الحديث الأوّل:
[٣٢٠]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -﵄- أَنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ. قَالَ: فَسَكَتَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ فَقَالَ: إنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدْ ابْتُلِيتُ بِهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ -﷿- هذه الآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، فَتَلاهُنَّ عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ. فَقَالَ: لا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نبيًا، مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا. ثُمَّ دَعَاهَا، فَوَعَظَهَا، وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ. فَقَالَتْ: لا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إنَّهُ لَكَاذِبٌ. فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ. ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ، فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ. ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. ثُمَّ قَالَ: "إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ "، ثَلاثًا (١).
وَفِي لَفْظٍ: "لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالِي؟ قَالَ: "لا مَالَ لَكَ. إنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عليها فَهُوَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا" (٢).
قوله: "أنّ فُلان بن فُلان": تقدّم في السّادس من "باب الإمامة"، وسنزيد ذلك بيانًا وأحكامًا لم تتقَدّم.
اعلم أنّ "فُلان" و"فُلانة" لا يُثنّيان ولا يجمَعان، وتسقُط "الألِف" بينهما، كما
_________________
(١) رواه البخاري مختصرًا (٥٣١١) في الطلاق، ومسلم (١٤٩٣) في اللعان.
(٢) رواه مسلم (١٤٩٣) (٥) في باب اللعان.
[ ٣ / ٢٤٠ ]
تسقُط بين العَلَمين، ويجري ذلك في أسماءٍ، منها: "طامر بن طامر" لمن يُجهَل نسبه ولا يُعلَم أبُوه، ويُقال ذلك [أيضًا] (١) لمن لا قَرَابة بينك وبينه، ومعناه: "بعيد بن بعيد". (٢)
وأصلُه أنْ يُطلَق على "البرغوث"، يُقال في المثل: "أطيش من طَامر"، يريدون "البرغوث". (٣)
قال الشّيخ تاج الدّين الفاكهاني: ويجري هذا المجرَى قولهم: "أبو مهدي بن حفصة"، و"أبو مهدي" الدّيك، و"حفصة" الدّجَاجة. وقولهم: "هذا سمسم بن ثعالة"، [و"سمسم"] (٤) و"ثعالة" من أسماء الثّعَالب. ومنه قولهم للخُبز: "جابر بن حَبّة"؛ لأنّه يجبر الجائع، وهو مُتّخَذ من حَبّ الطّعام. ومنه قول الشّاعر:
أَبُو مَالِكٍ يَعْتَادُنَا [في] (٥) الظَّهَائِرِ يَجِيءُ [فَيُلْقِيَ] (٦) رَحْلَهُ عِنْدَ جَابِرِ (٧)
و"أبو مالك" كُنية "الجُوع". (٨)
_________________
(١) سقط من النسخ. والمثبت من المصدر.
(٢) انظر: رياض الأفهام (٥/ ٤٠).
(٣) انظر: مقامات الحريري (ص ٤٢١)، الحيوان للجاحظ (٥/ ١١٩)، جمهرة الأمثال للعسكري (١/ ٤٢)، الاختيارين للأخفش الصغير (ص ٦٥٤)، الصحاح للجوهري (٢/ ٧٢٦)، جمهرة اللغة (٢/ ٧٥٩)، لسان العرب لابن منظور (٤/ ٥٠٢).
(٤) سقط من النسخ. والمثبت من المصدر.
(٥) سقط من النسخ. والمثبت من المصادر.
(٦) بالنسخ: "فيلتقي". والمثبت من المصادر.
(٧) البيتُ من الطويل، وهو لجرير. ويُروى فيه: "بالظهائر"، و"يجوء"، و"عامر". انظر: رياض الأفهام (٥/ ٤١)، المُنَجَّد في اللغة لكراع النمل (ص ٣٢٤)، ثمار القلوب في المضاف والمنسوب للثعالبي (ص ٢٤٩)، الإمتاع والمؤانسة (ص ٢٩٧)، ولسان العرب (١٠/ ٤٩٦)، والمعجم المفصّل (٣/ ٥٣٢).
(٨) انظر: رياض الأفهام (٥/ ٤١).
[ ٣ / ٢٤١ ]
قال الشّيخ تاج الدّين: "فُلان بن فُلان" هنا كناية عن "عُويمر بن أنس العجلاني الأنصاريّ" المشهُور باللعَان. (١)
قوله: "أرأيت أن لو وَجَد": "أرأيت" هنا بمعنى "أخبرني". وتقدّم الكلام عليها في الأوّل من "باب صفة الصلاة"، وفي الخامس "مما نهي عنه من البيوع".
وتقدّم أنها العِلْميّة، وشرطُها أن يكُون مفعولها الثّاني جملة استفهامية، وعلى هذا جاء أكثر ما ورد في القُرآن. (٢)
و"أنْ" هنا المخفّفة من الثقيلة، واسمها ضَمير الأمْر والشّأن، وكثيرًا ما تحذف (٣) مع المفتُوحة (٤)، كقوله:
في فِتيةٍ كَسيُوفِ الِهنْدِ قَد عَلِمُوا أنْ [هَالِكٌ] (٥) كُلُّ مَن يَحفي وَيَنتعِلُ (٦)
وتقدّم الكلام عليها في الثّاني من "باب التسوية".
وجاءت "أنْ" هنا بعد العِلم لتسد مسدّ المفعولين.
و"لو" تقدّم الكلام عليها في الحديث الأوّل من "كتاب الصلاة". وخبر "أن" في جملة "لو" مع جوابها. و"وجد" تقدم الكلام عليها في الثّاني من "باب الاستطابة".
_________________
(١) انظر: رياض الأفهام (٥/ ٤١).
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٥٠٨)، (٦/ ٦٨)، (٧/ ٢٠٢)، الكتاب لسيبويه (١/ ١٢٨، ٢٤٠)، شرح التسهيل (٢/ ٩١)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٢٤٠)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ١٧٣)، والهمع للسيوطي (١/ ٥٥٨).
(٣) أي: هذه الضمائر.
(٤) انظر: أمالي ابن الشجري (٣/ ١٥٥، ١٥٦)، خزانة الأدب (٥/ ٤٢٦)، (٨/ ٣٩٠)، شرح التسهيل لابن مالك (٢/ ٤١)، (٤/ ٨).
(٥) بالنسخ: "هنالك". والمثبت من المصادر.
(٦) البيتُ من البسيط، وهو للأعشى. انظر: الكتاب (٣/ ١٦٤)، أمالي ابن الشجري (٣/ ١٥٦)، خزانة الأدب (٥/ ٤٢٦)، (٨/ ٣٩٠)، والمعجم المفصّل (٦/ ٢٤٣).
[ ٣ / ٢٤٢ ]
وفاعله: "أحَدنا"، و"امرأته" مفعوله.
وجوابُ "لو" محذُوفٌ، تقديره: "لو وجد لعَظم عليه" أو "يحار في أمْره"؛ فـ "اللام" في "لعظم عليه" جَوابُ "لو".
قوله: "كيف يصنع؟ ": "كيف" هنا مفعُول بـ "يصنع"، والتقدير: "أيّ شيءٍ يصنع؟ ". ومثله قوله تعالى: ﴿تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ [الفجر: ٦] (١).
وتقدّم الكلام على "كيف" في العاشر من "صفة الصّلاة".
قوله: "إنْ تكَلّم تكَلّم [بأمر عَظيم] (٢) ": جاء جوابُ الشّرط بلفظ فعله؛ لأنّه أفاد بمتعلقه، كقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] (٣).
قوله: "وإن سَكَت سَكَت على مثل ذلك": إعرابه كالذي قبله. والتقدير: "إنْ تكلّم تكلّم بكلام عظيم ما يؤول إلى خير". والإشارة بـ "ذلك" إلى ما تقدّم.
وفاعلُ "قال": ضمير "عبد اللَّه بن عمر". وفاعل "سَكَت": "النبي -ﷺ-". والجملة معمُولة للقول.
قوله: "فلم يجبه": الفعلُ مجزوم بـ "لم". وتقدّم الكلام عليها في الثّالث من "المذي". وتقدّم الكلام على "لما" في الرّابع من "المذي" أيضًا.
قوله: "فلمّا كَان": مُستأنف، وما بعد "لمّا" إن قُدّرت ظرفًا بمعنى "حين" أو بمعنى "إذ" في محلّ جَر، وإن قُدّرت حَرف وجُوب لوجُوب تضمّنت معنى الشّرط واحتاجت إلى جَوَاب، وكان ما بعدها موضعه جَزْم، ولا يكُون جوابها إلَّا ماضيًا (٤).
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٤٧٢)، مختصر مغني اللبيب (ص ٨٦).
(٢) بالنسخ: "بعظيم".
(٣) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢٦٨، ٢٦٩)، عقود الزبرجد (١/ ٣٣٠).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ١٢٢)، (٣/ ٤١٩)، (٦/ ٢٠٧، ٢٩٨)، الجنى الداني (ص ٥٩٤ وما بعدها)، ومغنى اللبيب (ص/ ٣٦٩)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٦٤٢ وما =
[ ٣ / ٢٤٣ ]
و"كان" هنا هي الناقصة، فاسمها يُقدّر ضَميرًا يعُود على "الحديث" أو على "الرجُل". و"بعد" يتعلّق بالخبر. ويحتمل أن تكُون التّامة، أي: "فلما حَدَث -أو وَقَع- ما سَأل عنه بعد ذلك"، فتعلّق "بعد" بـ "كان".
وتقدّم الكَلام على "بعد" و"قبل" في الرّابع من الأوّل.
قوله: "أتاه": جوابُ "لما"، "فقال" معطوفٌ عليه، و[فاعل] (١) ضمير "السّائل".
قوله: "إنّ الذي سألتُك عنه قد ابتليتُ به": "إنّ" حرفُ تأكيد، و"الذي اسمها"، وجملة "سألتُك" في محلّ الصّلة، والعَائد الضّمير في "عنه". وجملة "قد ابتليت به" في محلّ خبر "إنّ".
قوله: "فأنزَل اللَّه -﷿- هَذه الآيات": الجملة معطُوفة على ما قبلها، و"هذه" مفعولُ "أنزَل"، و"الآيات" صفة "هذه".
قوله: "فتَلاهُنّ عَليه": فاعلُ "تلاهن" ضمير "النبي -ﷺ-". وضمير "عليه" يعُود على "السّائل".
قوله: "ووَعَظه، وذَكّره، وأخْبره": الفاعلُ هنا ضمير "النبي -ﷺ-"، والمفعول ضمير "السّائل".
و"أخبر" تتعدّى بحَرف الجر تَارة، وتتعدّى بنفسها أخرَى. فيحتمل أنْ يكُون التقدير: "فأخبره بأنّ عَذَاب الدّنيا"؛ فيكُون من القسْم الأوّل. ويحتمل أنْ يتعَدّى
_________________
(١) = بعدها، ١٥٧٧)، اللمحة (٢/ ٨٤٩)، المقتضب (٢/ ٤٤)، شرح التسهيل (٤/ ٦٥)، الأصول في النحو (٢/ ١٥٧)، شرح أبيات سيبويه للسيرافي (١/ ٣٠، ٣١)، همع الهوامع (٢/ ٢٢٢، ٥٤٤)، شرح التصريح (١/ ٧٠٠)، والكليات للكفوي (٧٩٠).
