[ذكر تقسيم للاسم]
وهو ما دلّ على معنى في نفسه غير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة وله خصائص، منها: النّعت لأنّه (٢) حكم في المعنى على المنعوت، ومنها: التصغير لأنّه في معنى النّعت ومنها: تنوين التمكين، والتنكير، لدلالة الأوّل على أنّ المنوّن به غير مشبّه بالفعل، ولا يكون إلّا في الاسم، وأما الثاني: فلأنّ الفعل وضعه للتنكير فلا يحتاج إلى تنوين تنكير فوجب اختصاصه بالاسم (٣) ومنها: التثنية والجمع لأنّ الفعل/ لا يثنّى ولا يجمع على ما سنذكره إن شاء الله عند ذكر الفعل المضارع.
واعلم أنّ الاسم يكون، علما، ومتواطئا، ومشتركا، ومشكّكا ومنقولا وحقيقة، ومجازا، أما العلم فسيذكر في بابه (٤) وأمّا المتواطئ: فهو الذي يكون معناه واحدا كلّيا حاصلا في الأفراد الذّهنية والخارجيّة على السّويّة كالحيوان الواقع على الإنسان والفرس، وكالإنسان الواقع على زيد وعمرو (٥).
وأمّا المشترك: فهو الذي يكون معناه أكثر من واحد ووضعه بإزاء تلك المعاني على السويّة كالعين بالقياس إلى الفوارة والباصرة (٦) وقد يطلق على الضّدين كالقرء للطهر والحيض (٧).
_________________
(١) الكافية، ٣٨١.
(٢) غير واضحة في الأصل.
(٣) شرح الوافية، ١٢٧ وشرح الكافية، لابن الحاجب ١/ ٢١.
(٤) في الصفحة، ٢٩٤.
(٥) التعريفات، ١٩٩ وشرح المفصل، ١/ ١٦.
(٦) التعريفات، ٢١٥ وشرح المفصل، ١/ ٢٦.
(٧) في اللسان، «قرأ» عن أبي عبيد: القرء يصلح للحيض والطهر.
[ ١ / ١١٦ ]
وأمّا المشكّك: فهو الذي معناه واحد، لكنّ حصوله في بعض أفراده أولى وأقدم من البعض الآخر، كالموجود بالقياس إلى الواجب لذاته، والممكن لذاته، فإنّ إطلاقه على الواجب لذاته أولى وأقدم وكالبياض بالقياس إلى الثلج والعاج، فإنّ إطلاقه على الثّلج أولى؛ لأنّ البياض فيه أقوى (١) وسميّ مشكّكا لمشابهته المتواطئ من وجه وهو كونه موضوعا لمعنى واحد كليّ، والمشترك من وجه وهو كون حصوله في أفراده على وجه الاختلاف فيشكّك الناظر في أنه متواطئ أو مشترك.
وأما المنقول: فهو أن يكون وضع لشيء ثمّ نقل إلى غيره بسبب اشتراك المعنيين أو مناسبة أخرى بحيث يترك استعماله فيما وضع له أولا كالدّابة - فإنّها وضعت لكلّ ما يدبّ على الأرض ثمّ نقلها العرف العامّ إلى الفرس والحمار، - وكالصّلاة فإنّها وضعت للدّعاء ثمّ نقلها الشّرع إلى هذه العبادة (٢).
وأما الحقيقة والمجاز: فاعلم أنّ الاسم متى وضع لشيء ثمّ نقل لغيره بسبب اشتراك بين المعنيين أو مناسبة أخرى ولم يترك استعماله فيما وضع له أولا، فإنّه بالنسبة إلى المنقول عنه حقيقة. وبالنسبة إلى المنقول إليه مجاز؛ كالأسد بالقياس إلى الحيوان المفترس، والرجل الشجاع، فإنه وضع للحيوان المفترس فهو حقيقة بالنسبة إليه ثمّ نقل إلى الرجل الشجاع لاشتراكهما في الشجاعة فهو مجاز بالنسبة إليه (٣)، وأمّا الأسماء المترادفة فهي المتفقة حدا المختلفة لفظا، كالخمر والعقار والليث والأسد (٤).
ذكر تقسيم آخر للاسم (٥)
[تقسيمه الى المعرب والمبنى]
وهو ينقسم أيضا إلى معرب ومبنيّ، وأصل الأسماء أن تكون معربة ولذلك
_________________
(١) التعريفات، ٢١٦.
(٢) التعريفات، ٢٣٣ - ٢٣٤.
(٣) التعريفات، ٨٩ - ٩٠، والخصائص لابن جني ٢/ ٤٤٢ ومفتاح العلوم للسكاكي - ١٦٨ وإرشاد والفحول للشوكاني، ٢١.
(٤) التعريفات، ١٩٩ وإرشاد الفحول، ١٨.
(٥) الكافية، ٣٨١.
[ ١ / ١١٧ ]
يقال في الاسم المبني: لم بني؟ ولا يقال في المعرب: لم أعرب (١) ومن هنا نذكر الاسم المعرب حتى ينتهي ثم نذكر المبني.
[المعرب]
[تعريف المعرب]
والمعرب هو الاسم المركّب الّذي لم يشبه مبنيّ الأصل لأنّه لا يستحق الاسم الإعراب إلّا بعد التركيب لتتبيّن المعاني الحاصلة فيه بالتركيب، وهي الفاعلية، والمفعولية والإضافة، لأنّك إذا قلت: ما أحسن زيد، ورفعت علمت الفاعلية، وإن نصبت علمت المفعولية، وإن خفضت علمت (٢) الإضافة، فتكون في الفاعل منفيا، وفي المفعول مثبتا له الحسن، وفي الخفض مع رفع أحسن مستخبرا عن الأحسن منه، ولو ذكرت/ الكلمات من غير تركيب لم يكن إعراب (٣)، كقولك: واحد، اثنان، ونحو ذلك مما تعدّده تعديدا من غير إسناد (٤)، وأمّا إذا عطفت أسماء الأعداد بعضها على بعض، كقولك: واحد واثنان وثلاثة، فإنّها تكون حينئذ مركّبة معربة واحترز بقوله لم يشبه مبنيّ الأصل (٥) عن المانع من الإعراب مع وجود سببه الذي هو التركيب فإنّ مشابهة مبني الأصل تمنع من الإعراب وإن وجد التركيب (٦)، والمراد بمبنيّ الأصل، الحرف والفعل الماضي، وفعل الأمر للمخاطب، فإنّ الاسم إذا شابه أحدها بني، فمشابهة الحرف نحو: من أبوك؟ ومشابهة الفعل الماضي نحو: أفّ، أي تضجّرت، ومشابهة فعل الأمر نحو: حيّ أي أقبل، والاسم المعرب المذكور يختلف آخره لفظا أو تقديرا لاختلاف العوامل (٧).
[بيان الإعراب]
والإعراب: هو الحركات والحروف التي يختلف الآخر بها من الضمة والفتحة والكسرة، والألف والواو والياء.
وأنواع الإعراب ثلاثة: (٨) رفع ونصب وجرّ، فالرّفع علم الفاعلية، أي للفاعل
_________________
(١) شرح الوافية، ١٢٧، وانظر الكتاب ١/ ١٣ - ١٥.
(٢) غير واضحة في الأصل.
(٣) بعدها في شرح الوافية، ١٢٨: كقولك: ألف، باء، تا، ثا، وكقولك واحد.
(٤) شرح الوافية، ١٢٨ والنقل منه.
(٥) الكافية، ٣٨١.
(٦) شرح الكافية، ١/ ١٧.
(٧) شرح الوافية، ١٢٨ والنقل منه باختصار، وانظر شرح الكافية. ١/ ١٧ وشرح التصريح، ١/ ٥٩.
(٨) الكافية، ٣٨٢.
[ ١ / ١١٨ ]
وما أشبه الفاعل، والنصب علم المفعوليّة أي للمفعول وما أشبه المفعول، والجرّ لا يكون إلّا علم الإضافة (١).
[ذكر تقسيم للمعرب]
ذكر تقسيم آخر للمعرب
والمعرب ستة أقسام، ثلاثة بالحركات وثلاثة بالحروف، أمّا الثلاثة الّتي بالحركات فالأوّل: المفرد، والجمع المكسّر المنصرفان، والثاني: جمع المؤنّث السالم، والثالث: الاسم الذي هو غير منصرف، وأمّا الثّلاثة التي هي بالحروف، فالأوّل: الأسماء الستة، والثاني: المثنّى، والثّالث: جمع المذكّر السالم.
ذكر إعراب الاسم المفرد، والجمع المكسّر المنصرفين (٢)
كلّ اسم مفرد منصرف وجمع مكسّر منصرف، فرفعه بالضمّة ونصبه بالفتحة وخفضه بالكسرة، وإنّما أعرب هذا القسم بالحركات الثلاث لأنّه الأصل في الإعراب ولم يمنع مانع منه.
ذكر إعراب جمع المؤنّث الصحيح (٣)
كلّ جمع مؤنّث سالم فرفعه بالضمّة، ونصبه وخفضه بالكسرة، وإنّما أعرب بالكسر في النّصب والجر معا لأنّ جمع المذكّر السّالم حمل فيه النّصب على الجرّ، فلم يجعل للمؤنّث على المذكّر مزيّة، فحمل فيه النّصب على الجرّ.
ذكر إعراب الاسم الغير (٤) المنصرف (٥)
كلّ اسم غير منصرف مفردا كان أو مجموعا جمع تكسير، فرفعه بالضّمة ونصبه
_________________
(١) شرح الوافية، ١٣٠ وشرح الكافية، ١/ ٢٤ وشرح الأشموني، ١/ ٦٦ - ٦٧.
(٢) الكافية، ٣٨٢.
(٣) الكافية، ٣٨٢.
(٤) كذا في الأصل، وقيل عن ذلك بأنه لحن، لأنّ أل لا تدخل على غير إلّا في كلام المولدين، انظر ما قيل عنها في درة الغواص للحريري ٤٣ وتهذيب الخواص، لابن منظور ١٢٤ وحاشية الصبان، ٢/ ٢٤٤ وحاشية ياسين على شرح التصريح، ١/ ٩١.
(٥) الكافية، ٣٨٢.
[ ١ / ١١٩ ]
وخفضه بالفتحة، وإنّما نقص الكسرة لأنّه أشبه الفعل بالعلّتين الفرعيتين على ما سنذكره، فقطع عمّا ليس في الفعل وأعرب بالفتح في موضع الجرّ.
ذكر إعراب الأسماء الستة (١)
وهي: أخوك وأبوك وحموك وذو مال، وفوك وهنوك، إذا أضيفت إلى غير ياء المتكلّم فرفعها بالواو ونصبها بالألف وخفضها بالياء (٢)، بشرط أن لا تكون مصغّرة، ولا مكسّرة (٣) وإنّما أعربت هذه الأسماء بالحروف لأنّها لمّا كانت أمورا إضافية نسبية يتوقّف فهم معناها على غيرها، أشبهت/ التثنية والجمع في الكثرة فكانت فرعا على الواحد، فجعل إعرابها فرعا على إعراب الواحد (٤) والأصل في إعراب الواحد أن يكون بالحركات، والإعراب بالحروف فرع عليه، فجعل إعراب هذه الأسماء بالحروف مع أنّ أواخرها حروف تقبل أن تتغيّر بتغيّر العامل (٥).
