك المطَابَقَة، كقَوْله تعَالَى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦]. (١) وتَقَدّم الكَلامُ على "أفْعَل التفضيل" في الحديثِ الأوّل مِن "الصّلَاة".
قوله: "النّاقِص والأشَجّ": "النّاقِصُ": مُعَاوية بن يَزيد (٢)، وكَان مِن الوَرَع
_________________
(١) انظر: أوضح المسالك (٣/ ٢٦٥ وما بعدها)، اللمحة (١/ ٤٢٦ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (٢/ ١١٣٦ وما بعدها)، شرح التصريح (٢/ ٩٥ وما بعدها)، شرح التسهيل (٣/ ٥٣ وما بعدها)، شرح المفصل (٢/ ١٥٦ وما بعدها)، (٤/ ١٢٨)، توضيح المقاصد (٢/ ٩٣٧ وما بعدها)، شرح ابن عقيل (٣/ ١٧٨ وما بعدها)، همع الهوامع (٣/ ٩٥ وما بعدها)، جامع الدروس العَربية (١/ ١٩٧، ١٩٩).
(٢) سبق أنْ بيّنا أنّ المراد بالنّاقصُ: هو يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، وأنه لُقّب بذلك لأنّه نقص أرزاق الجند. وأنّ الأشَجّ: بالشّين المعجَمة والجيم، هو عُمر بن عبد العزيز - ﵁ -، وأنه لُقّب بذلك لأنّ بجبينه أثَر شَجّة مِن دَابّة ضَربته. وانظر في هذا: شرح التصريح (٢/ ١٠٢)، شرح المفصل (٢/ ١٥٩)، شرح شذور الذهب للجوجري (١/ ١٠٣)، (٢/ ٧٢٧)، تاريخ دمشق لابن عساكر (ط دار الفكر، ٧٤/ ١٢٢)، السلوك في طبقات العُلماء والملوك للجُندي اليمني (١/ ١٨٠)، فوات الوفيات لابن شاكر (ط صادر، ٤/ ٣٣٣)، الأعلام للزّركلي (٨/ ١٩٠). ولم يقُل أحَد - فيما رأيتُ - بما قاله ابن فرحُون، غير أنّ "عبد الملك العصامي" أشار في "سَمْط النّجوم العَوالي" (ط دار الكُتب العلمية، ٣/ ٢٠٩) إلى أنّ صَالحي بني مروان هُم: "مُعاوية بن يزيد، وعُمر بن عبد العزيز، ويزيد الناقص"، وهو منه وقُوع =
[ ٢ / ٣٨٣ ]
والعَدْل نهَايَة. و"الأشَجّ": [عُمَر] (١) بن عَبْد العَزيز، ولا تخفَى مَكَانته مِن العَدْل والخيْر.
وسَبَبُ تسْميتهما بذَلك مَذْكُورة عنْد المؤَرّخين. قَالَ ابنُ قُتَيبة: سُمّي "أشَجّ بني مَروان"؛ لأنّه ضربته دَابّة في وَجْهه (٢).
وكان عُمر بن الخطّاب يقُول: "إنّ مِنْ وَلَدِي رَجُلٌ بوَجْهِهِ شَيْنٌ، يَمْلَأُ الأَرْضَ عَدْلًا" (٣). وإنّما قَال عُمر: "مِن وَلَدي"؛ لأنّ أمّ عُمَر بن عبد العَزيز مِن وَلَد عُمر بن الخطاب. (٤)
قوله: "فقُلتُ: إنّي أُطِيقُ أفْضَل مِن ذَلك": مَصْدَر "أطَقتُ الشّيءَ": "إطَاقَة". ويُقَالُ: "هُو في طَوْقِي" أي: "في وسْعِي". (٥)
قوله: "وفي رواية: لا صَوْمَ فَوق صَوْم دَاود، شَطْرَ الدّهْر": حَرفُ الجر يتعلّق بمُقَدّر، أي: "وجَاء في روايةٍ"، أو: "رُوي. . .".
ومحلّ "لا صَوْم. . . إلى آخره" رَفْعٌ، بأَيّهما قَدّرت، إلا أنّ "رُوي" يطلُب مَفْعُولا لم يُسَمّ فَاعِله.
و"لا صَوْم": مثل "لا حَوْلَ" و"لا إله [إلا الله] (٦) ". وقَد تقَدّم في أوّل حَديثٍ مِن "باب التيمم".
_________________
(١) = في نفس الخطأ؛ لأنّ مُعاوية بن يزيد ليس من بني مروان أصْلًا.
(٢) بالأصل: "عمرو".
(٣) انظر: المعارف لابن قتيبة (ص ٣٦٢).
(٤) الأثر رواه ابن سَعد في "الطبقات الكبرى" (ط صادر، ٥/ ٣٣٠). وأخرجه الترمذي في تاريخه، كما ذَكَر السيوطي في "تاريخ الخُلفاء" (ص ١٧١).
(٥) انظر: المعارف لابن قتيبة (ص ١٨٨، ٣٦٢).
(٦) انظر: الصّحاح (٤/ ١٥١٩).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٣٨٤ ]
و"فوق": ظَرْفُ مَكَان. وهي هُنا مَجَاز؛ لأنّ حَقيقة المكَان [غير] (١) مَوجُودة هُنا.
وهَذا كقَوله تعَالَى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥]، أي: "في المكَانة والمنْزِلَة". (٢)
وكذلك "الفَوْقيّة" هُنا بمَعْنى "رَفْع الدّرَجَات" و"الثّوَاب"؛ لأنّ طَلَبَ عَبْد الله بن عَمرو بن العَاص بزيادة العَمَل الزّيادة [في] (٣) الثّواب، فأخْبَرَه النّبي - ﷺ - بأنّه لا فَوقَ هذا الثّواب على هَذا العَمَل الخَفِيف.
قوله: "شَطْر الدّهْر": يجُوز فيه الجرّ على البَدَل مِن "صَوْم داود". ويحتمل الرّفْع، أي: "هُو شَطْرُ الدّهْر". ويحتمل [النّصب] (٤)، بتقدير: "أعْني". أو يكُون ظَرْفًا على بَابه، والعَامِلُ فيه: "صَوْم دَاود"، أي: " [صَام] (٥) شَطْر الدّهْر"، أو التقدير: "كَان يَصُوم شَطْر الدّهْر"، فيكُون ظَرْفًا. (٦)
و"الشّطْر": يُطْلَق على الجِهَة، وعلى النّصف، وعلى الجُزْء. ويُقَال [منه] (٧): "شَطَرَ، شُطُورًا"، أي: "بَعُد"، و"شَطَر إليه": ["أقْبَل"] (٨). و"الشّاطِرُ" مِن الشّباب:
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٢٦٦)، البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ١٧٩)، تفسير الزمخشري (١/ ٣٦٧).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: فتح الباري للعسقلاني (٤/ ٢٢٥)، عُمدة القاري للعَيني (٢٢/ ٢٦٢)، إرشاد الساري للقسطلاني (٣/ ٤٠٩).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٨) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٣٨٥ ]
"البَعيدُ مِن الخير، الذي أعْيَا أهْلَه خُبْثًا". و"الشّاطرُ": "الغَائِبُ عن مَنْزله". (١)
الحديث الثّاني:
[١٩٥]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُد، وَأَحَبَّ الصَّلاةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالى صَلَاةُ دَاوُد، [وكَانَ] (٢) يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفطِرُ يَوْمًا" (٣).
قوله: "أحَبَّ الصّيام": "أحَبَّ" اسم "إنّ"، و"صيام" خبرها.
وقد تقَدّم الكَلامُ على أفعَل التفضيل إذا أُضيف إلى مَعرفة.
و"أحَبّ": مبني من "حبب" مُضَاعفًا. و"الحُبّ": "المحبّة"، وكذلك "الحِبّ" بالكسر. و"الحِبّ": أيضًا "الحبيب"، مثل: "خِدْن، وخَدِين". ويُقَال: "أحبّه"، فهو "مُحَبّ"، و"حَبّه"، "يَحِبُّه" بالكسر، فهو "محبوبٌ". (٤)
قَالَ في "الصّحاح": ومنه:
أُحِبُّ أَبَا مَرْوَانَ مِنْ أجْلِ تَمْرِهِ وأعْلَمُ أَنَّ الرِّفْقَ بالمرْءِ أرْفَقُ
ووَالله لَوْلا تَمْرُهُ مَا حَبِبْتُه وَلَا كَانَ أدْنَى مِنْ عُبَيدٍ ومُشْرِقِ (٥)
_________________
(١) انظر: العين (٦/ ٢٣٣ وما بعدها)، الصّحاح (٢/ ٦٩٧، ٦٩٨)، لسان العرب (٤/ ٤٠٧ وما بعدها)، الكليات للكفوي (ص ٥٣٩).
(٢) كذا بالنسخ، وهو ما في "البخاري" (١١٣١)، وما شرح عليه. وفي نُسخ "العُمدة": "كان"، وكذا في "مسلم" (١١٥٩/ ١٨٩، ١٩٠).
(٣) رواه البخاري (١١٣١) في التهجد، ومسلم (١١٥٩) (١٨٩) في الصيام.
(٤) انظر: الصحاح (١/ ١٠٥).
(٥) البيتان من الطويل. وهما من قول غَيْلانَ بن شُجاع النَّهشَلِي. انظر: لسان العرب لابن منظور (١/ ٢٨٩)، خزانة الأدب للبغدادي (١/ ٨١)، شرح المفصل (٤/ ٤٠٥)، المعجم المفصل (٥/ ٢٢١).
[ ٢ / ٣٨٦ ]
قال: وهذا شَاذّ؛ لأنّه لا يأتي في المضاعَف "يفعِل" بالكسر إلا ويَشركه "يفعُل" بالضَمّ، إذا كَان مُتعدّيًا، ما خَلا هذا الحرف. (١)
قوله: "إلى الله": تقَدّم الكَلامُ على "إلى" في الحديث الثّاني من "باب الوتر". ويتعلّق حَرف الجر بـ "أَحَبّ".
قوله: "وكَانَ ينَام نصْف الليل": "ينَام" في محلّ خبر "كان"، واسمها "ضَميرُ داود".
و"نصْف": ظَرفٌ؛ لأنّه مُضَافٌ إلى "الليل"، وهو مفعُولٌ به على السّعة. و"ثُلثه" مثله؛ لأنّه أُضيف إلى ضَميره، وكذلك "سُدسه". والعَامِلُ فيها كُلّها: الأفْعَالُ قبلها.
و"ثُلثه" و"سُدسه" مع العَامِل فيها معْطُوفان على "ينام"، من باب عَطْف الأفعَال بعضها على بعْض.
قالوا في قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢]: منصوبٌ على الظّرْف، عند البصريين، وإن استغرقه الفِعْل. ومفعُولٌ به، عند الكوفيين؛ لاستغراق الفعل له. (٢) ويجري هذا الخلاف هُنا في الحديث؛ لأنّ قوله: "ينام نصْف الليل" مُستغرق للنّصف، وكذلك قيامه.
قوله: "وكَان يصُوم يومًا": جملة "يَصُوم" في محلّ خَبر "كَان"، واسمها: ضميرُ "النبي - ﷺ -".
و"يومًا": ظرفٌ، وهو مفعُولٌ به على السّعة. والعَامِلُ فيه: "يصُوم". "ويُفطر
_________________
(١) انظر: الصحاح للجوهري (١/ ١٠٥).
(٢) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٣١٢)، شرح التسهيل (٢/ ٢٩٣)، الجنى الداني (ص ٥١٢، ٥١٣)، همع الهوامع (٢/ ٢٦٦ وما بعدها).
[ ٢ / ٣٨٧ ]
يَومًا": معْطُوفٌ عليه. ويجري فيها مَا تقَدّم من مَذْهب الكوفيين، وهو النّصب على المفعُوليّة.
الحديث الثّالث:
[١٩٦]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: "أوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلاثٍ: صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ" (١).
قوله: "قَالَ: أوْصَانِي": جُملة "أوْصَاني" في محلّ نَصْب بالقَول. و"قَالَ" وما عَمِلَت فيه: في محلّ معمُول مُتعلّق حَرف الجر.
و"خَليلي": مَرفُوعٌ بالفِعْل، وعَلامةُ الرّفع ضَمّة مُقَدّرة؛ لأنّه [مما] (٢) أضَافه المتكلِّم إلى نفسه؛ فإعرابه مُقَدّر في الأحوال الثّلاث، عند جمهُورهم. وقيل: هو مَبني مُطلقًا؛ لأنّه أُضيف إلى مَبني. وقيل: في حَالة الجر مَبني، وفي حالتي الرّفع والنّصب مُقَدّر. (٣)
و"خَليلٌ": "فَعِيلٌ" مِن "الخُلّة" بضَمّ "الخَاء"، وهي "الصّدَاقة".
ويكُون "الخليلُ" بمعنى "الفَقير"، مِن "الخَلّة" بالفَتْح، وهي "الحَاجَة". (٤) ومِن ذلك قَول زُهَير:
_________________
(١) رواه البخاري (١٩٨١) في الصوم، ومسلم (٧٢١) في صلاة المسافرين.
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: شرح التسهيل (٣/ ٢٧٩)، شرح الأشموني (٢/ ١٩٧)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٩٩٩ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٨٣٤)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٦٧)، التبيين عن مذاهب النحويين (ص ١٥٠)، أوضح المسالك (٣/ ١٦٤).
(٤) انظر: الصّحاح (٤/ ١٦٨٧)، لسان العرب (١١/ ٢١٦، ٢١٧، ٢١٨)، القاموس المحيط (ص ٩٩٤)، المطلع (ص ٥١٦)، المصباح المنير (١/ ١٨٠).
[ ٢ / ٣٨٨ ]
وإنْ أتَاهُ خَليلٌ يومَ مَسْألَةٍ يَقولُ لَا غائِبٌ مَالِي وَلَا حَرِمُ (١)
ويجمَع "خَليل" على "أخِلّاء". قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ﴾ [الزخرف: ٦٧]. وفي جمعه على "أخِلّاء" دَليلٌ على أنّه "فعيل" بمعنى "فَاعِل" (٢)، لكن "فعيل" بمعنى "فَاعِل" يُجمَع على "أفعلاء"، كـ "أشداء". (٣)
قوله: "بثَلَاثٍ": "البَاءُ" للتَّعْدية (٤).
و"ثَلاث": عَدَدٌ مُؤَنّث؛ لأنّه أرَادَ "الخِصَال". وتقَدّم الكَلامُ على العَدَد في الحديث الثّالث من "التيمّم".
قوله: "صيام ثَلاثَة أيّام": يجوز فيه الجرّ على البَدَل، والرّفْع على القَطْع، والنّصب بتَقْدير "أعني".
_________________
(١) البيتُ من البسيط. وهو لزهير بن أبي سلمى يَمدح هَرِمَ بن سِنان. وفيه استُعمل الخليل بمعنى المحتاج أو الفقير. والحَرِم: الحِرمَان. انظر: العين (٤/ ١٤١)، لسان العرب (١٢/ ١٢٨)، خزانة الأدب (٩/ ٤٧)، تهذيب اللغة (٦/ ٣٠٢)، تاج العروس (٢٨/ ٤٢١)، المعجم المفصل (٧/ ١٦٧).
(٢) لكن ما في المصادر يُصرّح بأنه "فعيل" بمعنى "مفاعل"، وأنه قد يكون بمعنى "مفعول". وانظر: لسان العرب لابن منظور (١١/ ٢١٧).
(٣) راجع: الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (٢/ ٦٢٠)، شرح المفصل (٣/ ٢٨٤)، شرح الكافية الشافية (٤/ ١٨٦٢)، اللمحة (١/ ٢١٤)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٤٠٠)، همع الهوامع (٢/ ٣٦٠)، لسان العرب (١١/ ٢١٧)، الممتع الكبير في التصريف (ص ٣٣٠)، المصباح المنير (١/ ١١٧).
(٤) انظر: الجنى الداني (ص ٣٧، ٣٨)، أوضح المسالك (٣/ ٣١ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ١٣٧ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ٨٨ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٦٤٦ وما بعدها)، الهمع (٢/ ٤١٧ وما بعدها)، شرح التسهيل (٣/ ١٤٩)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٧٥٦)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٦٩).
[ ٢ / ٣٨٩ ]
وتقَدّم الكَلامُ على "أيام" -[وإنّها] (١) جمعُ "يَوم"، جمْع قِلّة - في "باب الاستطابة" في الحديث الثّالث. وأصْله (٢): "أيْوَام"، اجتمعت "اليَاء" و"الواو"، وسَبَقَت "اليَاء" بالسّكُون؛ [فقُلبت] (٣) "الواو" "ياءً"، ثم أُدغِمَت في "اليَاء". (٤)
قوله: "مِن كُلّ شَهْر": تقَدّم في الحديث الأوّل من الكتاب الكَلام على "كُلّ". وأُضيف "كُلّ" ههنا إلى نَكِرة، ومتى أُضيفت إلى نَكِرة كَانَ تابِعَها جَارٍ على ما أُضيفَ إليه، قَال تعَالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. (٥)
وحَرْفُ الجر يتعَلّق بصفة لـ "أيّام"، أيْ: "كَائنًا مِن كُلّ شَهْر".
وتقَدّم الكَلامُ على "شَهْر" في الحديثِ الثّالث مِن "الصّوم في السّفر".
قوله: "ورَكعتي الضُّحى": أي: "وصَلاة ركعتي". وهو معطوفٌ على "صيام"، يجري معه في جَرّه ونَصْبه، ويُمنَع فيه الرّفع؛ لأنّ الرّوَايَة يجب اتباعها، وهذا يُضعِف تقْدير الرّفع في المعطُوف عليه. وفي الكَلام حَذف مُضَاف، أي: "وصَلاة رَكعتي الضّحَى".
قال في "الصّحاح": "ضَحْوَةُ النّهار": بعد طُلوع الشّمس.
ثم بعده "الضُّحَى" حين تُشرق الشّمس، مَقْصُور، يُؤنّث ويُذَكّر. فمَن أنّث:
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "وإنما".
(٢) أي: "أيام".
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٨٢)، العين (٨/ ٤٣٣)، الصحاح (٥/ ٢٠٦٥)، لسان العرب (١٢/ ٦٥٠)، درة الغواص في أوهام الخواص (ص ١٣٣)، شرح المفصل (٥/ ٥٣٩)، المزهر في علوم اللغة وأنواعها (٢/ ٨٢).
(٥) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٧١)، شواهد التوضيح (ص ٢٥٠)، عقود الزبرجد (٣/ ٦٠، ٦١)، شرح التسهيل (٣/ ٢٤٥، ٣٠٠).
[ ٢ / ٣٩٠ ]
ذَهَب إلى أنّها جمعُ "ضَحْوة". ومَن ذَكّر ذَهَب إلى أنه اسم على "فُعَل"، مثل: "صُرد" و"تُغر". وهُو ظَرْفٌ غَير مُتَمَكّن، مثل: "سَحَر"، تَقُول: "لَقِيتُه ضُحًى"، إذَا أرَدْت به "ضُحَى يَوْمِك"؛ فتمنعه الصّرف.
ثم بعْدَه: "الضّحَاء"، ممدُود، مُذَكّر، مفتُوح، عنْد ارتفَاع النّهار الأعلى. (١)
قوله: "وأَنْ أُوتِر": مَعْطُوفٌ على "صيام". وأَتَى فيه بـ "أنْ" المصْدَريّة؛ ليُصَحّح عَطْفَ الفِعْل على الاسم. (٢)
قوله: "قَبْل أنْ أنام": "قبْل" و"بعْد" تقَدّم الكَلامُ عليهما وعلى ما يجري مجراهما من الأسماء التي لا تُصغّر في الرّابع من "باب تسْوية الصّفوف"، والثّالث من "باب التيمم". و"أنْ": حَرفُ نَصْب. و"أنام": فِعْلٌ منصوبٌ بـ "أنْ". والجملةُ مخفُوضَة بالإضَافة.
[الحديث الرّابع] (٣):
[١٩٧]: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، "أَنَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ ". قَالَ: نَعَمْ.
وَزَادَ مُسْلِمٌ: "وَرَبِّ الْكَعْبَةِ" (٤).
قوله: "سَألْتُ [جَابر] (٥) ": جملَة معْمُولة للقَول، والقَول معْمُول لمتعلّق
_________________
(١) انظر: الصّحاح (٦/ ٢٤٠٦).
(٢) انظر: نتائج الفكر (ص ٢٤٦، ٢٤٧)، اللمع في العربية (ص ١٩٤)، الأصول في النحو (٢/ ١٥٠)، شرح التسهيل (٣/ ٣٧٨ وما بعدها).
(٣) سقط من النسخ، وبموضعها: "قوله". وترتب على هذا السهو والسقط أنْ رَقّم الناسخ الأحاديث التالية لهذا الحديث بالرابع والخامس والسّادس والسابع، وسوف يتغير الترقيم فيها لهذا. فليتنبه. والله أعلم.
(٤) رواه البخاري (١٩٨٤) في الصوم، ومسلم (١١٤٣) في الصيام.
