والجازم يعمل الجزم فقط، كما أن الجار عمله الجر فقط. وأصل الجزم في اللغة القطع؛ فلما كانت هذه الحروف إذا دخلت الفعل قطعت عنه الحركة أو ما جرى مجرى الحركة سميت جوازم، لأن عملها يسمى جزمًا؛ والجزم إسكان أو حذف يجري مجرى الإسكان.
وهذه الحروف أضعف الأدوات عملًا، لأن معمولها أصله أن يكون غير معمول. وهي خمسة؛ منها "لم" ومعناها النفي وتختص بأنها تنقل المضارع إلى المضي بعد نفيه، وتقلب معناه إليه، كقولك: لم يقم زيد.
ويدلك على صحة هذا المعنى فيه، وأنه قد قلب المضارع إلى معنى المضي كما تقلب "إن" الشرطية الماضي إلى معنى الاستقبال صحة وقوع الفعل معها في الزمن الماضي كقولك: لم يقم زيد أمس، ولو كان باقيًا على معناه من حالٍ أو استقبال لم يصح وقوعه إلا في الزمن الذي صيغ له.
ألا ترى أنك لو قلت: يقوم زيد أمس كان محالًا كما كان محالًا قولك قام زيد غدًا؛ ولو قلت: إن قام زيدٌ غدًا قام عمرو كان كلامًا حسنًا،
[ ٢١١ ]
لقلب "إن" معنى الماضي إلى المستقبل كما يصح لم يقم أمس لقلب "لم" مع نفيها إياه معناه من غير المضي إلى المضي، فهي على ما ترى في هذا الحكم من القلب عكس "إن" الشرطية، لقلبها الماضي إلى المستقبل.
وتتصل "لم" بما دخلت عليه من الأفعال اتصالًا يجعلها معه كالجزء الواحد، فلهذا لا يجوز في الكلام المنثور، وهو حال السعة والاختيار، الفصل بينها وبينه، أعني "لم" وما نفته، وإن جاء شيء من الفصل بينها وبينه فإنما يجيء نزرًا في بعض المنظوم وضرورة لإصلاح الوزن، وذلك مما لا يعمل عليه وكما أنشدوا:
(فأضحت مغانيها قفارًا رسومها كأن لم سوى أهلٍ من الوحش تؤهل) (١)
أراد: كأن لم تؤهل سوى أهلٍ من الوحش، ففصل كما ترى.
والفصل في الكلام نظمه ونثره كثير، منه الحسن ومنه القبيح وهذا منه؛ وكلما كثر الفصل، لاسيما بين شديدي الاتصال كان أقبح. وقد يقع الفصل بين أشياء بأشياء وقع فيها التقديم والتأخير. ومن طريف الفصل والمقدم والمؤخر أما أنشدنيه بعض أهل الأدب قديمًا من قول الشاعر:
(فأصبحت بعد خط بهجتها كأن قفرًا رسومها قلما) (٢)
_________________
(١) الشاهد لذي الرمة. الديوان: ٥٩١ الخصائص ٢: ٤١٠، معنى اللبيب ١: ٣٠٨، الخزانة ٣: ٢٦.
(٢) في البيت فساد من وجهين: أحدهما تقديم خبر كأن عليها، وهو لا يقدم على اسمها فكيف على نفسها لأنها حرف، فليس لها تصرف الفعل في التقديم – والتأخير – والثاني أنه فصل بين كأن واسمها بما ليس ظرفًا، ولا يفصل بينهما بشيء من الكلام إلا بالظروف وحروف الجر نحو قولك: كأن فيها زيدًا قائم. والشاهد في شرح الأبيات المشكلة الإعراب: ٢٥٤، الإنصاف: ٤٣١، اللسان "خطط" ولم يعز فيها.
[ ٢١٢ ]
أراد، أصبحت بعد بهجتها قفرًا كأن قلما خط رسومها، وذا قبيح جدًا وهو مصنوع بغير شك.
ولاتصال "لم" بما تنفيه وكونها معه كالشيء الواحد وقعت معه شرطًا وجزاء كما يقع الفعل المفرد من حرف يدخل عليه شرطًا وجزاء؛ وذلك حين تقول: إن لم تقم لم أقم؛ فالأولى مع فعلها شرط، والثانية مع فعلها جزاء. وكلا الحرفين مع منفيه في موضع جزمٍ بـ "إن"، فهذا كما تقول: إن تقم أقم.