(٢) كذا بالأصل. ولعل المراد: "وفاعله".
[ ٣ / ٢٤٤ ]
بنفسه. وقد يتعَدّى إلى ثلاثة مفعولين، تقُول: "أخبرتُ زَيدًا عَمرا قائمًا" (١).
قوله: "أهْوَن": خبرُ "أنّ"، وهو "أفعلُ" التفضيل. و"مِن" يتعلّق به.
قوله: "فقال: لا والذي بعثك بالحقّ": "لا" هاهنا زائدة توطئة وتمهيدًا لنفي الجواب. ومثله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء: ٦٥] (٢).
وقول الشّاعر:
لَا وَأَبِيْكِ ابْنةَ العَامرِيِّ لَا يَدَّعِي القْوْمَ أنّي أَفِرْ (٣)
قوله: "والذي بعثك بالحقّ": قَسَم، جوابه: "ما كَذَبتُ عليها". وتقدّم ذكْر القَسَم وجَوابه في الرّابع من "باب أفضل الصّيام".
قوله: "ثُم دَعَاها": أي: "النبي -ﷺ-"، يحتمل أنها كانت حاضرة، وهو الظّاهر؛ لأنّ الملاعَنة وَقَعَت في المجلس. ويحتمل أن يكُون -ﷺ- أرسَل إليها لتحضر بعد وَعْظه وتذكيره.
وما بعد هذا من وعظها إلى آخره تقدّم مثله للرّجُل.
قوله: "فبدأ [بالرّجُل] (٤)، فشهد أربع شَهاداتٍ باللَّه": "أربع" منصوبٌ على المصدر؛ لأنّه عَدَد المصدَر.
و"باللَّه" يتعلّق بـ "شهادات" على اختيار البصريين في باب التنازع، وبالأوّل
_________________
(١) انظر: شرح المفصل (٤/ ٣٠٢)، شرح التسهيل (٢/ ٩٩)، الأصول لابن السراج (٢/ ٢٨٦)، شرح التصريح (١/ ٣٨٦).
(٢) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٣٦٩)، مغني اللبيب (ص ٣٢٩).
(٣) البيت من المتقارب، وهو لامرئ القيس. انظر: البحر المحيط لأبي حيّان (١٠/ ٣٤٤)، اللباب في علوم الكتاب (١٩/ ٥٤٢)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٣٢٩)، الصاحبي (ص ١٨٨، ١٨٩)، المعجم المفصل (٣/ ٢٤).
(٤) بالنسخ: "الرجل".
[ ٣ / ٢٤٥ ]
على اختيار الكُوفيين (١). و"الباء" للإلصَاق.
قال أبو البقاء: قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] معمولٌ لـ "شهادات" أو للأوّل، أي: "شهد على أنّه من الصّادقين"، ثُم عُلّق بـ "اللام"، فكسرت "إنّ". وموضعه نصْب أو جَرّ على الخلاف (٢).
واعتُرض قول أبي البقاء في قوله في "إنّ" إذا كُسرت لأجْل "اللام" أنّه مختَلَف في موضِعها، وأن تراعى حالها قبل دخُول "اللام".
والمعروفُ عند النحاة: أنّ ذلك إنّما هو في "أن" المفتُوحة الباقية على فتحها إذا كان الفعْل يتعدّى إليها بحَرف جَر. فهذا محلّ الخلاف.
وأمّا "إنّ" المكسُورة لأجْل "اللام" المعَلّقة للعَامل عن عمله: فإنما يحكم على موضعها بالنّصب، ولا يقدّر حرف جَر داخلًا عليها؛ لاستِحَالة ذلك. (٣)
قوله: "والخامسة أنّ لعنة اللَّه عليه إنْ كان من الكاذبين": قالوا في تفسير الآية: قراءة الجمهور بالرّفع على الابتداء، [و"أن" ما] (٤) معها الخبر. وقرأ الأعمش: "والخَامِسَةَ" بالنّصب عَطفًا على "أربع"، أي: "وشَهد الخامسَةَ". وقرأ نافع: "أنْ لَعْنَتُ اللَّه" بتخفيف "أنْ"، وكذا "أنْ غَضِبَ"، ورَفع "لعنة"، و"أنْ" المخفّفة من الثّقيلة فيهما، وقَام الدّعاء في الجمْلة مقَام الفصل بـ "السين" أو بـ "سوف". (٥)
_________________
(١) انظر: التبيان في إعراب القرآن (٢/ ٩٦٥)، البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٦)، اللباب في علوم الكتاب لابن عادل (١٤/ ٣٠٩).
(٢) انظر: التبيان في إعراب القرآن (٢/ ٩٦٥).
(٣) انظر: البحر المحيط (٨/ ١٧)، الكتاب (٣/ ١٤٧، ٢٢٠). وراجع: التبيان في إعراب القرآن (٢/ ٩٦٥)، اللباب في علوم الكتاب (١٤/ ٣١٠)، تفسير القرطبي (١٨/ ٢٤٧)، تفسير ابن جزي (٢/ ٤٠١)، إعراب القرآن وبيانه (٦/ ٦٨٥).
(٤) كذا بالنسخ. ولعل المراد: "و(أن) وما معها". أو "وأن ما معها".
(٥) انظر: البحر المحيط (٨/ ١٧)، تفسير البغوي (٣/ ٣٨٣)، تفسير البيضاوي (٤/ ١٠٠)، زاد المسير في علم التفسير (٣/ ٢٨١)، التحرير والتنوير (١٨/ ١٦٥، ١٦٦).
[ ٣ / ٢٤٦ ]
قوله: "ثُم ثنّى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات باللَّه إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب اللَّه عليها إن كان من الصادقين": إعرابه كإعراب مُعَادِله.
وجَوابُ الشّرطين محذُوفٌ يدلّ عليه ما قبله، أي: "إن كان من الصّادقين فغَضَب اللَّه عليها".
قوله: "ثُم فرّق النبي -ﷺ- بينهما": جملة من فعل وفاعل. والعَامِلُ في "بين": "فرّق".
قوله: "ثُمّ قَال": يعني: "النبي -ﷺ-".
"اللَّه يعلَم أنّ أحدكما كاذبٌ": جملة "يعلم" في محلّ الخبر. و"أنّ" فُتحت؛ لأنها سدّت مسدّ مفعولي "عَلم".
قوله: "فهل منكما تائب": "منكما" يتعلّق بخبر عن المبتدأ، وهو: "تائب". ومُسوّغ الابتداء بالنكرة: تقدّم الخبر والاستفهام، وهو في المعنى صفة لموصُوف محذُوف، أي: "فهل منكما أحَدٌ تائب؟ " أو "شخصٌ تائب".
و"من" للبيان، وتتعلّق بالاستقرار المقدّر.
و"هل" تقدّم الكلام على حُكمها في السّابع من "الصّيام"، وفي الخامس من "الجنابة".
قوله: "ثلاثًا": منصوبٌ على المصدَر، أي: "ثلاث مرّات".
قوله: "وفي لفظٍ": أي: "ورُوي في لفظ"؛ فيتعلّق حرف الجر بالفعل المبني للمفعول، ومفعوله الذي لم يُسمّ فاعله: جملة قوله: "لا سَبيلَ لك عليها. . . إلى آخر الحديث" على سبيل الحكاية.
و"لا" لنفي الجنس، و"سبيل" مبني معها على الفتح. وتقدّم الكلام على نظيره في الحديث الأوّل من "التيمم". و"لك" يتعلّق بخبرها أو بصفة. و"عليها" يتعلّق
[ ٣ / ٢٤٧ ]
بمُتعلّق "لك".
ولا يجوز أن يتعلّق بـ "سبيل"؛ لأنّه يصير مطولًا، ويجب نصبه.
ومذهب الكُوفيين جواز البناء مع العَمل. وقد تقدّم الكلام على ذلك مُستوفى عند قوله: "لَا مَانِع لِمَا أَعْطَيْت".
ويحتمل أن يكُون الخبر في "عليها"، ويتعلّق "لك" به، وتكون "اللام" للبيان.
قوله: "فقال: يا رسول اللَّه": فاعل "قال": ضمير "السائل".
قوله: "ثم قال: يا رسول اللَّه": فاعل "قال": ضمير "الملاعن".
و"مَالي" يحتمل أن يكُون مبتدأ، وخبره محذُوف، أي: "مالي آخُذه"، أو مفعولًا بفعل مُقدّر، أي: "يا رسُول اللَّه أخَذَت مالي" أو "آخُذ مالي منها".
فقال رسُول اللَّه -ﷺ-: "لا مالَ لك": "لك" يتعلّق بالخبر، أو بصفة "المال"؛ لأنّ الخبر يُحذَف كثيرًا، وبنو تميم لا يثبتونه.
قوله: "إنْ كُنت صَدَقت عليها": "إنْ" حرفُ شرط. و"كنت": "كان" واسمها، [وجملة] (١) "صَدَقت" في محلّ الخبر. و"عليها" يتعلّق بمحذُوف، لا بـ "صدقت"، أي: "صَدَقت فيما ادّعيت عليها".
قوله: "فهو بما استحلَلت من فَرْجها": "ما" موصُولة. وجملة "استحللت" في موضِع الصّلة، والعَائدُ محذُوفٌ، أي: "استحللته من فَرْجها". والصّلة والموصُول في محلّ جَر بـ "الباء".
قوله: "وإنْ كُنت كَذَبت": [. . .] (٢) أو بمُقدّر [كما] (٣) تقَدّم.
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من "ب".
(٢) كشط بالأصل بقدر أربع كلمات تقريبًا.
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من "ب".
[ ٣ / ٢٤٨ ]
وقوله: "فهو أبْعَد لك منها": "أبعَد" أفعل التفضيل، و"منها" يتعلّق به، وهي لابتداء الغاية، وقيل: للتبعيض. وتقدّم الكلام مرارًا على "أفعَل" في الأوّل من "الصّلاة".
[الحديث الثاني] (١):
[٣٢١]: عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا رَمَى امْرَأَتَهُ، وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهَ -ﷺ- فتَلاعَنَا، كَمَا قَالَ اللَّه -﷿-، ثُمَّ قَضَى بِالْوَلَدِ لِلْمَرْأَةِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلاعِنَيْنِ (٢).
قوله: "رمى امرأته": أي: "بالزنا"، فـ "رمى" بمعنى "قذَفها"، [والجملة] (٣) خبر "أنّ". وجملة "وانتفى" معطوفة عليها، و"من ولدها" يتعلّق بـ "انتفى"، ويُروى: "وَانْتَفَلَ" (٤) بالفاء واللام، قال أبو عمر: "المعنى واحد" (٥).
قوله: "في زمن رسول اللَّه -ﷺ-": يتعلق بـ "انتفى"، أو يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: "وذلك في زمن رسول اللَّه -ﷺ-".
فإن قلت: ما فائدة ذكر الزمن الذي وقع ذلك فيه، مع أنّ رسول اللَّه -ﷺ- أمرهما أن يتلاعنا، وقضى بالولد للمرأة؟
قلت: لعلّه أراد الراوي تذكير أهْل زمانه بما كان في زمانه -ﷺ-.