(٥) بالنسخ: "جابرًا".
[ ٢ / ٣٩١ ]
حَرْف الجر.
قوله: "جَابر بن عبد الله": مفعُول "سَألتُ".
وتقَدّم الكَلامُ على "سَأل" في الحديث الثّاني عشر من "باب صفة صَلاة النبي - ﷺ -". وهي هُنا مُعَلّقة عن العَمَل بهَمْزة الاستفهام. والتقديرُ: "سَألتُ جَابرًا عن نَهْي رسُول الله". وعُلّقت "سألتُ" وإن لم تكُن من أفْعَال القُلوب؛ لأنّها سَبَب العِلْم، فأُجري السَّبب مجرى المسبّب. (١)
قوله: "صَوْم يَوم": أضَاف "الصّيام" إلى "اليوم"، وهو ظَرْفه، أي: "عن الصوم في يوم".
و"عن": تقَدّم الكَلامُ عَليها في الثّالث مِن "باب الصفوف".
و"يَوم" تَقَدّم الكَلامُ عَليها في الثّالث مِن "باب الاستطابة".
و"الجمْعَة": تَقَدّم الكَلامُ عَليها في الحديثِ الثّاني مِن "باب الجمْعَة".
قوله: "قَالَ: نَعَم": تقَدّم الكَلامُ على "نَعَم" في الرّابع من "الجنَابة". وهي هُنَا معْمُولة للقَول.
وتَأتي مُقَرّرة لما سَبَقَهَا نفْيًا وإثباتًا، وتكُون في جَواب الاستخبار للثّبوت. فَإذا قُلت: "هَل قَام زَيد؟ "، فجَوابه في الإثبات: "نَعَم". ولو قَالَ قَائِل: "مَا خَرَج زَيد؟ "، ولم يكُن خَرَج؛ قُلْت في جَوابه: "نَعَم"، أي: "نَعَم، ما خَرَج"؛ فصَدّقت الكَلام في نَفْيه وإثباته. (٢)
_________________
(١) راجع: البحر المحيط (٥/ ٢٣٧)، مرقاة المفاتيح (٦/ ٢٦٤٢)، إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص ١٧، ١٩٣)، مغني اللبيب (ص ٦٦٨)، شرح التصريح (١/ ١٥٨)، الموجز في قواعد اللغة العربية (ص ٣٩٦).
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص ٤٥١ وما بعدها)، موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب (ص ١٠٣)، همع الهوامع (٢/ ٥٩٠، ٦٠٧).
[ ٢ / ٣٩٢ ]
قوله: "وزَادَ مُسلم: ورَبّ الكَعْبة": أيْ: "زَادَ بعْد قَوْله: نَعَم". وهَذا الموضع من المواضع التي تُحذَف الجمْلة (١) فيها [استغناء] (٢) بـ "نَعَم" في الجواب؛ فكَان التقدير: "نَعَم، نَهى ورَبّ الكَعبة".
ويُحذَف الجوابُ في مَوضعين آخرين: -
١ - أحدهما: إذا تقَدّم على القَسَم مَا يطلُب خبرًا أو مَا يطلُب صِلة، فتقُول: "زيد [والله] (٣) يقُوم"، فتَبْنِي على المبتدأ، وتحذف جَواب القَسَم؛ لدلالة الخبر عليه. ولك أنْ تبني على القَسَم؛ فتقول: "زيد [والله] (٤) ليقومنّ".
وتقُول في الصّلة: "يُعجبني الذي والله يقُوم"، فتَحذف جَواب القَسَم. ولك أن تقُول: "يُعجبني الذي والله ليقُومَنّ". وعلى الأوّل: يكونُ الخبرُ في القَسَم وجَوابِه.
٢ - وكذلك يجوز حَذفُ الجوَاب [إذا] (٥) جَاءَ [عقيب] (٦) كَلام يدلّ على الجوَاب، كما جَاء هُنا في قَوله: "نَعَم ورَبّ الكَعبة". ومثله قولك: "زَيد قَام والله"، [تَحْذِف] (٧) جَوَابَ "والله"؛ لدلَالَة "زَيد قَام" عَليه. (٨)
و"الواو" في قوله "ورَبّ" "واو" القَسَم، ومَا بعدَها مخفوضٌ بها. وتقَدّمَت حُروف القَسَم في الحديث العَاشِر مِن "الصّلاة".
_________________
(١) راجع: الهمع (٣/ ٤٠)، النحو الوافي (٤/ ٤٤٨).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "عقب".
(٧) غير واضحة بالأصل. ولعلها: "بحذف".
(٨) انظر: البحر المحيط (٣/ ٢٤٢، ٧٠٤)، المقتضب (٢/ ٣٣١)، الخصائص لابن جني (٢/ ٣٦٢)، همع الهوامع (٢/ ٤٩٢).
[ ٢ / ٣٩٣ ]
وجَوابُ القَسَم هُنا في الحديثِ مُقَدّرٌ، تقديره: "نَعَم، قَد نَهَى عَن صيامه".
واعلم أنّه لا بُدّ من تَقْدير [فِعْل] (١) القَسَم حتّى [تتعلّق به معرفته] (٢)، والتقْديرُ هُنا: "أُقْسِم ورَبّ الكَعْبَة".
ولا يجُوزُ إظْهَارُ فِعْل القَسَم مع جميع حُروفه، إلّا مَع "البَاء"؛ فإنّهم قَالُوا: "أُقسِم برَبّ الكَعبة"، و"أُقسِم بالله". (٣)
وأجَاز "ابن كيسان" ظُهور الفِعْل مَع "الواو"، كقَوله: "أُقسِم ورَبّ الكَعبة"، و"أُقسِم والله لأفعَلَنّ كذا"، وهذا لا يُحفَظ عَن أحَدٍ من البصريين، فإنْ وَرَدَ منه شَيء يُؤَوّل على أنْ يكُون "أُقسِم" كَلامًا تامًّا، ثُم أتَى بَعْد ذلك بالقَسَم. (٤)
الحديث [الخَامِس] (٥):
[١٩٨]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: سَمِعْتُ النبي - ﷺ - يَقُولُ: "لا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ" (٦).
تقَدّم الكَلامُ على "سَمع" في الحديث الأوّل من الكتاب.
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "محلّ".
(٢) غير واضحة في الأصل. وفي (ب): "يتعلّق به المجرور".
(٣) انظر: تفسير الرازي (٢٨/ ٢٣٢)، شرح المفصل (٤/ ٤٨٩)، (٥/ ٢٤٥، ٢٤٩)، أسرار العربية (ص ٢٠٣ وما بعدها)، الجنى الداني (ص ٤٥)، الهمع (٢/ ٤٧٧، ٤٧٩، ٤٨٠)، مغني اللبيب (ص ١٤٣، ٣٢٩)، شرح الأشموني (٢/ ٩٠)، الأصول في النحو (١/ ٤٣١)، الخصائص (٢/ ٣٦٢)، شرح ابن عقيل (٣/ ١٢)، النحو الوافي (٢/ ٤٤٢).
(٤) انظر البحر المحيط لأبي حيان (١٠/ ٤٨٨)، الهمع للسيوطي (٢/ ٤٧٩، ٤٨٠)، شرح ابن عقيل (٣/ ١٢).
(٥) بالنسخ: "الرابع". وقد مر في الحديث السابق سبب التغيير.
(٦) رواه البخاري (١٩٨٥) في الصوم، ومسلم (١١٤٤) في الصيام.
[ ٢ / ٣٩٤ ]
ومُقتضاه أنّها إنْ تعَلّقت بالأصْوات تعَدّى إلى مفْعُول واحِد، نحو: "سَمِعتُ كَلَام زَيد". وإنْ تعلّق بالذّوات - كما وَقَع هُنا - تعَدّى إلى مفعُولين، ثانيهما جملة فِعْلية صَدْرها مُضَارع، مِن الأفعَال الصّوتية، تقُول: "سَمِعتُ النّاس يقُولون كذا". (١)
ومختارُ ابن مالك وأبو حيّان ومَن وافقهما أنْ تكُون "يقُول" في محلّ الحال إنْ كَان المتقَدِّم مَعْرِفَة، أو صِفَة إن كَان المتقَدّم نَكِرَة. (٢)
[فعلى] (٣) هَذا: يكُون (٤) في محلّ المفعُول الثّاني لـ "سَمِع". (٥)
قوله: "لا يصُومَنّ": "لا" ناهية، والفِعْلُ مُؤكّد بنون التأكيد المشَدّدة، [ومتى] (٦) بُني لاتصال إحدَى النّونات الثّلاث (٧) به لم يظْهر فيه إعراب؛ ولذلك لم تظْهَر عَلامَة الجزْم هُنا في الفِعْل. (٨)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٣/ ٤٧٢، ٤٧٣)، (٧/ ٤٤٦، ٤٤٧)، (٨/ ١٦٣)، عُمْدة القَاري (١/ ٢٣)، إرشاد السّاري (٨/ ١٨٨)، (٩/ ٤٠١)، (١٠/ ١٥)، الإعلام لابن الملقن (١/ ١٦٥، ١٦٦)، شَرْح التسهيل (٢/ ٨٤).
(٢) انظر: البحر المحيط (٣/ ٤٧٢)، شَوَاهد التوضيح (ص ١٨٢).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) أي: الفِعْل "يقُول".
(٥) هو اختيار منه للرأي الأول، كما هو واضح.
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) وهي نونا التوكيد الثقيلة والخفيفة، ونون النسوة. ويبنى عندها مع الأوليَينِ على الفتح، نحو: "يكتُبَنْ" و"يكتَبنَّ"، ومع الثالثة على السكون نحو: "الفتيات يكتْبنَ"، ويكون رفعه ونصبه وجزمه حينئذ محليًا. انظر: الجنى الداني (ص ١٤١)، شرح المفصل (٥/ ١٦٣)، جامع الدروس العربية (١/ ٨٨)، (٢/ ١٦١، ١٦٥).
(٨) انظر: شرح ابن عقيل (١/ ٣٨ وما بعدها)، أوضح المسالك لابن هشام (١/ ٦٢)، شرح المفصل لابن يعيش (٥/ ١٦٣ وما بعدها)، شرح التسهيل لابن مالك (١/ ٣٦)، شرح القطر (ص ٢٦، ٢٧)، مغني اللبيب (ص ٨٧٤)، جامع الدروس العربية (١/ ٨٨ وما بعدها)، (٢/ ١٦١، ١٦٥ وما بعدها).
[ ٢ / ٣٩٥ ]
وتقَدّم الكَلامُ على "نُون التأكيد" في الخامس من أوّل الكتاب.
وتقَدّم الكَلامُ على "لا" وأقْسَامها في الثّاني من "باب الاستطابة".
وتختصّ "نون التأكيد" بالنّهي والأمر والاستفهام والتمني والعرض والقَسَم. ولا تدخُلُ مع النفي، إلا فيما قَلّ مِن الكَلام. ويكثر دخُولها في الفِعْل الواقِع بعْد "إمّا"، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ [مريم: ٢٦]. (١)
قوله: "يَوْم": مفْعُولٌ على السّعَة؛ لأنّ التقْدير: "لا يَصُومَنّ أحَدٌ يَوْم الجُمعَة"، فحذف حَرْف الجرّ؛ فانتَصَب بالفِعْل على السّعَة. وتقَدّم الكَلامُ على "يَوم" في الثّالث مِن "الاستطابة"، وعلى "الجُمعَة" في الثّاني من "الجُمعَة". واتصل به ذِكْر الأيام.
قوله: "يَوْم الجمعَة": ظَرْف، وإن وَقَع الصّوم [بجُملة] (٢) اليوم، خِلافًا للكُوفيين (٣)، وقَد تقَدّم قَريبًا.
قوله: "إلّا أنْ يصُوم يَوْمًا قَبْله": يحتمل أنْ يَكُون الاستثناءُ هُنا مُتّصلًا (٤)؛ لأنّ مَا قَبْل "أنْ" مِن جنْس مَا بَعْدها. ويحتمل الاستثناءُ أنْ يكُون مُنقَطِعًا، أي: "لا
_________________
(١) انظر: البحر المحيط لأبي حيّان (١/ ٢٧١)، الجنى الداني (ص ١٤٢ وما بعدها)، اللمع (ص ١٩٨ وما بعدها)، أوضح المسالك (١/ ٦٢)، (٤/ ٩٤ وما بعدها)، شرح المفصل (٥/ ١٦٦ وما بعدها)، شرح التصريح (٢/ ٣٠١ وما بعدها)، توضيح المقاصد (٣/ ١١٧١ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (١/ ٨٩ وما بعدها).
(٢) غير واضحة بالأصل. ولعلها: "لجملة". والمثبت من (ب).
(٣) راجع: البحر المحيط (٢/ ١٨١ وما بعدها)، (١٠/ ٧٥ وما بعدها)، عمدة القاري (١/ ١٨٠)، شرح سنن أبي داود (٢/ ١٦٥)، عقود الزبرجد للسيوطي (٣/ ٢٢)، همع الهوامع (١/ ٣٧٧ وما بعدها).
(٤) انظر في الاستثناء المتصل والمنقطع وأنواعه الأخرى: شرح التصريح (١/ ٥٤٢)، شرح ابن عقيل (٢/ ٢١٢)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٣٤٣)، المنهاجُ المختَصر في علمي النَّحو والصَّرف (ص ١١٠).
[ ٢ / ٣٩٦ ]
يصُومنّ يوم الجمعة مُنفردًا، لكن صيامه مع يوم قبله أو بعده". ويحتمل أن يكُون التقدير: "إلا بأنْ يَصُوم يَوْمًا قبْله"؛ فتكُون "الباء" سَببية. (١) وتقَدّم الكَلامُ على "قَبْل" و"بَعْد" في الحديث الرّابع من "باب تسوية الصفوف".
وعلى كُلّ مَا قَدّرْناه: يكُون محلّ "أنْ" نصبًا، إمّا بالاستثناء المنْقَطِع أو المتّصل. (٢)
الحديث [السّادِس] (٣):
[١٩٩]: عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ - وَاسْمُهُ: سَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ - قَالَ: شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ -، فَقَالَ: "هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالْيَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ" (٤).
قوله: "شَهِدتُ": بمعنى "حَضَرتُ"، ومنه قوله تعَالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]. (٥) و"العيد": مفعُولٌ به، بتقدير مُضَاف، أي: "صَلاة العيد".
قوله: "مع عُمر": تقَدّم [الكَلامُ على] (٦) "مع" في الحديث الأوّل من "المسح على الخفين". و"عُمر" تقَدّم أنّه لا ينصرف ولا يجمَع، في أوّل حديثٍ من الكتاب. وتقَدّم أنّ جملتي (- ﷺ -) و(- ﵁ -) مُعترضتان، لا محلّ لهما من الإعراب، والجملُ التي
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٩/ ٣٦٧)، فتح الباري (٤/ ٢٣٣)، عُمدة القاري (١١/ ١٠٦)، إرشاد الساري (١/ ١٥٠)، عقود الزبرجد (١/ ٤٦٢).
(٢) راجع: البحر المحيط (٩/ ٣٦٧).
(٣) بالنسخ: "الخامس". وقد مرّ سبب التغيير.
(٤) رواه البخاري (١٩٩٠) في الصوم، ومسلم (١١٣٧) في الصيام.
(٥) انظر: إرشاد الساري (٣/ ٣٨٧)، المصباح المنير (١/ ٣٢٤)، لسان العرب (٣/ ٢٤١)، المغرب في ترتيب المعرب (ص ٢٥٩)، الكليات للكفوي (ص ٥٢٧).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٣٩٧ ]
لا محلّ لها مذكُورة في الحديث الأوّل من الكتاب.
وجملة "نهى عن صيامهما": في محلّ صِفَة لـ "يَومَان".
والإشارة [إلى] (١) يَوْمَي العِيد وإنْ لم يتقَدّم لهما ذِكْر، إلّا أنّهما معْلُومَان [بالكلام] (٢). (٣)
قوله: "يومُ فِطْركم": يجوزُ في "يوم" الجر على البَدَل من الضّمير المخفُوض بالإضافة. ويجوزُ فيه الرّفع، بتقدير مُبتدأ، أي: "هما يوم. . .". ويجوز الرفع على أنّهما بَدَل من "يومان".
و"من صيامكم": يتعلّق بـ "فِطْركم"؛ لأنه اسم للمَصْدَر.
"واليَومُ الآخَرُ": معْطُوفٌ على " [يَوْم] (٤) ". فإنْ كَانا بَدَلًا من الأوّل - وهو "يَوْمَان"، وهو الظّاهر - كانا مَرفُوعَين. وإنْ كَانَا بَدَلًا مِن الضّمير المجرور فهُما مجروران. و"اليوم" مُبتدأ، و"الآخَر" صِفَته، و"تَأكُلُون" جملة في محلّ خَبر "اليوم".
ويحتمل أن يكُون "واليوم الآخَر" مجرورًا، بالعَطْف على "يوم فِطْركم". وتكُون جملة "تأكلون" في محلّ الحَال، والحالُ مُقَدّرَة؛ لأنّها غير مُقَارنة.
ويحتمل أنْ يكُون التقدير: "لتَأكُلوا فيه"، ثُمّ حُذِفَت "لام" "كَي"؛ فارتَفَع، كما قيل في قَوله:
أَلَا أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الوَغَى . . . . . . . . . . (٥)
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) كلمة غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
(٣) راجع: إرشاد الساري (٣/ ٤١٧).
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "يومكم".
(٥) صَدرُ بيت من الطويل، وهو لطُرفة بن العبد. وعجزه: "وأنْ أشْهَد اللَّذَّات هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي". والشاهد فيه: روايته بالرفع على تقدير "أن أحضر" فلما حُذفت "أن" الناصبة رُفع، ولم تعمل "أن"، فمَوضع الفعل رَفعٌ على أصْل إِعْراب المضَارع، إذْ لم يَأت ههُنا =
[ ٢ / ٣٩٨ ]
[وقوله] (١): "ولَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تَحِدُّ" (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤]، أي: "أنْ تحدّ"، و"أنْ يُريكم". (٣)
و"هَذَان": عَلامَةُ الرّفع فيه "الألِف"؛ لأنّ الأسْماءَ [المبهَمَة إذا] (٤) دَخَلتها عَلامة التثنية أُعربت كسَائر الأسْماء المعْرَبة. وقَد جَاءَت في حَالة النّصب على هذه الصيغة في قَوله تَعَالَى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣]، وخَرّجوه على ستة أوْجُه، منها ما هو قريبٌ، ومنها ما هو بَعيد؛ فلينظر هنالك من كُتب الإعراب. (٥)
_________________
(١) = يَأت ههُنا "أَن" فتنْصبه، وهو قول البصريين، وهو الأشهر، كما يُروَى بالنصب على إبقاء عمل "أن" المضمرة أو المحذوفة، وهو قول الكوفيين. انظر: الإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٤٥٦)، الجليس الصالح الكافي (ص ٢٣٠)، إيضاح شواهد الإيضاح (١/ ٢٨٤)، شرح المعلقات التسع (ص ٦٣)، مُغني اللبيب (ص ٨٣٩)، خزانة الأدب (٨/ ٥٠٧، ٥٨٥)، المعجم المفصل (٢/ ٤٣١).
(٢) كذا بالنسخ. وفوقها بالأصل علامة كأنها لإسقاطها.
(٣) مُتفقٌ عليه بنحوه: رواه البخاري (١٢٨١) ومُسلم (١٤٨٦/ ٥٨) عن أم حبيبة، وفيه: "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا". وهو بلفظ المخطوط وارد بسنن النسائي الصغرى (المجتبى) برقم (٣٥٢٥) من حديث عائشة - ﵂ -.
(٤) انظر: البحر المحيط (٨/ ٣٨٣)، شواهد التوضيح (ص ٢١٢)، عقود الزبرجد (٢/ ٥٠٣)، الكتاب (٣/ ٩٩)، علل النحو (ص ٤٤٢)، شرح التسهيل (١/ ٢٣٤)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (٢/ ٤٥٦)، مغني اللبيب (ص ٨٣٩)، شرح المفصل (٤/ ٢٨٠)، همع الهوامع (٢/ ٤٠٥)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٨٣).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: البحر المحيط (٧/ ٣٤٩ وما بعدها)، شواهد التوضيح (ص ١٥٧)، الكتاب (٢/ ٧٧)، (٣/ ٤١١)، مغني اللبيب (ص ٣٧، ٥٧، ٣٠٣، ٧٧٧، ٧٩٣، ٨٩١)، شرح المفصل (١/ ٢٧)، (٢/ ٢٢٥، ٣٥٧، ٣٧٥)، شرح الكافية الشافية (١/ ١٨٨)، شرح الأشموني (١/ ٥٨)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٦٠)، الهمع (١/ ١٤٥، ٥١٠).
[ ٢ / ٣٩٩ ]
الحديث [السّابع] (١):
[٢٠٠]: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ -، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ: الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ، وَعَنْ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، وَعَنْ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ". (٢)
قوله: "عن صَوم يومين": يتعلّق بـ "نهى". و"نهى" وما بعده في محلّ نصْب بالقَول.