وهي للنفي عامًا، مترقبًا كان الفعل أو غير مترقب، فغير المترقب لم يقم زيد مثلًا والمترقب: خرجت ولم يخرج الأمير بعد.
و"لما" فرع عليها، لأنها "لم" في الأصل، زيدت عليها "ما" فصارت في أكثر الأمر لنفي الأفعال المترقبة كقولك: جئت ولما يركب الأمير، وبكرت ولما تطلع الشمس، قال:
(فقمنا ولما يصح ديكنا ) (١)
أي ولم يركب الأمير ولم يصح ديكنا.
_________________
(١) الشاهد للأعشى الأكبر. وعجزه: إلى جونة عند حدادها جونة: سوداء، يعني بها خابية الخمر، لأنها كانت تطلى بالقار. حدادها صاحبها وهو في الديوان: ٦٩، الجمهرة، الصحاح، مقاييس اللغة، اللسان (حد) الخزانة ٣: ٤٨، شعراء النصرانية ١: ٣٧٢.
[ ٢١٣ ]
وقد تنفي بها غير المترقب؛ كقولك: لما يذهب زيد، بمعنى لم يذهب، تنفي ذهابه من غير أن يكون مترقبًا كترقب ركوب الأمير ودخول الشتاء إذا قلت: قدمت ولما يدخل الشتاء.
وكل هذه المعاني مما تحملها الألفاظ كاحتمالها (١) إياها، وغيرها، إنما هي بحسب قصد المتكلم ومراده لما يخبر به.
ومن الفروق بين "لم" و"لما"، وإن اشتركا في الأصل والمعنى، وهو النفي، والعمل – وهو الجزم- أن "لم" لا يجوز الوقوف عليها دون ما تنفيه، فلا تقول: جئت ولم، وذلك إذا قال لك قائل مثلًا: هل ركب الأمير؟ فلا يجوز أن تقول: جئت ولم، وأنت تريد يركب الأمير؛ ويجوز ذلك في لما؛ فتقول: جئت ولما؛ تريد: يركب الأمير؛ لأنها بدخول ما عليها قويت فأشبهت صيغ الأسماء، فجاز لذلك الوقوف عليها دون ذكر معمولها، وذلك على كل حال لعلم بالمعنى، ولولا العلم به لم يجز أن يحذف، لأن حذف غير المعلوم بعد حذفه تكليف السامع أن يعلم الغيب و"لم" ليس لها هذا الحكم، ولو كان المعنى مفهومًا، ولهذا تقع "لم" في مواضع يقع فيها الفعل مفردًا من غير ذكر حرفٍ معه، ولا تقع "لما" ذلك الموقع، وذلك كالشرط، وقد مثلنا عليه. ومدار هذا التعليل على شدة اتصال "لم" بما دخلت عليه دون "لما".
فأما "لا" الناهية و"لام الأمر" فيشتركان في جزم الفعل
_________________
(١) في (ج) و(د) وحاشية (آ): لاحتمالها.
[ ٢١٤ ]
المستقبل أيضًا، والفرق بينهما من طريق المعنى ظاهرٌ، ومن طريق الاستعمال أن (١) "لا"، لا يعرى منهيٌ عنه من دخولها عليه إذا كان فعلًا، ولام الأمر تدخل بعض الأفعال المأمور بها دون بعضٍ، ألا تراها يطرد دخولها في فعل الغائب إذا قلت: ليقم زيدٌ، ويقل استعمالها في فعل المواجه إلا على جهة الندور، فهي عند البصريين (٢) مختصة بفعل الغائب، وعند الكوفيين عام دخولها في الجميع، لكن حذف مع الحاضر تخفيفًا واستغناء بالمواجه، ولهذا استعملت مع المواجه في بعض الكلام تنبيهًا على الأصل المطرح، وكلا القولين قوي في القياس، ومنزلة الأمر من النهي منزلة الإيجاب من النفي، لأن الأمر للإيقاع والنهي لترك الإيقاع، وبتركه ينتفي كما بفعله يقع ويجب.
وأما "إن" الشرطية فإنها وإن كانت حرفًا جازمًا فإنها مخالفة في الحكم بقية الجوازم، وذلك أنها تعمل في فعلين هما الشرط وجزاؤه في قول كثير (٣) من الناس، وذلك إذا كانا مستقبلي اللفظ، فإنه يظهر جزمها لهما، فهي عاملة فيهما عند هؤلاء.