ذكر إعراب المثنّى (٦)
المثنّى رفعه بالألف ونصبه وخفضه بالياء، وكذلك إعراب اثنين وكلا، إذا أضيف إلى مضمر، وإنّما خصّصناهما بالذكر لأنّ المثنّى، اسم زيد عليه ألف ونون أو ياء ونون، ليدلّ على أنّ معه مثله من جنسه، وليس اثنان كذلك لأنّ «اثن» ليس موضوعا لشيء، بل اثنان اسم موضوع لمفردين فأعرب كالمثنّى لموافقته إيّاه في المعنى (٧) ولا يعرب كلا إعراب المثنّى إلّا إذا أضيف إلى مضمر، كقولك: جاءني كلاهما، ورأيت كليهما، ومررت بكليهما ومن العرب من يقول: كلاهما في الأحوال
_________________
(١) الكافية، ٣٨٢.
(٢) شرح الوافية، ١٣١.
(٣) الكتاب ١/ ٤٣٠ - ٣/ ٤١٢.
(٤) غير واضحة في الأصل.
(٥) شرح الوافية، ١٣٣ وانظر المقتضب، ١/ ٢٤٠ وشرح المفصل، ١/ ٥١ وشرح الكافية، ١/ ٢٧ وشرح التصريح، ١/ ٢٧ وهمع الهوامع، ١/ ٣١ وشرح الأشموني، ١/ ٦٨.
(٦) الكافية، ٣٨٢.
(٧) شرح الوافية، ١٣٢ وشرح الكافية، ١/ ٥٩.
[ ١ / ١٢٠ ]
الثلاثة (١)، وأمّا إذا لم يضف إلى مضمر فهو كعصا، تقول: جاءني كلا الرّجلين ورأيت كلا الرجلين، ومررت بكلا الرّجلين.
ذكر إعراب الجمع السّالم (٢)
كلّ جمع مذكّر سالم فرفعه بالواو ونصبه وخفضه بالياء وكذلك إعراب عشرين وأخواته، وأولو نحو: أولي العلم، وإنما أعرب المثنّى والجمع بالحروف، إمّا لما قيل في الأسماء الستّة، أو لأنّهما أكثر من الواحد (٣) فجعل إعرابهما بشيء أكثر من إعراب الواحد، والحرف أكثر من الحركة فجعل إعرابهما بالحرف (٤).
ذكر الإعراب التقديري (٥)
الإعراب التقديريّ في كلّ ما آخره ألف، وفي كلّ ما أضيف إلى ياء المتكلّم نحو: عصا، وغلامي، في الرفع والنّصب والجرّ، وفي كلّ اسم منقوص في حال رفعه وجره خاصة.
والمنقوص: هو ما في آخره ياء خفيفة قبلها كسرة نحو: القاضي، واحترز بالخفيفة (٦)، عن الياء الثقيلة في نحو: كرسيّ، وبقوله: قبلها كسرة، من الياء التي قبلها ساكن نحو: ظبي، فإنّ هذين القسمين من المعرب بالحركات الثلاث. وإنّما أعرب المنقوص في الرفع والجرّ تقديرا لاستثقال الضمة والكسرة على الياء (٧) فإن كان المنقوص منوّنا حذفت الياء لالتقاء الساكنين نحو: قاض، وإلّا ثبتت (٨) ساكنة
_________________
(١) بعدها في شرح الوافية، ١٣٢ «وهو القياس، والفصيح إجراؤه مجرى المثنى»، ثم يتصل الكلام متشابها.
(٢) الكافية، ٣٨٢.
(٣) غير واضحة في الأصل.
(٤) شرح الوافية، ١٣٢ وانظر المقتضب، ١/ ٥ - ٦ وشرح الكافية، ٢/ ٢٩ وشرح الأشموني، ١/ ٨٧.
(٥) الكافية، ٣٨٢.
(٦) لم أقف على تعريف لابن الحاجب للاسم المنقوص، أثبت فيه «الخفيفة» وفي الهمع ١/ ٥٣ وهو ما آخره ياء خفيفة لازمة تلو كسرة، وانظر حدّ المنقوص في الكتاب ٣/ ٤١٤ والمقتضب، ٤/ ٢٤٨ - ٢٤٩، وشرح الوافية، ١٣٤ وشرح الكافية، لابن الحاجب ١/ ٤٤ وشرح المفصل، ١/ ٥٦ والتسهيل، ١٦ وشرح الكافية، ١/ ٣٤ وشرح ابن عقيل، ١/ ٨١ وشرح التصريح، ١/ ٩٠ - ٢/ ٢٢٨.
(٧) شرح المفصل، ١/ ٥٦ وشرح الكافية، ١/ ٣٤ وهمع الهوامع، ١/ ٥٣.
(٨) غير واضحة في الأصل.
[ ١ / ١٢١ ]
نحو: القاضي، ويعرب في النصب لفظا بالفتحة لخفّتها، تقول: هذا قاض، ومررت بقاض، ورأيت قاضيا.
وأمّا نحو: مسلميّ، وهو كلّ جمع لمذكر سالم أضيف إلى ياء المتكلّم فإنه يعرب في الرفع تقديرا بالواو، فإنّك حذفت نون مسلمون للإضافة بقي مسلموي، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وكسر ما قبل الياء، حيث كان مضموما، بقي مسلميّ، ومصطفيّ، كذلك إلّا أنّ ما قبل الياء بقي مفتوحا (١).
ذكر ما لا ينصرف (٢)
غير المنصرف ما فيه علتان من تسع أو واحدة منها تقوم مقامها، وهي: العدل والتأنيث/ والجمع والمعرفة والعجمة ووزن (٣) الفعل والصفة والألف والنون الزائدتان، والتركيب، والذي يقوم منها مقام علّتين (٤): الجمع وألفا التأنيث، وإنّما يكون الجمع كذلك إذا كان على صيغة منتهى الجموع على ما سيأتي، وأمّا ألفا التأنيث فلأنّهما لمّا كانتا (٥) لا تنفكان عن الاسم نزّل لزومهما منزلة تأنيث ثان، وإنّما كانت هذه الأسباب فروعا لأنّ أصل الاسم أن يكون مفردا مذكرا نكرة عربيّ الوضع غير وصف ولا مزيد فيه ولا معدول ولا خارج عن أوزان الآحاد ولا مواطئ للفعل في وزنه، فنقائض هذه التسعة فروع، ولنذكر (٦) لفرعيتها زيادة شرح.
أمّا كون التعريف فرعا فلأنّ التنكير سابق عليه، فالنكرة كالعام، والمعرفة كالخاص، والعامّ سابق على الخاص لأنّ الخاصّ يتميّز عن العام بأمر زائد، والزيادة فرع (٧) وأمّا التأنيث، ففرع على التذكير إذ كلّ معيّن يصدق عليه أنه «شيء» ومعلوم
_________________
(١) شرح الوافية، ١٣٥ بتصرف يسير.
(٢) الكافية، ٣٨٢.
(٣) غير واضحة في الأصل.
(٤) غير واضحة في الأصل.
(٥) غير واضحة في الأصل.
(٦) غير واضحة في الأصل.
(٧) الكتاب ١/ ٢٢ وشرح المفصل، ١/ ٥٩ وشرح الكافية، ١/ ٣٧.
[ ١ / ١٢٢ ]
ومذكور، وهذه أسماء مذكرة فإذا عرف أنّ مسمّياتها مؤنثة وضع لها أسماء أو علامات دالّة على تأنيثها (١)، وأمّا العدل ففرع على المعدول عنه لتوقّفه عليه، وأمّا العجمة ففرع على العربي إذ هي دخيلة في كلامهم، وأمّا التركيب ففرع على الإفراد لتوقّفه على المفردين، وأمّا وزن الفعل ففرع على وزن الاسم في الاسم، وأما الألف والنون المزيدتان ففرع على المزيد عليه، لأنّ الزائد يتوقّف على تحقق المزيد عليه، وأمّا الوصف ففرع على الموصوف لأنّه تابع للموصوف، وأمّا الجمع ففرع على الواحد لتوقّفه على الإفراد (٢). فقد تبيّن أنّ هذه العلل فروع فإذا اجتمع منها في الاسم سببان مؤثّران صار جانب الاسميّة مغلوبا بجانب الفرعية، لأنّ الاثنين يغلبان الواحد كما قيل:
فضعيفان يغلبان قويّا (٣)
فيشبه الاسم بهما الفعل الذي هو فرع على الاسم من جهتين، وأمّا كون الفعل فرعا على الاسم من جهتين: فلأنّه مشتق من المصدر (٤) والمشتقّ فرع على المشتقّ منه، ولأنّ الاسم مستغن عن الفعل، والفعل غير مستغن عنه (٥) فلما أشبه الاسم بهما الفعل قطع عمّا قطع عنه الفعل وهو تنوين الصّرف، والجرّ تابع ذهابه لذهاب التنوين عند الأكثر (٦) ويكون في موضع الجرّ مفتوحا إذا كان الكسر في الاسم مخصوصا بالجر لو كان منصرفا، فمن ثمّ لو سمّيت امرأة قائمات كان غير منصرف وهو على ما كان عليه قبل العلّتين، لأنّ الكسر ليس مخصوصا فيه بالجر لأنه لا يقبل الفتح، وكذلك لو سمّي مؤنّث بضاربان أو ضاربون.
_________________
(١) الكتاب ١/ ٢٢ - ٢٣ وشرح المفصل، ١/ ٥٩.
(٢) شرح الكافية، لابن الحاجب ١/ ٤٧ والنقل منه مع تصرف يسير وانظر الكتاب ٣/ ٢٣٤ وشرح الكافية، للرضي ١/ ٣٧ - ٣٨.
(٣) شطر بيت لم أقف على قائله ولا تتمته. والمراد منه معناه.
(٤) هذا مذهب البصريين، انظر الإنصاف ١/ ٢٣٥، وبعدها في شرح الكافية لابن الحاجب ١/ ٤٨ «على مذهب الصحيح».
(٥) بعدها في شرح الكافية، لابن الحاجب ١/ ٤٨ «وما كان مستغنيا فهو أصل» وهي زيادة عما في شرح الوافية ١٣٦ أيضا.
(٦) شرح الوافية، ١٣٦ والمشابهة تامة.
[ ١ / ١٢٣ ]
ويجوز صرف ما لا ينصرف لضرورة الشعر وللتناسب (١)، والتناسب على قسمين:
أحدهما: في رؤوس الآي ك/ قَوارِيرَا* الأول فإنه/ إذا صرفه نوّنه فوقف عليه بالألف، فيتناسب مع بقية رؤوس الآي.
والثاني تناسب لكلمات منصرفة انضمّت إليه قَوارِيرَا* (٢) الثاني، وك سَلاسِلَ لانضمامها إلى أَغْلالًا وَسَعِيرًا (٣) وكثر صرف هذا الجمع للتناسب حتّى ظنّ قوم (٤) أنّ صرفه جائز في سعة الكلام، وليس بسديد (٥).
ذكر العدل (٦)
العدل ضربان: حقيقيّ وتقديريّ.
فالحقيقيّ: هو ما ثبتت معرفته كأحاد وموحد، وثلاث ومثلث، وهو خروج
_________________
(١) الكافية، ٣٨٢ - ٣٨٣، وانظر في جواز صرف ما لا ينصرف للضرورة، الكتاب ١/ ٢٦ والمقتضب، ١/ ١٤٢ - ١٤٣ والإنصاف، ٢/ ٤٩٣ وشرح المفصل، ١/ ٦٧ وشرح الكافية، ١/ ٣٥.