قوله: "فأمرهما النبي -ﷺ- فتلاعنا": فيه محذوف تقديرهما: "فأمرهما النبي -ﷺ-
_________________
(١) بموضعها بالأصل: "قوله". وسوف يتغير على أساسه ترقيم الأحاديث بكتاب اللعان.
(٢) رواه البخاري (٥٣١٥) في الطلاق، ومسلم (١٤٩٤) في اللعان.
(٣) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "الجملة".
(٤) رواه الإمام مالك في الموطأ (٢/ ٥٦٧)، بكتاب الطلاق، باب ما جاء في اللعان.
(٥) انظر: التمهيد لابن عبد البر (١٥/ ١٣).
[ ٣ / ٢٤٩ ]
[بالتلاعن] (١) فتلاعنا".
قوله: "كما قال اللَّه -﷿-": "الكاف" في محل الحال، كما تقدّم على مذهب سيبويه، وعلى مذهب الفارسي محلّها نصب، نعت لمصدر محذوف، أي: "تلاعنا تلاعُنًا مثل ما".
و"ما" يحتمل أن تكون موصولة، ويكون العائد عليها محذوفًا، أي: "قاله النبي -ﷺ-". ويحتمل أن تكون مصدرية، فيكون التقدير كقوله تعالى: [﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾] (٢) [البقرة: ١٣] (٣).
قوله: "ثم قضى" أي: "النبي -ﷺ-".
والمجروران في "بالولد" و"للمرأة" يتعلّقان بـ "قضى"، ثم قال: "وفرَّق بين المتلاعنين". لو قال: "وفرَّق بينهما" لصحَّ، ولكن كان يُوهم أنّ التفرقة بين المرأة وولدها. والعاملُ في "بين": "فرَّق"، وتقدّم في الثالث من "باب السواك".
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
(٢) لم تكتب الآية الكريمة بالنسخ، واستدللنا عليها من كلام المصنف في نفس المسألة في الثاني من التيمم. وانظر: البحر المحيط (١/ ١١٠).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ١١٠، ٥٥٥)، مغني اللبيب (ص ٣٩٩، ٤٠٠).
[ ٣ / ٢٥٠ ]
الحديث [الثالث] (١):
[٣٢٢]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: إنّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلامًا أَسْوَدَ. فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "هَلْ لَك إبِلٌ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَمَا أَلْوَانُهَا؟ " قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: "فَهَلْ يَكُونُ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ " قَالَ: إنَّ فِيهَا لَوُرْقًا. قَالَ: فَأَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ؟ قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ. قَالَ: "وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ؟ " (٢).
قوله: "قال جاء رجُل": جملة في محلّ خبر "أنَّ" مقدَّرة، أي: "رُوي أنه قال: جاء رجُل"، فالجملة إلى آخر الحديث معمولة القول.
قوله: "من بني فزارة": علامة الجر في "بني": "الياء"، وهو مما حمل على الجمع المذكّر السالم، وقد تقدّم ما حمل على الجمع في الحديث التاسع من "باب جامع".
و"فزارة" مُضَاف إليه، وهو لا ينصرف للعَلَمية والتأنيث؛ لأنها قبيلة.
قوله: "إلى النبي": يتعلّق بـ "جاء". و"جاء" أصله: "جَيَأ" (٣)، تحرّكت "الياء" وانفتح ما قبلها؛ فقُلبت ألفًا.
قوله: "فقال": معطوفٌ على "جاء".
و"إن امرأتي ولدت غلاما" جملة "إنّ" واسمها وخبرها مستأنفة، ولذلك كُسِرت "إنّ"، لأنها في ابتداء الكلام بعد القول، وخبرها في جملة "ولدت" وتكسر "إنّ" في ابتداء الكلام، وبعد القول، وإذا دخل خبرَها "اللامُ"، وبعد "حتى"، وفي جواب القسَم، على خلاف في بعضها (٤).
_________________
(١) بالنسخ: "الثاني". وقد مر بالحديث السابق سبب التغيير.
(٢) رواه البخاري (٥٣٠٥) في الطلاق، ومسلم (١٥٠٠) في اللعان.
(٣) انظر: الصحاح (١/ ١٤٢)، ولسان العرب (١/ ٥١).
(٤) انظر: شرح التصريح (١/ ٣٠٠ - ٣٠٢)، ضياء السالك (١/ ٣٠٤).
[ ٣ / ٢٥١ ]
و"أسود": صفة لـ "غُلام"، وهو لا ينصرف للوزن والصفة.
قوله: "فقال النبي -ﷺ-: هل لك إبل؟ ": "هل" حرف استفهام، وقد تقدّم الكلام على حكمها في الخامس من "الجنابة". وتقدّم ذكر حروف الاستفهام في الرابع من "الجنابة" أيضًا.
و"لك إبل" مبتدأ وخبر، الخبر استقرار يتعلق به "لك"، وهو مع الاستفهام مسوغان للابتداء بالنكرة.
قوله: "قال: نعم": أي: "قال السّائل: نعم". و"نعم" حرف جواب، وقد تقدّم الكلام عليها في الرابع من "الجنابة".
قوله: "فما ألوانها؟ ": "ما" مبتدأ من أسماء الاستفهام، و"ألوانها" الخبر، و"الفاء" عاطفة.
قوله: "قال: حُمْرٌ": ارتفع "حمرٌ" على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: "ألوانها حمر".
و"حمر": جمع "أحمر"، و"أفعل"، "فعلاء" لا يُجمَع إلا على "فُعْل" (١).
قوله: "فهل [يكون] (٢) فيها من أورق؟ ": أي: "قال النبي -ﷺ-". و"الفاء" عاطفة. و"من" زائدة في اسم "كان" الذي هو "أورق"، وهو لا ينصرف، مثل "أسود". وزيدت "مِنْ" (٣) هنا في [الواجب] (٤)؛ لتقدّم الاستفهام الذي بمعنى النفي، وصحّ ذلك فيها كما صحّ في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ﴾؛ قالوا: "الباء" هنا زائدة في خبر "أنّ"؛ لتقدّم معنى النفي على الجملة (٥).
_________________
(١) انظر: شرح شافية ابن الحاجب (٢/ ١٦٨).
(٢) سقطت من النسخ، وهي ثابتة في حديث الباب.
(٣) انظر: إرشاد الساري (٨/ ١٧٣).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب). والمراد: "الإيجاب" كما في المصادر.
(٥) انظر: البحر المحيط (٩/ ٤٥١)، التبيان في إعراب القرآن (٢/ ١١٥٩)، إرشاد =
[ ٣ / ٢٥٢ ]
قوله: "إن فيها لوُرْقًا": "إنّ" واسمها، وخبرها في المجرور، و"اللام" هي الداخلة في [خبر] (١) ["إنّ"]، (٢) وأصلها "لام" الابتداء، ولكنها أُخِّرت لأجل أنها غير عاملة، و"إنَّ" عاملة، وتسمّى هذه "اللام": "المزحلقة" (٣).
قوله: "فأَنَّى أتاها": الفاعل ضمير يعود على "اللون"، والمفعول يعود على "الإبل"، و"ذلك" مفعول ثانٍ.
و"أَنَّى" لها معانٍ: تكون شرطًا، وظرف مكان، وظرف زمان [بمعنى] (٤) "متى"، واستفهامًا بمعنى "كيف". وبُنيت لتضمنها معنى الشرط إن كانت شرطًا، أو حرف الاستفهام إن كانت استفهامًا (٥).
ووقع في أحاديث "العمدة" جميع أدوات الشرط والاستفهام، ولم يقع فيه "أيَّان"، ومن حقّ هذا الكتاب أن لا يخلو من الكلام عليها.
قال أبو حيان: "أيَّان" ظرف زمان مبني لا يتصرّف، وأكثر استعماله في الاستفهام، ويليه اسم مرفوع مبتدأ، نحو قوله تعالى: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧]، والمضارع لا الماضي، كقوله تعالى: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١]. بخلاف "متى"؛ فإنهما يليانها.
_________________
(١) = الساري (١٠/ ٣٤)، شواهد التوضيح (ص ٢٧٢)، شرح التسهيل (٣/ ٦٦)، شرح الأشموني (١/ ٢٦٣).
(٢) كذا بالنسخ، واللام هنا داخلة على اسم "إن" المؤخر، فلعله قصد أن اللام هنا هي التي زُحلقت لتدخل على الخبر، فلما تقدم الخبر على الاسم دخلت على الاسم، أو أنه سَبْقُ قلم وتصحيف من الكاتب، واللَّه أعلم.
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٠٤)، والنحو المصفَّى (٢٩٨، ٢٩٩).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: البحر المحيط (٢/ ٤٢٨ وما بعدها إلى ٤٣٠)، وشرح المفصل (٣/ ١٤٢).
[ ٣ / ٢٥٣ ]
وتستعمل "أيان" جزاءً؛ فتجزم مضارعين، وهو قليل، كقوله:
أَيَّانَ نُؤْمِنْكَ تَأْمَنْ غَيْرَنَا وَإِذَا لَمْ تُدْرِكِ الْأَمْنَ مِنَّا لَمْ تَزَلْ حذرا (١)
وكسر همزتها لُغة سُلَيْم.
وهو حرف بسيط جامد.
وقيل: إنّ أصلها: "أَيَّ أَوَان". والأصل عدم التركيب، والجمود (٢).
و"أنَّى" هنا في موضع نصب، لا يُتصرف فيها بغير ذلك، وهي هنا بمعنى "كيف"، كأنه سأل عن حال الكيفية، أي: "كيف تهيأ لها هذا اللون المخالف لألوان الإبل؟ "؛ فتكون ["أنى"] (٣) في محلّ نصب على الظرفية. ويحتمل أن يكون التقدير: "من أين أتاها ذلك؟ "، ثم حذف حرف الجر؛ فانتصب المحلّ.
و"أَتَى" ههنا بمعنى: "جاء"، و"ذلك" فاعله.
قوله: "قال: عسى أن يكون نَزَعَه عِرْق": فاعل "قال": ضمير "السائل"، تقدّم الكلام على "عسى"، وهو من أفعال المقاربة. وهي هنا يحتمل أن يكون اسمها ضمير يعود على "الولد"، ويكون "أن يكون" خبرها. ويحتمل أن تكون "عسى" تامة، وفاعلها: "أن يكون"، وجملة "نزعه" في محل خبر "كان"، واسمها "عِرْقٌ"، وفي "نزعه" ضمير فاعل يعود على "عِرْق"، وإن كان متأخرًا في اللفظ فهو متقدّم في الرتبة. ويجوز أن يكون "عِرْق" فاعل "نزعه"، ويكون في "كان" ضمير الأمر والشأن.
ويحتمل أن تكون "كان" زائدة، أي: "عسى أنْ نَزَعَهُ عرقٌ".
_________________
(١) البيت من البسيط، ولم يعرف قائله. انظر: المعجم المفصل (٣/ ١٠٩).