قوله: "الفِطْر والنّحر": بَدَل مِن "يَومَين"، والتقدير: "صوْم يَوم الفِطْر، وصَوْم يَوم النحر".
قوله: "وعَن الصّمّاء": أي: "عَن اشتمال الصمّاء". وقَد فُسّر بأنّه: "الذي يشتمل بالثوب، يستر به جميع جَسَده، بحيث لا يتركُ فُرجَة يُخرِجُ منها يَده". واللفظُ مُطَابقٌ لهذا. (٣)
والعَرَبُ تقُول: "اشتمل الصّمّاء"، وهو "يعْدُو المَرَطَى"، و"يعدُو الجَمَزَى"، عَدّوها مَصَادر لبيان النّوع. (٤)
قوله: "وأنْ يحتبي": التقدير: "وعَن أنْ يحتبي الرّجُل"، فيكُون محلّ "أنْ" إمّا نَصْب أو جَرّ، على الخلافِ في ذلك.
_________________
(١) بالنسخ: "السادس". وقد مرّ سبب التغيير.
(٢) أخرجه البخاري بتمامه (١٩٩١) و(١٩٩٢) في الصوم.
(٣) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٣٦).
(٤) انظر: شرح ابن بطال (٨/ ٤٤٨)، الإعْلام لابن الملقن (٤/ ١١٩)، الصّحاح (٣/ ٨٦٩)، تهذيب اللغة (١٠/ ٣٣٢)، شرح المفصل (٣/ ٣٨٥)، النهاية لابن الأثير (١/ ٢٩٤)، المنتخب من غريب كَلام العَرب لكراع النمل (ص ٥٧٤)، لسان العَرب (٥/ ٣٢٣)، شمس العُلوم (٦/ ٣٦٩٣)، تاج العَروس (١٥/ ٧٠).
[ ٢ / ٤٠٠ ]
والألِف واللام في "الرّجُل" لبيان الجنس.
[قوله] (١): "في الثّوْب الوَاحِد": يحتمل أنْ تكُون "في" هُنا بمَعنى "البَاء"، كَما جَاءَ في قَوْله تَعَالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١١]، أي: "يُكَثّركم به". (٢) ويتَعَلّق حَرْفُ الجرّ بـ "يحتبي".
وجَاءَ في بَعْض الرّوَايات: "لَيْسَ على فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ" (٣)؛ فتكُون [الجملة] (٤) في محلّ الحال من "الثّوب"، أو فَاعِل "يحتبي".
قوله: "وعَن الصَّلاة بعْد الصُّبح والعَصْر": يعني: "نهى عن الصّلاة بعد الصّبح والعَصْر". والتقدير: "بعد صَلاة الصّبح، وبعْد صَلاة العَصْر".
الحديث [الثّامِن] (٥):
[٢٠١]: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا" (٦).
قوله: "مَن صَام": "مَنْ" شَرْطيّة، في موضع رَفْع بالابتداء، خَبرها في فعلها. وقيل: في جوابها. وقيل: فيهما. (٧) وتقَدّم الكَلامُ عَليها في العَاشِر مِن أوّل الكتاب،
_________________
(١) كشط بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٧)، (٩/ ٣٢٦)، شرح التسهيل (٣/ ١٥٧)، مغني اللبيب (ص ٢٢٤)، الجنى الداني (ص ٢٥١)، الهمع (٢/ ٤٤٥).
(٣) صحيحٌ: البخاري (٣٦٧)، من رواية أبي سعيد الخدري.
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) بالنسخ: "السابع". وقد مر سبب التغيير.
(٦) رواه البخاري (٢٨٤٠) في الجهاد، ومسلم (١١٣٥) (١٦٨) في الصيام.
(٧) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١)، عقود الزبرجد للسيوطي (١/ ١٥٥)، مغني اللبيب (ص ٦٠٨، ٦٤٨)، شرح التسهيل لابن مالك (٤/ ٨٦)، همع الهوامع (٢/ ٥٥٤، ٥٦٦)، شمس العلوم (٩/ ٥٩٣٠).
[ ٢ / ٤٠١ ]
وتقَدّم في الرّابع منه ذِكْر أقسَامها.
و"صَام": مِن الأفْعَال اللازِمَة، وأصْله: "صَوم"، تحرّكَت "الواو" وانفَتَح مَا قَبْلها؛ فَانقَلَبَت أَلِفًا. (١)
"يَوْمًا": مفعُولٌ على السّعة، العَامِلُ فيه "صَام". وتقَدّم الكَلامُ على "اليوم" في الحديث الثّالث من "الاستطابة".
و"في سَبيل الله": يتعلّق بـ "صَام"، أو بصِفَة لـ "يوم". والإضَافةُ في " [سَبيل] (٢) الله" إضَافَة تخصيص. (٣)
و"السّبيلُ": "الطريقُ"، يُذَكّر ويُؤَنّث، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦]، فذَكّروا ما هُنا. فـ "سَبيلُ الله": "دِيْنُه". (٤)
والظّرْفيّة هُنا مَجَازيّة.
وتقَدّم الكَلَامُ على أقْسَام "في" في الحديثِ الرّابع مِن أوّل الكتاب.
_________________
(١) انظر: الكتاب (٤/ ٣٧٦ وما بعدها)، شرح التصريح (٢/ ٣٠٩)، شرح التصريف للثمانيني (ص ٤٤٠)، شرح المفصل (٥/ ٢٩٢)، المقتضب (١/ ٩٦ وما بعدها، ١١٥، ١٥٢ وما بعدها)، سر صناعة الإعراب (١/ ١٥٨)، أسرار العربية (ص ٥٩)، المخصّص (٤/ ٤٢٤ وما بعدها)، لسان العرب (١٢/ ٣٥٠).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) راجع: فتح الباري (١٣/ ٤٤٤)، نتائج الفكر (ص ٢٩).
(٤) انظر: البحر المحيط لأبي حيّان (٦/ ٣٣٣)، فتح الباري (١/ ١٢٩)، (٦/ ١١)، عمدة القاري للعيني (١٤/ ٨٩)، التوضيح لابن الملقن (١٧/ ٣٤٨)، الإعْلام لابن الملقن (١٠/ ٢٨٦)، الصّحاح للجوهري (٥/ ١٧٢٤)، المحكم والمحيط الأعْظَم (٨/ ٥٠٦)، لسَان العَرب (١١/ ٣١٩ وما بعدها).
[ ٢ / ٤٠٢ ]
قوله: "بَعّدَ اللهُ وَجْهَه": جَوَابُ الشّرْط.
قوله: "عَن النّار": يتعَلّق بـ "بَعّدَ".
و"النّار" أصْلُها "نور"، تحرّكَت "الواو" وانفتح ما قَبْلها؛ فقُلبت ألِفًا. وهي مُؤَنّثة. والجمْعُ: "نور" و"أنوار" و"نيران"، انقَلَبَت "الواو" "يَاءً" [لكَسْر] (١) مَا قَبْلها. (٢)
قوله: "سَبْعين": ظَرْفُ زَمَان؛ لأنّه عَدَد زَمَان. وظَرْفُ الزّمَان: اسمُ الزّمان أو عَدَده وما أُضيف إليه أو ما قَام مَقَامه. (٣)
و"خَريفًا": منصوبٌ على التمييز عَن تمام الاسم. (٤)
والأعْدَاد من "العشرين" إلى "التسعين" أسْماءُ جُمُوع، وليست بجَمْع سَلامَة، ولكنّها أُعربت إعراب جمع السّلامة. (٥)
والعامِلُ في التمييز اسمُ العَدَد، شُبّه بـ "ضَارِبِين"، ولا يتقَدّم التمييزُ عَليه (٦) إجماعًا، ولا يُفصَل بينهما إلا في ضَرورة (٧)، كقوله:
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص ١٢٣)، عقود الزبرجد (٢/ ٦٦)، المحكم والمحيط الأعظم (١٠/ ٣٢٠)، لسان العرب (٥/ ٢٤٢)، المصباح المنير (٢/ ٦٢٩، ٦٣٠)، تاج العروس للزبيدي (١٤/ ٣٠٥).
(٣) انظر: تفسير ابن عرفة (١/ ٨٥).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٢٢).
(٥) انظر: شرح التصريح (١/ ٦٩)، (٢/ ٤٦١)، أسرار العربية (ص ٦٦)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٣٣٤)، النحو الوافي (٤/ ٥٢٢ وما بعدها).
(٦) أي: على اسم العَدد.
(٧) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٢٢)، مغني اللبيب (ص ٧٤٥)، المقتضب (٣/ ٥٥)، خزانة الأدب (٣/ ٢٩٩ وما بعدها)، (٦/ ٤٧٠)، شرح التسهيل (٢/ ٤١٩)، شرح =
[ ٢ / ٤٠٣ ]
على أنَّنِي بَعْدَمَا قَدْ مَضَى ثَلاثُونَ للِهَجْرِ حَوْلًا كَمِيلا (١)
ولا يتعرّف التمييز، خِلافًا لبعض الكُوفيين وأبي الحسن ابن الطراوة. وما حَكَاه "أبو زيد" من قَول العَرَب: "ما فَعَلَتِ العشرون الدّرهم؟ " من المحمُول على زيادة "ال" (٢)، وتقَدّم الكَلامُ على ذَلك في الأوّل من "باب المرور بين يَديّ المصَلّي".
***
_________________
(١) = المفصل (٣/ ١٧٤)، شرح الكافية الشافية (٤/ ١٧٠٦)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (١/ ٢٥٠ وما بعدها)، النحو الوافي (٤/ ٥٣٥).
(٢) البيتُ من المتقارب. وهو لعبّاس بن مرداس. والشاهدُ فيه: فصله بين "الثلاثين" وبين "الحول" بالمجرور ضرورة. انظر: الكتاب لسيبويه (٢/ ١٥٨)، إيضاح شواهد الإيضاح للقيسي (١/ ٢٦٠)، خزانة الأدب للبغدادي (٣/ ٢٩٩ وما بعدها)، (٦/ ٤٧٠)، المعجم المفصل (٦/ ١٣٤).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٢٢).
[ ٢ / ٤٠٤ ]
باب لَيْلَة القَدْر
الحديث الأوّل:
[٢٠٢]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - ﵁ -: أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ. فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ؛ فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ" (١).
قوله: "أنَّ رِجَالًا": فُتحت "أنّ"؛ لأنها في محلّ مفعُول لم يُسَمّ فاعله لمُتعلّق "عَن"، [وهُو] (٢): "رُوي".
وقوله "رِجَالًا": جمعُ تكسير لـ "رَجُل".
قال في "الصّحاح": "الرّجُل" خلاف "المرأة". والجمْعُ: "رِجَال" و"رِجَالَات" - مِثْل: "جِمَال" و"جِمَالات" - و"أرَاجِل". وتصْغيرُ "رَجُل": "رُجيل"، و"رُوَيجل" أيضًا على غَير قياس، كأنّه تصْغيرُ "رَاجِل". (٣)
قوله: "من أصْحَاب": يتعَلّق بصِفَة لـ "رِجَال".
قوله: "أُرُوا": أصْلُه "أريوا"، فاستُثقلت الضمّة على "اليَاء"، وقبلها كَسرة؛ فحُذِفَت الضمّة، وتبعتها "الياء"، ثم ضُمّت "الرّاء" لأجْل "الواو". (٤) وهو مبني لما لم يُسَمّ فَاعِله، ومفْعُوله القَائِم مَقَام الفَاعِل الضّمير، وهو "الواو".
والرّؤية هُنا اختُلِف فيها، فقَالَ ابنُ هِشام: الرّؤية مَصْدَر "رأى" الحِلْميّة عند ابن مَالك والحريري. (٥)
_________________
(١) رواه البخاري (٢٠١٥) في صلاة التراويح، ومسلم (١١٦٥) في الصيام.
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: الصّحاح (٤/ ١٧٠٥، ١٧٠٦).
(٤) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ١٣٠).
(٥) انظر: إرشاد الساري للقسطلاني (٩/ ٢٠٩)، (١٠/ ١٣٠)، أوضح المسالك =
[ ٢ / ٤٠٥ ]
قَالَ: وعِنْدي: لا تختَصّ بها، لقَوله تعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً﴾ [الإسراء: ٦٠]، قَالَ ابنُ عَبّاس: "هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ" (١)؛ فدَلّ ذلك على أنّه مصْدَر الحِلْمية والبَصَريّة. (٢)
قال: وقد ألحَقُوا "رأى" الحِلْميّة بـ "رأى" العِلْميّة في التعدّي لاثنين. (٣)
قُلتُ: وجَعَلها أبو البقاء وجماعة بَصَريّة؛ فعلى هذا تتعَدّى إلى واحد، وتُنقَل بالهمزة إلى الثّاني، فيكُون الثّاني هُنا: "ليلة القَدْر". وقد انتقل على أصْله من الظرفية إلى المفعُولية؛ لأنّهم لم يروا فيها، إنّما رَأوها نفْسها، بمعنى ألْقَاهَا الله في قُلُوبهم. (٤)
وذَهَب ابنُ مالك إلى أنّ الحِلْميّة تتعَدّى إلى مفْعُولين، كالعِلْميّة. قَال ابنُ مَالك في "التسهيل": وأَلحَقُوا بـ "رأى" الحِلْميّة العِلْميّة. (٥)
وعلى هذا يكون "أُروا" اتصل به مفعوله الأوّل، و"ليلة القَدْر" المفعول الثاني، والثّالث محذُوفٌ، أي: "أُروا ليلة القَدْر موجُودة"، وفيه نَظَر؛ لأنّ "موجُودة" هي خبر عن "ليلة"؛ فينبغي أنْ يمتنع على ما رَتّبته مُفصّلًا في حَذْف أحَد مفعُولي مَا يتعَدّى إلى ثَلاثَة.
_________________
(١) = (٢/ ٤٥)، التسهيل لابن مالك (ص ٧١)، شرح التسهيل (٢/ ٨٣)، شرح التصريح (١/ ٣٦٦)، الهمع للسيوطي (١/ ٥٣٦).
(٢) صحيحُ البخاري (٣٨٨٨). وانظر أيضًا: تفسير القرطبي (١٠/ ٢٨٢)، البحر المحيط (٧/ ٧٤)، تفسير ابن عطية (٣/ ٤٦٧)، أوضَح المسالك (٢/ ٤٤، ٤٥).
(٣) انظر: البحر المحيط (٧/ ٧٤، ٧٥)، إرشاد السّاري (١٠/ ١٣٠)، أوضح المسالك (٢/ ٤٤، ٤٥)، شرح التصريح (١/ ٣٦٦).
(٤) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ١٣٠)، أوضح المسالك لابن هشام (٢/ ٤٤، ٤٥)، شرح التصريح (١/ ٣٦٥، ٣٦٦).
(٥) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ١٣٠).
(٦) انظر: التسهيل (ص ٧١)، شرح التسهيل (٢/ ٧٦، ٨٣)، شرح التصريح (١/ ٣٦٥)، أوضح المسالك (٢/ ٤٤).
[ ٢ / ٤٠٦ ]
فقُلتُ في تحصيل ذلك واختصاره: أنّه لا يخلو مِن أنْ تُحذَف الثّلاثة [كُلّها] (١)، أو اثنان منها، أو يحذف واحد ويبقى اثنان.
فإنْ حُذفت الثّلاثة: جَاز اختصارًا واقتصارًا.
ومعنى الاختصار: أنْ يكُون في الكَلام ما يَدُلّ عَليه، نحو قولك: "أعْلَمْتُ" في جَوابِ مَن قَالَ لك: " [أعْلَمْتَ] (٢) زَيدًا عَمرًا قَائمًا؟ ".
[والاقتصارُ] (٣): أنْ تقُول: "أعْلَمْت"، لا تُريد بأنْ يَعْلم المخَاطب أنّه وَقَع منك إلّا علم لا غير.
وأمّا حَذْفُ اثنين [منها أو] (٤) واحد: فجَائزٌ على الاختصار. وأمّا على الاقتصار: فغيرُ جَائز.
قَالَ ابنُ عصفور (٥): هَذا مَذْهَبُ سيبويه.
[وأمّا] (٦) غير سيبويه: فإنّه أجَاز ما لم يُؤَدّ إلى بَقَاء أحَد المفعُولين اللّذين أصلهما المبتدأ والخبر؛ فأجازوا: " [أعْلَمْتُ] (٧) زَيدًا" إذا قَدّرته المفعُول الأوّل. فَإنْ قَدّرته الثّاني [أو] (٨) الثّالث لم يجز؛ لأنّ [أصْلهما] (٩) مُبتَدأ وخَبر، ولا يُحذَفُ المسنَد دون المسنَد إليه، ولا العَكْس.
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) كذا بالنسخ. وفي "الهمع" (١/ ٥٧٢): "أأعلمت".
(٣) غير واضحة بالأصل. ولعلها: "وأمّا الاقتصار". والمثبت من (ب).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: المقرب لابن عصفور (١/ ١١٦).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٨) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "و".
(٩) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "أصلها".
[ ٢ / ٤٠٧ ]
وكذلك أجَازوا: "أعْلَمْتُ زَيدًا قَائمًا" إذا كَانا في الأصْل المبتدأ والخبر. فإنْ قَدّرت أحَدهما المفعُول الأوّل، والآخَر أحَد المفعُولين اللّذين أصلهما مبتدأ وخبر [لم يجز] (١). (٢)
إذا ثبت ذلك: فإنْ كانت الرّؤية الحِلْميّة كالعِلمية تعَدّت إلى ثَلاثَة، وكان المحذوفُ الثّاني من اللّذين أصلهما المبتدأ والخبر اقتصارًا؛ فيجري فيه الخلاف المتقَدِّم.
وإنْ كانت الرّؤية الحِلْمية كالبَصَريّة: جَاز لك حَذْفهما أو أحدهما اختصارًا واقتصارًا، كباب "أعْطى" (٣). وكَانا في الحديث مَذْكُورَين مِن غير حَذْف، فالأوّل ضَمير المفعُول الذي لم يُسَمّ فَاعِله، والثّاني "ليلة القَدْر"؛ إذ أصْله أنْ يتعَدّى لوَاحِد،
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر فيما سبق: البحر المحيط (٥/ ١٧٢)، المقرب لابن عصفور (١/ ١١٦)، شرح الأشموني (١/ ٣٨٠ وما بعدها)، شرح ابن عقيل (٢/ ٦٤ وما بعدها)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٢٥٨ وما بعدها)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٤٨٤ وما بعدها)، شرح التسهيل (٢/ ١٠٠، ١٢٩)، شرح شذور الذهب للجوجري (٢/ ٦٦٨ وما بعدها)، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك (٢/ ٧٢ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٣٨٨ وما بعدها)، نتائج الفكر للسهيلي (ص ٢٧٠)، علل النحو (ص ٢٨٩)، الأصول في النحو (١/ ١٨٨ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٨٦٨)، شرح المفصل (١/ ٢٠٢)، (٤/ ٢٩٥، ٢٩٩، ٣٠١، ٣٠٢)، همع الهوامع (١/ ٥٧١ وما بعدها).
(٣) انظر: المقرب لابن عصفور (١/ ١٢١)، الأصول في النحو (١/ ١٧٧ وما بعدها)، شرح ابن عقيل (٢/ ١٢٤ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٣٧٧ وما بعدها، ٤٧١)، توضيح المقاصد (١/ ٥٦٦ وما بعدها)، (٢/ ٦٢٦، ٦٢٧)، أوضح المسالك (٢/ ٥٩ وما بعدها، ١٦٣)، شرح التسهيل (٢/ ٧٣)، نتائج الفكر (ص ٢٥٥)، شرح الأشموني (١/ ٣٧٣، ٤٤٤)، شرح شذور الذهب للجوجري (٢/ ٦٦٩، ٦٧١)، همع الهوامع (١/ ٥٤٩)، (٢/ ١٥)، (٣/ ٥٢)، جامع الدروس العربية (١/ ٣٦).
[ ٢ / ٤٠٨ ]
ويُعَدّى بالهمزة إلى اثنين، كما تقَدّم.
و"القَدْر": مَصْدَر "قَدَر يَقْدِر قَدرًا". وسُمّيت "ليلة القَدْر"؛ لأنّ الأرْزَاق تُقَدّر فيها وتُقْضَى، كَذا قَالَ "ابنُ الأثير". ويجُوزُ في "دَالِهِ" الفَتْحُ، وهو الأصْلُ. (١)
قوله: "في المنام": يتعلّق بـ "أُروا".
قوله: "في السبع الأواخر": بَدَل من "في المنام"، وفيه نَظَر؛ لاختلاف المعنى بين البَدَل والمبْدَل منه، إلا أنْ تقُول: إنّه بَدَل اشتمال.
وإنما قُلنا: إنّه بَدَلٌ؛ لأنّه لا يصحُّ تعلّقه بـ "أُروا"؛ لأنّ جرًّا في جَرٍّ لمعنى (٢) [لا] (٣) يتعَلّقَان بعَامِلٍ واحِدٍ، ولأنّهم لم يَرَونَها في السّبع، بَل رأوا وجُودها في السّبع.