(٢) من الآيتين ١٥ - ١٦ من سورة الإنسان، وقواريرا في الأصل مع الثانية، بلا ألف، وهما في الرسم القرآني بألف، ونصهما «ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا، قواريرا من فضة قدروها تقديرا» قرأنا نافع وأبو بكر والكسائي بالتنوين فيهما، وقرأ ابن كثير بالتنوين في الأول، وبغير تنوين في الثاني، وقرأ الباقون بغير تنوين فيهما، وكلهم وقف على الأول بألف، إلا حمزة فإنه وقف عليه بغير ألف، ووقف نافع وأبو بكر وهشام والكسائي على الثاني بألف، ووقف الباقون بغير ألف، الكشف ٢/ ٣٥٤، وانظر السبعة لابن مجاهد ٣٦٣ - ٣٦٤ والإتحاف ٣٢٩.
(٣) الآية ٤ من سورة الإنسان ونصها: «إنا اعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا» ومراد المصنف أن التناسب قسمان: تناسب لكلمات منصرفة انضمّ إليها غير منصرف نحو: سلاسلا وأغلالا وسعيرا، وتناسب لرؤوس الآي كقواريرا الأول فإنه رأس آية فنوّن ليناسب بقيّة رؤوس الآي في التنوين أو بد له وهو الألف في الوقف، وأما قواريرا الثاني فنوّن ليشاكل قواريرا الأول حاشية الصبان ٣/ ٢٧٣ وانظر الكشف ٢/ ٣٥٢.
(٤) وفي الكشف، ٢/ ٣٥٢ «حكى الكسائي أن بعض العرب يصرفون كل ما لا ينصرف إلا أفعل منك قال الأخفش: سمعنا من العرب من يصرف هذا ويصرف جميع ما لا ينصرف» وانظر شرح الأشموني، ٣/ ٥١٥.
(٥) وفي شرح الوافية، ١٣٨ «أن صرفه جائز مطلقا من غير تناسب وليس بسديد، لأنه لم يأت صرفه في السّعة إلا مع التناسب المذكور» وانظر الإنصاف ٢/ ٤٩٣.
(٦) الكافية ٣٨٣.
[ ١ / ١٢٤ ]
عن اللّفظ والمعنى الأصليين، لأنّ معنى أحاد وموحد وثلاث ومثلث، جاء القوم واحدا واحدا، وثلاثة ثلاثة، فعدل بثلاث عن لفظ ثلاثة وعن معناه الأصلي في العدد، إلى معنى انقسام الجملة إلى هذه الصفة من الثلاثية ونحوها، والمتّفق عليه استعمال هاتين الصيغتين، إلى رباع ومربع. وأمّا ما بعد ذلك إلى تساع ومتسع ففيه خلاف (١)، ومن العدل الحقيقي أخر جمع أخرى وأخرى تأنيث آخر، وهو من باب أفعل التفضيل، وقياسه إذا قطع عن من والإضافة أن يستعمل باللّام فهو معدول عن الآخر وعن معناه الأصلي في التأخّر الوجودي حتى صار المذكور ثانيا (٢) متقدّما كان في الوجود أو متأخرا (٣).
وأمّا العدل التقديري: فهو ما تتوقّف معرفته على منع صرفه فيقدّر العدل لئلا تنخرم قاعدة معلومة، وهو منع الصّرف من غير علّتين، وذلك نحو: عمر فإنّه ليس فيه علّة ظاهرة غير العلميّة، فوجب تقدير العدل على استبعاده لئلا تنخرم القاعدة، فقدّر كأنهم عدلوه في اللفظ عن: عامر، وفي المعنى عن اسم الجنس إلى العلميّة (٤).
ذكر التأنيث (٥)
وهو لفظيّ ومعنويّ، أمّا اللفظيّ: فهو ما فيه ألف التأنيث أو تاء التأنيث، أمّا الذي فيه ألف التأنيث فنحو: سكرى وحمراء وحبلى وصحراء، وامتنع من الصّرف للتأنيث، ولزوم التأنيث والمراد بلزوم التأنيث، أن ألفي التأنيث المقصورة والممدودة لا تفارقان الكلمة في جميع تصاريفها، نحو: حبلى وحبالى، وصحراء وصحارى، وفي جمع السّلامة أيضا نحو: حبليات وصحراوات، وفي النّسب نحو: حبلويّ
_________________
(١) بعدها في شرح الكافية لابن الحاجب، ١/ ٥٥ ذكر عشار ومعشر ثم قال: «أصحها أنه لم يثبت» وفي شرح الوافية، ١٣٩ والصحيح أنه لا يتعدى «ذلك إلى عشرة» وانظر خلافهم حول هذه المسألة في شرح المفصل، ١/ ٦٢ وشرح الكافية، ١/ ٤١ وشرح الأشموني، ٣/ ٢٤٠.
(٢) غير واضحة في الأصل.
(٣) شرح الكافية، ١/ ٤٢.
(٤) شرح الوافية، ١٣٩ - ١٤٠.
(٥) الكافية، ٣٨٣.
[ ١ / ١٢٥ ]
وصحراويّ، فصار مطلق التأنيث سببا (١) لثقله، وصار لزومه بمنزلة سبب آخر، لثقل اللزوم أيضا فصار كأن فيه تأنيثين، وأمّا الذي فيه تاء التأنيث نحو: طلحة فشرطه العلمية لأنّ التأنيث بالعلمية يصير لازما، وتصير تاء التأنيث منه كالجزء.
وأمّا التأنيث المعنويّ: فحكمه حكم التأنيث بالتاء في كون تأثيره في منع الصّرف مشروطا بالعلميّة (٢) ولذلك يقولون: مررت بامرأة صبور وحائض، فيصرفونه لفوات العلمية، ومعنى التأنيث المعنوي، أنّ الاسم لم يوضع إلّا للمؤنّث في الأصل وشرط تحتّم/ تأثير المعنوي في منع الصرف، الزيادة على ثلاثة أحرف كزينب، أو تحرك الوسط كسقر، أو العجمة كماه (٣) وجور (٤)، وإنّما كان تحتّم تأثيره مشروطا بهذه الأمور، لأنّه أخفّ من المؤنث بالتاء، فيجري الحرف الرابع مجرى التاء، وسقر كذلك لتنزّل الحركة في وسطه منزلة الحرف الرابع (٥) فإن كان المؤنّث المعنويّ ثلاثيا ساكن الحشو كهند ودعد، لم يجب منع صرفه، وجاز فيه الصّرف ومنع الصّرف (٦) لمقاومة خفة السكون ثقل أحد السببين فإن انضمّ إلى ساكن الوسط المذكور العجمة، وجب منع صرفه نحو: ماه وجور وحمص (٧) وبلخ (٨) لمقاومة التأنيث أو العجمة السكون، فيبقى سببان لا معارض لواحد منهما فيمتنع للعلميّة والتأنيث المقوّى بالعجمة (٩) والمؤنّث المعنويّ إذا سمّيت به مذكرا فإن لم يكن على أكثر من ثلاثة أحرف صرفته نحو: سقر، وإن كان على أكثر من ثلاثة نحو:
عقرب امتنع من الصّرف لأنّ الحرف الزائد على ثلاثة ينزّل منزلة تاء التأنيث (١٠).
_________________
(١) غير واضحة في الأصل.
(٢) شرح المفصل، ١/ ٥٩.
(٣) بلدة بأرض فارس، معجم البلدان، ٥/ ٤٨ - ٤٩ وفي اللسان، موه: اسم موضع يذكر ويؤنث.
(٤) مدينة بفارس، قريبة من شيراز والعجم تسميها كور. معجم البلدان، ٢/ ١٨١.
(٥) شرح الكافية، ٢/ ٥٠.
(٦) شرح التصريح، ٢/ ٢١٨.
(٧) بلد مشهور بين دمشق وحلب، معجم البلدان، ٢/ ٣٠٢.
(٨) مدينة مشهورة بخراسان، معجم البلدان، ١/ ٤٧٩.
(٩) شرح المفصل، ١/ ٧٠ وشرح الكافية، ١/ ٥٤.
(١٠) شرح الوافية، ١٤١ - ١٤٢.
[ ١ / ١٢٦ ]
ذكر الجمع (١)
شرط الجمع أن يكون على صيغة منتهى الجموع بغير تاء التأنيث، وهو كلّ جمع ثالثه ألف بعدها إمّا حرفان؛ كمساجد أو ثلاثة أوسطها ساكن كمصابيح، أو حرف مشدّد كدوابّ، وأمّا إذا كان فيه الهاء كفرازنة فإنّه يخرج عن صيغة منتهى الجموع ويصير على زنة المفرد، ككراهية وطواعية (٢)، فإذا جعل هذا الجمع علما كحضاجر علما للضّبع (٣) فالأكثر يمنعونه الصّرف اعتبارا لصيغة منتهى الجموع وبعضهم لا يعتبر ذلك فيصرفه (٤) وأمّا سراويل وهو اسم جنس، إذا لم يصرف وهو الأكثر، فإنّه لا يسوغ أن يقال فيه: إنّه منقول عن الجمع كما يقال في حضاجر علما للضّبع لأنّ النّقل كثر في الأعلام بخلاف أسماء الأجناس، ولكن يقدّر جمعا لسروالة ثمّ نقل اسما لمفرده فبقي على ما كان عليه من منع الصرف كما قيل في حضاجر (٥)، وأمّا نحو: جوار وغواش من الجمع الذي آخره ياء قبلها كسرة فإنّ سيبويه (٦) والخليل (٧) قالا: (٨) إنّ هذا الجمع ثقّل فلزم فيه حذف الياء في حالتي الرفع والجرّ لأنّ ذلك موضع الإعلال (٩) وجرى في حال الفتح مجرى الصحيح لخفّة الفتح، فلمّا حذفت الياء نقصت الكلمة عن المثال الممنوع من الصرف فجاء التنوين فكان بدلا من
_________________
(١) الكافية، ٣٨٣.
(٢) شرح الوافية، ١٤٣ - ١٤٤.
(٣) اسم للذكر والأنثى من الضباع، وسميت بذلك لسعة بطنها وعظمه. اللسان، حضجر.
(٤) انظر خلافهم حول ذلك في الكتاب، ١/ ٢٢٨ وشرح المفصل، ١/ ٦٤ وشرح الكافية، ١/ ٥٤ - ٥٥.
(٥) شرح الوافية، ١٤٤ - ١٤٥، وانظر الكتاب ٣/ ٢٢٩ والمقتضب، ٣/ ٣٢٦ - ٣٤٥ وشرح المفصل، ١/ ٦٤ وشرح الكافية، ١/ ٥٧.
(٦) أبو بشر عمرو بن عثمان، صاحب «الكتاب» العلم النحوي المشهور توفي ١٨٠ انظر ترجمته في الفهرست، ٨٦ والبغية، ٢/ ٢٢٩.
(٧) هو الخليل بن أحمد بن عبد الرحمن الفراهيدي الأزدي، لا يخفى على مشتغل بعلوم العربية، توفي ١٧٥ هـ، انظر ترجمته في الفهرست، ٦٣ ونزهة الألباء، ٤٥ ووفيات الأعيان لابن خلكان، ٢/ ٢٤٤، والبغية ١/ ٥٥٧.
