وهو المجرى مُجرى الفعل إجراءً حقيقيًا، فيعمل عملته الصريح، وهو رفع الفاعل ونصب المفعول إن كان هناك مفعول، ومنها ما هو مشبه لذاك القسم في العمل، فينصب نصبًا غير صريح بل على التشبيه بالمفعول، وسيذكر بعد هذا.
فمما عَمِل عملَ الفعل الصريح اسم الفاعل؛ وهو الصفة الجارية على الفعل المضارع في حركاته وسكناته كضارب وداخل ومكرم ومعطٍ، كل هذه الأسماء تعمل عمل أفعالها فضاربٌ يعمل عمل "يضرب" و"داخل" عمل "يدخل" ومكرمٌ عمل "يكرم" ومعط عمل يعطي؛ تقول: زيدٌ ضاربٌ أبو عمرًا كما تقول يضرب أبو عمرًا، وزيدٌ معطٍ أبوه بكرًا ثوبًا كما تقول يعطي أبوه بكرًا ثوبًا.
ومعنى جري هذا الاسم على الفعل في حركاته وسكناته أن عدد حروف ضارب كعدد حروف "يضرب"، وضاد (١) ضارب مفتوحةٌ، كما ياء "يضرب" مفتوحة والألف ثانية وهي ساكنة كما ثاني يضرب ساكنٌ وهي الضاد، والراء فيهما ثالثة مكسورة، والباء فيهما حرف إعراب؛ وكذلك مكرمٌ كيكرم، لأن الأصل في الفعل يؤكرم، فالأصل أيضًا في صفة الفاعل "مؤكرم".
ولما كان الفعل أصلًا للاسم في الإعمال، والاسم أصلًا للفعل في الإعراب، أعمل من أسماء الفاعلين ما أشبه الأفعال المحمولة على الأسماء في الإعراب، وذلك ما كان المحاضر أو المستقبل، فإن كان اسم الفعل
_________________
(١) في (آ): والضاد من ضارب متحركة كما أن الياء من يضرب كذاك.
[ ٢٣٦ ]
لما مضى لم يعمل عمل الفعل في قول الجمهور (١)؛ لما ذكرنا، وأجاز بعض الكوفيين إعماله عمل الفعل حملًا له على جنسية الأفعال لا مخصوصها، وراعى اللفظ وقوة شبهه (٢) ونظر إلى أحد الطرفين ولم يلتزم النظر إلى الطرف الآخر، وهو الإعراب، فيراعي المحمول على المعرب من الأفعال بل نظر إلى الحمل على الأفعال في الجملة، وكلها عامل، فكل ما حمل على ضروبها عاملٌ عملتها، واحتج بظاهر المسموع ولم يلتفت إلى تأوله (٣) فلو قلت: زيدٌ ضاربٌ عمرًا أمس، لم يجز عند الجمهور، كما جاز: زيدٌ ضاربٌ عمرًا الآن أو غدًا.
وإنما باب الماضي عندهم الإضافة الحقيقية، كقولك: زيدٌ ضاربٌ عمروٍ أمس فيكون ضاربٌ عند سيبويه (٤) ومن تابعه، وهم الأكثرون، في هذه المسألة وإن كان مشتقًا جاريًا في إبطال عمله لمضيه مجرى الأسماء الصريحة الأول، وهي الجوامد غير المشتقة كغلام وفرسٍ إذا قلت: غلام زيدٍ وفرس عمرو، ولهذا لا يجوز عندهم أن تصف به نكرةً وأنت تريد به حذف تنوينه تخفيفًا كما أردت ذاك في اسم الفاعل إذا كان للحال أو الاستقبال، فلا تقول عندهم: مررت برجلٍ ضارب عمرو أمس وأنت تريد ضاربٍ عمرًا أمس كما تقول: مررت برجلٍ ضاربٍ عمروٍ غدًا أي ضاربٍ عمرًا، وكما جاء في التنزيل: ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (٥) [الأحقاف: ٢٤] أي ممطرٌ إيانا، فوصف به النكرة مع
_________________
(١) انظر الكتاب ١/ ٨٧.
(٢) في (ى) شبهه به.
(٣) في (ج): تأويله.
(٤) انظر الكتاب ١/ ٨٧، المقتضب ٤: ١٤٨.
(٥) الأحقاف ٢٦: ٢٤ ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ ﴾.
[ ٢٣٧ ]
إضافته إلى الضمير وهو معرفةٌ، فإضافته على هذا غير حقيقية، وهي منوي بها الانفصال.
وعلى ذلك أيضًا جاء "ثاني عطفه" (١)، فنصبه على الحال؛ والحال من شرطها أن تكون نكرة، فلولا أن إضافته في نية الانفصال والتنوين مرادٌ كالمنطوق به لما جاز نصه على الحال. ولو أردت مثل هذا في الماضي لم يجز عندهم.
على أن بين اسم الفاعل إذا كان لما مضى وبين الأسماء الصريحة الجامد فرقًا ما، وهو أنه يعمل في الظرف ببقية ما فيه من شبه الفعل لفظًا إذ (٢) كانت حروفه كحروف؛ وهو مشتق على كل حال؛ فجاز عمله في الظرف عندهم وهو أمس من قولك: ضاربٌ عمرًا (٣) أمس. ومنهم من يتشدد في ذلك فلا يعمله بتةً في ظرفٍ ولا غيره، وينتصب هذا الظرف بإضمار فعلٍ دل عليه اسم الفاعل وإن كان لما مضى، فتقول: التقدير في هذه المسألة ضاربُ عمرو ضربه أمس وعلته (٤) في هذا القول أن الفعل هنا إنما أضمر في قوله لدلالة اسم الفاعل عليه؛ فلولا أنه غير جارٍ مجرى الجامد من الأسماء في كل حال لما دل على الفعل، إذ كانت الجوامد لا تدل على الأفعال، فتضمر وتعمل لدلالتها عليها. واحتج من أعمل اسم الفاعل إذا كان بمعنى المضي عمل فعله الذي هو
_________________
(١) الحج ٢٢: ٩ ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.
(٢) في (ج): إذ كان يعطي لفظه ومعناه. ألا ترى أن حروفه الأصول هي حروف الفعل وأن معناه معناه.
(٣) في (ب): ضارب عمرو.
(٤) في (ب) و(ج): وعليه.
[ ٢٣٨ ]