وعند الأكثرين أنها تجزم الأول بنفسها، وترفده أي تقويه، أعني فعل الشرط، فينجزم الثاني وهو الجزاء بها وبه، فمجموعهما العامل في الثاني كما كان مجموع الابتداء المبتدأ هو الرفع للخبر عندهم أيضًا، والذي دعاهم إلى القول بهذا
_________________
(١) في (ب): ألا.
(٢) انظر الإنصاف ٢: ٥٢٤.
(٣) الخصائص ٢: ٣٨٨.
[ ٢١٥ ]
والعدول عن اعتقاد الأولين من أن "إن" هي الجازمة للثاني بنفسها كما جزمت الأول كونها حرفًا جازمًا، والجازم أضعف العوامل عندهم، فلم يكن ليجزم فعلين بغير مقو أو وسيط، كما رأوا في الابتداء أنه عامل معنوي ضعيف، فلم يعملوه في الاسمين.
وعلى كل حال فلم تعر "إن" من أن تكون عاملةً في الفعلين، الأول بنفسها والثاني بمعينٍ ومقوٍ، فقد عملت فيما زاد على الفعل الواحد.
والأصح من الأقوال فيها أنها عاملةٌ الجزم عملًا إعرابيًا.
وقول من ذهب إلى أن سكون الفعلين بعدها سكون بناء لا إعراب غير صحيح، وقد عزوا هذا القول إلى أبي عثمان المازني، وهو كما تراه (١).
واعلم أن أصل جوابها أن يكون فعلًا، كما أن الشرط الذي هو علة له فعل، فالأصل إن تقم أقم، فهذا، كما تراه، أحد الفعلين وهو الأول سببٌ للثاني، والثاني مسبب عنه، وما سواه من الأجوبة المذكورة – غير الفعل- محمول على الفعل، ولذلك يُحكم على موضعه بالجزم للفعل. فمن الأجوبة غير الفعل، الفاء في مثل قولك: إن تطع الله فأنت سعيد؛ وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] (٢) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] (٣).
_________________
(١) انظر الإنصاف ٢: ٦٠٢.
(٢) الإسراء: ١٧: ٢٥ ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. الأوابون: من الذنوب، الراجعون إلى الطاعات.
(٣) الأنبياء ٢١: ٢٩ ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.
[ ٢١٦ ]
والمراد بدخول الفاء هاهنا هو التوصل إلى المجازاة بالابتداء، والخبر لأنهم لما جازوا بالفعل الذي هو الأصل، والفعل يلزم فاعله، فلا ينفرد عنه، وهو مع فاعله جملة من فعلٍ وفاعل. والجملة من الابتداء والخبر نظيرة التي من الفعل والفاعل وأختها، فآثروا المجازاة بها كما جازوا بتلك، فلم يوقعوها موقعها مفاجأة، إذ كانت لا يتعين منها معنى استقبالٍ كما يتعين من الفعل؛ فلم يقولوا: إن يقم زيدٌ منطلقٌ، بل توصلوا إلى إيقاعها، أعني الجملة من الابتداء والخبر، موقع الجملة من الفعل والفاعل بأن أولوها حرفًا عاطفًا في الأصل يشارك الواو وغيرها من العواطف في العطف، وينفرد عنها بمعنى يخصه وهو التعقيب، وهو كون الثاني عقيب الأول أي بعده بلا مهلة، وذلك الحرف هو الفاء، فتجردت من العطف هنا، إذ كان الجزاء لا يصح عطفه على شرطه فأخلصت للمعنى المختص بها؛ وهو التعقيب، لأن الجزاء هذا حكمه مع الشرط، إذ كان يليه إذا وقع بلا مهلة ولا فسحة في الزمان ولا متنفس، فقالوا: إن تذهب فإني ذاهب، وإن أطعت فلك الثواب.
ولهذا التجريد للحرف وإفراده بالمعنى الخاص به في بعض المواضع، لئلا تنتقص الأوضاع ويفسد المعنى مع الاتساع، نظائر كثيرة في كلامهم تبسط في المبسوطات من كتب الصناعة لضيق المختصرات عنها.