(٨) الكتاب، ٣/ ٢٣٠ - ٣١٠ - ٣١١.
(٩) شرح الكافية، ١/ ٥٨.
[ ١ / ١٢٧ ]
الياء، وقال المبرد: (١) إنّ التنوين جاء (٢) بدلا من الحركة التي كانت على الياء وعوضا منها، وليس بعلم للصرف فلما جاء كذلك حذفت الياء لالتقاء الساكنين، كما حذفت في قاض (٣) والتنوين على المذهبين للعوض لا للصّرف، فلا يقال على هذا:
إنّه منصرف في حال الرفع والجر (٤) وقوله في المفصّل: بأنّه في الرفع والجر كقاض (٥)» هو مذهب المبرّد، وهو أنّ الياء استثقلت عليها حركة الرفع والجر/ فحذفت الحركة فبقى جواري ساكن الياء ثمّ دخل التنوين عوضا من الحركة فالتقى ساكنان الياء والتنوين فحذفت الياء وقال يونس (٦)، وأبو زيد (٧) والكسائيّ (٨)، بالفتح في جواري في حال الجر (٩)، فقالوا: مررت بجواري كما يقال: رأيت جواري من أجل أنّ المجرور في باب ما لا ينصرف إنّما يكون مفتوحا قالوا وإلى هذا ذهب الفرزدق (١٠) في قوله: (١١)
فلو كان عبد الله (١٢) مولى هجوته ولكنّ عبد الله مولى مواليا
_________________
(١) محمد بن يزيد الثمالي من أعلام النحويين المعروفين توفي ٢٨٥ هـ. انظر ترجمته في الفهرست، ٨٧ ومعجم الأدباء للحموي، ١٩/ ١١١.
(٢) غير واضحة في الأصل.
(٣) المقتضب، ١/ ١٤٢ - ١٤٣.
(٤) للتوسع في ذلك ارجع إلى شرح المفصل، ١/ ٦٣ وشرح الكافية، ١/ ٥٨، وشرح الأشموني، ٣/ ٢٤٥.
(٥) قال في المفصل، ١٧: إلّا ما اعتل آخره نحو جوار فإنّه في الرفع والجر كقاض.
(٦) يونس بن حبيب، من أكابر النحويين، تفرد ببعض المذاهب والأقيسة توفي ١٨٣ هـ، انظر ترجمته في الفهرست، ٦٣ ونزهة الألباء، ٤٩.
(٧) سعيد بن أوس الأنصاري، عالم في اللغة والنحو، صاحب كتاب النوادر في اللغة، توفي ٢١٥ هـ، انظر ترجمته في الفهرست، ٨١ ونزهة الألباء، ١٢٥ وغاية النهاية لابن الجزري، ١/ ٣٠٥.
(٨) أبو الحسن علي بن حمزة، إمام الكوفيين في النحو واللغة، وأحد القراء السبعة المشهورين، توفي ١٨٣ هـ، وقيل ١٨٩، انظر ترجمته في الفهرست، ٤٤ - ٩٧ ونزهة الألباء، ٦٨٧ وإنباه الرواة، للقفطي، ٢/ ٢٥٦ وغاية الهاية، ١/ ٥٣٥ وطبقات المفسرين للداوودي ١/ ٣٩٩.
(٩) لغة لبعض العرب وانظر شرح الوافية، ١٤٦ وشرح المفصل، ١/ ٦٤ وشرح الأشموني، ٣/ ٢٤٦.
(١٠) همام بن غالب بن صعصعة المجاشعي، شاعر مشهور، توفي سنة ١١٠ هـ، انظر ترجمته في طبقات فحول الشعراء لابن سلام، ١/ ٢٩٨ ومعجم الشعراء للمرزباني، ١٦٦ والأعلام للزركلي ٩/ ٩٦.
(١١) ليس في ديوانه، وقد روي منسوبا له في الكتاب، ٣/ ٣١٣ - ٣١٥ والمقتضب، ١/ ١٤٣ وشرح المفصل، ١/ ٦٤، وشرح الكافية، ١/ ٥٨، وشرح الشواهد للعيني، ٣/ ٢٧٣، وخزانة الأدب للبغدادي، ١/ ٢٣٥.
(١٢) هو عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي النحوي البصري أخذ القراءة عرضا على يحيى بن يعمر ونصر بن -
[ ١ / ١٢٨ ]
وهذا البيت عند من تقدّم ذكره محمول على الضرورة، وذلك أنّه اضطر إلى الحركة فأجراه مجرى الصحيح كقولك: مررت بمساجد، وذهب بعض النحاة (١) إلى أنّ التنوين في جوار ونحوه للصّرف لأنّه للحذف الذي نابه في الحالين نقص عن بناء ما لا ينصرف وصار بمنزلة رباع.
ذكر المعرفة (٢)
شرط المعرفة العلميّة للزومها الاسم بسبب (٣) الوضع، ولأنّ المعارف خمس اثنان منها مبنيان، وهما المضمرات والمبهمات واثنان منها باللام والإضافة وهما لا يلزمان الاسم، وأيضا يجعلان الاسم منصرفا، أو في حكم المنصرف (٤) فتعيّن التعريف العلميّ، وقد اعتبر قوم التعريف باللام المقدّرة في نحو: سحر بعينه فإنّه لا ينصرف للتعريف والعدل عن السحر، فتعريفه ليس إلّا باللام التي عدل عنها كأخر (٥).
ذكر العجمة (٦)
شرط العجمة العلميّة في كلام العجم حتى لو جعل العجميّ غير العلم نحو:
ديباج، علما في كلام العرب لم يعتدّ بعجمته وكان منصرفا، لأنّ العجميّ الذي هو اسم جنس يتوغل في كلام العرب بقبول (٧) لام التعريف وغيرها، فتضعف عجمته بخلاف العلم في العجميّة، ويشترط للعلم الأعجميّ في منع الصّرف أن يكون أكثر من ثلاثة أحرف عند سيبويه (٨)، وقال قوم: شرطه إمّا الزيادة على الثلاثة أو تحرّك
_________________
(١) - عاصم، وروى عنه القراءة عيسى بن عمر، وأبو عمرو بن العلاء، توفي سنة ١٢٩ هـ. انظر أخباره في الفهرست، ٦٢، وغاية النهاية، ١/ ٤١٠.
(٢) كالأخفش، وانظر شرح التصريح، ١/ ٣٤.
(٣) الكافية، ٣٨٣.
(٤) غير واضحة في الأصل.
(٥) شرح الكافية، ١/ ٥٣.
(٦) شرح التصريح، ٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤.
(٧) الكافية، ٣٨٣.
(٨) غير واضحة في الأصل.
(٩) الكتاب، ٣/ ٢٢١ - ٢٣٤ - ٢٤٢.
[ ١ / ١٢٩ ]
الوسط (١)، فنوح ولوط منصرفان، لفقد شرط منع الصرف، لأنّ عجمتهما غير مؤثّرة، لانتفاء شرطها، وهو الزيادة على ثلاثة، أو تحرّك الوسط فتبقى العلميّة وحدها فلا تؤثّر بخلاف ماه وجور للعلميّة والتأنيث المقوّى بالعجمة (٢).
ذكر وزن الفعل (٣)
شرط وزن الفعل المانع من الصرف أحد أمرين:
أحدهما: أن يختصّ بالفعل ولا يوجد في الاسم، إلّا أن يكون منقولا إلى الاسم العلم: كضرب وشمّر واحمرّ واستخرج واخشوشن وما أشبه ذلك، أو يكون أعجميا كبقّم (٤) ولا يؤثّر هذا الضرب في منع الصرف إلا مع العلمية.
وثانيهما: أن يكون في أوله زيادة كزيادة الفعل، أي يكون أوله حرفا من حروف نأيت نحو: أفعل ونفعل وتفعل ويفعل ثمّ هذا الضرب الثاني، إمّا أن يكون صفة أو غير/ صفة، فإن كان صفة فشرطه: أن يكون غير قابل (٥) للتاء، نحو: أحمر فإنّه لا يقال فيه: أحمرة فيمتنع من الصّرف للصفة ووزن الفعل، وينصرف نحو: يعمل، إذا لم يكن علما، لقبوله تاء التأنيث الحقيقي، لقولهم: ناقة يعملة (٦) فإن سمّي به لم ينصرف لأنه حينئذ غير قابل للتاء (٧) وإن كان غير صفة نحو: أرنب وأفكل، فشرطه العلميّة، وأمّا أفكل على وزن أفعل، اسم للرّعدة فيقال: أخذه أفكل، إذا ارتعد (٨) فحينئذ، وزن الفعل الذي هو صفة نحو: أحمر، ممتنع لوزن الفعل والصّفة، ووزن الفعل غير الصّفة ممتنع للعلميّة ووزن الفعل (٩) واعلم أنّه يشترط في الضّرب الأول؛
_________________
(١) كسقر ولظى وشتر، وانظر شرح التصريح، ٢/ ٢١٩، والهمع، ١/ ٣٢.
(٢) شرح الوافية، ١٤٨ - ١٤٩، وشرح المفصل، ١/ ٧١.
(٣) الكافية، ٣٨٤.
(٤) البقّم: شجر يصبغ به فارسي معرّب، الجمهرة بقم، والمعرب للجواليقي، ١٠٧.
(٥) غير واضحة في الأصل.
(٦) اليعملة من الإبل: النجيبة المعتملة المطبوعة على العمل. اللسان، عمل.
(٧) شرح الوافية، ١٥٢.
(٨) يقال أخذ فلانا أفكل إذا أخذته رعدة فارتعد من برد أو خوف وهو ينصرف فإن سمّيت به رجلا لم تصرفه في المعرفة للتعريف ووزن الفعل، وصرفته في النّكرة. اللسان، فكل.
(٩) انظر شرح المفصل، ١/ ٦١.
[ ١ / ١٣٠ ]
أعني الوزن المختصّ بالفعل نحو: ضرب وشمّر، أن لا يعلّ (١) نحو: قيل، ولا يدغم نحو: ردّ، فإنّ ذلك منصرف، ولو كان علما لوجود نظير وزنه في الاسم نحو:
قيل، ومدّ (٢) ومما يمنع للصفة ووزن الفعل، أفعل التفضيل، كأفضل منك فإنّه يمنع من الصّرف لما قيل في أحمر.
ذكر الوصف (٣)
شرط الوصف أن يكون صفة في الأصل بمعنى أنه وضع للوصف، واستعمل فيه فلا يضرّ إن صار اسما وخرج عن الوصفية، ولذلك امتنع أسود (٤) وأرقم (٥) اسما للحيّة، وأدهم للقيد (٦) فإنّها لمّا كانت في الأصل صفة ثم خرجت عن الصفة وصارت اسما لما ذكر لم يضرّ ذلك، وامتنع صرفها للصّفة الأصليّة (٧) وأمّا إذا لم يكن في الأصل صفة ثم طرأت عليه الوصفيّة فلا اعتبار به في منع الصّرف، ولذلك انصرف أربع في قولك: مررت بنسوة أربع، لأنّ أربعا من أسماء الأعداد، وليس بصفة في الأصل، فلمّا استعمل صفة للنسوة لم تعتبر الوصفية في منع الصرف، وأمّا أفعى: للحيّة، وأخيل: لطائر (٨) وأجدل للصقر (٩) فمنصرف عند الفصحاء لأنها ليست في الأصل صفة، وممتنع من الصّرف عند غيرهم (١٠) لتوهّم الوصفية فيها حيث كان أخيل اسما لطائر فيه خيلان، وحيث كان الجدل القوّة، والصّقر من الطيور
_________________
(١) في الأصل أن لا يغل.