(٢) انظر: البحر المحيط (٥/ ٢١٤، ٢١٧)، (٦/ ٥١٨)، (٨/ ٢٦١).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٢٥٤ ]
الحديث [الرابع] (١):
[٣٢٣]: عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فى غُلامٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إليَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، أُنْظُرْ إلَى شَبَهِهِ بعُتْبَةَ. وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي، يَا رَسُولَ اللَّهِ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَليدَتِهِ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَللْعَاهِرِ الْحَجَرُ. وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ، فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ (٢).
جملة "اختصم" في محل خبر "أنَّ" مقدرة، وقُدِّرتْ لتقوم مقام المفعول الذي لم يسم فاعله، و"سعد" فاعل، و"ابن" نعتُه، و"أبي" مضاف إليه، وعلامة جره الياء؛ لأنه من الأسماء الستة المعتلة المضافة.
قوله: "وعَبْدُ": معطوف على "سعد". و"زمعة" لا ينصرف للتعريف والتأنيث.
قوله: "في غلام": يتعلق بـ "اختصم"، و"هذا" مبتدأ، و"ابن أخي" خبره ومضاف إليه، وعلامة الجر في "أخي" كسرة مقدّرة؛ لأنه مُضاف إلى "ياء" المتكلم، و"عتبة" بدل من "ابن".
قوله: "عهد إليَّ أنه ابنُه": فاعل "عهد" ضمير "عتبة"، و"إليّ" يتعلق بـ "عَهِد"، و"أنه ابنه" في محل نصبٍ أو جرٍّ بتقدير حرف الجر، أي: "بأنه ابنه".
قوله: "انظر إلى شبهه بعتبة": هذه الجملة يؤكّد بها خبره. يقال: "نظرت إلى زيد" بمعنى "أبصرته"، و"نَظَرْتُ زيدًا" بمعنى "انتظرته" (٣).
_________________
(١) بالنسخ: "الثالث".
(٢) رواه البخاري (٦٨١٧) في الحدود، ومسلم (١٤٥٧) في الرضاع.
(٣) انظر: شرح النووي على مسلم (٥/ ١٤٠)، عمدة القاري (١٠/ ١٧١).
[ ٣ / ٢٥٥ ]
[قوله] (١): "وقال عبد بن زمعة: هذا أخي": جملة القول مستأنفة لا محلّ لها، وما بعد القول معمول له على الحكاية، و"يا رسول اللَّه" جملة معترضة، وجملة "وُلِد على فراش أبي" في محل خبر بعد الخبر، أو في محل حال، أي: "وقد ولد"، و"من وليدته" يتعلق بـ "وُلِد"، وكذلك "على فراش".
قوله: "فنظر رسول اللَّه -ﷺ- إلى شبهه، [فرأى] (٢) شبها بيِّنًا به": "النظر" هنا بمعنى "الإبصار"، [يتعدّى] (٣) بـ "إلى".
قوله: "إلى شبهه": يتعلق بـ "نظر". وجملة "فرأى" معطوفة على "نظر". و"شبهه" اسم مصدر مضاف إلى فاعله. يقال: "شَبَه" بتحريك "الباء" وسكونها، وهما بمعنى (٤).
[قوله: "فرأى] (٥) شبها بينًا": الرؤية بصرية؛ فتتعدى لواحد، "بَيِّنًا" نعت للمفعول، و"بعتبة" يتعلق بـ "شبها"، أو بنعت ثانٍ، ويجوز أن يتعلق بـ "بينا"، وتكون "الباء" على هذا ظرفية، ويدخله التنازع.
قوله: "فقال رسول اللَّه -ﷺ-: هو لك": جملة "ﷺ" معترضة. وجملة "هو لك" معمولة للقول، و"اللام" للاختصاص، تتعلق بخبر "هو".
قوله: "يا عبد بن زمعة": "يا" حرف نداء، و"عَبْدُ" منادى مبني على الضم؛ لأنه اسم علم، و"ابن زمعة" نعته، واجب النصب؛ لأنّه مضاف، وتوابع المنادى كُلها إذا كانت مُضافة وجب نصبها (٦). و"عبد" يجوز فيه الفتح؛ لأنّه موصوف
_________________
(١) بياض بالأصل. وسقط من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: الصحاح (٦/ ٢٢٣٦).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: شرح ابن عقيل (٣/ ٢٦٦).
[ ٣ / ٢٥٦ ]
بـ "ابن" مضافة إلى عَلم (١).
قوله: "الولد للفراش": جملة من مبتدأ وخبر مستأنفة، والخبر متعلّق حرف الجر.
قوله: "وللعاهر الحجر": معطوفٌ على ما قبله.
قوله: "واحتجبي منه يا سودة": جملة معطوفة على جملة، وعلامة البناء في فعل الأمر حذف "النون" أو سكون، وقد منع منه اتصال الضمير بالفعل.
قوله: "فلم تره": الفعلُ مجزوم بـ "لم"، وعلامة جزمه حذف "الألِف".
و"قط" تقدّم الكلام عليها في الحديث السادس من "الإمامة".
الحديث [الخامس] (٢):
[٣٢٤]: عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا، تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، فَقَالَ: "أَلَمْ ترَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إلَى زيدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زيدٍ، فَقَالَ: إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأَقْدَامِ لَمِنْ بَعْضٍ" (٣).
وَفي لَفْظٍ: "كَانَ مُجَزِّزٌ قَائِفًا" (٤).
قوله: "دخل عليَّ مسرورًا": اختُلف في الواقع بعد "دَخَلَ"، فقيل: ظرف، وقيل: مفعول به (٥)، وهو هنا محذوف للعلم به، أي: "دخل عليَّ البيت". و"مسرورًا" نُصِبَ على الحال.
_________________
(١) انظر: شرح ابن عقيل (٣/ ٢٦١)، شرح الأشموني (٣/ ٢٤)، والنحو الوافي (٤/ ١٨).
(٢) بالنسخ: "الرابع".
(٣) رواه البخاري (٦٧٧٠) في الفرائض، ومسلم (١٤٥٩) في الرضاع.
(٤) رواه مسلم (١٤٥٩) (٤٠) في الرضاع.
(٥) انظر: عقود الزبرجد (١/ ١٣٥).
[ ٣ / ٢٥٧ ]
نُصِب على الحال.
و"تَبْرُق" في محلّ الحال أيضًا، على مذهب مَن يجيز تعدّد الحال (١)، وإلا فتكون حالًا من الضمير في "مسرورًا"، وتكون حالًا مُتداخلة. ويحتمل أن تكُون الجملة بدلًا من "مسرورًا". و"أسارير" فاعل "تبرق".
قال الشيخ تقي الدّين: "أسارير وجهه" يعني "الخطوط التي في الجبهة"، واحدها: "سَرَرٌ" و"سِرّ"، وجمعه: "أَسْرَارٌ"، وجمع "أسرار": "أَسِرَّة"، مثل: "خمار، وأَخْمِرة". وجمع الجمع: "أَسَارير".
وقال الأصمعيُّ: "الخطوط التي تكون في الكفِّ مثلُها". و"السَّرَر" بفتح السين والراء، و"السِّرَ" بكسر "السين" (٢).
قوله: "فقال النبي -ﷺ-: ألم تَرَيْ": حرف جزم، ومعها "همزة" التقرير، و"ترَيْ" مجزوم به، وعلامة جزمه حذف "النون"، والرؤية عِلمية.
وسدّت "أنَّ" مسد مفعوليها، ولذلك فُتِحت، و"مجززًا" اسم "أن"، و"نظر" في محل خبرها، و"آنفا" ظرف زمان، وتقدّم في الحديث الرابع من "باب الذِّكْر". و"إلى زيد بن حارثة" يتعلق بـ "نظر"، و"أسامة بن زيد" معطوفٌ على "زيد"، وعلامة جرِّه الفتحة؛ لأنّه لا ينصرف.
قوله: "فقال": معطوف على "نظر"، وكُسِرَت "إنَّ" لأنها بعد القول (٣)، و"هذه" اسمها، و"الأقدام" صفة الاسم، و"لمَنْ بعضٍ" اللام الداخلة في خبر "إنَّ"، و"من بعض" يتعلق بالخبر، أي: "لكائنة من بعض"، أو: "مخلوقة من بعض"، كقوله
_________________
(١) أجاز ابن مالك تعدّد الحال، ومنعه ابن عصفور. انظر شرح التسهيل (٢/ ٣٤٨، ٣٤٩)، وهمع الهوامع (٢/ ٣١٥).
(٢) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٢٠٦)، ولسان العرب (٤/ ٣٥٩)، الصحاح (٢/ ٦٨٣).
(٣) انظر: شرح ابن عقيل (١/ ٣٥٢ - ٣٥٤).
[ ٣ / ٢٥٨ ]
تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، أي: "مخلوقون من بعض" (١).
قوله: "وفي لفظ": أي: "ورُوي في لفظ"، أو: " [وجاء] (٢) في لفظ"، ومعمول الفعل المقدّر: الجملة على الحكاية، أو تكون جملة "كان مجزِّز قائفًا" مبتدأ، والخبر في المجرور.
و"مجزِّز" بكسر "الزاي" المعجمة المشدّدة، ونقل القاضي عياض في "الزاي" الفتح، ونقل: "مُحْرِز" بالحاء المهمَلة السّاكنة و[راء] (٣) مكسُورة (٤).
الحديث [السادس] (٥):
[٣٢٥]: عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ قَالَ: "ذُكِرَ الْعَزْلُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: وَلِمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ؟ وَلَمْ يَقُلْ: فَلَا يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ. فَإنَّهُ لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إلَّا اللَّهُ خَالِقُهَا" (٦).
قوله: "ذُكِر العَزل لرسول اللَّه -ﷺ-": الفعل مبني للمفعول، وهو "العزل"، وفاعل "قال" (٧): ضمير "النبي -ﷺ-".
و"لِمَ" استفهام حُذف ألفُه لدخول حرف الجر عليه (٨)؛ ليكون ذلك فرقًا بينها
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٣/ ٤٧٨).
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "جاء".
(٣) بالنسخ: "زاي". والمثبت من المصادر.
(٤) انظر: إكمال المعلم (٤/ ٦٥٥، ٦٥٦)، ومشارق الأنوا ر (١/ ٣٩٦).
(٥) بالنسخ: "الخامس".
(٦) رواه البخاري (٧٤٠٩) في التوحيد، ومسلم (١٤٣٨) في النكاح.
(٧) أي: "قال" الثانية.
(٨) انظر: إيضاح شواهد الإيضاح (١/ ٣٨٢، ٣٨٣)، وشرح الأشموني (٤/ ١٦)، وخزانة الأدب (٦/ ٩٩)، وشرح القصائد السبع الطوال (ص/ ٢٠٣).
[ ٣ / ٢٥٩ ]
وبين الموصولة، وقد جاء إثبات "الألِف" (١)، ومنه في الحديث الصحيح: "بما أهللت" (٢)، وتقدّم الكلام عليها في الحديث السادس من "الاستطابة"، وأقسام "ما" في الحديث الأوّل من "التيمم".
و"أحدكم": تقدّم في الحديث الثّاني من الأوّل.
و"ذلك": مفعول به، وتقديمه هنا جائز (٣).