ويحتمل أنْ يتعَلّق بحَال، أي: "أُروا ليلة القَدْر موجودة - أو كائنة - في السَّبْع الأوَاخِر". (٤)
و"الأوَاخِر": صفة للسّبع، وإنْ كَان مُفردًا؛ لأنّه اسم جمع، واسمُ الجمع يُوصَف بالجمع؛ لأنّه بمَعْناه. (٥)
قوله: "فقال رسُول الله - ﷺ -: أرَى رُؤياكم": "أرى" من رُؤية العِلم، [تُعَدّى] (٦) إلى مفعُولين، الثّاني: جملة "قد تَوَاطَأت". والهمزة هُنا همزة المضَارعة، لا
_________________
(١) انظر: شرح الزرقاني على الموطأ (٢/ ٣١٧)، النهاية لابن الأثير (٤/ ٢٢)، لسان العرب لابن منظور (٥/ ٧٤).
(٢) أي: جر وجر لمعنى واحد.
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) راجع: الكواكب الدراري للكرماني (١٦/ ٢٥٢).
(٥) انظر: البحر المحيط (٧/ ٣٠٤)، اللباب في علوم الكتاب (٧/ ٤٩٧)، الكواكب الدراري (١٦/ ٢٥٢)، شرح التسهيل (١/ ٦٧)، شرح المفصل (٣/ ٣٨٢)، شرح التصريح (٢/ ٦٠٩)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٢٦).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٤٠٩ ]
همزة النّقل. (١)
و"في السّبع": يتعَلّق بـ "تواطأت".
و"تواطأت": من قَولهم: "واطَأتُه على الأمْر مُوَاطَأة". ويُقَال: "آطَأتُه على الأمْر مُواطأة"، إذا "وافَقْتُه عليه". و"فُلانٌ يُواطِئ اسمه اسمي". و"تواطَؤوا عليه": "توافَقُوا عليه". ومنه قوله تعالى: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧]، ومثله قوله تعالى: "أَشَدُّ وِطَاءً" (٢) بالمدّ، أي: "مُواطَأَة". (٣)
قوله: "في السّبع الأواخر": حَرفُ الجر يتعلّق بـ "تواطَأت". ويحتمل أن يتعلّق بمَحْذُوف، أي: "أرَى رُؤَياكُم توَاطَأت على أنّها في السّبع الأوَاخر". ويحتمل أنْ تكُون "في" بمَعنى "على" (٤)، [في] (٥) قوله تعَالى: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١].
و"الأوَاخِر": جمعُ "آخِر"، أي "أخيرًا"، ومُذَكّره: "آخر"، والأنثى: "آخِرة"، والجمْعُ: "أَواخِر". وأمَّا "الآخَر" بالفَتْح فهُو: أحَدُ الشّيئين، وهُو اسمٌ على
_________________
(١) راجع: إرشاد الساري (٣/ ٤٣١).
(٢) من سورة [المزمل: ٦]. وقد قرأَ أبو عَمرٍو وأبو عَمرٍو وابن أبي إِسحاقَ ومُجاهدٌ وحُمَيدٌ وابنُ مُحَيْصِنٍ وابن عامِرٍ والمغيرة وأبو حَيوةَ: "وِطَاءً"، بكسر الواو وفتح الطاء والمد والهمز، من المُواطأةِ والموافقة. وقرأَ ابنُ كثيرٍ ونافع وعاصمٌ وحمزةُ والكسائي: "وَطْئًا"، بفتح الواو ساكنةَ الطاء مقصورةً مهموزة، بمعنى أنها أَثقلُ على المصلي من سَاعات النهار. انظر: تفسير القرطبي (١٩/ ٤٠، ٤١)، اللباب في علوم الكتاب (١٩/ ٤٦٤)، لسان العرب لابن منظور (١/ ١٩٩).
(٣) انظر: تفسير القرطبي (١٩/ ٤٠، ٤١)، الصحاح للجوهري (١/ ٨١، ٨٢)، لسان العرب (١/ ١٩٩، ٢٠٠).
(٤) انظر: شرح التسهيل (٣/ ١٥٧)، مغني اللبيب (ص ١٥١، ٢٢٤).
(٥) كذا بالنّسَخ. ولعل الأصَح هنا: "كما في"
[ ٢ / ٤١٠ ]
"أفْعَل" (١)، وقَد تقَدّم قريبًا.
قوله: "فمَن كَانَ": "مَن" مُبتدأ شرطية. و"كان" في محلّ الخبر. واسمُ "كان": ضَمير "مَن". و"مُتحَرّيها" خبرها، وهو اسمُ فَاعِل مِن "تَحَرّى"، مَنْقُوصٌ، ففي حَالتي الرّفع والجرّ يُقَدّر إعرابه، وفي حَالةِ النّصب يظهَر إعرابه (٢).
قوله: "فليَتَحَرّهَا": "اللامُ" لام الأمر، وقَد تقَدّم أنّها تسكن مَع "اللام" و"الفَاء"، وتكسَر مَع "ثم"، وجَاءَ تسكينها مع "ثُم"، وكسرها مَع "الواو" قَليلًا. والفِعْلُ مَع "لام الأَمْر" مجْزُومٌ، وعَلَامَةُ الجزْم هُنَا حَذْفُ "الأَلِف". فإنْ رُوي: "فَلْيَتَحَرَّاهَا" (٣): فهُو يتَخَرّج على قِرَاءَةِ مَن قَرَأَ: "إِنّه مَن يَتَقِي وَيَصْبِر" (٤). (٥)
قَوله: "في السّبع": يتَعَلّق بـ "يَتَحَرّهَا". و"الأَوَاخِر": صِفَة للسّبع، كَما تَقَدّم.
و"تحَرّى" هُنَا ليْسَت التي عَدّهَا "ابن مَالِك" مِن أخَوَاتِ "عَسَى، واخلولق، وحرى"؛ لأَنّ هَذِه الثّلاثَة مَوضُوعَةٌ للدلَالَة على الرّجَاء، مُلَازِمَة لِصِيغَةِ المَاضِي. (٦)
_________________
(١) انظر: الصحاح للجوهري (٢/ ٥٧٦)، المصباح المنير (١/ ٧، ٨)، لسان العرب لابن منظور (٤/ ١٣، ١٥).
(٢) انظر في الاسم المنقوص: اللمع لابن جني (ص ١٤)، اللمحة (١/ ١٧٥ وما بعدها)، شرح ابن عقيل (١/ ٨١ وما بعدها)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٨٠ وما بعدها)، المنهاجُ المختَصر (ص ١٦٢)، أصول النحو (ص ٧٤)، جامع الدروس العربية (١/ ١٠٧ وما بعدها).
(٣) رواه النسائي في "السنن الكبرى" (٧٥٨١) من حَديث ابن عُمر، وكذا هو في "أمالي ابن بشران" (الجزء الثّاني، ط دار الوطن، ص ٢٤٠، برقم ١٤٢٣).
(٤) سُورة [يوسف: الآية ٩٠]. وهي قراءة "قنبل". وانظر: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٦٢٦)، شَرح طيبة النشر للنويري (٢/ ٣٩٨).
(٥) انظر: شواهد التوضيح (٢١٦، ٢٤٣، ٢٤٤)، شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٥٣١)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥٢٨)، عقود الزبرجد (١/ ١٢٣، ١٢٤).
(٦) انظر: شرح التصريح (١/ ٢٨٧)، شرح ابن عقيل (١/ ٣٣١، ٣٣٨)، توضيح =
[ ٢ / ٤١١ ]
الحديث الثّاني:
[٢٠٣]: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ في الْوِتْرِ مِنْ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ" (١).
تقَدّم الكَلامُ على مُتعلّق حَرف الجر، وعلى [محلّ أنّ] (٢).
وجملة "قَالَ. . .": في محل خَبر "أنّ". و"لَيْلَة": مفعُولٌ "بـ "تحرّوا".
و"أَلِف" "تحرّوا" مُنقَلبة عن "يَاء"، وأصْلُه: "تحرّيوا"، تحرّكَت " [الياء] (٣) "، وانفَتَح ما قبلها؛ فانقَلبت أَلِفًا، ثم حُذفت لسكُونها وسكون "الواو". (٤)
والأمْرُ مما كَان مُتحرّكًا [يأتي] (٥) حرف مُضَارعه على تِلْك الصّوْرَة بتلك الحرَكَة - فـ "يَتَحَرّى" "التاء" [متَحرّكة] (٦) في المضَارع بالفَتْحَة - بخِلافِ [الأمْر. . . صرًا] (٧) منه عَليها، وكَذلك لو كَانت ضَمّة أو كَسْرة، تقُول مِن "يَقُول": "قُلْ"، ومِن " [يَبِع] (٨) ": "بِعْ". (٩)
_________________
(١) = المقاصد والمسالك (١/ ٥١٨ وما بعدها)، شرح الأشموني (١/ ٢٧٨).
(٢) رواه البخاري (٢٠١٧) في فضل ليلة القدر، ومسلم (١١٦٩) في الصيام.
(٣) غير واضحة بالأصل. ولعلها: "أنّ". والمثبت من (ب).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٣٨٩)، شرح التصريف (ص ٢٨٦، ٢٨٧، ٤٣٥)، شرح المفصل لابن يعيش (٥/ ٢٩٢)، شرح ابن عقيل (٤/ ٢١٧، ٣٠٠)، شرح التصريح (٢/ ٣٠٩).
(٦) كذا بالنسخ. ولعل الصواب: "ثاني".
(٧) غير واضحة بالأصل. ولعلّها: "تتحرك". وفي (ب): "بتحركه".
(٨) غير واضحة بالأصل. وبياض في (ب). والمثبت ما يبدو بالأصل.
(٩) كذا بالنسخ. ولعل الصواب: "يبيع"
(١٠) انظر: المقتضب (٢/ ٨٨).
[ ٢ / ٤١٢ ]
فإنْ سكن ثاني حَرف المضَارعة: اجتُلبت له الهمزة، فتقُول في الأمر من "يضْرب": "اضرب"، ومن "يشْرب": "اشرب". (١)
وفي الكَلام حَذْفٌ يدُلُّ عَليه السّياق، أي: "قَالَ لأصْحَابه: تحروا ليلة القَدْر في ليالي أيام الوتر"، فتسميتها بـ "ليلة الوتر" حَقيقية، وتسميتها "ليلة القَدْر" مَجَاز.
وإنما سُمّيت (٢) بذلك: لأنّ الله تعالى يَقْضِي فيها ويُقَدّر الأشْياء. وهو مَصْدَر "قَدّر الله الشّيء قَدْرًا وقَدَرًا"، كـ "نَهْر ونَهَر" و"الشِّعْر والشَّعَر".
وقيل: سُمّيت بذلك لأنّ كُلّ مَن لم يكُن له [قَدْر] (٣) إذا تَدَارَكَها يصير فيها ذا قَدْر وخَطَر.
وقيل: لأنّه أنزل فيها الكتاب ذا قَدْر.
وقيل: لأنّه قَدّر الرّحمة فيها.
وقيل: لأنّ الأرضَ تضيق فيها بالملائكة، من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]. (٤)
قَالَ في "الصّحاح": يُقَال: "فُلانٌ يتَحَرّى الأمر"، أي: "يتَوَخّاه ويقْصِده". وتحرّى فُلَانٌ بالمكان"، أي: "تَمَكَّث". وقَوله تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤]، أي: "تَوَخّوا وعَمَدوا". (٥)
_________________
(١) انظر: المقتضب (٢/ ٨٨)، سر صناعة الإعراب (١/ ١٢٥)، درة الغواص (ص ٤٦)، شرح المفصل (٥/ ٢٧٦، ٣٠٧)، اللمحة (١/ ١٣٧).
(٢) أي: ليلة القَدْر.
(٣) بالنسخ: "قدرًا"
(٤) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٢٤٧، ٢٤٨)، تفسير البغوي (ط إحياء التراث، ٥/ ٢٨٣)، عُمدة القاري للعيني (١١/ ١٢٨، ١٢٩)، إرشاد الساري (٣/ ٤٢٩)، شرخ الزرقاني على الموطأ (٢/ ٣١٧).
(٥) انظر: الصحاح (٦/ ٢٣١١)، لسان العرب (١٤/ ١٧٣ وما بعدها).
[ ٢ / ٤١٣ ]
قوله: "في الوتْر": يتعَلّق بـ "تحرّوا". والألِف واللام في "الوتر" للجنس "من" أوتار "العَشر الأواخر". وتقَدّم الكَلامُ قبل هذا في "العَشر" ووصفها بـ "الأواخر".
و"الوِتْر": بفَتْح واوه وبكَسْرها، وهُو "الفَرْدُ". وفي الحديث: "إنّ اللهَ وَتْرٌ يُحِبُّ الوَتْرَ" (١). وأمّا "الوتر" بمَعْنَى "الذّحْل" (٢) فبالكَسْر لا غير، وحَكَى الأصمعي فيه اللغتين. وقُرئ: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] بفتح "الواو" وكسر "التّاء". (٣)
و"مِن" في قَوله "مِن العَشر" لبيان الجنس، أو للتبعيض.
وتقَدّم الكَلامُ على "مِن" وأقسَامها في العَاشر مِن أوّل الكتاب، وعلى "في" وأقسَامها في الرّابع مِن أوّل الكتاب، وعلى "عَن" وأقسَامها في الثّالث من "باب الصّفوف".
_________________
(١) مُتفقٌ عليه: البخاري (٦٤١٠) ومسلم (٢٦٧٧/ ٥) من حديث أبي هريرة.
(٢) الذّحْل: الثأر. وقيل: هو العداوة والحقد. وجمعه: أذحال وذحول. انظر: الصّحاح (٤/ ١٧٠١)، لسان العرب (١١/ ٢٥٦).
(٣) انظر: الصحاح للجوهري (٢/ ٨٤٢)، لسان العرب (٥/ ٢٧٣، ٢٧٤)، شمس العلوم (١١/ ٧٠٥٣).
[ ٢ / ٤١٤ ]
الحديث [الثّالث] (١):
[٢٠٤]: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ -: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ. فَاعْتَكَفَ عَامًا، حَتَّى إذَا كَانَتْ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ - وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنْ اعْتِكَافِهِ - قَالَ: "مَنْ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفْ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ، فَقَدْ [رأيتُ] (٢) هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ". فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَوَكَفَ [الْمَسْجِدُ] (٣)، فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَعلى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحِ إحْدَى وَعِشْرِينَ (٤).
قَالَ الشّيخ تقيّ الدّين: "الوسط" بضَم "السين" وفتحها. والأوْلى (٥): "الوُسُط"، بضَم "السين". (٦)
قُلتُ: ورَجّح بعضُهم فتح "السين"، تشبيهًا له بـ "أُخَر" جمع "أُخْرَى". (٧)
وأمّا "الأوسَط" فكَأنّه أراد انقسام الشّهر إلى ثلاثة أعشار. (٨)
قَال "تقيّ الدّين": وإنّما رَجح الأوّل لأنّ "العَشر" اسم لليالي؛ فيكون
_________________
(١) بالنسخ: "الثاني".
(٢) كذا بالنسخ، وعليه شرح ابن فرحون، وهو ما في "الإعلام لابن الملقن" (٥/ ٤١٨) وشرح ابن الملقن على "أُريت". وفي "العُمدة" (ص ١٤٤): "أُريت".
(٣) سقط من النسخ. والمثبت من "العُمدة" (ص ١٤٤).
(٤) رواه البخاري (٢٠٢٧) في الاعتكاف، ومسلم (١١٦٧) في الصيام.
(٥) أي: الأوْلى أن يُقال فيه: "الوسُط" بَدَل "الأوسَط".
(٦) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٤٠)، الإعلام لابن الملقن (٥/ ٤١٨).
(٧) انظر: الإعلام لابن الملقن (٥/ ٤١٨).
(٨) انظر: إرشاد الساري للقسطلاني (٣/ ٤٤٤)، إحكام الأحكام (٢/ ٤٠)، الإعلام لابن الملقن (٥/ ٤١٨، ٤١٩).
[ ٢ / ٤١٥ ]
[وضعها] (١) جمعًا لائقًا بها. (٢)
قلتُ: أمّا "وسط": فإنهم قَالوا فيما كَان [مُتفرّق الأجزاء] (٣)، كـ "الدّار" و"الرأس": هو بالفَتْح. وقيل: [كُلّ مَا] (٤) يصْلح فيه "بين" فهو بالسّكُون، وما لا يصْلح فيه "بين" فهو بالفَتْح. وقيل: [كُلّ] (٥) منهما يَقَع مَوقع الآخَر. (٦)
قوله: "كان يعْتَكِف": جملة "كَان" واسمها وخبرها في محلّ خبر "أنّ". وجملة "يعتكف" في موضع خبر "كَان".
و"في العَشر": يتعلّق بـ "يعتكف"، ولم يقُل: "يعتكف العشر"، وعلى هذا لا يلزم [أنّه] (٧) اعتكفها كُلّها إلّا من حديثٍ آخَر.
و"من رَمَضان": يحتمل أنه يتعلّق بحَال من "العشر"، أي: "في حال [كونها من] (٨) رمضان"، أي: "متوسطة رَمَضَان". ويحتمَل أنْ يتعلّق بـ "الأوسَط"؛ لأنّ معناها: "المتوسطة".
_________________
(١) كذا يظهر بالنسخ، وهو ما في "الإعلام لابن الملقن" (٥/ ٤١٨). وفي "إحكام الأحكام" (٢/ ٤٠): "وصفها".
(٢) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٤٠)، الإعلام لابن الملقن (٥/ ٤١٨).
(٣) كذا بالنسخ. لكن العبارة في "النهاية" لابن الأثير (٥/ ١٨٣) هي: "الوَسْطُ: بالسكون، يقال فيما كان متفرق الأجزاء غير متصل، كالناس والدوابّ وغير ذلك، فإذا كان متصل الأجزاء - كالدار والرأس - فهو بالفتح".
(٤) بالنسخ: "كلما".
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: الكواكب الدراري (٣/ ٢٠٦، ٢٠٧)، عُمدة القاري (٣/ ٣١٦)، شرح سنن أبي داود (١/ ٣٠٦)، نيل الأوطار (٢/ ٣١٥)، نخب الأفكار (٥/ ٤٠٦)، النهاية لابن الأثير (٥/ ١٨٣)، لسان العرب (٧/ ٤٢٩)، مجمع بحار الأنوار (٥/ ٥١).
(٧) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "أنه كان".
(٨) غير واضحة بالأصل. ولعل الصواب: "كونها وسط". والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٤١٦ ]
قوله: "فاعتكف عَامًا": معطُوفٌ على "اعتكف". و"عامًا": ظرفُ زمان، أي: "في عام"، فهو منصوبٌ بتقدير "في"، مفعولٌ على السّعة.
ويحتمل أنْ يكُون التقدير: "فاعتكفها عَامًا"؛ [فحُذِف] (١) الضّمير العَائد على "العَشْر الأوْسَط"؛ للعِلْم به [ومَا] (٢) دَلّ عليه سياق الكَلام. فيكُون "عَامًا" ظَرف زَمَان مُقَدّر بـ "في".
و"اعتكف": يتعَدّى إلى الظّرف والمصْدَر، ولا يتعَدّى إلى مفعول به إلا على السّعة. (٣)
و"العَام": مَصْدَر "عَامَ" - إذا "سَبح" - "يعُوم عَومًا وعَامًا"، فالإنسانُ يعُوم في دُنياه على الأرض طُول حَياته حتى يأتيه الموت فيغرق. (٤)
قوله: "حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين": "حتى" حرف ابتداء، وليست جَارّة لـ "إذا" ولا لجملة الشّرط والجزاء. (٥)
ومعنى الابتداء فيها: أنْ يصلُح وقُوع المبتدأ بعْدَها، لا أنّه يلزَم وقوعه بعدها. ألا تَرَى أنّها في نحو: "ضَربتُ القَوم حتى زيدًا" [حرف] (٦) ابتداء، وإنْ كَان ما
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) راجع: تفسير القرطبي (١٥/ ٢٨٧)، شمس العلوم (٧/ ٤٤٢٥).
(٤) انظر: إرشاد الساري للقسطلاني (٣/ ٤٣٩)، الإعلام لابن الملقن (٥/ ٤١٩)، التعاريف للمناوي (ص ٢٣٣).
(٥) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٤٧٠، ٤٧١)، عُقود الزبرجَد للسيوطي (١/ ٢٤٠)، مُغني اللبيب (ص ١٢٩، ١٧٣ وما بعدها)، شرح التسهيل (٣/ ١٦٦ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ١٣١)، (٣/ ١٢٥٠)، الجنى الداني (ص ١٨٩، ٣٦٧ وما بعدها، ٥٥٤، ٥٥٥)، الكُليات للكفوي (ص ٣٩٦)، الهمع للسيوطي (٢/ ١٧٩، ٣٨١)، موصل الطلاب (ص ١٠٤ وما بعدها).
(٦) بالنسخ: "ضربت حتى"، ثم ضرب ناسخ الأصل على "ضربت".