(٢) شرح المفصل، ١/ ٦٠، وشرح التصريح، ٢/ ٢٢٠ - ٢٢١.
(٣) الكافية، ٣٨٣.
(٤) العظيم من الحيّات وفيه سواد، وهي من الصفة الغالبة، حتى استعمل استعمال الأسماء وجمع جمعها. اللسان، سود.
(٥) الذي فيه سواد وبياض. اللسان، رقم.
(٦) الأدهم القيد لسواده، وهي الأداهم كسّروه تكسير الأسماء وإن كان في الأصل صفة لأنّه غلب عليه الاسم. اللسان، دهم.
(٧) غير واضحة في الأصل.
(٨) الأخيل طائر أخضر سمّي بذلك للخيلان، وأصله الصّفة ثم استعمل استعمال الأسماء. اللسان، خيل.
(٩) الأجدل: الصقر، وهو صفة غالبة وأصله من الجدل الذي هو الشّدة، وهي الأجادل كسروه تكسير الأسماء لغلبة الصفة عليه. اللسان، جدل.
(١٠) همع الهوامع، ١/ ٣١.
[ ١ / ١٣١ ]
القوية، وحيث توهّم الخبث في أفعى، لأنّه الحيّة (١).
ذكر الألف والنون (٢)
الألف والنون إن كانت في اسم غير صفة فشرطها العلميّة لأنه إذا كان علما امتنع من قبول التاء نحو: عثمان، وإنما اعتبرت (٣) من العلل لشبهها بألفي التأنيث وإن كانت الألف والنون في اسم هو صفة، فالمعتبر فيه أن لا يكون له (فعلانة) لأنّ قبوله التاء يبعده عن شبه ألفي التأنيث، وقيل: المعتبر وجود (فعلى)، فمن شرط وجود (فعلى) صرف (رحمن)، إذ لا يقال فيه (رحمى)، ومن شرط انتفاء (فعلانة) منعه من الصّرف لحصول الشّرط وهو انتفاء (فعلانة) إذ لا يقال (رحمانة) وسكران ممتنع على القولين لوجود (فعلى) وانتفاء (فعلانة) / وندمان منصرف على القولين (٤) لوجود ندمانة وعدم ندمى.
ذكر التركيب (٥)
التركيب في الأعلام أنواع، والمعتبر منها، جعل الاسمين واحدا كبعلبك لا على جهة الإضافة كأبي بكر إذا سمّي به، ولا على جهة الإسناد كتأبّط شرّا، ولا بأن يكون الثاني صوتا أو متضمنا حرفا في الأصل نحو: سيبويه، وخمسة عشر، إذا جعل علما، أمّا الإضافة فإنها تجعل غير المنصرف في حكم المنصرف، وأما الإسناد أو كون الثاني صوتا أو متضمنا حرفا، فلأنّه موجب للبناء وغير المنصرف نوع من المعرب، فلا يستقيم أن يكون التركيب بهما مانعا من الصّرف، وشرط التركيب المعتبر العلميّة (٦).
_________________
(١) شرح الوافية، ١٥٠ - ١٥١.
(٢) الكافية، ٣٨٤.
(٣) غير واضحة في الأصل، وتوضيحها من شرح الوافية، ١٥٢.
(٤) شرح الوافية، ١٥٢ - ١٥٣ والنقل منه، وانظر شرح المفصل، ١/ ٦٧ وشرح التصريح، ٢/ ٢١٣ والأشموني، ٣/ ٢٣٢.
(٥) الكافية، ٣٨٤.
(٦) شرح الوافية، ١٥٣ وشرح الكافية، ١/ ٥٩ - ٦٠ والهمع، ١/ ٣٢.
[ ١ / ١٣٢ ]
ذكر بقيّة الكلام على ما لا ينصرف (١)
كلّ ما فيه علميّة مؤثّرة إذا نكّر صرف، واحترز بقوله: مؤثّرة، عن صيغة منتهى الجموع نحو: مساجد، وعن ألفي التأنيث المقصورة والممدودة نحو: سكرى وصحراء علما، فإنّ المذكورات لم تمتنع من الصّرف للعلميّة بل لاستقلال كلّ من صيغة منتهى الجموع وألفي التأنيث بمنع الصرف (٢)، والعلميّة المؤثّرة تارة تكون شرطا لما جامعته وهو التأنيث بالتاء، والمعنويّ والعجمة والتركيب والألف والنون في اسم غير صفة، وما في أوله زيادة من حروف نأيت كأحمد ويزيد، وتارة تكون مؤثّرة وليست شرطا وذلك في العدل ووزن الفعل، فإذا نكّر بقي الذي العلميّة شرط فيه بلا سبب، وبقي الذي ليست فيه شرطا أعني العدل ووزن الفعل على سبب واحد (٣) وأمّا نحو: أحمر فممتنع من الصّرف (٤) للصفة ووزن الفعل، فإذا جعل علما كان المعتبر العلميّة ووزن الفعل، فإذا نكّر فالأخفش (٥) يصرفه (٦) وسيبويه يمنعه الصّرف اعتبارا للصفة الأصلية (٧) لزوال العلميّة المانعة من اعتبار الصفة، وكذلك القول في سكران وثلاث ونحوهما لو جعل علما وجميع ما لا ينصرف إذا أضيف أو دخلته الّلام كأحمدكم وعمركم والأحمر، انجرّ بالكسرة (٨) وهل هو منصرف حينئذ أم لا؟ فيه خلاف، فمذهب سيبويه أنّه لم ينصرف، لأنّ الصرف عبارة عن التنوين، ولا تنوين مع الإضافة ولام التعريف، وذهب غيره (٩) إلى أنه منصرف
_________________
(١) الكافية، ٣٨٤.
(٢) شرح الوافية، ١٥٣.
(٣) شرح الوافية، ١٥٤، وشرح الكافية، ١/ ٦٤ - ٦٦.
(٤) الكافية، ٣٨٤.
(٥) أبو الحسن سعيد بن مسعدة مولى بني مجاشع، قرأ النحو على سيبويه وكان معتزليا عالما بالكلام والجدل والعروض صنّف الأوسط في النحو وتفسير معاني القرآن، اختلف حول سنة وفاته فقيل ١٨٦ هـ، وقيل ٢٠٧ هـ وقيل ٢١٥ هـ، انظر ترجمته في الفهرست، ٧٧ ونزهة الألباء، ١٣٣ وإنباه الرواة، ٢/ ٢٦ ووفيات الأعيان، ٢/ ٣٨٠.
(٦) انظر رأي الأخفش مفصّلا في شرح المفصل، ١/ ٧٠ وشرح الكافية، ١/ ٦٨.
(٧) الكتاب، ٣/ ٢٠٣ - ٢٩٣ والمقتضب، ٣/ ٣١٢ وشرح الوافية، ١٥٥.
(٨) الكافية، ٣٨٤.
(٩) كالسيرافي والزجاج والزجاجي، وانظر الكتاب، ١/ ٢٢ - ٣/ ٢٢١ والمقتضب، ٣/ ٣١٣، والهمع ١/ ٢٤.
[ ١ / ١٣٣ ]
لأنه بدخول اللام والإضافة بعد عن شبه الفعل.
ذكر المرفوعات (١)
المرفوع: هو ما اشتمل على علم الفاعليّة، وهي سبعة: الفاعل ثم مفعول ما لم يسمّ فاعله ثم المبتدأ ثم الخبر ثم خبر إنّ، ثم خبر لا التي لنفي الجنس، ثم اسم ما ولا المشبهّتين بليس.
ذكر الفاعل (٢)
الفاعل ما أسند إليه الفعل أو شبهه وقدّم عليه على جهة قيامه به، كزيد في قام زيد، وإنما قال: ما أسند إليه الفعل، ولم يقل: اسم أسند الفعل إليه، ليدخل فيه الفاعل/ الذي هو في تأويل الاسم نحو: أعجبني أن ضربت زيدا، فأن مع الفعل، فاعل أعجبني (٣) وليس باسم، بل في تقدير الاسم، وقوله: وقدّم عليه، يخرج نحو:
زيد قام، فإنّ الفاعل هو المضمر المستتر في قام لا زيد، ولا يكون الفاعل أبدا إلّا متأخرا عن فعله وقوله: أو شبه الفعل، فيدخل نحو فاعل الصفة المشبّهة كزيد حسن وجهه، وفاعل اسم الفاعل في قولك: زيد قائم أبوه، وفاعل اسم الفعل، نحو:
هيهات زيد، أي بعد، والظرف نحو: زيد عندك أبوه والجار والمجرور نحو: زيد عليه ثوب، فثوب (٤) فاعل مرفوع بعليه، وكذلك، مررت برجل عليه ثوب وتحته بساط، فثوب وبساط فاعل مرفوع بما أسند إليه من شبه الفعل (٥). وقوله: على جهة قيامه به، يخرج مفعول ما لم يسمّ فاعله، نحو: ضرب زيد، فإنّ الفعل قد أسند إلى زيد وقدّم عليه ولكن لا على طريقة فعل يفعل بل على طريقة ما لم يسمّ فاعله، وإنّما يحتاج إلى ذلك من أخرج مفعول ما لم يسمّ فاعله من باب الفاعل (٦).
_________________
(١) الكافية، ٣٨٤.
(٢) الكافية، ٣٨٤.
(٣) في الأصل: الذي هو أعجبني، وشطب الناسخ على أولها.
(٤) في الأصل فزيد.
(٥) شرح الكافية، ١/ ٧١.
(٦) شرح الوافية، ١٥٧.
[ ١ / ١٣٤ ]
والأصل في الفاعل أن يلي فعله (١) فإن قدّم على الفاعل غيره فهو في النية مؤخّر، فلذلك جازت مسألة ضرب غلامه زيد. وامتنع مسألة ضرب غلامه زيدا، لأنّ ضمير الغائب لا يجوز أن يعود إلى غير مذكور لفظا ولا معنى، فجاز ضرب غلامه زيد لتقدم زيد معنى، فيعود الضمير المتصل بالمفعول، في غلامه إلى زيد المتقدم معنى، وامتنع ضرب غلامه زيدا (٢)، لأنّ الضمير لزيد، وهو متأخر لفظا ومعنى، أمّا تأخره لفظا فظاهر من المثال المذكور، وأمّا تأخره معنى، فلأنه مفعول، والمفعول متأخر معنى ولو كان مقدما لفظا (٣).
ذكر وجوب تقديم الفاعل (٤)
يجب تقديم الفاعل إذا انتفى الإعراب لفظا فيهما (٥) والقرائن المعنويّة كضرب موسى عيسى، بخلاف أكل الكمّثرى موسى، للقرينة التي تنفي اللّبس، وكذلك يجب تقديمه إذا كان مضمرا متصلا، نحو: ضربت زيدا وضربتك، وكذلك يجب تقديمه إذا أثبت المفعول بعد النفي نحو: ما ضرب زيد إلّا عمرا ومعناه حصر مضروبيّة زيد في عمرو أي لا ضارب لزيد سوى عمرو (٦).