قوله: "ولم يقل: لا يفعل ذلك أحدكم": أي: "لم ينه عنه"، وهي جملة معترضة لا محلّ لها. وتقدّم الكلام على "لَمْ"، وأنها حرف جزم لنفي المضارع وقلبه ماضيًا، نحو: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣].
وقد يرتفع الفعل بعدها، كقوله:
لولا فوارسُ من نُعْمٍ وأسْرَتهم يوم الصُّليْفاء لم يُوفُون الجار (٤)
وجاء النصب بها، كقراءة من قرأ: "أَلَمْ نَشْرَحَ لَكَ صَدْرَكَ" (٥).
قوله: "فإنه ليس نفس": تقدّم الكلام على كسر "إن" ومواضعها في الرابع من أوّل الكتاب، وتقدّم الكلام على "ليس" في الأوّل من "الحيض".
و"نفس" اسمها، و"مخلوقة" صفة لـ "نفس"، و"إلا" حرف استثناء.
_________________
(١) انظر: شواهد التوضيح (ص/ ٢١٧).
(٢) صحيح: رواه البخاري برقم (١٥٥٨).
(٣) انظر: اللمحة في شرح الملحة (١/ ٣٢٢).
(٤) البيت من البسيط، وهو بلا نسبة، ويروى بـ "ذهل" بدل "نعم". انظر: شرح التسهيل (١/ ٢٨)، (٤/ ٦٦)، المعجم المفصل (٣/ ٣٩٩).
(٥) سورة [الشرح: ١]. وهي قراءة أبي جعفر المنصور، وهي قراءة مردودة. وقيل: لعله بيَّن الحاء وأشبعها في نحرجها فظن السامع أنه فتحها. انظر: تفسير ابن عطية (٥/ ٤٩٦)، والبحر المحيط (١٠/ ٤٩٩)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٧٧٠).
[ ٣ / ٢٦٠ ]
وجملة "اللَّه خالقها" من مبتدأ وخبر في محلّ خبر "ليس"، أي: "ما نفس إلا مخلوقة للَّه"، فالاستثناء مُفرغ.
الحديث [السابع] (١):
[٣٢٦]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه قَالَ: "كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ، لَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ" (٢).
قال الشّيخ تقيّ الدّين: استدلّ "جابر" بالتقرير من اللَّه -﷿- على ذلك، وهذا استدلال غريب، وكان يحتمل أن يكون الاستدلال بتقرير الرسول -ﷺ-، لكنه مشروط بعلمه بذلك، ولفظ الحديث لا يقتضي إلا الاستدلال بتقرير اللَّه تعالى (٣).
قوله: "كنا نعزل": "كان" واسمها الضمير المتصل بها، والخبر في جملة "نعزل". وتقدّم الكلام على "كنا" في الحديث الخامس من "باب جامع"، والثاني من "الصوم في السفر".
وجملة "كان" معمولة للقول، والقول في محل خبر "أنَّ" مقدّرة، أي: "رُوي عن جابر أنه قال". وجملة "والقرآن ينْزل" في محلّ الحال من فاعل "نعزل"، و"الواو" واو الحال.
قوله: "لو كان": تقدّم الكلام على "لو" في الحديث الأول من "الصلاة"، و"كان" تقدّمت في أوّل حديث من الكتاب.
وجواب "لو": "لنهانا عنه". ويأتي جوابها بـ "اللام"، كما هو هنا، ويأتي بغير "لام"، كقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ﴾ [الواقعة: ٧٠] (٤).
_________________
(١) بالنسخ: "السادس".
(٢) رواه البخاري (٥٢٠٨) في النكاح، ومسلم (١٤٤٠) في النكاح.
(٣) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٢٠٨).
(٤) انظر: الجنى الداني (ص ٢٨٣، ٢٨٤).
[ ٣ / ٢٦١ ]
وجاء في بعض النسخ: "لو كان شيء" بالرفع، على أنه اسم "كان"، وخبره: "يَنْهَى عنْه"، و"يَنْهَى" بفتح "الياء"، على أنه مبني للفاعل، ويجوز فيها الضّم على أنه مبني للمفعول.
وفي بعض النسخ: "لو كان شيئا يَنْهَى عنه"، على أنّ "شيئًا" خبر "كان"، واسمها ضمير يعود على "العزل". وجملة "ينهى عنه" في محلّ صفة لـ "شيء".
وتقدّم الكلام على "شيئًا" في الحديث الثّاني من "باب المرور بين يدي المصلي".
الحديث [الثامن] (١):
[٣٢٧]: عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّه -ﷺ- يَقُولُ: "لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ، وَمَنْ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ، وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ: عَدُوَّ اللَّه وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ" (٢) كذا عند مسلم، وللبخاري مثله (٣).
قوله: "أنه سمع رسول اللَّه -ﷺ-": "سمع" هنا متعلقة بالذوات، فالمختار أن يتعدّى لواحد، والفعل بعده في محل حال منه إن كان معرفة أو صفة إن كان نكرة (٤)، واختار الفارسي أن يكون الفعل في محل مفعول ثانٍ، أما إذا تعلقت بالأصوات فإنها تتعدّى إلى واحد لا غير (٥). و"أنه" مع خبرها في محلّ رفع لمتعلّق حرف الجر.
_________________
(١) بالنسخ: "السابع".
(٢) رواه مسلم (٦١) في الإيمان، ورواه أحمد في "المسند" (٥/ ١٦٦).
(٣) رواه البخاري (٦٠٤٥) في الأدب.
(٤) الجمل بعد النكرات المحضة صفات، وبعد المعارف المحضة أحوال. انظر: الحدود في علم النحو (ص ٤٧٩)، ومختصر مغني اللبيب (ص ١٣٣).
(٥) انظر: عقود الزبرجد (١/ ٧١، ٧٢)، وذخيرة العقبى (١٩/ ٣٠٣).
[ ٣ / ٢٦٢ ]
قوله: "ليس من رجُل": معمولة للقول، و"من رجل" اسم "ليس"، و"مِن" فيه زائدة؛ لأنها وقعت بعد نفي، وجملة "ادَّعى" في محلّ صفة لـ "رجل"، و"لِغَيْرِ" يتعلق بـ "ادَّعى"، و"أبيه" مضاف إليه، و"إلا" إيجاب للنفي، و"كَفَرَ" جملة في محل خبر "ليس"، فيكون الاستئناء مُفرغًا، وتقدّم الكلام على ["غير"] (١) في الحديث الأوّل من "باب استقبال القبلة".
وجملة "وهو يعلمه" في محل الحال من ضمير "ادَّعى"، والتقدير: "من ادَّعى نسبًا". والضمير في "هو" للمدعِي. والضّمير في "يعلمه" يعود على "أبيه".
قوله: "ومن ادَّعى ما ليس له": "ما" هنا نكرة موصوفة، وهذا المحل بها أقعد من الموصولة، وعلى هذا تكون جملة "ليس له" في محل صفة لـ "ما"، والضمير في "له" يعود على المدعِي. وفي تقديرها موصولة بمعنى "الذي" بُعد؛ لأنّ الموصولة تقتضي الخصوص والعهد، وليس هو المراد هنا، ألا ترى أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] أنّ "ما" فيه موصولة، ولا يصحّ أن تكون موصوفة؛ لأنهم لا يكونون مُؤمنين بإيمانهم [بشيء] (٢) من القرآن حتى يؤمنوا به كُله؛ لأنّ الشيء يقع على القليل والكثير (٣).
و"مَنْ" هنا شرطية، ومحلُّها رفع بالابتداء، والخبر في فعلها أو في جوابها على الخلاف المتقدّم في العاشر من أوّل الكتاب، وفي الرّابع منه.
وتجب "الفاء" هنا في الجواب؛ لأنّ "ليس" من الأفعال التي لا تتصرف، و"الفاء" واجبة فيها، وهي: "ليس"، و"عسى"، وفِعلا التعجب، و"حبذا"، و"نعم"،
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل، وفي (ب): "لشيء". والمثبت هو ما يستقيم به المعنى، كما دل عليه ما جاء في "التبيان في إعراب القرآن" (١/ ١٩). واللَّه أعلم.
(٣) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ١٩).
[ ٣ / ٢٦٣ ]
و"بئس" (١).
قوله: "وليتبوأ": "اللام" لام الأمر، و"يتبوَّأ" مجزوم بها، و"مقعده" مفعول "يتبوأ". يُقال: "تَبَوَّأ تَبَوُّءًا" (٢)، و"المْبَاءَةُ" و"الْبَاءَةُ": "المنْزل" (٣).
ويظهر أنه يتعدّى لواحد بنفسه، ولآخر تارّة بنفسه وتارّة بـ "اللام".
فمن الأوّل: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ﴾ [آل عمران: ١٢١] فالأول: "المؤمنين"، والثاني: "مقاعد".
ومن الثاني: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦].
وقيل: "اللام" فيه زائدة (٤).
فقوله في الحديث: " [وَلْيَتبَوَّأْ] (٥) مقعده من النار" [مفعوله] (٦) محذوف، أي: "فليتبوأ لنفسه مقعده". و"مِنْ" يتعلق بـ "يتبوأ"، ويكون حالًا، أي: "فليتبوأ [مقعده] (٧) كائنًا من النار"، أي: "مقعدًا من النار"، فالحال مُقدّرة، فإن قدّرت "المقعد" مصدرًا بمعنى "القعود" [تعلق] (٨) به، ولكن لا يتمكّن معناه إلا على أنّ "المقعد" ظرف مكان، وظرفُ المكان لا يتعلّق به شيء.
قوله: "ومَن دعا رجلًا بالكفر": "مَنْ" شرطية مبتدأ، و"بالكفر" يتعلق
_________________
(١) انظر: شرح الكافية الشافية (٣/ ١٥٩٦، ١٥٩٧)، ضياء السالك (٤/ ٤٦ وما بعدها).
(٢) انظر: جمهرة اللغة (٢/ ١٠٩٤).
(٣) انظر: الصّحاح (١/ ٣٧).
(٤) انظر: البحر المحيط (٣/ ٣٢٧، ٣٢٨)، (٨/ ٣٦٤)، رياض الأفهام (٤/ ٣١٦).
(٥) بالنسخ: "فليتبوَّأ". والمثبت هو نص حديث الباب.
(٦) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٨) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٢٦٤ ]
بـ "دعا"، لأنه بمعنى: "رماه بالكفر"، "أو قال: عدوَّ اللَّه" معطوفٌ عليه، و["عَدُوَّ"] (١) منصوبٌ، أي: "قال: يا عدوَّ اللَّه"، ويحتمل الرفع "أو قال: هو عدوُّ اللَّه".
قوله: "وليس كذلك": اسم "ليس" ضمير يعود على "المدعوِّ"، و"كذلك" في محل خبرها، أي: "وليس المدعوُّ كائنا كذلك". ويحتمل أن تكون "الكاف" خبر "ليس"، و"ذلك" مُضافٌ إليه، وفيه بُعد، والأوّل أشَدّ معنى.
قوله: "إلا حَار عليه": الكلام فيه اقتضاب يُفسّره السياق، والمعنى: "من دعا رجلًا بالكفر أو قال عَدو اللَّه وكان كذلك فلا شيء عليه، وإن كان ليس كذلك حار عليه".