ولهذا التوصل أيضًا نظائر واسعة كثيرة جدًا، منها "الذي" وأخواته من الكلم الموصولة، عللت النحاة المجيء بها في الكلام أنها وصلة إلى وصف المعارف بالجمل، إذ كانت الصفة وفق الموصوف في التعريف والتنكير، وقد آثروا وصف المعرفة بالجملة كما وصفوها بالمفرد
[ ٢١٧ ]
وأن يجمعوا لها ما جمعوا للنكرة من الوصف بالمفرد والجملة، فصدهم ما يعرض من التناقض عن أن يقولوا: مررت بزيدٍ أبوه منطلق، فتواصلوا إلى ذلك بالمجيء بالموصولات التي وصف بها، وجعلوا الجمل صلاتٍ لها وأجروها على المعارف أوصافًا فقالوا: مررت بزيدٍ الذي قام أبوه وببكر الذي أبوه قائم وبمحمد الذي في الدار وبعمرو الذي إن أكرمته أكرمك، وكذا سائر الجمل التي وقعت أوصافًا للنكرات بغير وصلة، توصف بها المعارف بالوصلة التي هي الاسم الموصول.
وكذا توصلهم إلى نداء ما فيه الألف واللام بـ "أي" في قولك: يا أيها الرجل.
والوصل كثيرة، وموضع الفاء وما بعدها من الابتداء والخبر جزمٌ لأنها وقعت موقع مجزوم؛ ويدلك على ذلك أنهم إن عطفوا عليها فعلًا مستقبلًا ظهر الجزم يه كقولهم: إن تقم فزيدٌ قائمٌ ويقم عمرو، وعليه (١) قراءة من قرأ ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦] (٢) بجزم "يَذَرُهُم" ومن ذلك إذا في نحو قوله تعالى ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] (٣) فإذا وما بعدها جواب قوله: " تُصِبْهُمْ" وتقديره يقنطوا، وقال النحويون (٤) معناه قنطوا، والتحقيق
_________________
(١) في (ج): وعلى هذا.
(٢) الأعراف ٧: ١٨٦ ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يعمهون: يتحيرون. قرأ بهذه القراءة حمزة والكسائي. التيسير في القراءات السبع: ١١٥ الموسوعة القرآنية ٤: ٥٠٩.
(٣) الروم ٣٠: ٣٦ ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾.
(٤) انظر الكتاب ١: ٤٣٥.
[ ٢١٨ ]
أن يقدر بمستقبلٍ، لأن الشرط وجزاءه مستقبلان، فإن لم يظهر فيهما لفظ الاستقبال قدرًا به.
وإنما وقعت "إذا" جوابًا للشرط لما فيها من معنى المفاجأة، كما وقعت الفاء وما بعدها جوابًا للتعقيب الذي فيها، ولأن "إذا" وما بعدها كأنها واقعة موقع الفاء وما بعدها، فكان قوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ في موضع "فهم يقنطون"، وقوله: "فهم يقنطون" في موضع يقنطوا أو قنطوا، على ما فسروه، وهو تفسير من طريق المعنى.
والجواب بـ "إذا" أقل في استعمالها من الجواب بـ "الفاء"؛ ولهذا لم يذكره كثير من النحويين في أجوبة الشرط كما ذكروا الفاء في الجواب.
وعلى الجملة فالشرط وجوابه لا يخلوان من طريق الأفعال وقسمتها من أن يكونا فعلين مستقبلين؛ وذلك هو الأصل في الباب، لأن المعنى الذي وضع الشرط، عليه لا يكون إلا بالاستقبال، ولا يصح إلا به، وإذا كانا كذلك كانا مجزومي اللفظ، أو يكونا ماضيي اللفظ؛ فيحكم على معناهما بأنه مخالف للفظهما، وأنهما مستقبلان من طريق المعنى، ويُحكم على موضعهما بالجزم وأنهما متوسعٌ بإيقاعهما بلفظ المضي موضع المستقبل لغرضٍ صحيح ولفهم المعنى وعدم التباس الأفعال بعضها ببعض إذا قلت: إن قمت قمت، يدلك على أن المعنى إن تقم أقم، وأن الماضي هاهنا غير باقٍ على أصله، وأنه خارج (١) إلى معنى المستقبل بوقوعه موقعه أنك لو قرنت به زمنًا ماضيًا – أعني ظرفًا معناه المضي، وأعملته فيه – كان
_________________
(١) في (ج): خارج به.
[ ٢١٩ ]
مستحيلًا؛ كقولك: إن قام زيدٌ أمس قام عمرو أول من أمس، أو قام عمرو غدًا؛ وإن قام عمرو غدًا قام محمدٌ أمس؛ كل ذلك محال لإقرار الماضي من الفعلين على أصله. بل إذا أعملتهما في ظرفين مستقبلين، كان الكلام مستقيمًا حسنًا؛ كقولك: إن قام زيدٌ غدًا قام عمرو بعد غدٍ.