[ ٢ / ٤١٧ ]
بعدها منصوبًا. (١)
و"حتى" إذا وقع بعدها "إذا" احتمل أن تكون بمعنى "الفاء"، أي: "فإذا كانت"، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ [الزمر: ٧١، ٧٣]، أي: "فإذا جَاءوها"، أو بمَعنى "إلى [أنْ] (٢) ". (٣)
فإذا كانت بمعنى "إلى أنْ" - كما هي هُنا - يكون التقدير: "كان يعتكف في العشر الأوسَط، فاعتكف عامًا، إلى أنْ قَال وقْتَ خُروجه من مُعتكَفه ليلة إحدى وعشرين: مَن اعتكف معي".
قالوا: ولا بُدّ من هذا التقدير في استعمال "حتى" بمعنى الغاية؛ لأنّ الغَاية لا تُؤخَذُ إلّا مِن جَوابِ الشّرط. (٤) وقَد تقَدّم ذلك في الحديث الثّاني من "السّهو".
وجَوّز "الزمخشري" أنْ تكُون (٥) مع "إذا" الجارّة. [واختاره] (٦) "ابن مالك". (٧)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٤٧٠)، شرح التسهيل (٣/ ١٦٦ وما بعدها)، شرح المفصل (٤/ ٤٦٥، ٤٦٨)، الهمع (٢/ ٤٢٦).
(٢) بالنسخ: "أن جاءوها"، ثم ضرب ناسخ الأصل على "جاءوها".
(٣) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٤٧٠)، عقود الزبرجد للسيوطي (١/ ٢٤٠)، الجنى الداني (ص ٣٧١، ٣٧٢).
(٤) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (١/ ٥٢٩)، (٤/ ٤٧٠)، إرشاد الساري (١/ ٢٢٩)، (٩/ ٤٢٨)، (١٠/ ١٠٣)، عُقود الزَّبَرجَد للسيوطي (٣/ ١٨)، مُغني اللبيب (ص ١٦٩)، الجنى الداني (ص ٥٥٤، ٥٥٥)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٢٥٠)، شرح شُذور الذهب للجوجري (٢/ ٥٢٨)، موصل الطلاب (ص ١٠٤ وما بعدها)، همع الهوامع (٢/ ٣٨١)، الكُليات للكفوي (ص ٣٩٦).
(٥) أي: "حتى".
(٦) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "وصورها". وانظر: الجنى الداني (ص ٣٧١، ٣٧٢).
(٧) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٤٧١)، عُقود الزبرجَد (١/ ٢٤٠)، الجنى الداني =
[ ٢ / ٤١٨ ]
قوله: "ليلة إحدى": فاعلُ "كان"؛ لأنّها التامّة، بمعنى "حدث" أو "وقع". وتقَدّمت أقسَام "كَان" في الحديث الأوّل من الكتاب، وأقسام "حتى" في الثّاني منه أيضًا.
وتمييزُ العَدَد هنا محذوفٌ، أي: "كانت ليلة إحدى وعشرين"، ومع المذكّر "أحد وعشرون". وتقَدّم العَدَد في الثّالث من "التيمم".
قوله: "وهي الليلة التي يخرج من صَبيحتها": الضّمير في "وهي" يعُود على "الليلة" المضَافَة إلى "إحدى"، ولا يعُودُ على "الليلة" [المميزة] (١)؛ لأنها لبيان جنس العَدَد. وهذه المضَافَة من الظروف المختصّة، فزَادَهَا تأكيدًا وبَيَانًا بقوله: "وهي الليلة التي يخرُج من صَبيحتها"؛ فـ "هي" مُبتدأ، و"الليلة" خَبره، و"التي" وصلتها، وعائدها صِفَة لليلة، وفَاعِلُ "يخرُج": "ضَميرُ النبي - ﷺ -"، والضّمير في "صَبيحتها" هو العَائدُ على "النبي".
قوله: "من صَبيحتها": يتعلّق بـ "يخرج"، و"من" بمعنى "في"، كما تقَدّم، أو تكُون التي لابتداء الغاية في الزّمان. (٢)
وقد اختلف في ذلك، فمنع أكثر النحويين من البصريين مجيئها لابتداء الغاية في الزمان، وقال به الكُوفيون ومَن وافقهم من البصريين، واختاره ابن مالك، واستدل على ذلك بظواهر من الكتاب والسنة. (٣)
_________________
(١) = (ص ٣٧١، ٣٧٢).
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "المبينة".
(٣) انظر: اللمحة (١/ ٦٤)، شرح الكافية الشافية لابن مالك (٢/ ٧٩٦، ٧٩٧)، شرح الأشموني (٢/ ٧٠).
(٤) انظر: البحر المحيط (٥/ ٥٠٤)، إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص ٤٠)، شَواهِد التَّوضيح (ص ١٨٩)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (١/ ٣٠٦ وما بعدها)، اللمحة (١/ ٦٤)، شرح التسهيل (٣/ ١٣١ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٧٩٦، ٧٩٧)، شرح الأشموني (٢/ ٧٠)، شرح ابن عقيل (٣/ ١٥)، =
[ ٢ / ٤١٩ ]
قال ابنُ مالك: مما خَفي على أكثر النحويين - فمنعوه تقليدًا - في قولهم: إنّ "من" لابتداء الغَاية في الأماكن، و"مُذ" لابتداء الغاية في الزمان والأحيان. ومن الشّواهد على وقوعها للزّمان قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨].
ومِن ذلك في الحديث: " [أَرَأَيْتُمْ] (١) لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا. . ." (٢)، وفي حديث عائشة: "فَجَلَسَ عِنْدِي، وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مِنْ يَوْمِ قِيلَ [فِيَّ مَا قِيلَ] (٣) " (٤).
ومنه: "فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ" (٥)، [وقَوله] (٦): "فَمُطِرْنَا مِنَ الجُمُعَةِ إِلَى الجُمُعَةِ" (٧). (٨)
ويحتمل أنْ يكُون "مِن اعتكافه" بَدَل من قوله "صَبيحته"، ويكون التقدير: "من زَمَن اعتكافه".
_________________
(١) = توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٧٤٩)، شرح المفصل (٣/ ١١٦، ١١٩)، (٤/ ٤٥٩).
(٢) كذا بالنسخ، وهو ما في إحدى روايات صحيح البخاري. وهي في أكثر المصادر: "أرأيتكُم". والله أعلم.
(٣) متفقٌ عليه: البخاري (١١٦، ٥٦٤) ومُسلم (٢٥٣٧/ ٢١٧) من حديث ابن عمر، ووَرَد في إحدى روايات البخاري: "أرأيتم".
(٤) بالنسخ: "فيما قيل قيل". والمثبت من المصادر.
(٥) صَحيحٌ: البخاري (٢٦٦١) من حديث عائشة.
(٦) مُتفقٌ عليه: البخاري (٢٠٩٢) ومُسلم (٢٠٤١/ ١٤٤) من حديث أنس.
(٧) بالنسخ: "قوله". والمثبت الصواب.
(٨) صَحيحٌ: البخاري (١٠١٦) من حديث أنس.
(٩) انظر: شَواهِد التَّوضيح (١٨٩، ١٩٠)، شرح التسهيل (٣/ ١٣١ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٧٩٦، ٧٩٧)، عقود الزبرجد (٢/ ١٧)، الهمع (٢/ ٤٦٠).
[ ٢ / ٤٢٠ ]
وإن قدّرت "من اعتكافه" [بمَعنى] (١) "مكان اعتكافه"، فتكون "من" للابتداء في المكان؛ فيختلف معنى حَرفي الجر، ويصحّ تعلّقهما [بـ "يخرج"] (٢).
وإنْ قدّرت "مِن" بمَعنى "في"، كما تقَدّم، حتّى يكُون التقدير: "يخرج من صَبيحتها من مَكان اعتكافه"؛ صَحّ تعلّقها بالفِعْل أيضًا.
ولك أنْ تُقَدّر "مِن" الثّانية مُتعَلّقة بحَال، أي: "الليلة التي يخرج من صبيحتها".
قوله: "قال": أي: "النبي - ﷺ -"، هو جَوابُ الشّرط. وهل هو (٣) العَامِلُ في "إذا"، أو العامل فيها فعلها؟ وقد تقَدّم الخلافُ في ذلك في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب.
والجملة التي بين "إذا" وجَوابها مُعترضة، لا محلّ لها من الإعراب، والجملُ التي لا محلّ لها من الإعراب مذكُورة في أوّل حَديثٍ من هذا الكتاب.
قوله: "مَن اعتكف معي": "مَن" في موضع مبتدأ، شَرْطيّة، وخبرها فعلها.
قوله: "مَعي": ظرفٌ، ومخفوضٌ به، يتعلّق بـ "اعتكف". وتقَدّم الكَلامُ على "مع" ومواضعها في الأوّل من "المسح على الخفّين".
قوله: "فلَيْعْتَكِف" في "العَشر الأوَاخِر": "الفَاءُ" سَببية، و"اللام" لام الأمر، و"يعتكف" مجزوم بها. والمراد: "مَن كان اعتكف معي". ولا يصح أن يعمَل فيه " [فليعتكف] (٤) "؛ لأنّ "الفَاء" تمنَع مِن ذلك.
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) طمس بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) أي: جواب الشرط.
(٤) غير واضحة بالأصل. والأقرب أنها: "فيعتكف". والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٤٢١ ]
قوله: في "العَشر الأوَاخِر": يتعَلّق [بـ "مُعْتَكِف"] (١). وتقَدّم الكَلامُ على "العشر الأواخر" قريبًا من هذا الحديث.
قوله: "وقَد رَأيتُ هَذِه الليلَة": "رأيتُ" هي الحِلْمية العِلْمية (٢)، وقَد تقَدّمَت. و"هَذه" مفْعُول أوّل، والثّاني محذُوف، أي: "مُصَوّرَة أو ممثّلَة". و"الليلة" صِفَة لـ "هذه".
و"الليلة" تقع على "الليل إلى زَوال الشّمس". فإذا قُلت: "فَعَلتُ الليلة" جَاز وقُوع الفِعْل من طُلوع الفَجر إلى زَوَال الشّمس. فإذا زالت (٣) قيل: "فعلنا البارحة". ووقُوعُ الرؤية بها صَيّرها مفعُولًا به، وإلا كانت ظَرفًا زَمَانيًا مُقَدّرَةً بـ "في"، كقَولك: "خَرَجْتُ هَذه الليلة" ونحوها. (٤)
ومَن قَال: إنّ الرّؤية الحِلْمية بَصَريّة؛ لم يحتَج إلى تقْدير مفعُول ثان. (٥)
قوله: "ثُمّ أُنسيتها": معطُوفٌ على "رأيتُ". والفِعلُ رُباعي، من "أُنْسِيَ يُنَسّى" (٦).
قوله: "وقد رأيتني": تقَدّم أنها حِلْميّة، فهي فِعْل وفَاعِل و"نون" الوقاية
_________________
(١) كذا بالنسخ.
(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر (٤/ ٢٥٨)، إرشاد الساري (٩/ ٧٤، ٤٤٦)، (١٠/ ١٣٠)، عقود الزبرجد (٢/ ٣٥٦)، التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي (٢/ ٤٨٠)، أوضح المسالك (٢/ ٤٤، ٤٥)، شرح التصريح (١/ ٣٦٥، ٣٦٦)، التسهيل لابن مالك (ص ٧١)، شرح التسهيل (٢/ ٧٦، ٨٣).
(٣) أي: الشمس.
(٤) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٥٠)، مرعاة المفاتيح (٧/ ١٢٨)، الإعلام لابن الملقن (٥/ ٤٢٢)، شرح المفصل (٣/ ٦٢)، (٤/ ٣٦١)، تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٢٤)، المصباح (١/ ٤٢)، لسان العرب (٢/ ٤١٢)، تاج العروس (٦/ ٣٠٦ وما بعدها).
(٥) راجع: فتح الباري (٤/ ٢٥٨)، إرشاد الساري (٩/ ٧٤، ٤٤٦)، (١٠/ ١٣٠)، عقود الزبرجد (٢/ ٣٥٦)، التيسير بشرح الجامع الصغير (٢/ ٤٨٠).
(٦) راجع: لسان العرب (١٥/ ٣٢٤)، تاج العروس (٤٠/ ٨٠، ٨١).
[ ٢ / ٤٢٢ ]
ومفعُول؛ فيُعَدّى الفِعْلُ إلى ضَمير الفَاعِل والمفعُول، كما هو في سائر أفعال القُلوب (١).
وعلى قَول مَن يقُول: إنّ الحِلْميّة بَصَريّة؛ يكُون إجرائها مجرَى العِلْميّة في تعدّيها إلى الفَاعِل والمفعُول. (٢)
وجملة "أَسْجُدُ": في محلّ مفعُوله الثّاني.
قوله: "في مَاءٍ وطين": مُتعلّق بـ "أسجُد".
و"من صَبيحتها": يحتمل أنْ تكُون "مِن" فيه بمعنى "في"، كما تقَدّم؛ فيتعلّق بـ "أسجُد".
ويحتمل أنْ يتعلّق "من صَبيحتها" بصفة لـ "مَاء وطين"، أي: "كائنين في صبيحتها"، وتكُون "صبيحتها" [اسمًا] (٣) لـ "صَلاة الصّبح"، وقَد وَرَدَ "أنّه سَجَدَ في صَلَاةِ الصّبْح في مَاءٍ وطِينٍ" (٤). (٥)
قوله: "فالتمسُوها في العَشْر الأواخر": تقَدّم إعرابه. "والتمسوها في كُلّ وِتر": يعني: "منها"، أي: "من العشر"؛ فتكون صِفَة مُقدّرَة.
قوله: "فَمَطَرَتِ السّماء". قَالَ الجوهري: "مَطَرَتِ السّماء"، "تمطر" "مَطَرًا"، و"أمطَرَهَا الله"، و"قد [أُمْطرنا"] (٦). قَال: وناسٌ يقُولون: "مَطَرَت السّماء"
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري للقسطلاني (٣/ ٤٣٤)، مرعاة المفاتيح (٧/ ١٢٧)، شرح التسهيل (٢/ ٩٢)، شرح الأشموني (١/ ٣٦٠ وما بعدها، ٣٧١)، الجنى الداني (ص ٢٤٤)، الهمع للسيوطي (١/ ٣٠٢).
(٢) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ١٣٠).
(٣) بالنسخ: "اسم".
(٤) صحيح: مسلم (٢٨٢٦، ٢٨٢٩) من حديث أبي سعيد.
(٥) راجع: إرشاد الساري (٣/ ٤٤٠)، مرعاة المفاتيح (٧/ ١٢٧، ١٢٨).
(٦) كذا بالنسخ. وفي "الصّحاح": "مُطرنا".
[ ٢ / ٤٢٣ ]
و"أَمْطَرت" بمَعنى. (١)
فقوله: "فمَطَرت السّماء": فِعلٌ وفَاعِل.
و"تلك": ظَرْفُ زَمَان؛ لأنّه وُصف بالظّرف، وما وُصف بالظّرف ظَرف (٢). والتقدير: "في تلك الليلة".
والألفُ واللام في "الليلة" للعَهْد، أي: "لَيْلَة القَدْر".
قوله: "وكَانَ المسْجِد على عَريش": جملة مُعترضة، لا محلّ لها. ويحتمل أنْ تكُون في محلّ الحال، [أي] (٣): "وقَد كَان المسْجدُ على عَريش".
و"عَريش": فَعيلٌ، بمعنى "معْروش". ومنه: "العَرْش". وجمعُ "العَريش": "عُرُش". وعَن ابن عُمَر "أنّهُ كَانَ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إِذَا نَظَرَ إِلَى عُرُوشِ مَكَّةَ" (٤)، أي: "بيوتها"، وسُمّيت عُروشًا؛ لأنّها كَانت عيدانًا تُنْصَب وتُظلَّل. (٥)
قوله: "فوَكَف المسجد": "وَكَف": "قَطَر". يُقَال: "وَكَفَ [الماء] (٦)، يَكِفُ، وَكْفًا، ووكوفًا"، و"وَكَفَ الدّمعُ، وكيفًا، ووَكَفَانًا، ووكفًا"، بمعنى "قَطَر". (٧)
_________________
(١) انظر: الصّحاح للجوهري (٢/ ٨١٨)، جمهرة اللغة (٢/ ٧٦٠)، لسان العرب (٥/ ١٧٨)، المصباح المنير (٢/ ٥٧٥).
(٢) راجع: إرشاد الساري (٨/ ١٨٧)، الأصول في النحو (٢/ ٢٩٢).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) رواه ابن خزيمة في صَحيحه (٢٦٩٦، ٢٦٩٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩٤٠٨). وانظر: إرواء الغَليل للألباني (٤/ ٢٩٨/ برقم ١٠٩٩).
(٥) انظر: الصّحاح (٣/ ١٠٠٩، ١٠١٠)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٠٧، ٢٠٨)، المحكم والمحيط الأعظم (١/ ٣٦٢)، لسان العرب (٦/ ٣١٤، ٣١٥)، المصباح المنير (٢/ ٤٠٢)، تاج العروس (١٧/ ٢٥٥).
(٦) بالنسخ: "السماء". وانظر: العين (٥/ ٤١٣) ولسان العرب لابن منظور (٩/ ٣٦٢). وكتب في مصادر أخرى: "البيت".
(٧) انظر: الإعلام لابن الملقن (٥/ ٤٢١)، الصحاح (٤/ ١٤٤١)، النهاية لابن الأثير =
[ ٢ / ٤٢٤ ]
وفَاعِلُ "وَكَفَ": ضَميرٌ يعُود على مُضَاف محذُوف، أي: "فوَكَف سقفُ المسجد أو عَريشه".
قوله: "فأبْصَرَت عَيْنَاي": "تاءُ" التأنيث تَلْحَق الفِعْلَ عَلامةً لتأنيث الفَاعِل المثنّى، كَما تَلْحَق المفْرَد، ومنه قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]. والفَاعِلُ مُضَافٌ إلى "يَاء" المتكَلّم، وعَلَامَة رَفْعِه "الألف". (١)
قوله: "وعلى جَبْهَتِه": الجملة في محلّ الحال. و"أَثَرُ": مُبتدأ، والخبر في المجرور.
فإنْ قُلتَ: ما فائدةُ ذِكْر الماء، والطّينُ لا يكُونُ إلا ومعه الماء؟
قلتُ: يحتمل أن يُفارِق الماءُ الطّين، والطّينُ الماء، فلما صَدَق الله رُؤيا النبي - ﷺ - في عَلامة لَيْلة القَدْر بالسّجود في الماء والطين اختلط الماء بالطين في المسجد، وسجد فيه - ﷺ -، وظهر أثرهما مجتمعين على وجهه - ﷺ -، وثَبَت عند أصحابه - ﵃ - أنّها الليلة؛ لوجُود تلك العَلامَة ولخبره - ﷺ - عنها بذلك.
قوله: "مِن صُبح إحْدى وعشرين": إنْ جَعَلنا "مِن" بمعنى "في" - كَما تقَدّم - ظَهَر المعْنى، وتكُون "صَلاة الصّبح". ويحتمل أن تكُون على بابها، وتتعلّق [بحَال] (٢) من قوله: "أَثَرُ الماء"، أي: "مَوجُودًا من صُبح"؛ فتكُون "مِن" لابتداء الغَاية في الزّمان.
***
_________________
(١) = (٥/ ٢٢٠)، لسان العرب (٩/ ٣٦٢ وما بعدها)، تاج العروس (٢٤/ ٤٨٠).
(٢) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٧١)، ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (١٣/ ٣٠٤)، شرح التسهيل (٢/ ١١٠، ١١١، ١١٦)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٥٩٥)، شرح المفصل (٣/ ٣٥٣)، (٤/ ٢٠٦)، (٥/ ١٥٠).
(٣) غير واضحة بالأصل. ولعلها: "بحاله". والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٤٢٥ ]
باب الاعتكاف
الحديث الأوّل:
[٢٠٥]: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَعْتكِفُ في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ - ﷿ -. ثُمَّ اعْتكَفَ أَزْوَاجُهُ بَعْدَهُ" (١).
وَفي لَفْظٍ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَعْتَكِفُ في كُلِّ رَمَضَانَ، فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاءَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ" (٢).
قوله: "أنّ رسُولَ الله - ﷺ -": جملة "أنّ" معمُولة لمتعلّق حَرف الجر، على ما تقَدّم. وجملة "كَانَ. . .": في محلّ خَبر "كَان". وحَرفُ الجر يتعلّق بـ "يعتَكِف". وتقَدّم الكَلامُ على "العَشر الأواخر".
و"من رَمَضَان": يتعلّق به. و"مِن" يجُوز أنْ تتعلّق بحَال من "العَشر"، أي: "في حَال كَونها من رَمَضان"؛ و"مِن" لبيان الجنس، ويَصحّ فيها التبعيض.
و"رَمَضَان": لا ينصرف (٣)، وتقَدّم الكَلامُ عليه في الحديث الثّالِث من "باب الصّوم في السّفر".