ولأجْل ما في "ليس" من معنى النفي سَاغ دخُول "إلا" بين "مَن" وجوابها.
فقوله: "حار عليه" جوابُ "مَن" الشّرطية، ولولا "ليس" لم يصحّ دخول "إلّا"؛ لأن الشرط واجب، والتفريغ لا يكون في الواجب، لو [قلت] (٢): "ضربتُ إلا زيدًا"، و"قمتُ إلا ضاحكًا" لم يصح.
والاستثناء المفرَّغ إنما يكون في النفي أو في النهي أو المؤول بهما (٣)، فإن جاء ما ظاهره خلاف ذلك قُدِّرَ عُموم قبل "إلّا" حتى يصِحَّ الاستثناء من ذلك العموم، فلا يكون مفرَّغا، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ [الأنفال: ١٦] انتصب "متحرفًا" على الحال من ضمير "يُوَلِّهِمْ" المستكنّ العَائد على "مَنْ"، وفي الحقيقة هو استثناء من حال محذُوفة، أي: "ومن يُولهم [مُلتبسًا] (٤) بأيّ
_________________
(١) بالنسخ: "دعا".
(٢) سقط من النسخ. والمثبت من المصدر. وانظر: البحر المحيط (٥/ ٢٩٣).
(٣) انظر: شرح التسهيل (٢/ ٢٦٩، ٢٧٠)، وشرح الكافية الشافية (٢/ ٧٠٨).
(٤) كذا بالنسخ وبالمصدر.
[ ٣ / ٢٦٥ ]
حال كان [إلّا] (١) في حال كذا" (٢).
وإنما احتاجوا إلى هذا التقدير لأجل ما ذكرناه من شرط الاستثناء المفرَّغ.
وأجازوا: "قرأتُ إلا يوم كذا" و"صُمتُ إلا يوم كذا" لأجْل العُموم (٣).
قوله: "كذا عند مسلم": "كذا" جار ومجرور، وهو مركّب من "كاف" التشبيه واسم الإشارة (٤)، وقد تقدّم الكلام عليها مستوفًى في السّادس من "الزكاة".
قوله: "وعند مسلم": هنا محذوف تقديره: "كذا جاء عند مسلم"، أو: "كذا رُوي عند مسلم"، فـ "عند مسلم" يتعلق بـ "جاء" المحذوف، و"كذا" يتعلّق به أيضًا، أو يتعلّق "عند" بمعنى التشبيه في "كذا"، وهو أجْوَد.
قوله: [وللبخاري]: أي: "جاء مثله"، فيتعلّق "للبخاري" بـ "جاء"، و"مثله" فاعل.
وللشّيخ تقيّ الدِّين كَلام على هذا الحديث جيد ينبغي للطالب تحصيله والاعتماد عليه، فلينظر في موضعه من كتابه (٥)، واللَّه أعلم.
* * *
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: البحر المحيط (٥/ ٢٩٣).
(٣) انظر: حاشية الصبان (٢/ ٢٢١).
(٤) انظر: شرح المفصل (٣/ ١٦٦)، وسر صناعة الإعراب (١/ ٣١٢).
(٥) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٢٠٨ وما بعدها إلى ٢١١).
[ ٣ / ٢٦٦ ]
[كتاب الرَّضاع] (١)
الحديث [الأوّل] (٢):
[٣٢٨]: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي بِنْتِ حَمْزَةَ: "لا تَحِلُّ لِي، يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ، وَهِيَ ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ" (٣)
قوله: "عن ابن عباس": تقدّم الكلام على "عن" في الثالث من "باب الصفوف"، وتجيء بمعنى "الباء"، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] (٤)، ومنه قول امرئ القيس:
تَصُدُّ وَتُبْدي عَنْ أَسيلٍ وتَتَّقِي بِنَاظِرةٍ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مُطْفِلِ (٥)
وتجيء بمعنى "على" (٦)، كقوله:
لَاهِ ابْنُ عَمِّكَ لَا أفْضَلْتَ في حَسَبٍ عَنِّي وَلَا أنْتَ دَيَّانِي فَتَخْزُوني (٧)
أي: "فتسوسني".
قوله: "قال رسول اللَّه": التقدير: "أنه قال".
_________________
(١) سقط من النسخ، وترقب على هذا توالي الترقيم واضطرابه، وسيتم ضبط الترقيم بأحاديث الكتاب بناء على هذا.
(٢) بالأصل: "السابع". وفي (ب): "الثامن". والمثبت الصواب.
(٣) رواه البخاري، (٥١٠٠) في النكاح، ومسلم (١٤٤٧) (١٣) في الرضاع.
(٤) انظر: الدر المصون (١٠/ ٨٣)، واللباب في علوم الكتاب (١٨/ ١٥٧).
(٥) البيت من الطويل. انظر: ديوان امرئ القيس (٤٢)، والمعجم المفصل (٦/ ٥٣١).
(٦) انظر: أمالي ابن الشجري (٢/ ٦١١).
(٧) البيت من البسيط. وهو لحرثان ذي الإصبع العدواني، شاعر جاهلي. انظر: المعجم المفصل (٨/ ٢٣٩).
[ ٣ / ٢٦٧ ]
قوله: "في بنت حمزة": أي: "في نكاح بنت حمزة".
[قوله] (١): "لا تحلّ لي": أي: "لما ذُكِر له نكاحُها قال: لا تحلّ لي"، يحتمل أن تكون الجملة في محلّ خبر مبتدأ محذوف، أي: "هي لا تحلّ لي"، ويحتمل أن تكون معمولة للقول.
قوله: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب": "الرَّضاعة" و"الرَّضاع" بالفتح، وبالكسر قليل، يُقال: "رضع الصبي، يرضع، رَضاعًا"، مثل: "سمع، يسمع، سماعًا" (٢).
قال الجوهري: وأهلُ نجْد يقولون: "رضع"، "يرضع"، "رضعًا"، مثل: "ضرب، يضرب، ضربًا" (٣).
ويقال: "امرأة مُرضع"، إذا كان من شأنها أن تُرضع، وإن لم تُباشر الإرضاع في حال وصفها به، وأمّا في حال الإرضاع فـ "مُرضعة"، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢] (٤).
قال في "الكشاف": وقيل: "مُرضعة" ليدلّ على أنّ الهول يوم القيامة إذا فُوجئت به هذه، وقد ألقمت "المرضَع" ثديها نزعته من فَمه لما يَلحَقها من الدّهش (٥).
_________________
(١) بياض بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: الصّحاح (٣/ ١٢٢٠).
(٣) انظر: الصّحاح (٣/ ١٢٢٠).
(٤) انظر: رياض الأفهام (٥/ ٩٢، ٩٣).
(٥) انظر: الكشاف للزمخشري (٣/ ١٤٢).
[ ٣ / ٢٦٨ ]
الحديث [الثّاني] (١):
[٣٢٩]: عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: "إِنّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلادَةِ" (٢).
[٣٣٠]: وَعَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: "إنّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ اسْتأْذَنَ عَلَيَّ بَعْدَ مَا أنْزِلَ الحجَابُ، فَقُلْت: وَاللَّهِ لا آذَنُ لَهُ حَتَّى أسْتَأْذِنَ رسول اللَّه -ﷺ- فَإنَّ أَخَا أَبِي القُعَيْسِ: لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَني، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْني امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ، فَدَخَلَ فَيَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْني امْرَأَتُهُ. قَالَ: ائْذَنِي لَهُ؛ فَإنَّهُ عَمُّك، تَرِبَتْ يَمِينُك" (٣).
قَالَ عُرْوَةُ: فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: "حَرِّمُوا مِنْ الرِّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ".
وَفي لَفْظٍ: "اسْتَأْذَنَ عَليَّ أَفْلَحُ، فَلَمْ آذَنْ لَهُ. فَقَالَ: أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمُّك؟ فَقُلْت: كَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرْضَعَتْك امْرَأَةُ أَخِي بِلَبَنِ أَخِي. قَالَتْ: فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: صَدَقَ أَفْلَحُ، ائْذَنِي لَهُ" (٤).
[٣٣١]: وَعَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَليَّ النبيُّ -ﷺ- وَعِنْدِي رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ مَنْ هَذَا؟ قُلْت: أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ. فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ انْظُرْنَ مَنْ إخوَانُكُنَّ؛ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ" (٥).
قوله: "إن الرضاعة تُحَرِّم": كُسرت "إنّ" لأنها وقعت بعد القول (٦)، وجملة
_________________
(١) بالأصل: "الثامن". وفي (ب): "التاسع". والمثبت الصواب.
(٢) رواه البخاري (٥٠٩٩) في النكاح، ومسلم (١٤٤٤) في الرضاع.
(٣) رواه البخاري (٥٢٣٩) في النكاح، ومسلم (١٤٤٥) (٥) في الرضاع.
(٤) رواه البخاري (٢٦٤٤) في الشهادات.
(٥) رواه البخاري (٥١٠٢) في النكاح، ومسلم (١٤٥٥) في الرضاع.
(٦) انظر: شرح ابن عقيل (١/ ٣٥٢ وما بعدها).
[ ٣ / ٢٦٩ ]
"تُحَرِّم" في محل خبر "إنَّ".
قوله: "ما يَحْرُم من الولادة": "ما" موصولة بمعنى "الذي"، و"يَحْرُم" مبني للفاعل مخففًا، وفاعله ضمير يعود على "ما"، و"من الولادة" يتعلق بـ "يحرُم"، والجملة من "ما" وصلتها في محلّ مفعول.
وفاعل "تُحَرِّم" -المشدّدِ "الرّاء"- ضمير يعود على "الرَّضاعة"، والمراد: "إن الرضاعة تُحَرّم مثل تحريمٍ يُحَرَّم من الولادة"، وبهذا التقدير يتم المعنى.
قوله: "وعنها": أي: "وعن عائشة"، معطوفٌ على ما قبله، فالتقدير: "وروي عنها أنها قالت"، فـ "أنها" في محلّ رفع بـ "رُوي".
قوله: "أنَّ أفلح. . . إلى آخره" معمولُ القول.
و"أخا أبي القعيس": بدَل من "أفلح"، وعلامة نصبه "الألِف". و"أبي" مُضاف إليه، وعلامة جره "الياء"، و"القعيس" مضافٌ إليه.
وجملة "استأذن عليَّ" في محل [خبر] (١) "أنَّ".
والعاملُ في "بعد": "استأذن"، و"ما" بعد "بعد" مصدَريّة، أي: "بعد إنزال الحجاب"، أي: "آية الحجاب"، أو "حُكم الحجاب".
و"أُنزل" مبني لما لم يُسمّ فاعله، و"الحجابُ" مفعول لم يُسمّ فاعله.
قوله: "فقلت": معمول القول جملة القسَم وجوابه، وتقدّم الكلام على حروف القسَم في العاشر من "الصلاة"، وجواب القسم [في الثاني] (٢) من "باب الصفوف".
والجواب هو حرفُ النفي. [و"اللام" في "له"] (٣) للتبيين.