وهكذا ينبغي أن تكون أزمنة الشرط وجزاؤه مستقبلاتٍ، ويكون (١) الجزاء أقعد في الاستقبال من شرطه، لأنه يتجدد بعده، وهو علة وسبب والجزاء معلٌ ومسببٌ، ولا مرية في تقديم السبب على مسببه زمانًا ورتبة.
أو يكون الأول ماضيًا في اللفظ والثاني مستقبلًا، وذلك جائز حسنٌ مستعملٌ في الاختيار وحال السعة كثيرًا كقولك: إن ذهب محمدٌ يذهب بكرٌ، وعكسه غير جائز عند الأكثرين (٢) منهم في الاختيار والسعة لأن الجزاء أقعد (٣) في الاستقبال من الشرط، فاستقبحوا أن يجيء الشرط على الأصل الذي يستحقه من لفظ الاستقبال ومعناه، ويجيء الجزاء على لفظ المضي، وهو أحق بالاستقبال لفظًا ومعنى (٤) كقولك إن يقم عمرو قام زيدٌ؛ ومجيئه أيضًا في الشعر عزيزٌ كقوله:
(إن ينل رمحي الغداة حبيبًا نال رمح الحصين كبشًا سمينًا) (٥)
_________________
(١) (ج): وتكون أزمنة الجزاء أقعد، وفي (آ): أبعد.
(٢) أجازه المبرد، انظر المقتضب ٢: ٥٩.
(٣) حاشية (آ) في نسخة: أبعد.
(٤) في (ب): أو معنى.
(٥) لم أعثر على هذا الشاهد في المصادر التي بين يدي.
[ ٢٢٠ ]
والشرط أبدًا لا يكون إلا بالفعل، ولا يقوم مقامه غيره، كما قام مقام الجزاء غيره من الفاء وما بعدها وإذا ما بعدها.
ولأن الشرط متحقق بالفعل حُمل الاسم إذا وقع بعد حرف الشرط عليه أي على الفعل فرفع به مضمرًا، مفسرًا بما بعد الاسم، ولم يرفع الاسم بالابتداء في محقق الأقوال (١) وذلك في نحو: إن زيدٌ جاء فأكرمه وهو مرفوع بـ"جاء" أخرى مضمرةً يفسرها ما بعد الاسم وعليه حملوا قوله تعالى ﴿إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ (٢) [النساء: ١٧٦] أي إن هلك امرؤ، وكذا ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ (٣) [الانشقاق: ١] أي إذا انشقت السماء.
وربما حُذف الشرط لدلالة غيره عليه كقوله:
(فطلقها فلست لها بأهلٍ وإلا يعل مفرقك الحسام) (٤)
أي وإلا تطلقها يعل.
_________________
(١) يرتفع عند الكوفيين بما عاد إليه من الفعل من غير تقدير فعل ويجوز أبو الحسن الأخفش الرفع بعد "إذا" الزمانية بالابتداء. انظر الكتاب ١: ٤٥٨، الإنصاف ٢: ٦١٥.
(٢) ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ﴾ [النساء ٤: ١٧٥] الكلالة: الميت ليس له ولد ولا والد.
(٣) الانشقاق ٨٤: ١.
(٤) الشاهد للأحوص الانصاري (٠٠ – ١٠٥/ ٧٢٣) كان يهوى أخت امرأته ويكتم حبه وينسب بها ولا يفصح باسمها إلى أن تزوجها مطر وبلغه ذلك، فقال يهجوه أبياتًا هذا منها. طبقات فحول الشعراء: ٥٤٢، أمالي ابن الشجري ١/ ٣٤١، اللسان (حرف الألف اللينة، مالا) أوضح المسالك ٢: ١٩٦، الخزانة ٢: ١٦. والرواية فيها كلها: فلست لها بكفء.
[ ٢٢١ ]
وكذا يحذف الجزاء لدلالة غيره عليه، كقولك: أقوم إن قمت وأنا ظالمٌ إن فعلت، والتقدير: إن فعلت فأنا ظالم؛ ولا يكون هذا إلا والشرط ماضي اللفظ ولا يكون وقد ظهر الجزم فيه، وهو أن يكون مستقبلًا، قال بعض المتأخرين لأنك أرهفت عامل الشرط غاية الإرهاف فلم يجز ألا تعمله في الجزاء.
فهذه أصول الشرط وأكثر فروعه قد أثبتت فاعرفها.
[ ٢٢٢ ]
فصل