والتقدير: "في زمن العَشر". ولولا هذا التقدير لكان ظاهره [أنّه] (٤) لا يعمّها بالاعتكاف؛ لأنّ "في" تقتضي الظّرفية، ولو اعتكف يومًا من العَشر الأَوَاخِر صَدَق عليه أنّه اعتَكَف فيها، وليس هو المرادُ؛ لأنّه كان يعتَكِفها بكَامِلها.
_________________
(١) رواه البخاري (٢٠٢٦) في الاعتكاف، ومسلم (١١٧٢) (٥) في الاعتكاف.
(٢) رواه البخاري (٢٠٤١) في الاعتكاف.
(٣) انظر: البحر المحيط (٢/ ١٧٣)، الصّحاح (٣/ ١٠٨١)، لسان العرب (٧/ ١٦١)، تاج العروس (١٨/ ٣٦٤)، النحو الوافي (٤/ ٢٣٣).
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "أن".
[ ٢ / ٤٢٦ ]
قوله: "حتّى توَفّاه الله": "حتّى" هُنا بمَعنى "إلى أَنْ"، حَرْفُ ابتداء. ولا يصحّ هنا تقديرها بـ "كَي" ولا بـ " [إلّا] (١) أنْ". وجَاءَ إبدالُ "الحاء" عَينًا، وهي لُغَة هُذيل، وسُمِع فيها الإمَالَة. (٢) وتقَدّم الكَلامُ على "حتّى" في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب.
قوله: "ثم اعتكف أزْوَاجه بعده": يعني: "في العَشر الأَوَاخر وغيرها"؛ فالمعْمُولُ محذُوفٌ. و"بعْده" العَامِلُ فيه: "اعتكف".
قوله: "وفي لَفْظٍ: كَانَ رَسُولُ الله": أي: "وَجَاء في لَفْظٍ" أو "رُوي"؛ فيتعَلّق حَرْف الجر بالمقَدّر، وتكُون "كَان" ومَا بعْدَها في محلّ رَفْع، إمّا فَاعِل ["جَاء"، أو] (٣) مفْعُول لم يُسَمّ فَاعِله، ويكُون الإسْنادُ إلى اللفظ (٤) لا إلى مَدْلُوله.
وجُملة "يعْتَكِف": في محلّ خَبر "كَان".
قوله: "في كُلّ رَمَضَان": أي: "في كُلّ شَهْر رَمَضَان". و"رَمَضَان" هُنا
_________________
(١) بالنسخ: إلى".
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٣٠، ٥٢٩)، (٦/ ٢٧٤)، اللباب في علوم الكتاب (٩/ ١٠٤)، (١١/ ٩٨، ٩٩)، الدر المصون (٦/ ٤٩٥)، التيسير في القراءات السبع (ص ٤٦)، جمال القراء للسخاوي (ص ٦٢٦ وما بعدها)، إيضاح الوقف والابتداء (١/ ٤١٥)، إرشاد الساري (١/ ٢٢٩)، (٩/ ٤٢٨)، (١٠/ ١٠٣)، الكتاب (٤/ ١٣٥)، سر صناعة الإعراب (١/ ٢٥٤)، الجنى الداني (ص ٥٥٤، ٥٥٥، ٥٥٨)، مُغني اللبيب (ص ١٦٩ وما بعدها)، توضيح المقاصد (٣/ ١٢٥٠، ١٥٠٢)، شرح الشُذور للجوجري (٢/ ٥٢٨)، شرح ابن عقيل (٣/ ١٢)، مُوصل الطلاب (ص ١٠٤ وما بعدها)، الهمع (٢/ ٣٨١)، الكُليات للكفوي (ص ٣٩٦)، همع الهوامع (٢/ ٤٢٥)، (٣/ ٤٢٤، ٤٢٥)، تهذيب اللغة (٥/ ١٢٩)، لسان العرب (٢/ ٢٣)، تاج العروس (٤/ ٤٩٠)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٨١).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٢١٤)، شرح التصريح على التوضيح (١/ ٤٥)، حاشية الصبان (١/ ٥٦، ٨١).
[ ٢ / ٤٢٧ ]
مَصرُوف؛ لأنّه لم يُرد "رَمَضَانَ" [سَنَةٍ بعَينها] (١).
قوله: "فَإذَا صَلّى الغَدَاة": أي: "صَلَاة الغَدَاة" أو "صَلَاة وَقْتِ الغَدَاة". وإنْ كَان "الغَدَاة" مِن أسْماء "صَلَاة الصّبح" (٢) فلا يحتَاجُ إلى تَقْدير، وإلا فهُو مَصْدرٌ مُضَافٌ إلى ظَرْفه.
قوله: "جَاءَ مَكَانه": "جَاء" يتعَدّى إلى مفعُول [به] (٣)، تقُول: "جئتُ زيدًا" أو "جئتُ المكَان" (٤)؛ فيكُون "مَكَانه" مفعُول به، وأصله: "إلى مَكَانه".
وكذلك كَان - ﷺ - يقُول (٥) في سَائر الصّلَوات، وإنّما خَصّت "الصّبح" بالذِّكْر؛ لأنّها مُفتتح صَلاة النّهار، وقبلها قيام الليل.
وقوله: "الذي اعتَكَف فيه": الصّلة والموصُول في محلّ صفة لـ "مَكَانه". و"فيه": يتعلّق بـ "اعتَكَف".
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: عُمدة القاري (٩/ ١٧٩)، مرقاة المفاتيح (٩/ ٣٧١٣).
(٣) طمس بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (٢٣/ ٣٢)، شرح المفصل (١/ ٤٥٠)، (٥/ ٥٢)، الخصائص (٢/ ٢٨٠).
(٥) هو من استعمال القول بمعنى الفعل.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
[الحديث الثّاني] (١):
[٢٠٦]: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: "أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهِيَ حَائِضٌ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا، يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ" (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ [أخْرَى] (٣): "وَكَانَ لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ" (٤).
وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: "إنْ كُنْتُ لأَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَةِ وَالْمَرِيضُ فِيهِ، فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إلَّا وَأَنَا مَارَّةٌ" (٥).
قوله: "أنَّها كَانَت": لا بُدّ هُنا من تقدير قَول، أي: "أنها قالت: كنت أُرَجّله"، ثُم أتى بحكاية خبرها عن نفْسها على طَريق الخبر عن فِعْلها؛ لأنّها هي الحاكية للحديث، فانتقل الكَلامُ من المتكلّم إلى الغَيبة بحَسب حِكَاية الرّاوي. ويحتمل أن يكُون الرّاوي عنها غيرها ممن شَاهَد فِعْلها (٦)، ولم يُذكَر، والواجبُ ذِكْره إنْ كَان.
وجملة "تُرجّل" في محلّ خَبر "كَان".
وجملة "وهي حائض" في محلّ الحال من فاعل "تُرجّل".
وجملة "وهو مُعتكِف" في محلّ الحال من "رسول الله - ﷺ -". و"الواو" فيهما "واو" الحال.
_________________
(١) بموضعه فراغ بالأصل. ورتّب الناسخ الأحاديث التالية له ونسي عَدّ هذا، ولهذا سوف يتم ترتيب الأحاديث التالية على الصّحيح. فتنبه.
(٢) رواه البخاري (٢٩٦) في الحيض، ومسلم (٢٩٧) (٩) في الحيض.
(٣) سقط بالنسخ، وأضيفت لأنّ ابن فرحون شَرَح عليها وذكر أنها موجُودة في نُسخة قُرئت على صاحب العُمدة. وهذا هو الموضع المناسب لها كما فهمته من الشرح.
(٤) مسلم (٢٩٧) في الحيض، وأحمد في "المسند" (٦/ ٢٦٢).
(٥) مسلم (٢٩٧) (٧) في الحيض.
(٦) بل الرّاوي عنها هو عُروة بن الزبير، وقد صرّح بأنها أخبرته. وراجع: البخاري (٢٩٦، ٢٠٤٦) ومُسلم (٢٩٧/ ٩).
[ ٢ / ٤٢٩ ]
ويجوز الحال من المضَاف إليه، ويكون العامِلُ في الحال العاملَ في المضاف إليه، وقيل: معنى الإضافة. (١)
وهل يجوز في "مُعتكف" النّصب على الحال؟ ويكُون خَبر "هو" في المجرور، أي: "وهُو كَائنٌ في المسْجد مُعتكفًا"، فينصب الحَال [مِن] (٢) الضّمير في "كَائن" المقَدّر في المجرور.
قُلتُ: أمّا على مَذْهَب البصريين فلا يجوزُ؛ لأنّ العَامِل ليس بفِعْل ولا مُشبه [للفِعْل، و] (٣) الحَالُ لا يتقَدّم إلا على العَامِل الفِعْلي أو مَا أشْبَه الفِعْل. (٤)
وأمّا على مَذْهَب الكُوفيين: فيتقَدّم الحالُ على العَامِل، مِن مَعْنويٍّ أو غيره. ومنه قَول الشّاعر:
إِذَا الْمَرْءُ أَعْيَتْهُ السِّيَادَةُ نَاشِئًا فمَطْلَبها كَهْلًا عليه شَديد (٥)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٦٤٦)، (٦/ ٤٨٢)، إرشاد الساري (١/ ٣٧٩)، عقود الزبرجد (٢١/ ٣٦١)، نتائج الفكر (ص ٢٤٥، ٢٤٦)، شرح الأشموني (٢/ ١٩ وما بعدها)، أوضح المسالك (٢/ ٢٦٩ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٧٠٧)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ٣٠٥، ٣٠٦).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: البحر المحيط (٨/ ٥٤٩)، شرح المفصل لابن يعيش (٢/ ٤٢)، اللمحة (١/ ٣٧٩، ٣٨٠)، التبيين عن مذاهب النحويين (ص ٣٨٣)، أسرار العَربية (ص ١٥١، ١٥٤)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (١/ ٢٠٣)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٧٤٣ وما بعدها، ٧٥٢ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٧٠٨ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ٢١)، شرح التصريح (١/ ٥٩٥).
(٥) البيتُ من البحر الطويل، وهو من الشعر الحماسي، يُنسب للمعلوط السعدي، أو لعبد الرحمن بن حسان. وفي رواية: ". . . عليه عسير". ويُروى: "أعيته المروءة". انظر: البحر المحيط (٨/ ٥٤٩)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٣٧٦)، نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب (ص ٤٤٦، ٤٤٧)، شرح لامية العجم للدميري (ص ١٠٤)، زهر الأكم في الأمثال والحكم (٣/ ١٨٣)، شرح الأشموني (٢/ ١٨).
[ ٢ / ٤٣٠ ]
فـ "كهلًا" حَالٌ من الضّمير في "عَليه" المجرور، والعَامِلُ فيه مَعْنَوي. (١)
وتحريرُ هذه المسأَلة - أعْني: مَسْأَلَة تَقَدّم الحَال على عَامِلها - أتْقَنَ ضَبْطها الشّيخ "جمال الدّين ابن هِشَام"، فقَال:
للحَال مَع عَامِلها ثَلاث حَالات: -
أحدها، وهي الأصْل: جوازُ التقديم على عاملها والتأخير، وذلك إذا كان العاملُ فعلًا مُتصرّفًا، نحو: "جَاء زَيد رَاكبًا"، يجوز: "رَاكبًا جَاء زيد"؛ لقُوّة العَامِل. ومنه قوله تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ﴾ [القمر: ٧]، فـ["خُشّعًا"] (٢) حَالٌ من الضّمير في "يخرجون"، وقد تقَدّم على عَامِله.
وقد يكُون العاملُ صفة تُشبه الفِعْل المتصرّف، نحو: "زيد مُنطلق مُسرعًا"، يجوز: "زيد مُسرعًا مُنطلقٌ"، فـ "مُسرعًا" حَالٌ من ضَمير "مُنطلق"، و"مُنطَلِق" صِفَة مُشبهة للفِعْل.
الحالة الثانية: أنْ تتقَدّم [الحالُ على] (٣) عَامِلها وجُوبًا، كما إذا كَان لها صَدْر الكَلام، نحو: "كيف جَاء زيد؟ ".
الحالة الثالثة: أن تتأخّر عنه وجُوبًا، وذلك إذا كَان العَامِلُ فِعْلًا جَامدًا، نحو:
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٨/ ٥٤٩)، شرح المفصل (٢/ ٤٢)، التبيين عن مذاهب النحويين (ص ٣٨٣)، أسرار العربية (ص ١٥١، ١٥٤)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (١/ ٢٠٣)، اللمحة (١/ ٣٧٩، ٣٨٠)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٧٤٣ وما بعدها، ٧٥٢ وما بعدها)، توضيح المقاصد (٢/ ٧٠٨)، شرح الأشموني (٢/ ١٨، ٢١)، شرح التصريح (١/ ٥٩٥)، جامع الدروس العربية (٣/ ٩٠، ٩١).
(٢) بالأصل في هذا الموضع وفي الآية: "خاشعًا".
(٣) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "معمولها على".
[ ٢ / ٤٣١ ]
"ما أحسنه مُقبلًا"، أو صفة تُشبه الفِعْل الجامِد، وهو اسمُ التفضيل، نحو: "هو أفصَحُ النّاس خَطيبًا"، أو مَصْدَرًا، نحو: "أعجَبني اعتكافُ أخيك صَائمًا"، أو اسم فِعْل، نحو: "نِزال مُسرعًا"، أو لفظًا مُضَمّنًا معنى الفِعْل دون حُروفه، نحو: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢]، أو يكون العَامِل عَرَضَ له مانعٌ، نحو: "لأصبر مُحتَسبًا" و"لأعتكفنّ صَائمًا"؛ فإنّ مَا كَان في حيز "لام الابتداء" أو "لام القَسَم" لا يتقَدّم [عليها] (١).
ويُستثنى من "أفعَل التفضيل": مَا كَان عَامِلًا في حَالين أحدهما [مُفَضّلة] (٢) عن الأخْرى؛ فإنه يجب تقديم الحال الفَاضِلة، كـ "هذا بُسرًا أطيب منه رُطبًا"، وقولك: "زيد مفردًا أنفع من عمرو مُعَانًا".
ويُستثنى مِن المضَمّن معنى الفِعْل دون حُروفه: أنْ يكُون ظَرفًا أو مجرورًا مخبرًا بهما؛ فيجُوز بقِلَّة توسُّط الحال بين المخبر عنه والمخبر به، [كقراءة] (٣) الحسَن: "وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٍ بِيَمِينِهِ" (٤)، وهو قولُ الأخْفَش. (٥)
إذا ثبت ذلك: فمَسْألتنا من هَذا القِسْم الجائِز بقِلّة؛ لأنّ "هُو" مُبتدأ، و"في المسْجد" خَبره، و"مُعْتكفًا" حَالٌ مِن ضَمير مُتعَلّق بحَرْف الجرّ، فتقَدّمه في قَولك: "هُو مُعتَكِفًا في المسْجِد"، كقَوله تَعَالى: "وَالسَّمَوَاتُ مَطْويَّاتٍ بِيَمِينِهِ" على قراءَة
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. ولعلها: "عليهما". والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "منفصلة".
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) من سورة [الزمر: ٦٧]. وقد قرأ بها - أي: بكسر التاء المنوّنة في "مطويات" - عيسى بن عُمر، وكذا قرأ الجَحدَريُّ. والنّاس على رَفعها. انظر: تفسير ابن عَطيّة (٤/ ٥٤١)، فتح القدير للشّوكاني (٤/ ٥٤٥).
(٥) انظر: أوضح المسالك (٢/ ٢٧١ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ٢١)، شرح التصريح (١/ ٥٩٤ وما بعدها).
[ ٢ / ٤٣٢ ]
"الحَسَن".
وهذا التقديرُ إنّما ذَكَرتُه تقريبًا للمُبتَدي وتمرينًا للمُنتهي؛ [لأنّ الرّواية] (١): "وهو مُعتكِفٌ في المسجد"، إلا أنْ يثبت غير ذلك.
قوله: "وهي في حُجرتها": جملة أخْرى حَاليّة [من] (٢) الضّمير في "تُرَجّل"، حَال بعْد حَال، وجَارٍ على قَول مَن أجاز تعَدّد الحال، وهُم الجمهور. (٣)
و"الْحُجْرَة": "الموضع المتحجّر - المنفرد - بحَائط أو غيره"، وجمعه "حُجَر" و"حُجرَات" بضَم "الجيم" [وفتحها] (٤)، كـ "غُرْفة وغُرَف غُرفَات". وأمّا "حَجْرة القَوم" فبفتح "الحاء" [أي: "ناحية دارهم"] (٥)، والجمع "حَجرات" كـ "جمرات"، ويجوز "حَجْر" كـ "جمر". (٦)
وجملة "يُناوِلها رَأسَه" في محلّ الحال في ضَمير "يعتكف"، أو جملة مُستأنفة لا محلّ لها من الإعراب. و"المناوَلة" مجازيّة، من مجاز التشبيه. و"الرّأس" مُذكّر بلا خِلاف.
قوله: "وفي رواية": يتعلّق حرف الجر بفِعل محذُوف، أي: "وجاء في رواية". وتكون جملة "أنّ عائشة. . . إلى آخره" مُبتدأ، والخبرُ في المجرور، أي: "في رواية: قول
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ١١٦، ١١٧)، مغني اللبيب (ص ٧٣٣)، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك (٢/ ٢٧٧ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ٢٦)، شرح التصريح (١/ ٦٠٢، ٦٠٣)، الصبان (٢/ ٢٧٤)، النحو الوافي (٢/ ٣٨٧).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
(٦) انظر: الصحاح (٢/ ٦٢٣)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٤٢)، لسان العرب (٤/ ١٦٨، ١٦٩)، المصباح المنير (١/ ١٢٢).
[ ٢ / ٤٣٣ ]
عائشة".
و"أخْرَى": صِفَة لـ "رواية"، وهي تأنيثُ "آخَر"، وعَلامة الجرّ فيه فتْحَة مُقَدّرة؛ لأنّه لا ينصَرف؛ لأَلِف التأنيث المقْصُورة. (١) وقَد تقَدّم في الحديث الثّالث من "باب العيدين" مِن الكَلام على "أخْرى" طَرَف، فليُنظر هُنالك. وليست لَفْظَة "أخْرَى" في كُلّ نُسَخ "العُمْدة"، ووَجَدتها في نُسْخَة قُرِئَت على "الشّيخ".
قوله: "وكَان لا يَدخُلُ البيت": فاعلُ "يدخُل": "ضَمير النبي - ﷺ -". والجملة مُستأنَفَة. وتَقَدّم الكَلامُ على تعَدّي "دَخَل" في الأوّل من "باب الاستطابة".
قوله: "إلا لحاجة الإنسان": الاستثناءُ مُفرغ، يعمَل ما قبل "إلّا" فيما بعدها (٢)؛ فتتعَلّق "لحاجَة" بـ "يدْخُل".
قوله: "وفي رِوَايةٍ": تقَدّم قَريبًا تعَلّق حَرف الجرّ به.
و"قَالَت": في محلّ خَبر "أنّ".
قوله: "إنْ كُنتُ": "إنْ" هُنا المخفّفة من الثقيلة، أي: "إنّي كُنت". و"كان" واسمها وخبرها في محلّ خَبر "إن".
و"اللام" في "لأدخُل" هي "اللام" الفَارِقَة بين المخفّفة والنافية. ودَخَلت "اللام" على خَبر "كان"؛ لأنّ "كَان" واسمها وخبرها أحَد جزأي خَبر "إن". وذَهَب الكُوفيون إلى أنّ "إنْ" في مِثْل هَذا نافية، و"اللام" بمَعنى "إلّا". (٣) وتقَدّم الكَلامُ على
_________________
(١) انظر: الصحاح (٢/ ٥٧٧)، شرح المفصل (١/ ١٦٣)، (٤/ ١٣٤، ١٣٥)، همع الهوامع (١/ ٩٧)، لسان العرب (٤/ ١٣، ١٤).
(٢) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٢٦٥)، (٥/ ٢٩٣)، (٧/ ١٢١)، أوضح المسالك (٢/ ٢٢٢)، مُغني اللبيب (ص ٥١٦)، شرح التصريح (١/ ٤١٤، ٥٣٩)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٣٤٢).
(٣) انظر: البحر المحيط (٢/ ١٧)، (٥/ ١٢٦)، التبيان في إعراب القرآن (١/ ١٢٤)، =
[ ٢ / ٤٣٤ ]
"إنْ" المخفّفة في الثّالث من "الصّوم"، ويأتي في الخامس مِن "الأطْعِمَة".
قوله: "والمريض فيه": "الواو" واو الحال مِن ضَمير عَائشة، وهو فَاعِلُ "أدخُل". و"فيه" يتعلّق بالخبر.
قوله: "فما أسأل عنه": "الفاءُ" عَاطِفَة، لا سَببَ فيه (١)، عَطَفَت جملة على جملة، و"مَا" نافية، و"أسأل" فِعْل مُضَارع. ونَفَت بـ "ما"؛ لأنها [أرَادَت] (٢) حَالة دُخُولها.
قوله: "وَأنَا مَارّة": جملة في محلّ الحال من فَاعِل "أسْأَل"؛ فالاستثناءُ مُفرغ؛ لأنّ العَامِل في الحال مُتَقَدّم على "إلّا" (٣).