ذكر وجوب تقديم المفعول (٧)
يجب تقديم المفعول لفظا، وإن كان على خلاف القياس إذا أضيف الفاعل إلى ضمير المفعول كقوله تعالى: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ (٨). لأنّ الفاعل لو قدّم رجع الضمير إلى غير متقدّم لا لفظا ولا معنى وهو مثل: ضرب غلامه زيدا،
_________________
(١) الكافية، ٣٨٤.
(٢) جوزه الأخفش وابن جني، وجعلاه قياسا، انظر الخصائص لابن جني ١/ ٢٩٤ وهمع الهوامع، ١/ ٦٦.
(٣) شرح الوافية، ١٥٧، والتشابه بينهما واضح. وانظر شرح المفصل، ١/ ٧٥، وشرح الكافية، ١/ ٧١.
(٤) الكافية، ٣٨٤.
(٥) في شرح الوافية، ١٥٨ «فيهما معا وانتفت القرائن المعنوية».
(٦) شرح الوافية، ١٥٨، وانظر الكتاب، ١/ ٣٤، والمقتضب، ٣/ ٩٥ - ١١٧ - ٤/ ٢ وشرح الكافية، ١/ ٧٢ وشرح التصريح، ١/ ٢٨١، والأشموني، ٢/ ٥٦.
(٧) الكافية، ٣٨٥.
(٨) من الآية ١٢٤ من سورة البقرة.
[ ١ / ١٣٥ ]
ومما يجب فيه تقديم المفعول أن يكون المفعول مضمرا متّصلا والفاعل ظاهر نحو:
ضربك زيد وضربني زيد، ومما يجب فيه تقديم المفعول أيضا، إن ثبت الفاعل بعد النّفي كقولك: ما ضرب عمرا إلّا زيد، أي لا ضارب/ لعمرو غير زيد، فلو قدّر ضارب آخر لم يستقم المعنى (١) ومنه قول الشّاعر (٢):
قد علمت سلمى وجاراتها ما قطّر الفارس إلّا أنا
ذكر حذف الفعل جوازا ووجوبا (٣)
حذف الفعل جائز وواجب، فالجائز، قولك: زيد في جواب من قال: من قام؟
ونحوه أي قام زيد (٤) وكذلك يحذف الفعل جوازا في نحو قوله تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ (٥) فيمن قرأ بفتح الباء من يسبح (٦) أي يسبّحه رجال، فأنت مخيّر في ذلك إن شئت حذفت الفعل لدلالة القرينة عليه، وإن شئت أظهرته لزيادة البيان. فإن قيل من قام؟ قلت: عمرو أو قام عمرو حسبما تقدم، والفعل الواجب حذفه يفسّر (٧) بعد حذفه كقوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
_________________
(١) شرح الوافية، ١٦٠ وانظر شرح التصريح، ١/ ١٨٢.
(٢) البيت لعمرو بن معديكرب، ورد منسوبا له في الكتاب، ٢/ ٣٥٣ وشرح ديوان الحماسة، للمرزوقي ١/ ٤١١ وشرح شواهد المغني، للسيوطي ١/ ٤١٩ وذكر أنه ينسب للفرزدق أيضا وليس في ديوانه، وورد من غيره نسبة في شرح المفصل، ٣/ ١٠١ - ١٠٣ ولسان العرب، قطر، ومغنى اللبيب ١/ ٣٠٩. قطر: صرع.
(٣) شرح الكافية، ٣٨٥.
(٤) شرح الوافية، ١٦٠ والتشابه تام، وانظر شرح التصريح، ١/ ٢٧٣.
(٥) من الآيتين ٣٦ - ٣٧ من سورة النور ونصهما: «في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبّح له فيها بالغدوّ والآصال، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة يخافون يوما تتقلّب فيه القلوب والأبصار».
(٦) قرأ أبو بكر وابن عامر بفتح الباء على ما لم يسمّ فاعله ف «له» يقوم مقام الفاعل ثم فسّر من هو الذي يسبّح له بقوله؛ رجال لا تلهيهم، كأنه لمّا قيل يسبّح له فيها قيل: من هو الذي يسبّح فقيل: رجال صفتهم كذا وكذا، ويجوز أن يرتفع رجال بالابتداء والخبر في بيوت فيوقف على الآصال في القول الأول ولا يوقف عليه في هذا القول الثاني، وقرأ الباقون بكسر الباء، بنوا الفعل للفاعل وهو الرجال فارتفعوا بفعلهم. انظر الكشف، ٢/ ١٣٩ - والنشر في القراءات العشر، لابن الجزري، ٢/ ٣٢٢ - واتحاف فضلاء البشر، للدمياطي، ٣٩٤.
(٧) في الأصل «والفعل الواجب حذفه أن يفسر» وفي شرح الوافية، ١٦١ «والواجب أن يجيء تفسيرا لفعل -
[ ١ / ١٣٦ ]
اسْتَجارَكَ (١) لأنّ التقدير وإن استجارك أحد من المشركين، فلو ذهبت لتذكر الفعل، جمعت بين المفسّر والمفسّر وهو غير جائز (٢).
ذكر تنازع الفعلين (٣)
المراد بتنازع الفعلين أن كلّا منهما يصلح أن يكون عاملا في الظّاهر بعدهما (٤) وتنازعهما على أربعة أقسام:
الأوّل: أن يكون الأوّل على جهة الفاعليّة والثاني على جهة المفعوليّة كقولك:
ضربني وأكرمت زيدا.
الثاني: عكسه، كقولك: ضربت وأكرمني زيدا.
الثالث: أن يكون تنازعهما على جهة المفعوليّة كقولك: ضربني وأكرمني زيد.
الرابع: أن يكون تنازعهما على جهة المفعوليّة كقولك: ضربت وأكرمت زيدا (٥).
والبصريون يختارون إعمال الثاني، لأنّ المعمول كالتتمّة للعامل، فكان الثاني أولى لقربه، والكوفيون يختارون إعمال الأوّل، لأنّ السّابق أولى (٦) فإن أعملت الثاني، والأوّل يقتضي الفاعل أضمرت الفاعل في الأوّل على وفق الظاهر، كقولك:
ضربني وضربت زيدا، فتضمر في: ضربني، ضميرا وفقا لزيد، ويستتر إذا كان مفردا كما في المثال المذكور، ويظهر في التثنية والجمع كقولك: ضرباني وضربت الزيدين، وضربوني وضربت الزيدين، والكسائيّ يجيزها
على حذف الفاعل فيقول:
ضربني وضربت الزيدين، فلا يبرز ضمير المثنّى في ضربني لأنّ الفاعل عنده
_________________
(١) - بعد حذفه» ثم ساق الآية، ونصّ أبي الفداء بعد حذفنا ل «أن» أوضح.
(٢) من الآية ٦ من سورة التوبة.
(٣) شرح الوافية، ١٦١ وانظر شرح الكافية، ١/ ٧٧.
(٤) الكافية، ٣٨٥.
(٥) الكتاب، ١/ ٧٣، والمقتضب، ٣/ ١١٢ وتسهيل الفوائد ٨٦، وشرح المفصل، ١/ ٧٧، وشرح الكافية، ١/ ٧٧، وشرح التصريح، ١/ ٧٨، وهمع الهوامع، ٢/ ١٠٨.
(٦) شرح الوافية، ١٦٢.
(٧) للتوسع في ذلك ارجع إلى الكتاب، ١/ ٧٤، والمقتضب، ٤/ ٧٢ والإنصاف، ١/ ٨٣ وشرح المفصل، ١/ ٧٧.
[ ١ / ١٣٧ ]
محذوف (١)، والفرّاء (٢) يمنع من حذف الفاعل ومن الإضمار قبل الذّكر، ويقول إذا توجّه الفعلان إلى الظّاهر على جهة الفاعليّة مثل: قام وقعد زيد، فزيد مرفوع بهما (٣) وهو باطل، لتعذّر أن يفعل الاسم الواحد الفعلين في حالة واحدة (٤) وتقول: ضربني وضربت زيدا هو، فتجعل هو فاعل ضربني لصّحة رجوعه إلى زيد، لتقدّمه عليه لفظا، وإن احتاج الأوّل إلى مفعول فاحذفه، لأنّه فضلة يستغنى عنه إلّا أن يكون هو المفعول الثاني من باب ظننت، فإنّه لا يحذف كقولك: ظنّني قائما/ وظننت زيدا قائما (٥) فلو أضمرته وقلت: علّمني إياه وعلمت زيدا منطلقا، لم يجز لأنّ المفعول لا يضمر قبل الذّكر أصلا.
وإن أعملت الأوّل على اختيار الكوفيين أضمرت الفاعل في الثاني، نحو:
ضربت وضرباني الزيدين، وليس ذلك إضمارا قبل الذكر، وإن احتاج الثاني إلى مفعول، فالمختار إضماره نحو: ضربني وضربته زيد، وإن عسر إضماره، أظهرته نحو: ظننت وظنّاني قائما الزيدين قائمين، لأنّك لو قلت: ظننت وظنّاني إياه الزيدين قائمين، لم يستقم لرجوع إياه وهو مفرد إلى قائمين وهو مثنّى، وإن جعلت إياه مثنّى وقلت: ظننت وظنّاني إياهما، لم يستقم أيضا، لأنّه خبر عن مفرد، وهو المفعول الأوّل في ظناني (٦).
ذكر مفعول ما لم يسمّ فاعله (٧)
هو كلّ مفعول لفعل حذف فاعله ورفع هو لإقامته مقام الفاعل، وشرط فعله إن كان ماضيا أن ينقل من فعل إلى
فعل، وإن كان مستقبلا أن ينقل من يفعل إلى يفعل، عبّر ب «فعل» يفعل عن جميع الأفعال التي ذكر معها فاعلها، وب «فعل» يفعل عن
_________________
(١) شرح الوافية، ١٦٢.
(٢) يحيى بن زياد أبو زكريا، أعلم النحويين الكوفيين بعد الكسائي، توفي ٢٠٧ هـ، انظر ترجمته في الفهرست، ٩٨، ونزهة الألباء، ٩٨ والبلغة، ٢٨٠، والبغية، ٢/ ٣٣.
(٣) شرح المفصل، ١/ ٧٧.
(٤) شرح الكافية، ١/ ٨٠.
(٥) شرح التصريح، ١/ ٣٢٢.
(٦) شرح الوافية، ١٦٣ - ١٦٤ وانظر همع الهوامع، ٢/ ١١٠.
(٧) الكافية، ٣٨٥ - ٣٨٦.
[ ١ / ١٣٨ ]
جميع الأفعال التي حذف فاعلها، وصار ذلك كاللّقب لها (١). ولا يصحّ وقوع المفعول الثاني (٢) من باب علمت موقع الفاعل، لأنّه مسند إلى الأوّل في المعنى فلو أسند الفعل إليه لصار مسندا، ومسندا إليه في حالة واحدة، والثالث من باب أعلمت كذلك، والمفعول له كذلك أيضا، لأنّ نصبه هو المشعر بالعلّيّة، وإقامته مقام الفاعل توجب رفعه فيتدافعان، والمفعول معه كذلك، لأنّ شرطه أن يكون مع الفاعل (٣)، وشرط مفعول ما لم يسمّ فاعله حذف الفاعل فيتدافعان، وإذا تعدّدت المفاعيل وفيها مفعول به تعيّن أن يقام مقام الفاعل دون غيره، كزيدا في قولك: ضربت زيدا ضربا شديدا يوم الجمعة أمام الأمير في داره (٤) خلافا للكوفيين فإنهم يجيزون إقامة غيره فيرفعونه ويبقون المفعول به الصريح منصوبا ويستدلّون بقراءة أبي جعفر المدنيّ (٥) شيخ نافع (٦) ويخرج (٧) له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا (٨) ومثله في قراءته أيضا لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩) وبقول الشاعر: (١٠)
_________________
(١) شرح الوافية، ١٦٧ وشرح الأشموني، ٥/ ١٠٨.