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) غير واضحة بالأصل، ولكنها قريبة الشكل من هذا، ولأنّ "اللام" تأتي للتبيين. انظر: البحر المحيط (١/ ٣٣).
[ ٣ / ٢٧٠ ]
قوله: "حتى أستاذن": الفعلُ منصوب بإضمار "أنْ" بعد "حتى". وتقدّم الكلام على "حتى" في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب.
و"رسول اللَّه" مفعول بـ "أستأذن"، وتقدّم الكلام على "رسول" في [الحديث] (١) الأوّل من "باب التشهد".
قوله: "فإن أخا أبى القعيس": تقدّم مثله.
و"ليس هو أرضعني": جملة في محلّ خبر "إنّ". وتقدّم الكلام على "ليس"، واسمها ضمير يعود على "أخا أبي القعيس"، وهو تأكيدٌ له.
ويحتمل أن يكون "هو" فصل، [أي] (٢): "ليس [أرضعني] (٣) "، فلا يكُون لها محلّ من الإعراب، على الصّحيح. أو يكون "هو" مبتدأ، و"أرضعني" جملة في محلّ الخبر.
قوله: "ولكن أرضعتني امرأته": تقدّم الكلام على "لكن" في الحديث الأوّل من "باب الحيض".
قوله: "فدخل عليَّ رسول اللَّه -ﷺ-": أي: "دخل البيت"، "فقلت: يا رسول اللَّه، إنّ الرجُل. . . "، هذا الكلام فيه اقتضاب؛ لأنّ الذي وقع قولها: "واللَّه لا آذن له. . . إلى آخره"، فاقتصرت عن كلامها المتقدّم، وأتت بالمقصود من ذلك.
قوله: "فقال رسول اللَّه -ﷺ-: ائذني له": الجملة معمولة للقول، وسيأتي القول في "أَذِن"، وتقدّم في العاشر من "باب [فسخ] (٤) الحج".
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) غير واضحة بالأصل، وفي (ب): "أرضعتني".
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٢٧١ ]
قوله: "فقلت: إن الرجل ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأته": هذه الجملة كلها تقدّمت من قولها الأوّل، وإنما كسرت "همزة" الأمر لأنه من "أَذِنَ، يَأْذَنُ" ثلاثي الماضي، مفتوح عين مُضارعه، فكسر أوّله على القَاعدة (١)، وأبدِلت "همزة" الفعل "ياء" لانكسار ما قبلها (٢).
قال النحاس: "أذن" إذا دخل عليها "الواو" و"الفاء" فهجاؤها في الخط: "ألف وذال ونون" بغير "ياء". وأما إن دخلت "ثُم" فهجاؤها: "ألف وياء وذال ونون". [والفرق] (٣): أنّ "ثُم" يُوقف عليها وينفصل، بخلافهما (٤).
قوله: "فإنه عمُّكِ، تربت يمينك": "الفاء" هنا فيها [معنى] (٥) التعليل والسببية، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ١ - ٢]، ونحو: "ائتني فإنى أكرمك" (٦). و"تربت يمينك": بمعنى: "استغنت"، وقيل: بمعنى "افتقرت"، والعرب تستعملها لا تريد به معناها (٧).
قوله: "قال عروة: فبذلك كانت عائشة تقول": "الباء" كما تقدّم سببية، أي "بسبب ذلك كانت عائشة تقول".
_________________
(١) يعني قاعدة حركة همزة الوصل؛ إذ يبدأ الأمر من "أذن" بهمزة وصل كما هو حال الثلاثي. انظر: التسهيل لابن مالك (٢٠٣).
(٢) انظر: اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٤٤٨)، المفتاح في الصرف (٨٠).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: إعراب القرآن للنحاس (٢/ ١٢١، ١٢٢).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: تفسير ابن عرفة (٤/ ٣٥١)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٢٢١)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ١٣٨).
(٧) انظر: التمهيد لابن عبد البر (٨/ ٣٤٠)، ورياض الأفهام (٥/ ١٠٧، ١٠٨).
[ ٣ / ٢٧٢ ]
قوله: "وفي لفظ: استأذن عليَّ أفلح": تقدّم الكلام على متعلّق حرف الجر، وسيأتي مثله.
قوله: "فلم آذن له": معطوفٌ على "استأذن عليّ أفلح".
وجملة "استأذن" معمولة لمتعلّق حرف الجر.
قوله: "فقال" أي: "أفلح": "أتحتجبين": "الهمزة" للإنكار، و"تحتجبين" فعل مضارع وفاعل، وهو "الياء"، و"النون" علامة الرفع.
و"مِنِّي" متعلق بـ "تحتجبين". وفي "من" معنى السببية، وذلك إشارة إلى معنى العُمومة. وجملة "وأنا عمّك": حالٌ من الفاعل.
قوله: "فقلت: كيف ذاك": "ذاك" مبتدأ، والخبر "كيف"، وتقدّم الكلام على "كيف" في الحديث العاشر من "صفة الصلاة".
قوله: "قال" أي: "أفلح": "أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي"، فـ "أرضعتك" فعل وعلامة التأنيث ومفعول، و"امرأة" فاعل، و"بلبن" يتعلق بحال، أي: "متلبسة بلبن أخي"؛ لأنّ اللبن للفحل.
قوله: "فسألت رسول اللَّه -ﷺ-": معموله محذوف، أي: "عن ذلك". "فقال: صدق" فاعله: ضمير "أَفْلَح".
قوله: "وعنها": الإعراب واحد، إما أن تقدّر: "وجاء في لفظ"، [أو: "روي] (١) في لفظ". أو تقدّر الجملة مبتدأ على الحكاية، والخبر متعلّق للمجرور.
قوله: "قال دخل عليَّ النبي -ﷺ-": الجملة معمولة للقول، و"عليَّ" يتعلّق بـ "دخل"، ومفعول "دخَل" محذوف، أي: "البيت"، وقيل: هو [ظرْف] (٢). وتقدّم الكَلام على "دخل" في الرابع من "باب الاستطابة".
_________________
(١) بالأصل: "أو تقدّر أو روي"، وفوق "أو تقدّر" علامة الحذف والإسقاط.
(٢) غير واضحة بالأصل، وتظهر كأنها: "ظرفه". والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٢٧٣ ]
قوله: "وعندي رجلٌ": مبتدأ وخبر، الخبر في الظّرف.
قوله: "فقال: يا عائشة": معطوفٌ على "رجُل"، وهو جملة مُعترضة.
و"مَن هذا؟ " مبتدأ وخبر، وكلاهما مبنيٌّ.
فأمّا "مَن": فلأنها من أسماء الاستفهام، وأسماء الاستفهام بُنيت لتضمّنها معنى حرف الاستفهام (١).
وأمّا "هذا": فمن أسماء الإشارة، وبُنيت؛ لأنها افتقرت إلى مُشار إليه.
قوله: "قلتُ: أخي من الرضاعة": "أخي" خبر مبتدأ محذوف، أي: "هو أخي"، والجملة معمولة للقول، و"من الرضاعة" يتعلّق بحال، أي: "أخي كائنًا من الرضاعة"، أو يتعلّق بـ "أخي"؛ لأنه بمعنى "مُؤَاخٍ من الرضاعة".
قوله: "فقال" أي: "النبي -ﷺ-": "يا عائشة" معمولُ القول.
و"انظرن" بمعنى: "اعرفن"، يتعدّى إلى مفعول واحد، ولكن [علّق] (٢) عنه بالاستفهام؛ فـ "مَن" مبتدأ، و"إخوانكن" خبره، والجملة في محل نصب بـ "انظرن".
قوله: "فإنما الرّضَاعة من المجَاعة": "إنما" هنا للحَصر التام، و"الرضاعة" مبتدأ، و"من المجاعة" يتعلّق بالخبر، وتقدّم الكلام على "إنما" في أوّل حديث من الكتاب، وعلى "مِن" الجارة في الحديث العاشر من أوّل الكتاب.
قال الشيخ تقيّ الدّين: "إنما" للحصر، لأنّ المقصود هو [حصر] (٣) الرضَاعة المحرِّمة في المجاعة، لا مجرّد إثبات الرّضاعة في زمَن المجَاعة (٤).
_________________
(١) انظر: شرح ابن عقيل (١/ ٢٨، وما بعدها)، وجامع الدروس العربية (٢/ ٢٠٦).
(٢) بالنسخ: "دلق"، والصواب المثبت، فالفعل "نظر" معلّق عن العمل بالاستفهام. انظر: إرشاد الساري (٤/ ٣٤٩).
(٣) غير واضحة بالأصل، والمثبت من المصدر.
(٤) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٢١٥).
[ ٣ / ٢٧٤ ]
قال (١): وفي الحديث استعمال "إخوان" في غير الأصدقاء، وهو أكثر ما يُستعمَل فيهم عند أهل اللغة، و"الإخوة" في الولادة؛ فكأنه حُمل على [الأصدقاء] (٢)، ولو حُمل على النَّسَب لصح أيضًا، فكأنه فرع دار بين أصلين. وقد جمع أيضًا بالواو والنون (٣). قال الشاعر:
وَكَانَ بَنُو فَزَارَةَ شَرَّ قَوْمٍ وَكُنْتُ لَهُمْ كَشَرِّ بَنِي الأَخِينَا (٤)
الحديث [الثالث] (٥):
[٣٣٢]: عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحارِثِ أَنَّهُ تَزَوَّج أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرسول اللَّه -ﷺ-، قَالَت: فأعْرَضَ عَنِّي. قَالَ: فتَنَحَّيْت فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ. قَالَ: "كَيْفَ؟ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتكُمَا" (٦).
قوله: "عن عقبة أنه. . . ": قال: "إنني تزوجتُ"، ثُم حَكى الرّاوي عنه بضمير الغَيبة، ولذلك فتح "أنّ"؟؛ لأنه أعمَل في محلّها متعلّق حرف الجر. ولو أتى بالكلام على ما حكاه لقال: "إنني" بكسر "إن"؛ لأنها في ابتداء الكلام (٧).
و"أُمّ" تقدّم الكلام عليها [وجمعها] (٨)، وأصلها: "أمهة"، ولذلك تجمَع على: "أمهات"، وتصغيرها: "أُمَيْمَة" (٩)، ويُقال: "يا أُمة لا تفعلي"، . . . . . .
_________________
(١) القائل هنا هو: الشيخ تاج الدين الفاكهاني، وليس الشيخ تقيّ الدّين.
(٢) غير واضحة بالأصل، والمثبت من المصدر.
(٣) انظر: رياض الأفهام (٥/ ١١٠).
(٤) البيت من الوافر، وهو لعقيل بن علفة المري. انظر: المعجم المفصل (٨/ ٦٥).
(٥) بالأصل: "الثامن". وفي (ب): "العاشر". والصواب المثبت.
(٦) رواه البخاري (٥١٠٤) في النكاح.
(٧) انظر: شرح ابن عقيل (١/ ٣٥٢ - ٣٥٤).
(٨) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٩) قال الخليل وغيره: "يقول بعضهم في تصغير أمّ: أُمَيْمة. والصّواب: أميهة، تردّ إلى =
[ ٣ / ٢٧٥ ]
"يا [أبة] (١) افعل"، يجعلون علامة التأنيث عوضًا من "ياء" الإضافة، ويُوقف عليها بـ "الهاء" (٢).