الحديث [الثّالث] (٤):
[٢٠٧]: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً - وَفِي رِوَايَةٍ: يَوْمًا - فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. قَالَ: "أَوْفِ بِنَذْرِكَ". وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْضُ الرُّوَاةِ: يَوْمًا، ولا لَيْلَةً. (٥)
قوله: "قُلْتُ": معمُولُ "قَالَ". و"قَالَ": مَعمُول مُتعلّق حرف الجر. و"يا
_________________
(١) = الكشاف (٢/ ١٣٦)، الجمل في النحو للخليل (ص ٢٦٨، ٢٧٢)، شرح التسهيل (٢/ ٣٢ وما بعدها، ٧٦)، مُغني اللبيب (٣٦، ٣٧، ٣٠٥ وما بعدها)، شرح المفصل (٤/ ٥٣٢ وما بعدها، ٥٤٥ وما بعدها، ٥٤٨)، (٥/ ١٤٨)، شرح التسهيل (٢/ ٣٣ وما بعدها)، شرح الأشموني (١/ ٣٢٠)، جامع الدروس العربية (٢/ ٣٢٢).
(٢) انظر: شرح الشذور لابن هشام (ص ٤٤٣)، شرح القطر (ص ٩٣)، شرح ابن عقيل (٤/ ٣٨)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٩٣).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: شرح الكافية الشافية (٢/ ٧٤٢)، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك (٢/ ٢٧٠)، شرح الأشموني (٢/ ١٩).
(٥) كتب بالنسخ: "الثاني"، وهو سهو من الناسخ في الترتيب، وقد سبق بيان ذلك في الحديث السابق. والله أعلم.
(٦) رواه البخاري (٢٠٣٢)، (٢٠٤٣) في الاعتكاف، ومسلم (١٦٥٦) في الإيمان.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
رسُولَ الله" مَعمُولُ "قُلتُ".
و"إنِّي": "إنّ" واسمها. وكسر "إنّ" بعد القَول (١)، وقد تقَدّم مَواضِع كسرها وفتْحها [في] (٢) الحديث الرّابع من أوّل الكتاب.
وجملة "كُنتُ. . ." في محلّ خَبر "إنّ"، وتقَدّم الكَلامُ على "كَان" في أوّل حَديثٍ مِن الكِتَاب.
و"في الجَاهِلية" يتعَلّق بـ "نَذَر"، ولا يصحّ أنْ يتعلّق بصِفَة لـ "يَوْم"، تقَدّم؛ فانتَصَب على الحال، ويكُون التقديرُ: "إنّي نَذَرْت أنْ أعتَكِف لَيْلةً أو يومًا كائنًا في الجاهِلية"؛ لأنّ ما بَعْد "أنْ" مِن صِلتها، والصّلة لا تتقَدّم على الموصُول (٣)؛ لأنّه لم يَشْترط أنّ اليوم في الجاهلية.
قوله: " [أنْ] (٤) أعْتَكِف": في محلّ مفعُول "نَذَرْتُ". و"أنْ": المصدَريّة النّاصبة، وقد تقَدّمَت في الرّابع من أوّل الكتاب.
و"لَيْلَة": مفعُولٌ على السّعة، أي: "زَمَن لَيْلَة"، ويُحتَاج إلى هَذا؛ لأنّه لم يُرِد أنْ يعتكف في لَيْلة، إنّما أراد: جُملة زمنها؛ فلذلك قُدِّر المضَاف.
قوله: "وفي رواية": أي: "وجَاء في روايةٍ" "يومًا في المسجد"؛ فيكُون التقدير: "وجَاء في روايةٍ: أعتَكِف يومًا في المسجد"؛ فتكُون الجملة في محلّ فَاعِل بـ "جاء"، و"في المسجد" يتعلّق بـ "أعتكف" المقَدّر. و"الحَرَام" صِفَة للمَسْجِد. ويحتمَل أنْ يكُون
_________________
(١) انظر: شرح التسهيل (٢/ ١٨ وما بعدها)، المقدمة الجزولية (ص ١٢١)، شرح ابن عقيل (١/ ٣٥٣ وما بعدها).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: البحر المحيط (٣/ ٢٢٥)، اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٣١)، شرح شذور الذهب للجوجري (٢/ ٦٧٧)، همع الهوامع (٣/ ٣٧).
(٤) بالنسخ: "وأنْ".
[ ٢ / ٤٣٦ ]
"في المسجد" مُتعلّقًا بصِفَة لـ "يوم"، والمعنى لا يُسَاعده إلّا بتكَلّف.
قوله: "قَال": فاعِلُه: "ضَميرُ النبي - ﷺ -". وفاعِلُ "أوْف": ضَمير "عُمر - ﵁ -". و"وَفّى" و"أَوْفَى" بمعنى واحد، ويُقال: " [أوفى] (١) على الشيء" أي: "أشْرَف عَليه". و"وَفّاه حَقّه" و"أوْفَاه" بمعنى، أي: "أعطاه وافيًا" (٢).
وجُملة "أوْف. . ." مفْعُول [بالقَوْل] (٣).
و"البَاء" في قَوْله "بنَذْرك" "بَاءُ" التّعدية (٤).
وعَلامَةُ بناء فِعْل الأمر: حَذْفُ "اليَاء". (٥)
قوله: "ولم يذكُر بعضُ الرّواة: يَوْمًا": "يَوْمًا" هُنا مفْعُول بـ "يَذكُر". و"يذكُر" مجزُوم بـ "لم"، وتقَدّم الكَلامُ على "لم" في الثّالث من "باب المذي". و"بعْض" مِن الأسْماء التي لا تُثنّى (٦)، وقَد تقَدّم ذِكْرها في الحادِي عَشر من "الجنائز".
قوله: "ولا": نَافية مُؤَكّدة لنَفْي "لم". والله أعلم.
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: الصّحاح (٦/ ٢٥٢٦).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: مغني اللبيب (ص ١٣٨، ٨١١)، الجنى الداني (ص ٣٧).
(٥) انظر: شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٩١، ٩٢)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (٢/ ٤٤١)، شرح التصريح (١/ ٥٠، ٥١).
(٦) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٥٨)، همع الهوامع (١/ ١٥٩).
[ ٢ / ٤٣٧ ]
الحديث [الرَّابع] (١):
[٢٠٨]: عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ - ﵂ - قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - مُعْتَكِفًا، فأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي - وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - فَمَرَّ رَجُلانِ مِنْ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَسْرَعَا؛ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "على رِسْلِكُمَا، إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ". فَقَالا: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: "إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُمَا شَرًّا" - أَوْ: "شَيْئًا". (٢)
وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهَا جَاءَتْ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ؛ فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ. ثُمَّ ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ. (٣)
قوله: "قَالَت": يعني "صَفيّة": "كَان النبي - ﷺ - مُعتكفًا": "كَان"، واسمها: "النبي"، وخبرها: "مُعتكفًا"، والجملة كُلّها معمُولة للقَول.
قوله: "فأتيتُه أزُوره لَيلًا": "أتى" بمعنى "جَاء" يتعَدّى إلى مفعُول واحد، و"آتى" الممدُود بمعنى "أعْطَى" يتعَدّى إلى مفعُولين؛ الثُّلاثي للثّلاثي، والرُّباعي للرّباعي. (٤)
ومِن هَذا (٥): "عَذق: نَخْلَة" و"عِذق: كَيَاسَة"، المكسور للمكسور والمفتوح
_________________
(١) كتب بالنسخ: "الثالث"، وقد سبق بيان ذلك في الحديث قبل السابق.
(٢) رواه البخاري (٣٢٨١) في بدء الخلق، ومسلم (٢١٧٥) في السلام.
(٣) مسلم (٢١٧٥) (٢٥).
(٤) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٢٠٦)، دَليلُ الطالبين (ص ٧٤).
(٥) عقد ابن السكيت في كتابه "إصلاح المنطق" (ص ١١ وما بعدها) بابًا بعنوان "باب: فَعْلٍ وفِعْلٍ، باختلاف المعنى"، ذكر فيه بعض الفروق اللغوية. وكذا عقد الإمام السيوطي عنوانًا ذكر فيه جملة من الفروق اللغوية، وذلك في كتابه: "المزهر في علوم =
[ ٢ / ٤٣٨ ]
للمفتوح. (١)
ومنه: "مَور: طريق" و"مُور: غُبَار"، المنصوب للمنصوب والمرفوع للمرفوع. (٢)
ومنه: "تناؤش: تأخّر"، "تناوش: تناول". (٣)
ومنه: "تَرِب: افتَقَر" و"أَتْرَب: استغنى"، النّاقِص للنّاقص. (٤)
ومنه: "مِطْبَخ: مِرْجَل"، "مَطْبخ: مَوْضِع". (٥)
ومنه: "وَقْر: في الأُذن" و"وِقْر: على الظَّهْر"، الأعلى (٦) للأعلى. (٧)
ومنه: "حِمْل: على الظّهر"، و"حَمْل: في البطن"، المكسور لما ينكسر، والمفتُوح لما ينفَتِح عند الوِلَادة.
فأمّا "حمل النّخلة والشّجرة": فبالوَجْهَين. (٨)
_________________
(١) = اللغة وأنواعها" (٢/ ٢٤٩ وما بعدها). فليراجعه من أراد الاستزادة.
(٢) انظر: غريب الحديث لابن الجوزي (٢/ ٧٧).
(٣) انظر: إصلاح المنطق (ص ٩٧)، لسان العرب (٥/ ١٨٧).
(٤) انظر: البحر المحيط (٨/ ٥١٧)، غريب الحديث للخطابي (٢/ ٥٦١)، لسان العرب (٦/ ٣٤٩)، كتاب الأفعال (٣/ ٢٧٢).
(٥) انظر: الإعلام لابن الملقن (٩/ ١٧)، الصحاح للجوهري (١/ ٩١)، إصلاح المنطق (ص ١٦٨)، لسان العرب (١/ ٢٢٨).
(٦) انظر: المخصص (٥/ ١٤١)، التلخيصِ في معرفة أسماء الأشياء لأبي هلال العسكري (ص ١٨٩). والمرجلُ: القِدْرُ من الصُّفر.
(٧) أي: ما حَرَكَته أعلى الحرف للأعلى في الجسم.
(٨) انظر: إصلاح المنطق (ص ١١، ١٢)، تهذيب اللغة (٩/ ٢١٥)، لسان العرب (٥/ ٤٤، ٢٨٩)، تاج العروس (١٤/ ٣٧٤).
(٩) انظر: العين (٣/ ٢٤١)، إصلاح المنطق (ص ١١)، لسان العرب (١١/ ١٧٦)، المزهر في علوم اللغة وأنواعها (٢/ ٢٥٦)، تاج العروس (٢٨/ ٣٤٥).
[ ٢ / ٤٣٩ ]
ومنه: "المدَارَأة: المدافَعَة" و"المدَارَاة: الملايَنَة"، القَويّ للقَويّ، واللّين للّين. (١)
ومنه: "هُجْر: فُحْش" و"هَجْر: هَذَيَان" (٢)
ومنه: "بَدُن: سَمِن" و"بَدَّن: أَسَنَّ"، الخفيف للخَفيف. (٣)
ومنه: "لَعِب: من اللَّعِب" و"لَعَب: من اللُّعَاب"، [كسر] (٤) العَين لمكسورها، ومفتوحها لمفتوحها. (٥)
ومنه: "نُلْتُه: أَعْطَيتُه" و"نِلْتُ منه: أخَذْتُ"، الحرَكة العُليا لليَد العُليا. (٦)
ومنه: "قَلَم ظفره" بالتخفيف، و"قَلّم أظْفَاره" بالتثقيل، قاله "الجوهري"، الخفيف للقليل، والثقيل للكثير.
وقَال ابنُ فارس [وغيره: هُما] (٧) بمَعْنى. (٨)
_________________
(١) انظر: الصحاح (١/ ٤٩)، (٦/ ٢٣٣٥)، لسان العرب (١/ ٧١)، (١٤/ ٢٥٥)، كتاب الأفعال (١/ ٣٦٦)، تاج العروس (١/ ٢٢٤).
(٢) انظر: مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ٢٦٤)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٤٥)، لسان العرب (٥/ ٢٥٣)، المغرب (ص ٥٠٠)، المصباح (٢/ ٦٣٤)، تاج العروس (١٤/ ٤٠٩).
(٣) انظر: الصحاح (٥/ ٢٠٧٧)، لسان العرب (١٣/ ٤٨).
(٤) غير واضحة بالأصل. ولعلها: "كسير". والمثبت من (ب).
(٥) انظر: العَين (٢/ ١٤٨، ١٤٩)، الصّحاح (١/ ٢١٩، ٢٢٠)، المصباح المنير (٢/ ٥٥٤)، لسان العرب (١/ ٧٤١).
(٦) انظر: العين (٨/ ٣٣٣)، الصحاح للجوهري (٥/ ١٨٣٧)، لسان العرب لابن منظور (١١/ ٦٨٣، ٦٨٥).
(٧) بالنسخ: "وغيرهما". والمثبت أصوب.
(٨) انظر: الصحاح (٥/ ٢٠١٤)، مجمل اللغة لابن فارس (ص ٧٢٩)، مقاييس اللغة لابن فارس (٥/ ١٥)، تحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٤٣)، لسان العرب (١٢/ ٤٩١)، المصباح المنير (٢/ ٥١٥)، تهذيب اللغة (٩/ ١٤٨)، مختار الصحاح (ص ٢٥٩).
[ ٢ / ٤٤٠ ]
إذا ثبت ذلك: فجُملة "أزُوره" في محل الحال، و"ليلًا" منصوبٌ على الظّرفية، العَامِلُ فيه "أزوره".
قولها: " [فحَدّثته] (١) ": معْطُوفٌ على "أتيته".
قوله: "ثُم قُمْتُ": مَعْطُوفٌ عَليه. و"اللام" في "لأنقلب" لام "كَي"، والفِعْل مَعَها منصُوبٌ بإضمار "أنْ"، وجميعُ ما ينتصب بإضمار "أنْ" لا يجوزُ إظهار "أنْ" معه إلّا "لام كَي"، وحَرفُ العَطْف المعطُوف به الفِعْل على الاسم الملفوظ به، نحو قوله:
لَلُبْسُ عَباءَةٍ وتَقِرَّ عَيْنِي أحَبُّ إليّ من لُبْسِ الشُّفُوفِ (٢)
أي: "وأنْ تَقِرّ عَيني". (٣)
قوله: "فقَامَ مَعي": تعني: "النبي - ﷺ -"، و"مَعي" معْمُولُ "قَامَ"، وتقَدّم الكَلامُ
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) البيتُ من الوافر. وهو لميْسُون بنت بَحْدَل بن أنيف الكَلبيَّة، وكانت تحت مُعاوية، وهي أم يزيد. ونسبه ابن طيفور لامرأة من ولد طلبة بن قيس بن عاصم المنقري. ونسبه الزمخشري لأعرابي. ويُروى بفتح القاف في "وتقر" وكسرها. انظر: إيضاح شواهد الإيضاح (١/ ٣٤٦)، شرح المفصل لابن يعيش (٤/ ٢٣٧)، الفصول المفيدة في الواو المزيدة (ص ٢١٩، ٢٢٠)، بلاغات النساء لابن طيفور (ص ١١٦)، ربيع الأبرار للزمخشري (١/ ١٧٧)، خزانة الأدب (٨/ ٥٠٣)، المعجم المفصل (٥/ ١٠٠).
(٣) انظر: شرح التسهيل (٤/ ٢٢ وما بعدها، ٤٨ وما بعدها)، الإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٤٧٣ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٥٥٧)، سر صناعة الإعراب (١/ ٢٨٤)، الفصول المفيدة (ص ٢١٩، ٢٢٠)، اللامات للزجاجي (ص ٧٠، ٧١)، شرح المفصل (٤/ ٢٣٧ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٤٧٢)، اللمحة (٢/ ٨٣٧، ٨٣٨)، اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٤٢، ٤٦)، الجنى الداني (ص ١١٤ وما بعدها، ١٥٧)، شرح الأشموني (٣/ ١٨١ وما بعدها)، همع الهوامع (٢/ ٣٧٧ وما بعدها).
[ ٢ / ٤٤١ ]
عَليها في الحديث الأوّل مِن "المسْح على الخفّين".
و"اللام" في "ليَقْلِبَني" لام "كَي". و"يَقْلبني": فِعلُ مُضارع و"نُون" الوقَايَة ومفْعُول، والفَاعِلُ ضَمير مُستَتر يعُود على "النبي - ﷺ -". والمعنى هُنَا في "ليَقْلبني": "ليصرفني"، وكذا "لأنْقَلِب": "لأنصَرف". (١)
قوله: "وكَانَ مَسكَنها في دار أُسَامة بن زيد": هذه الجملة مُعترضة لا محلّ لها مِن الإعراب؛ لأنّ هَذه الجملة ليست مِن قَوْلها، ولَو كَانَت مِن قَولها لقَالَت: "وكان مَسْكَني".
قوله: "فمَرّ رَجُلَان": مَعْطُوفٌ على قَوله: "فَقَام مَعي". و"مِن الأنْصَار": يتعَلّق بصِفَة لـ "رَجُلان".
قوله: "فلمّا رَأيَا رَسُولَ الله - ﷺ -": "لمّا" حرف وجُوب لوجوب، ويُقال: حرف وجُود لوجُود. واخْتَار الفَارِسِي ومَن [تَبِعَه] (٢) أنّها مَع الماضِي ظَرْف بمَعْنَى "حِين". (٣) وتقَدّم الكَلامُ عليها في الرّابع من "المذي"، وفي السّادس [من "باب] (٤) صِفَة الصّلاة".
و"رَأيَا": فِعْل مَاض وفَاعِل. ولم تنقَلِب "اليَاء" هُنا أَلِفًا مع تحرّكها وانفتاح ما قَبْلها؛ لأنّه لو انقَلَبت لحذفت لسكُونها وسكُون الضّمير، فيرجع إلى فعل الواحد؛ ويقع بذلك اللبس بين الواحِد والمثنّى.
والرّؤية بَصَريّة؛ فتتعَدّى لوَاحِد (٥)، وهُو "رَسُول الله - ﷺ -".
_________________
(١) انظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٥/ ٤٥٠).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ١٢٢)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٦٤٣، ١٦٤٤)، مغني اللبيب (ص ٣٦٩)، الجنى الداني (ص ٥٩٤، ٥٩٧).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: إرشاد الساري (١/ ٣٣٤)، شواهد التوضيح (ص ٢٠١، ٢٠٤)، عُقود =
[ ٢ / ٤٤٢ ]
قوله: "أَسْرَعَا": جملة من فِعْل وفَاعِل، جوابُ "لمّا".
قوله: "فقَالَ النبي - ﷺ -": معطُوفٌ على "فَمَرّ".
و"على رِسْلكما": يتعلّق بفِعْل محذُوف، أي: "امشيا على رِسْلكُما"، أي: "على [تَئِدتكما"] (١).
و"الرِّسْل" بكسر "الرّاء": "التؤدة". و"الرّسل" بكَسرها أيضًا: "اللبن". وأمّا "الرَّسَل" بفَتْح "الرّاء والسّين": فـ "القَطِيع مِن الإبل". (٢)
قوله: "إنّها صَفيَّة": "إنّ" واسمها وخبرها، والضّميرُ يعُود على المرأة المريبة لهما، أي: "إنّ المرأة صَفيّة".
قوله: "بنت حُيَي": صِفَة لـ "صَفية". و"حُيَي" اسم عَلَم، مُصَغّر مِن "حَيّ" (٣).
قوله: "فقَالا: سُبْحَان الله": معْمُول للقَول. و"سُبْحَان الله" تقَدّم الكَلامُ عليها في الحديث الأوّل من "الجنابة". وكثيرًا ما يُستَعْمَل التسبيح لتَعْظِيم الأمْر المحدّث عنه، أو للتعجّب منه (٤).
و"سُبْحَان": اسمٌ وُضِع مَوضِع المصْدَر، منصُوبٌ بإضمار فِعْل من معناه لا يجوزُ إظهاره. ويُستَعمَل مُضافًا، كَما وَقَع هُنا، ومُفرَدًا مُنوّنًا، كقَوله:
سُبْحَانَه ثُمّ سُبْحَانًا نَعُوذُ بِهِ . . . . . . . . . . . . (٥)
_________________
(١) = الزبرجَد (٣/ ٢٣٣)، شرح التسهيل (٢/ ٩٢، ٩٣).
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "تبديكما".
(٣) انظر: الإعلام بفوائد عُمدة الأحكام (٥/ ٤٥١)، لسان العرب (١١/ ٢٨١)، القاموس المحيط (ص ١٠٠٥)، تاج العروس (٢٩/ ٧٠).
(٤) راجع: إرشاد الساري (٣/ ٤٤٣).
(٥) انظر: فتح الباري (٤/ ٢٨٠)، إكمال المعلم (٧/ ٦٤)، عمدة القاري (٨/ ٢٨٦)، إرشاد الساري (١٠/ ٤٨٣)، عقود الزبرجد (٣/ ٢٦٨).