(٢) الكافية، ٣٨٦.
(٣) وفي شرح الوافية، ١٦٨ تفصيل اختصره أبو الفداء هنا، وانظر لهذه المسائل تسهيل الفوائد، ٧٧، وشرح الكافية، ١/ ٨٣ - ٨٤ وشرح التصريح، ١/ ١٩٢، وشرح الأشموني، ٢/ ٦٨، والهمع ١/ ١٦٣ - ١٦٤.
(٤) الكافية، ٣٨٦.
(٥) يزيد بن القعقاع المخزومي المدني إمام أهل المدينة في القراءة وأحد القرّاء العشرة قرأ على ابن عبّاس وأبي هريرة وروى عنه القراءة نافع بن أبي نعيم توفي سنة ١٣٠ هـ انظر ترجمته في الفهرست، ٤٦ وغاية النهاية، ٢/ ٣٨٢ والنشر، ١/ ١٧٨.
(٦) هو أبو رويم نافع بن عبد الرّحمن بن أبي نعيم الليثيّ مولاهم المدني، أصله من أصبهان قرأ على سبعين من التابعين منهم أبو جعفر المدنيّ وقد انتهت إليه رياسة الإقراء بالمدينة فأقرأ بها أكثر من سبعين سنة توفي، ١٦٩ هـ انظر ترجمته في الفهرست، انظر ترجمته في الفهرست، ٤٢ وغاية النهاية، ٢/ ٣٣٠ والنشر، ١/ ١١٢.
(٧) كذا في الأصل بالياء وضمها وفتح الراء على قراءة أبي جعفر، وقرأ الباقون بالنون وضمها وكسر الراء. انظر النشر، ٢/ ٢٠٦ والاتحاف، ٢٨٢.
(٨) من الآية ١٣، من سورة الإسراء.
(٩) من الآية ١٤ من سورة الجاثية، وقد ضبط «يجزى» في الأصل بضم الياء وفتح الزاي على قراءة أبي جعفر، وقرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويعقوب بالياء مبنيا للفاعل أن ليجزي الله، والباقون بالنون مبنيا للفاعل أيضا، انظر النشر، ٢/ ٣٧٢ والاتحاف، ٣٩٠، وانظر في هذه المسألة، شرح المفصل، ٧/ ٧٤، وشرح التصريح، ١/ ٢٩١، والهمع، ١/ ١٦٢.
(١٠) البيت لجرير بن عطية ورد في ديوانه، ٧٥، ونسب له في خزانة الأدب للبغدادي ١/ ٣٣٧ - ٣٣٨ ومن -
[ ١ / ١٣٩ ]
ولو ولدت قفيرة جرو كلب لسبّ بذلك الجرو الكلابا
فأقام الجار والمجرور مقام الفاعل ونصب المفعول الصّريح، والبصريون يتأولون ذلك (١).
واعلم أنّ المفاعيل إذا تعدّدت وأقمت أحدها مقام الفاعل فلك الخيار في تقديمه وتأخيره عند عدم اللّبس، فإذا التبس وجب أن يلي المقام الفعل، فقوله تعالى: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ (٢) المقام «يومئذ»، وإذا تعدّدت المفاعيل التي تقام مقام الفاعل ولم يكن فيها مفعول به/ رفعت ما شئت لقيامه مقام الفاعل وتركت البواقي على ما تقتضيه (٣) والأولى؛ أن يقام المفعول الأول من باب أعطيت مقام الفاعل دون الثاني (٤) ففي قولك: أعطيت زيدا درهما، الأولى أن يقام زيد مقام الفاعل دون الدّرهم، لأنّ زيدا عاط أي متناول ففيه معنى الفاعليّة (٥).
ذكر المبتدأ (٦)
وهو الاسم - أو المؤول به - المجرّد عن العوامل اللفظيّة مسندا إليه أو الصّفة الواقعة بعد حرف الاستفهام، أو حرف النّفي، رافعة لظاهر نحو: زيد قائم (٧)،
_________________
(١) - غير نسبة في الخصائص ١/ ٢٩٧ وشرح المفصل، ٧/ ٧٥ وشرح الكافية، ١/ ٨٥ وهمع الهوامع، ١/ ١٦٢.
(٢) ومما قالوا إنّ كلابا منصوب بولدت، ونصب جرو كلب على النداء على الذم وحينئذ يخلو الفعل من مفعول به فحسن إقامة المصدر مقام الفاعل، ويكون التقدير فلو ولدت قفيرة الكلاب يا جرو كلب لسبّ السّبّ بذلك، وحمله بعضهم على الشذوذ من إقامة المصدر مقام الفاعل مع وجود المفعول به وهو الكلاب، انظر الخصائص، ١/ ٣٩٧ وشرح المفصل، ٧/ ٧٦ وخزانة الأدب، ١/ ٣٣٨. قال ابن جني «هذا من أقبح الضرورة ومثله لا يعتد به أصلا بل لا يثبت إلا محتقرا شاذا» وفي شرح الوافية، ١٧٠ «وجوابهم أنه خارج عن القياس واستعمال الفصحاء».
(٣) من الآية ٢٣ من سورة الفجر.
(٤) شرح الوافية، ١٧٠ وانظر شرح الكافية، ١/ ٨٥.
(٥) الكافية، ٣٨٦.
(٦) شرح الوافية، ١٧٠ والتشابه تام مع تقديم وتأخير.
(٧) الكافية، ٣٨٦.
(٨) وبعدها في الكافية: وما قائم الزيدان، وأقائم الزيدان. وانظر في حد المبتدأ الكتاب ١/ ٢٤ - ٢/ ٧٨ - ١٢٢ والمفصل، ٢٣ وشرح المفصل، ١/ ٨٣ وتسهيل الفوائد، ٤٤ وشرح الكافية، ١/ ٨٦ -
[ ١ / ١٤٠ ]
و«تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه» (١) وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ (٢) أي سماعك وصومكم.
قوله: مجرّد عن العوامل اللفظيّة، احترز به عن أسماء إنّ وكان وما ولا المشبّهتين بليس، وعن المفعول الأوّل من باب علمت، والثاني من باب أعلمت، وعلم من احترازه عن العوامل اللفظيّة خاصة أنّه لا يحترز عن العوامل المعنويّة، فإنّ المبتدأ لم يتجرّد عنها، وقوله: مسندا إليه، احترز به عن الخبر، لأنّه مجرّد، ولكن غير مسند إليه، وعن مثل الأصوات نحو: غاق، وألفاظ العدد، وحروف التهجّي فإنّها مجرّدة ولكن ليست مسندا إليها، لأنّها غير معربة لفقد التركيب، وقوله: أو الصفة الواقعة بعد حرف الاستفهام أو حرف النفي رافعة لظاهر، إنّما أفردها بالذكر لأنّها لم تدخل في رسم المبتدأ لكونها غير مسند إليها، ولم تدخل في رسم الخبر، لأنّ فاعلها سدّ مسدّ الخبر، وذلك نحو قولك: أقائم الزيدان (٣) وقوله: رافعة لظاهر، معناه أنّ هذه الصفة لا تقع مبتدأ إلّا بشرط أن تتجرّد عن الضمير المستكنّ فيها، لترفع الظاهر الذي بعدها، لأنّها كالفعل إذا رفع الظاهر (٤) واحترز بقوله: رافعة لظاهر عن الرافعة للمضمر نحو: أقائمان الزيدان، وأقائمون الزيدون، فإنّ قائمان وقائمون متعيّن للخبر (٥) لأنّ كلّا منهما رافع لضمير متّصل مستقرّ فيه لا للظّاهر الذي بعده لأنّ أقائمان وأقائمون لو كان مبتدأ، لم يثنّ ولم يجمع، لأنّ الفعل وشبهه إذا أسند إلى الظّاهر لم يثنّ ولم يجمع على مذهب الأكثر، لكن يجوز ذلك على لغة أكلوني البراغيث وهي لغة
ضعيفة (٦)، فيجوز عليها أن يقع قائمان وقائمون مبتدأ مجرّدا عن المضمر، رافعا للظّاهر الذي بعده ويكون الزيدان والزيدون فاعلا سدّ مسدّ الخبر (٧).
_________________
(١) - وهمع الهوامع، ١/ ٩٣ وشرح الأشموني، ١/ ٨٨.
(٢) وروي: لأن تسمع، وأن تسمع، وهو مثل يضرب لمن خبره خير من مرآه، انظره في جمهرة الأمثال للعسكري، ١/ ١٨٦ وفصل المقال، للبكري ١٢١ والمستقصى للزمخشري، ١/ ٣٧٠.
(٣) من الآية ١٨٤ من سورة البقرة.
(٤) همع الهوامع، ١/ ٩٤.
(٥) شرح الوافية، ١٧١ وشرح ابن عقيل، ١/ ١٨٩.
(٦) شرح الوافية، ١٧١.
(٧) وهي لغة طيء أو أزد شنوءة أو بلحارت، المغني، ٢/ ٣٦٥.
(٨) شرح الكافية، ١/ ٨٦، وتسهيل الفوائد، ٤٤ وشرح ابن عقيل، ١/ ١٩٩، وشرح الأشموني، ١/ ١٩٢.
[ ١ / ١٤١ ]
واعلم أنّه قد قيل: ينبغي أن يزاد في رسم الصفة المذكورة لفظة مستغنى به فيقال: رافعة لظاهر مستغنى به، لئلا يرد النّقض بمثل: أقائم أبوه زيد، فإنّها رفعت ظاهرا وهو أبوه ومع ذلك ليست مبتدأ، فإنّ المبتدأ في المثال المذكور هو زيد، لا أبوه المرفوع بالصّفة المذكورة (١)، وإذا طابقت الصفة المذكورة مفردا نحو: أقائم زيد وما قائم زيد/ جاز (٢) أن تكون الصّفة حينئذ (٣) مبتدأ وما بعدها فاعلها، وجاز أن تكون خبرا مقدّما وما بعدها المبتدأ، وإذا كانت خبرا كان فيها ضمير مستكنّ، وإنّما خصّص مطابقتها للمفرد بذلك، لأنّها إذا طابقت مثنّى أو مجموعا نحو: أقائمان الزيدان وما قائمون الزيدون، لم يجز الأمران عند الأكثر، بل تتعين الصفة حينئذ للخبر وتكون رافعة للمضمر المستتر فيها، ويتعيّن الظاهر الذي بعدها للمبتدأ، وأما على لغة أكلوني البراغيث فلا يتعيّن ذلك، وجاز أن تكون مبتدأ وتكون حينئذ مجرّدة عن الضّمير المستتر رافعة لما بعدها حسبما تقدّمت الإشارة إليه، وقد أشكل منع الشّيخ أبي عمرو بن الحاجب (٤) تثنية الصّفة وجمعها في هذا الباب، وتجويزه ذلك على ضعف في النّعت حيث قال الشيخ (٥): «وحسن قام رجل قاعد غلمانه وضعف قاعدون غلمانه» فيتأمّل.