قوله: "يحيى": تقدّم الكلام على "يحيى"، وأنه اسم أعجمي عَلَم، وقيل: عربي، مضارع "حيى"، وامتنع صرفه للعَلَمية والوزن. وعلى القولين يجمع على: "يَحْيَوْنَ" بحذف "الألِف" وفتح ما قبلها، في مذهب الخليل وسيبويه. وعن الكوفيين: إن كان عربيًا فتحت "الياء"، وإن كان [أعجميًا] (٣) ضمّت "الياء" (٤).
قوله: "بنت" صفة لـ "أم"، أو بَدَل منه.
قوله: "فجاءت أَمَةٌ سوداءٌ": يحتمل الكلام وجهين، أحدهما: تقدير الكلام على ما هو عليه من الحكاية عن عقبة بن الحارث؛ فيكون تقدير الكلام: "فجاءته أمة سوداء"، وحذف المفعول.
ويحتمل أن يكون الكلام رجع إلى حكايته عن نفسه، فيكون التقدير: "فقال: جاءت أمة سوداء"، وهذا أظهر؛ لأنه قال بعد ذلك: "فقالت: قد أرضعتُكما"، وهذا لا يتوجّه إلا على هذا التقدير.
و"سوداء": لا ينصرف؛ لألِف التأنيث الممدودة.
قوله: "فقالت": معطوفٌ على "جاءت"، والتقدير: "قالت لهما": "قد
_________________
(١) = أصل تأسيسها. ومن قال: أميمة صغّرها على لفظها، وهم الذّين يقولون في الجمع: أمّات". انظر: العين (٨/ ٤٣٤)، تهذيب اللغة (١٥/ ٤٥٢)، لسان العرب (١٢/ ٣٠).
(٢) بالنسخ: "أبت". والصواب المثبت من المصدر.
(٣) انظر: الصحاح (٥/ ١٨٦٣).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: البحر المحيط (٣/ ١٠٨).
[ ٣ / ٢٧٦ ]
أرضعتُكما".
قوله: "فاعرض عني": معطوفٌ على "فذكرت".
"قال: فتنحيت، فذكرت": معطوف عليه، و"ذلك" مفعول به. والضمير في "له" يعود على "النبي -ﷺ-".
قوله: "فقال" أي: "النبي -ﷺ-": " [كيف] (١) وقد زعمت؟ ": "كيف" هنا في محل نصب بفعل مقدّر، أي: "وكيف يصنع وقد زعمت"، أو تكون خبر "كان" مُقدّرة، أي: "كيف يكون بقاؤك معها وقد زعمت؟ ". ويحتمل أن تكون في محلّ نصب على المصدر، أي: "أيَّ فعل تفعل وقد زعمت؟ ".
و"زعمت" هنا من أفعال القلوب التي تتعدّى إلى مفعولين، و"الواو" واو الاستئناف، والجملة لا محلّ لها، وإن قدّرت: "كيف يُترك قولهُا وقد قالت"، احتملت الحال من ضمير المرأة السوداء.
قوله: "أنْ قد أرضعتكما": "أنْ" المخففة من الثقيلة سدّت مسد مفعولي "زعم"، ودخلت "قد" بينها وبين الفعل لأنه شرطها لتكون علامة عليها، ويكون ذلك بـ "السين" أو بـ "سوف" أو "قد" أو بـ "لو"، أو يكون الفعل فيه معنى الدّعاء (٢)، وقد تقدّم الكلام عليها في السّادس من "الصوم"، وفي الثّاني من "باب تسوية الصفوف".
ويحتمل أن تكون "زعمت" هنا بمعنى "قالت"، وتكون "أنْ" مفسّرة؛ لأنه تقدّمها معنى قول.
ومصدرُ "زَعَم": "زعمًا"، يجوز فيه الضمّ والفتح والكسر (٣)، وقيل: الضمّ
_________________
(١) بالنسخ: "وكيف".
(٢) انظر: شرح المفصل (٤/ ٥٥٠، وما بعدها)، والأصول في النحو (١/ ٢٣٩، ٢٤٠).
(٣) انظر: لسان العرب (١٢/ ٢٦٤).
[ ٣ / ٢٧٧ ]
الاسم، والفتح المصدر (١).
الحديث [الرابع] (٢):
[٣٣٣]: عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- يَعْنِي مِنْ مَكَّةَ- فتَبِعَتْهُمْ ابْنَةُ حَمْزَةَ تُنَادِي: يَا عَمُّ. فتَنَاوَلَهَا عَليٌّ فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَالَ لِفَاطِمَةَ: دُونَكِ ابْنَةَ عَمِّك. فَاحْتَمَلْتُهَا، فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَليٌّ [وَزَيْدٌ وَجَعْفَرٌ] (٣)، فَقَالَ عَليٌّ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّي. وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي، وَخَالتُهَا تَحْتِي. وَقَالَ زيدٌ: ابْنَةُ أَخِي. فَقَضَى بِهَا النبي -ﷺ- لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: "الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ"، وَقَالَ لِعَليٍّ: "أَنْتَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْك". وَقَالَ لِجعْفَرٍ: "أَشْبَهَتْ خَلْقِي وَخُلُقِي"، وَقَالَ لِزَيْدٍ: " [أَخُونَا وَمَوْلانَا] (٤) " (٥).
قوله: "خرج رسول اللَّه -ﷺ- يعني من مكة": جملة "يعني من مكة" معترضة لا محلّ لها، وجملة "خرج" [معمولة للقول، والقول] (٦) في محلّ خبر ["أنَّ" مُقدّرة] (٧) لتقوم مقام المفعول الذي لم يُسمّ فاعله للفعل المتعلّق به حرف [الجر] (٨).
قوله: "فتبعتهم ابنةُ حمزة": تقدّم الكلام على "ابنة" في الأول من "الحيض"، وفي الرابع من "كتاب النكاح".
" [تنادي] (٩) يا عم": أي: "تقول: يا عم". وجملة "تنادي" في محل الحال من
_________________
(١) قال في اللسان (١٢/ ٢٦٤): "الزُّعْمُ تميميَّة، والزَّعْمُ حجازية".
(٢) بالأصل: "التاسع". وفي (ب): "الحادي عشر". والصواب المثبت.
(٣) كذا بالنسخ. وفي متن العمدة (٢٣١): "وجعفر وزيد".
(٤) كذا بالنسخ. وفي متن العمدة (٢٣١): "أنت أخونا ومولانا".
(٥) رواه البخاري (٢٦٩٩) في الصلح، (٤٢٥١) في المغازي.
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
(٨) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
(٩) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٢٧٨ ]
"ابنة حمزة".
قوله: "فتناولها عليٌّ، فأخذ بيدها": يحتمل أن يكون "أخذ بيدها" بعد تناوله إياها، ويحتمل أن يكون تفسير تناوله لها؛ فتكون [بدلا] (١).
قوله: "وقال لفاطمة: دونَكِ ابنةَ عمِّكِ": "دُونَ" هنا اسم فعل منقول من الظرف (٢)، مثل "عليك" منقول من حرف الجر، و"عندك" منقول من الظرف. وفيها ضمير فاعل؛ لأنها بمعنى: "خُذي" و"امسكي"، واتصل جها ضَمير آخر، وهو "الكاف".
ومحلّ "الكاف" قبل استعماله اسم فعل: جَر بالإضَافة، وبعد أن نُقِلت: الجر بالإضافة أيضًا، لكن اختلف معنى الإضافتين، الأولى: إلى ظرف، والثانية: إلى اسم فعل، فإذا جئت [بتابع] (٣) لها جاز أن ترفعه حملًا على ضمير الفاعل، وجاز جرُّه حملًا على "الكاف"، فتقول: "عليكم أجمعون" و"أجمعين" (٤).
و"ابنةَ" منصوب باسم الفعل.
قوله: "فاختصم فيها علي وزيد وجعفر": أي: "في حضانتها".
قوله: "فقال عليٌّ: أنا أحقُّ بها": جملة كُبرى وصغرى، فالكُبرى: "قال عليّ"، و"أنا أحَقّ بها" صُغرى؛ لأنها معمولة للقول، ومثل هذا قول جعفر.
قوله: "وخالتُها تحتي": أي: "زوجتي وفي نكاحي"، وهو معطوفٌ على ما قبله.
قوله: "فقضى بها رسول اللَّه -ﷺ- لخالتها": أي: "قضى بحضانتها لخالتها"، فهو معطوفٌ على ما قبله. و"اللام" للاختصاص.
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: حاشية الصبان (٣/ ٢٩٥، ٢٩٦).
(٣) بالأصل: "تابع". والمثبت من (ب).
(٤) انظر: حاشية الصبان (٣/ ٢٩٨).
[ ٣ / ٢٧٩ ]
و"قضى" هنا بمعنى: "حَكَم". ويحتمل أن يكون بمعنى: "أمر"، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] (١).
قوله: "وقال الخالة بمنزلة الأم": "الخالة" مبتدأ، والخبر في المجرور، و"الباء" هنا ظرفية، أي: "مُنَزَّلةٌ منْزلةَ الأم".
ولو قال: "الخالة منزلة الأم"، على أنه ظرف، صحَّ، أي: "كائنة منزلة".
قوله: "وقال لعلي": أي: "النبي -ﷺ-": "أنت مني" يحتمل: "أنت مني في النسب"، "وأنَا منْك" فيه.
ويحتمل "أنت مني" معنى آخر، وهو أنَّ أولاد فاطمة بَضعة منها، وهي بَضعة من النبي -ﷺ-، فصار أولاد عليٍّ بَضعة من النبي؛ لأنّ بعض البعض جُزء من الكُل، فَبكوْنِهم من عليٍّ حصَل اشتراك حسّي بين علي كرّم اللَّه وجهه وبين النبي -ﷺ-[على] (٢) غير النسب الأعلى، وهذا يظهر معناه.
ويحتمل أن يكون التقدير: "عليٌّ ولدُه منِّي". واللَّه أعلم.
و"مِنْ" في هذه التقديرات كلها تبعيضية.
واللَّه أعلم بمُراده -ﷺ-.
والضّميران مبتدآن، والخبر في المجرور بعد كُل واحد منهما.
قوله: "وقال لجعفر: أشبهت خَلقي وخُلُقي": جملة "أشبهتَ" خبر مبتدأ محذوف، أي: "أنت أشبهت خلقي"، المراد: "خلقتي"؛ لأنّ "الخلق" هنا مصدر صفة فعل، لا صفة ذات.
قوله: "وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا": وهذا جاء من النبي -ﷺ- تطييبًا
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٧/ ٣٣)، وتفسير القرطبي (١٠/ ٢٣٧).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٢٨٠ ]
لأنفسهم، وإعلامًا لهم بمنزلتهم منه -﵃-، وحشرنا في زُمرتهم بكَرَمه.
وإنما طلب زيد الحضانة لتوهّمه أنّ المؤاخَاة التي واخى النبي -ﷺ- بينه وبين حمزة تتنزَّل منزلة أخُوّة النسب في استحقاق الحضَانة.
* * *
[ ٣ / ٢٨١ ]