(٦) صدرُ بيت من البسيط. وهو لأميّة بن أبي الصّلت، وقيل: لورقة بن نوفل، وقيل: لزيد بن عمرو بن نفيل. ويُروى فيه: "يعود له"، ويُروى: "نعُود به". وعجزه هو: =
[ ٢ / ٤٤٣ ]
فقيل: صَرَفَه ضَرورة، ومَنْعُه من الصّرف للعَلَمية وزيادة الأَلِف والنّون. (١)
والمعنى: "نُنزّهك يا رسُول الله". و"يا" ليست مُتمَحّضَة للنّداء، إنما هي حرفُ تنبيه. (٢)
قوله: "فَقَالَ": أي: "النبي - ﷺ -". "إنّ الشّيطان": [كَسَر] (٣) "إنّ" هُنا لأجْل القَول. و"يجري": جملة في مَوضع خَبر "إنّ"، وبه يتعَلّق حَرف الجر.
و"آدَم": لا ينصرف؛ للعَلَمية والوَزْن، أو العَلَمية والعُجْمَة، كـ "آزَر". (٤)
قَالَ الزّمخشري: وأقْرَبُ أمْره أنْ يكُون على "فَاعَل"، كـ "آزَر". (٥)
وذَهَب "الجوهري" إلى أنّ أصْله "أأفعل" بهمزتين، ويجمع على
_________________
(١) = "وقبلنا سبّح الجودىّ والجمد". انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ١٥٤)، أمالي ابن الشجري (٢/ ١٠٧)، خزانة الأدب (٣/ ٣٨٨ وما بعدها)، (٧/ ٢٣٤ وما بعدها)، شرح المفصل (١/ ٢٩٥)، المعجم المفصل (٢/ ٢٧٠).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٢٤)، إرشاد الساري (٩/ ٢٢٩، ٢٣٠)، (١٠/ ٤٨٣)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ١٤)، الكتاب لسيبويه (١/ ٣٢٦)، أمالي ابن الشجري (٢/ ١٠٧، ٥٧٨)، خزانة الأدب (٣/ ٣٨٨ وما بعدها)، (٧/ ٢٣٤ وما بعدها، ٢٤٣)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٩٥٩)، شرح التسهيل لابن مالك (٢/ ١٨٥)، شرح المفصل (١/ ٢٩٥)، (٣/ ٢١)، المقتضب (٣/ ٢١٧)، المحكم والمحيط الأعظم (٣/ ٢١١)، لسان العرب (٢/ ٤٧١)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ١١٥).
(٣) انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٧٦)، (٨/ ٢٣٠)، الجنى الداني (ص ٣٥٤ وما بعدها)، شرح المفصل (١/ ٣٨٧)، شرح الأشموني (١/ ٣٣)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٢٨١)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٥٨، ٢٦٢).
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "بكسر".
(٥) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (١/ ٢٢٣)، اللباب في علوم الكتاب (١/ ٥١٢)، إرشاد الساري (١/ ١٩٧).
(٦) انظر: الكشاف للزمخشري (١/ ١٢٥)، البحر المحيط لأبي حيان (١/ ٢٢٣)، اللباب في عُلوم الكتاب (١/ ٥١٢)، شرح التصريح (٢/ ٧٠٨).
[ ٢ / ٤٤٤ ]
"أوادم". (١)
وذهب أبو البقاء إلى أنّه ليس بأعجَمي، ووَزْنُه "أفْعَل"، و"الألِف" فيه مُبدَلَة من هَمزة هي "فَاء" الفِعْل؛ لأنّه مُشتَق من "أديم الأرض" أو مِن "الأُدْمَة". (٢)
قَال ابنُ عَطيّة: وهي (٣) حُمرَةٌ تميل إلى السّوَاد. (٤)
قال: وجمعه: "أُدْم" و"أَوَادِم"، كـ "حُمْر وأحَامِر". (٥)
وعلى هذا: يمتنع صَرْفه للعَلَمية ووَزْن الفِعْل. (٦)
ونَقَل ابنُ عَطية وأبو البقاء أنّ وَزْنه "فَاعَل"، كـ "عَالَم" و"خَاتَم"، مُشتَقّ من "أديم الأرْض"، وجمعه: "آدَمُون" و"أوادم". وألزَمَا هذا القَائل (٧) صَرْفه؛ لأنّ التّعريفَ وَحْده لا يمْنَع. (٨)
وذَهَبَ الطّبري إلى أنّه فِعْل رُبَاعِي، سُمّي به. وهو بعيدٌ. (٩)
_________________
(١) انظر: الصّحاح (٥/ ١٨٥٩).
(٢) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٤٨)، تفسير ابن عطية (١/ ١١٩)، الكشاف للزمخشري (١/ ١٢٥)، البحر المحيط لأبي حيان (١/ ٢٢٣)، اللباب في علوم الكتاب لابن عادل (١/ ٥١٢).
(٣) أي: الأُدْمَة.
(٤) انظر: تفسير ابن عطية (١/ ١١٩)، البحر المحيط (١/ ٢٢٣).
(٥) انظر: تفسير ابن عطية (١/ ١١٩)، تفسير القرطبي (١/ ٢٧٩).
(٦) انظر: تفسير القرطبي (١/ ٢٧٩)، اللباب في علوم الكتاب (١/ ٥١٢).
(٧) أي: ألزم الشيخ ابن عطية والشيخ أبو البقاء قائل هذا القول الذي نقلاه من أنّه على وزن "فاعل"، بصرفه. والله أعلم.
(٨) انظر: تفسير ابن عطية (١/ ١١٩)، التبيان في إعراب القرآن (١/ ٤٨)، تفسير القرطبي (١/ ٢٧٩)، اللباب في علوم الكتاب (١/ ٥١٢).
(٩) انظر: تفسير الطبري (ط الرسالة، ١/ ٤٨٢)، تفسير ابن عطية (١/ ١١٩)، البحر المحيط (١/ ٢٢٣)، اللباب في عُلوم الكتاب (١/ ٥١٢).
[ ٢ / ٤٤٥ ]
و"الشّيطان" تقَدّم في الحديث الثّاني من "باب المرور".
قوله: "مَجْرَى الدّم": "مَجْرَى" "مَفْعَل"، يصلُح للزّمان والمكَان والمصدَر، وقَد قيل ذلك في قَوله تَعَالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١] بفتح "الميم" (١)
فإنْ كَان للزّمَان قُدّر: "يجري من ابن آدم مُدّة جَري الدّم". وإن قَدّرته مَكانًا قُدّر: "يجري من ابن آدم مَكَان مجرى الدّم". وإنْ قَدّرته مَصدَرًا قَدَّرته: "يجري من ابن آدم جَرْي الدّم".
ويصح أنْ يكُون نعتًا لمصْدَر محذُوف، أي: "يجري من ابن آدم مجرى مثل مجرى الدم". وتقَدّم الكَلامُ على "مَفْعَل" ومَا وُضِع له في الحديث الثّالث مِن "التيمّم".
قوله: "وإنّي خَشيتُ أن يَقْذِف في قُلُوبكما شيئًا": "إنّي": "إنّ" واسمها، والخبر في جملة "خَشيتُ". و"أنْ يَقْذِف" في موضع مفعُول "خشيتُ"، وفَاعِلُه: "ضَميرُ
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ٣٠)، (٦/ ١٥٥، ١٥٦)، إرشاد الساري (٩/ ٢١٠)، شرح المفصل (٤/ ٣٧)، (٥/ ٤٦٠)، شرح الأشموني (٢/ ٢٤٠، ٢٤١)، الصحاح (٦/ ٢٣٠١)، تهذيب اللغة (١٣/ ٤٠)، همع الهوامع للسيوطي (٣/ ٣٢٦)، شذا العرف في فن الصرف (ص ٧١)، النحو الوافي (٣/ ٣٢٣). وقد قرأ مُجَاهدٌ، والحسن، وأبو رَجاء، والأعرج، وأبو بكر، وشعبة، وابن عامر، ونافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب، بضم الميم في "مجراها"، على أنه مصدر "أجرى" الرباعي والمعنى: بسْم الله إجْراؤُها وإرْساؤُها. وقرأ الباقون - ومنهم حفص - بفتحها على أنه مصدر "جرى" الثلاثي، أي: جَرْيُها وثَباتُها. وكلُّهم ضمّ ميم "مُرْسَاهَا". وقرأَ ابن مسعود، وعيسى الثقفي وزيد بن علي، والأعمش "مَجْرَاهَا وَمَرْسَاهَا" بالفتح، ظرفي زمان أو مكان، أو مصدرين. انظر: البحر المحيط (٦/ ١٥٥، ١٥٦)، اللباب لابن عادل (١٠/ ٤٨٩ وما بعدها)، شرح طيبة النشر لابن الجزري (ص ٢٥١)، جامع البيان في القراءات السبع (٣/ ١١٩٧ وما بعدها)، الهادي شرح طيبة النشر (٢/ ٣٠٧)، تاج العروس (٣٨/ ١٥٢).
[ ٢ / ٤٤٦ ]
الشّيطان".
وتقَدّم الكَلامُ على "أنْ" المصْدَريّة في الرّابع مِن أوّل الكتاب.
ويحتمل أنْ يكُون التقدير: "إنّي خَشيتُ عَليكما"، أي: "من الكُفر"؛ ويكون "أنْ يَقْذِف" مفعُولٌ له، أي: "لأجْل أنْ يَقْذِف". (١)
قوله: "في قُلُوبكما": يتعلّق بـ "يَقْذِف". وجُمِع "قُلُوب" كما جُمِع في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]، والمرادُ: "حَوّاء وآدم"؛ لأنّه جَعَل لَفْظ الجمْع وَاقِعًا على المثنّى مَعْنى.
ومنه قوله - ﷺ -: "إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ" (٢).
وقد اجتمَعَت التثنية والجمْع في قول الرّاجز:
وَمَهْمَهَينِ فَدْفَدَيْن مَرْتَيْنْ ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْن (٣)
_________________
(١) راجع: إحكام الأحكام (٢/ ٤٥).
(٢) صَحيحٌ: سُنن ابن ماجه (٣٥٧٣)، والموطأ (١٢)، من حديث أبي سعيد الخدري. وفي سنن النسائي الكبرى (٩٦٢٩)، من حديث أبي هريرة. وصحّحه الشيخ الألباني في "صحيح الجامع الصغير وزياداته" (٩١٩).
(٣) البيتُ من السريع، قال في "خزانة الأدب" (٢/ ٣١٣): "ورُبّمَا حسب من لا يحسن العرُوض أَنّه من الرّجز كما توهّمه بَعضهم؛ لأنّ الرجز لَا يكون فيه معولات فَيرد إلى فعولات". ويُنسَب لخطام المجاشعي، شاعر إسلامي، وهو الصحيح. وقيل: لهميان بن قحافة. ويُروَى فيه: "قَذَفَيْنِ". والشاعر يصف مفازة قَطَعَها، والمَهْمَهُ: القَفرُ، والقَذَفُ بالفتح: البعيدُ، والفدفد: الأَرض المستوية، والمَرْتُ: الأرض التي لا تنبُت. انظر: الكتاب (٢/ ٤٨)، (٣/ ٦٢٢)، شواهد التوضيح (ص ١١٦)، إيضاح شواهد الإيضاح (٢/ ٥٧٥ وما بعدها)، البيان والتبيين للجاحظ (١/ ١٤٤)، شرح المفصل (٣/ ٢١٠، ٢١١)، خزانة الأدب (٧/ ٥٤٨، ٥٤٩)، المعجم المفصل (١٢/ ٢١٨).
[ ٢ / ٤٤٧ ]
قالوا: كُلّ اثنين من [اثنين] (١) يجوز تثنيتهما وجمعهما. (٢)
وجَرَوا على ذَلك في المنفَصل (٣)، وقَالُوا: "أمَدّ الله في أعمارِكُما، ونَسَأ في آجالِكُما". (٤)
قوله: "شَيئًا": مفعُولٌ بـ "يَقْذِف"، وكذلك " [شَرًّا] (٥) ". و"شَيئًا" تقَدّم الكَلامُ عليه في الثّاني مِن "باب المرور".
قوله: "وفي روايةٍ: أنّها جَاءَت": يحتمل مُتعَلّق حَرف الجر الوجهان المتقَدِّمَان، أحدهما: يُقَدّر "جاء" عَاملًا؛ فتكون "أنها" وما اتصل بها في موضع الفاعل. والثاني: يُقدّر "أنها" وما [بعده] (٦) في موضع رفع بالابتداء، والخبر في المجرور، وبه يتعلّق
_________________
(١) كذا بالنسخ. وفي "البحر المحيط" (٤/ ٢٥٤): "شيئين". وفي "إيضاح شواهد الإيضاح" (٢/ ٥٧٦): "كُلّ شيئين من شيئين، فتثنيتهما جمع". وقال أبو البقاء في "التبيان في إعراب القرآن" (٢/ ١٢٢٩): "قوله تعالى: (قلوبكما): إنما جمع، وهما اثنان؛ لأنّ لكُل إنسان قلبًا، وما ليس في الإنسان منه إلا واحد جاز أن يجعل الاثنان فيه بلفظ الجمع، وجاز أن يجعل بلفظ التثنية. وقيل: وجهه أنّ التثنية جمع".
(٢) انظر فيما سبق: البحر المحيط (٤/ ٢٥٤)، إرشاد الساري (١/ ٢٨٦)، مرعاة المفاتيح (٥/ ٧٤)، إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص ١٢٩، ١٣٠، ٢٠٦)، شواهد التوضيح (ص ١١٥، ١١٦، ٢٥٥، ٢٥٦)، عقود الزبرجد (١/ ٣٢٤، ٤٥٥)، (٣/ ٢٧٢)، الكتاب (٣/ ٦٢١، ٦٢٢)، أمالي ابن الشجري (١/ ١٦)، (٢/ ٤٩٦)، شرح التسهيل (١/ ١٠٦ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (٤/ ١٧٨٧ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ٣٣٥ وما بعدها)، شرح المفصل (٣/ ٢١٠ وما بعدها)، خزانة الأدب (٤/ ٣٠٢)، (٧/ ٥٤٤ وما بعدها).
(٣) أي: عن الجسد، كما في أمالي ابن الشجري (١/ ١٥).
(٤) انظر: الكتاب (٣/ ٦٢٢)، أمالي ابن الشجري (١/ ١٥)، شرح المفصل (٣/ ٢١٢)، لسان العرب (١١/ ٢٧٥).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) كذا بالأصل.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
حرف الجر.
ومفعولُ "جَاءت" محذُوفٌ، أي: "جَاءَت النبي - ﷺ -".
قوله: "تزوره": جملة في محلّ الحال من ضَمير الفَاعِل. و"في اعتكافه" يتعلّق بـ "تزوره". و"في المسجد" يتعلّق بـ "اعتكافه"؛ لأنّه مصدر. ويحتمل أن يكُون "في المسْجد" بَدَلًا من "في اعتكافه"؛ لأنّ التقدير: "في مكان اعتكافه" أو "في زَمَن اعتكافه".
قوله: "في العشر الأوَاخِر": يحتمل أنْ يتعَلّق بـ "جاءت"، أي: "جاءت النبي - ﷺ - في العشر الأواخر تزوره في اعتكافه"، أي: "في موضع اعتكافه". ويحتمل أن تكون "في" من قوله "في المسجد" بمعنى "إلى"، كما هي في قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩]، أي: "إلى أفواههم" (١)؛ فتتعلّق "في العشر الأواخر" بـ "تزوره". وإنما تجري صحة التعلق على ما يقتضيه المعنى، إلا أنْ يُعارضه إخلال بقاعدة من قواعدهم، كما هنا، من أنّ حرفي جَر لمعنى لا يتعلّقان بفعل واحد.
وتقَدّم الكَلامُ على أنّ "العَشر" اسمُ جمع، و"الأواخر" نعته، على معناه.
و"مِن رَمَضَان": "مِن" للتبعيض، وتتعلّق بحَال من "العَشر"، أو بحَال من "الأواخر"، والتقدير: "بالعشر الأواخر". ويحتمل أن تتعلّق بـ "الأواخر"؛ لأنها جمعُ "آخر"، ففيها معنى الوصف، كما تقدّم.
وتقدّم الكَلامُ على "رمضان" في الحديث الثّالث من "باب الصّوم".
وهذه الجملة من قولها، وأنها جاءت تزوره. . . إلى آخر الحديث حكاية الرّاوي
_________________
(١) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤١٣)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٢٥٥)، الجنى الداني (ص ٢٥٢).
[ ٢ / ٤٤٩ ]
من خبرها عن نفسها، ولذلك انتقلت ضَمائر المتكلّم إلى ضمائر الغائب.
قال: "فتَحَدَّثَتْ": فاعله "ضميرُ صفية".
و"عنده سَاعة": تقدّم الكَلامُ على "عند" في الحديث الأوّل من "السّواك". و"ساعة" منصوبٌ على الظرفية، والمراد بها "وقت"، لا الساعات الزمانية؛ لأنّ المعتكفَ لا يكثر عنده الكَلام. وجمعها: "سياع" و"ساعات". ويُقال: "ساعة سوعاء"، أي: "شديدة"، كما يُقال: "ليلة ليلاء". ويُقال: "عاملته مُساوَعَة" من "الساعة"، كما تقول: "مياومة" من "اليوم"، لا يُستعمل منهما إلا هذا. (١)
قوله: "ثُم قَامَت تنقَلب": "ثُم" تقَدّم الكَلامُ عليها في الحديث الثاني من "باب الجنابة". وفاعلُ "قامت": "ضمير صفية". و"تنقلب" بمعنى "ترجع إلى (٢) أهلها"، تقدّم قبل هذا قريبًا.
وجملة "تنقلب" في محلّ الحال من الفَاعِل. وتقدّم الكلام على الجمل الحالية في الثالث من "المذي".
قوله: "فقام رسُول الله - ﷺ -": معطوفٌ على "قامَت".
قوله: "معها ليقلبها": تقتضي لفظة "مع" المعيّة في [القيام] (٣)، وتتعلّق بـ "قام". وجملة "يقْلبها" في محلّ الحال أيضًا من ضَمير "النبي - ﷺ -".
قوله: "حتى إذا": تقَدّم قريبًا ذِكْر "حتى" مع "إذا"، وأنها حرف ابتداء، واختار الزمخشري وابن مالك أنها حرف جر. ومتى دخلت على "إذا" احتملت أن تكون بمعنى "الفاء"، أو بمعنى "إلى". (٤) ويكون التقدير: "فقام ليقلبها، إلى أنْ مَرّ رَجُلان
_________________
(١) انظر: الصحاح (٢/ ٦٦١)، (٣/ ١٢٣٣)، لسان العرب (٨/ ١٦٩).
(٢) بالنسخ: "قوله إلى".
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: البحر المحيط (٣/ ٣٧٩)، (٤/ ٤٧١)، تفسير الزمخشري (١/ ٤٢٧، ٤٧٤)، شرح التسهيل (٢١٠، ٢١١)، مغني اللبيب (ص ١٢٨، ١٢٩، ١٧٤)، توضيح =
[ ٢ / ٤٥٠ ]
وَقْت وصُولهما باب المسجد"؛ لأنّ الغَاية لا تُوجَد إلا مِن جَواب الشّرط، وقد تقَدّم ذلك في أوّل حَديثٍ مِن "السّهو"، وتقَدّم الكَلامُ على حُكمها في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب.
قوله: "بلغت": الجملة في محلّ جر بـ "إذا" إنْ قَدّرتها غير جازمة؛ والعاملُ فيها جَوابها. وإنْ قَدّرتها جَازِمَة: كَانت الجُمْلة في محلّ جَزْم بها، وهي في محلّ نَصْب بفِعْلها.
وتقَدّم الكَلامُ على "باب" في "باب الاستطابة".
و"المسجد": تقَدّم الكَلامُ عليه وعلى ما هو على وَزَانه في الثّالث من "التيمم". و"المسجد": قَال في "الصّحاح": يقع على واحد "المساجد"، بالفتح والكسر. يُقال: "المسجَد" بفتح الجيم، جبهة الرّجُل، حيث نُدب السّجود. والآرابُ: السبعةُ مساجد. (١)
قُلتُ: [كأنّ] (٢) واحِد "المسَاجِد" فيه الفَتْح والكَسْر، وأمّا مَوضِع السّجُود مِن الجبهة فالفتح لا غير. (٣)
و"بابُ أمّ سلمة" هذا هُو أحَدُ أبْواب المسْجِد التي تدْخُل منه أُم سَلمة.
***
_________________
(١) = المقاصد والمسالك (١/ ١٣١)، الهمع (٢/ ١٧٩، ٤٢٧).
(٢) انظر: الصحاح للجوهري (٢/ ٤٨٤، ٤٨٥)، لسان العرب لابن منظور (٣/ ٢٠٤)، أنيس الفقهاء للقونوي (ص ٢٧).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: أنيس الفقهاء للقونوي (ص ٢٧).
[ ٢ / ٤٥١ ]