ذكر الخبر (٦)
وهو المجرّد المسند به المغاير للصّفة المذكورة، قوله: المجرّد، احترز به عن
_________________
(١) لعلّ القائلين بذلك قد اعتمدوا على ما قاله ابن مالك في شرح التسهيل، ١/ ٢٦٩: واحترزت بكون المرفوع مغنيا من نحو: أقائم أبوه زيد، فإن الفاعل فيه منفصل مرتفع بوصف سابق إلا أنه غير مغن إذ لا يحسن السكوت عليه فليس مما نحن فيه بل زيد مبتدأ وقائم خبر مقدم وأبوه مرتفع به» وانظر المساعد، ١/ ٢٠٥.
(٢) غير واضحة في الأصل.
(٣) غير واضحة في الأصل.
(٤) هو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس المعروف بابن الحاجب الكردي الأصل، الإسنائي المولد، برع في الفقه المالكي، والقراءات والعربية والأصول توفي ٦٤٦ هـ انظر ترجمته في وفيات الأعيان، ٣/ ٢٤٨ والبلغة، ١٤٠ والبغية، ٢/ ١٣٤ وشذرات الذهب، لابن العماد ٥/ ٢٣٤.
(٥) في الأصل: الشرح، قال في الكافية، ٤٠٠ «حسن قام رجل قاعد غلمانه، وضعف قاعدون غلمانه».
(٦) الكافية، ٣٨٦.
[ ١ / ١٤٢ ]
خبر إنّ وكان ونحوهما، فإنّه مسند به وليس مجرّدا عن العوامل اللفظيّة، وإنما قال:
المجرّد، ولم يقل: الاسم المجرّد، لأنّ خبر المبتدأ قد يكون غير اسم، وقوله:
المسند به، احترز به عن المبتدإ الذي هو المسند إليه، وقوله: المغاير للصّفة المذكورة، احترز به عن الصّفة الواقعة بعد حرف الاستفهام وحرف النفي المقدّمة الذكر مع المبتدإ نحو: أقائم أخواك، والمراد بالمغايرة للصّفة المذكورة (١) إمّا أن لا يكون صفة ك «زيد غلامك»، أو يكون صفة ولا يكون بعد حرف النفي أو ألف الاستفهام ك «زيد قائم»، أو يكون صفة واقعة بعد أحدهما، ولا تكون رافعة لظاهر، كأقائمان الزيدان.
ذكر أنّ أصل المبتدإ التقديم (٢)
الأصل أن يقدّم المبتدأ على الخبر لأنّ المبتدأ محكوم عليه وحقّ المحكوم عليه أن يكون متقدّما على المحكوم به، ومن ثمّ جاز: في داره زيد، لأنّ زيدا وإن كان متأخرا عن في داره لفظا فهو متقدّم تقديرا، وامتنع أن يقال: صاحبها في الدّار، لأنّه إضمار قبل الذكر لفظا ومعنى، لأنّ الضمير في صاحبها يعود إلى الدّار وهو متقدّم على الدّار لفظا ومعنى، أمّا لفظا فظاهر، وأمّا معنى فلأنّ صاحبها مبتدأ وحقّه أن يكون متقدّما على الخبر (٣).
ذكر وجوب تقديم المبتدأ (٤)
يجب تقديم المبتدإ إذا تضمّن معنى الإنشاء نحو: من أبوك؟ وما صناعتك؟
وكذلك إذا كان الخبر فعلا للمبتدأ نحو: زيد قام، واعلم أنه لو قال: (٥) فعلا له مفردا لكان أولى، لئلّا يرد عليه: الزيدان قاما، والزيدون قاموا، فإنّ الفعل هنا
_________________
(١) غير واضحة في الأصل.
(٢) الكافية، ٣٨٦.
(٣) شرح الوافية، ١٧٢ وانظر شرح المفصل، ١/ ٨٥، وشرح الكافية، ١/ ٨٨.
(٤) الكافية، ٣٨٦ - ٣٨٧.
(٥) في الأصل: قيل، وفي الكافية: «أو كان الخبر فعلا له» وفي شرح الوافية، ١٧٣، ومنها أن يكون الخبر فعلا له.
[ ١ / ١٤٣ ]
للمبتدإ، ولا يجب تقديم المبتدأ عليه بل يجوز: قاما الزيدان وقاموا الزيدون على أنّ قاما وقاموا خبران مقدّمان، ويجب التّقديم أيضا إذا استوى المبتدأ والخبر في المعنى نحو: زيد الأفضل (١).
ذكر وجوب/ تقديم الخبر (٢)
يجب تقديم الخبر إذا تضمّن معنى الإنشاء نحو: أين زيد؟ ومتى السّفر؟ وأما إذا كان الخبر جملة نحو: زيد متى خروجه؟ فإنّه لا يجب تقديم الخبر حينئذ لكونه جملة وقد وقع الاستفهام في صدرها على بابه، وكذلك يجب تقديم الخبر إذا كان مصحّحا للمبتدإ نحو: في الدّار رجل فإنّه لو قدّم المبتدأ حصل الابتداء بالنكرة من غير تخصيص، وكذا يجب تقديمه إذا كان المبتدأ أنّ المفتوحة مع ما في حيّزها نحو:
عندي أنّك قائم، وفي ظنّي أنّك مسافر، فلو قدّمت بقيت عرضة لدخول إنّ عليها (٣)، وكذا يجب تقديمه إذا كان في (٤) المبتدأ ضمير راجع إلى شيء من الخبر نحو: على التّمرة مثلها زبدا، فلو قدّم المبتدأ الذي هو مثلها رجع الضمير إلى غير مذكور لا لفظا ولا معنى (٥).
ذكر الابتداء بالنّكرة (٦)
للمبتدإ والخبر من جهة التعريف والتنكير أربعة أقسام: أحدها: أن يكون المبتدأ معرفة (٧) والخبر نكرة وهو الأصل نحو: زيد قائم، والثاني: أن يكونا معرفتين نحو:
_________________
(١) بعدها في شرح الوافية، ١٧٣ «فجعل المتقدم مبتدأ، هو المستقيم لأنه الأصل فلا حاجة إلى تقدير تقديم وتأخير من غير فائدة» وانظر المغني، ٢/ ٤٥١ وشرح التصريح، ١/ ١٧١ وهمع الهوامع، ١/ ٥٥ وحاشية الصبان، ١/ ٢٠٩.
(٢) الكافية، ٣٨٧.
(٣) شرح الوافية، ١٧٤ وبعدها «وهم يكرهون مثل ذلك فأوجبوا تقديم الخبر ليصح دخول إن كقولك: إن في ظني أنك مسافر ونحوه وهذا قول الأكثرين».
(٤) في الأصل إذا كان المبتدأ ضمير وانظر شرح الوافية ١٧٤.
(٥) شرح الوافية، ١٧٤ وانظر شرح الكافية ١/ ٩٩ وشرح التصريح ١/ ١٧٦ وشرح الأشموني، ١/ ٢١٢.
(٦) الكافية، ٣٨٧.
(٧) الكتاب، ١/ ٣٢٨ والمقتضب، ٤/ ١٢٧ وشرح المفصل، ١/ ٨٥ وتسهيل الفوائد، ٤٦.
[ ١ / ١٤٤ ]
زيد أخوك، والثالث: أن يكونا نكرتين نحو: رجل حسن قائم، والرابع: أن يكون المبتدأ نكرة والخبر معرفة وهو عكس الأصل. كقول الشّاعر: (١)
أهابك إجلالا ومالك قدرة عليّ ولكن ملء عين حبيبها
فملء عين مبتدأ وهو نكرة وحبيبها خبر وهو معرفة، وقد جاء مثل ذلك مع العوامل، كقول الشّاعر: (٢)
وربّ سبيئة من بيت رأس يكون مزاجها عسل وماء
فعسل نكرة وهو اسم كان ومزاجها معرفة وهو الخبر، والظّاهر أنّ هذا القسم إنّما يجوز في ضرورة الشعر (٣).
ولا يجوز الابتداء بالنكرة إلّا إذا تخصّصت بوجه ما (٤)، لأنّها بالتخصيص تقارب المعرفة، وتخصيصها بأحد أمور عشرة:
١ - الوصف نحو: رجل عالم في الدار.
٢ - الاستفهام نحو: أرجل في الدار أم امرأة.
٣ - النفي نحو: ما أحد خير منك.
٤ - أن تقع النكرة بمعنى الفاعل المثبت بعد نفي نحو «شرّ أهرّ ذا ناب»، أي:
ما أهرّ ذا ناب إلّا شر (٥).
_________________
(١) البيت لنصيب بن رباح الأكبر مولى بني مروان، نسب له في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي، ٣/ ١٣٦٣ وشرح الشواهد، ١/ ٢١٣ وشرح التصريح، ١/ ١٧٦ وورد من غير نسبة في عمدة الحافظ، ١/ ٧٨، وشرح ابن عقيل، ١/ ٢٤١ وشرح الأشموني، ١/ ٢١٣.
(٢) البيت لحسّان بن ثابت ورد في ديوانه ٧١ برواية كأن خبيئة، وروي البيت منسوبا له في كل من الكتاب، ١/ ٤٩ والمقتضب، ٤/ ٩٢ برواية كأن سلافة، والمحتسب ١/ ٣٧٩ والحلل في شرح أبيات الجمل، للبطليوسي ٤٦ وشرح المفصل، ٧/ ٩١ - ٩٣. ولسان العرب، سبأ، ومغنى اللبيب ٢/ ٤٥٣ - ٦٩٥ - وشرح شواهد المغني، ٢/ ٨٤٩ ورواه السيوطي في همعه، ١/ ١١٩ من غير نسبة برواية كأن سلافة ورواه جميعهم وكأن مكان ورب، السبيئة: الخمر، بيت رأس: اسم لقريتين في كل واحدة منهما كروم كثيرة إحداهما بالبيت المقدس، والأخرى من نواحي حلب معجم البلدان، ١/ ٥٢٠.
(٣) الكتاب، ١/ ٤٨ والمقتضب، ٤/ ٩١.
(٤) الكافية، ٣٨٦.
(٥) مثل يضرب عند ظهور أمارات الشرّ ومخايله انظر المستقصى، ٢/ ١٣٠ ومجمع الأمثال للميداني، -
[ ١ / ١٤٥ ]
٥ - تقديم ظرف هو الخبر نحو قولك: في الدار رجل.
٦ - الدعاء نحو: سلام عليك، وويل له، وعزّ لمولانا.
٧ - الاستغراق نحو: من يقم أقم معه.
٨ - الجواب نحو: أن يقال لك: من عندك؟ تقول: رجل، أي عندي رجل وهو راجع إلى تقديم الخبر وهو ظرف.
٩ - التعجب نحو: ما أحسن زيدا، فعند سيبويه ما مبتدأ نكرة وهي بمعنى شيء خلافا للأخفش فإنّه يقول إنّ ما في ما أحسن زيدا، موصولة فتكون معرفة (١).
١٠ - الإضافة نحو قوله ﷺ: «خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد» (٢) وغلام رجل في الدار لتخصيصه بالإضافة، والظاهر أنّ التخصيص لا ينحصر في الأمور العشرة المذكورة فإنّ/ التصغير مخصص نحو: رجيل عندك، وليس هو من الأمور العشرة (٣).