قال صاحب المختصر (١): اعلم أن الواحد من الاسم والفعل والحرف يسمى كلمة، فإذا ائتلف منها اثنان فأفادا نحو: خرج زيد، سمي كلامًا، وسمي جملة.
الفصل: اعلم أن الأمر على ما ذكر، وقد تبين (٢) في أول هذا الكتاب أن الواحد من هذه الأنواع الثلاثة يسمى كلمةً؛ وهي الجزء الواحد؛ والائتلاف المفيد منها - إذا ألفت - يسمى كلامًا عند النحويين، وجملة؛ والجملة كل لفظ أفاد السامع فائدةً يحسنُ سكوت المتكلم عندها؛ وإن شئت قلت: كل لفظ يدل جزؤه على الجزء من معناه مع إفادته فائدة حسنة يحسن الاقتصار عليها؛ وقد بين في أول هذا التعليق الائتلافُ وما يفيد منه وما لا يفيد، وعدة الجميه.
واعلم أن الأصل الجملة الاستقلالُ بنفسها، والمفرد ليس كذلك؛ إلا أنها قد تقع موقعة في بعض الاستعمال فتكون كغير المستقل، ويحكم عليها بإعراب في موضعها بحسب إعراب المفرد الذي وقعت موقعه؛ وتلك المواضع محصورة، وهي ستة:
خبر المبتدأ كقوله: زيد خرج أبوه؛ فقولك: خرج أبوه، في
_________________
(١) انظر الجمل ١٩: ٢
(٢) في (ج): بين.
[ ٣٤٠ ]
موضع "خارجٌ" مثلًا من قولك: زيد خارج، فتقولُ: هذه الجملة في موضع رفع، أي المفرد وقعت يستحق الرفع، فهذه الجملة لا تكون إلا مرفوعة الموضع، حسبُ، لأن خبر المبتدأ لا يكون إلا مرفوعًا.
والثانية خبر "كان وأخواتها" إذا قلت: كان زيد أبوه منطلقٌ؛ فقولك: "أبوه منطلق" جملة في موضع نصب، لأنها وقعت موقع مفرد، إعرابه النصب كأنك قلت: منطلقًا، أو منطلق الأب، أو منطلقًا أبوه، وهذه لا تكون إلا منصوبة الموضع، لأن خبر كان لأي كون إلا منصوبًا.
والثالثة الواقعة خبرًا لـ "إن" وأخواتها كقولك: إن عمرًا قام أبوه، فقولك "قام أبوه" جملةٌ في موضع رفع، لأن المفرد الذي وقعت موقعه مرفوع، كأنك قلت: إن زيدًا قائم، أو قائمُ الأب؛ وهذه أيضًا لا تكون إلا مرفوعة الموضع، لا غير، لأن خبر "إنّ" لا يكون إلا مرفوعًا.
الرابعة: الجملة الواقعة في موضع المفعول الثاني لـ "ظننتُ" وأخواتها، إذا قلت: ظننتُ زيدًا وجهُه حسنٌ، فقولك: "وجهُه حسن" جملة في موضع نصب، لأن المفرد الذي وقعت موقعه منصوب وهو الثاني من مفعولي "ظننتُ وأخواتها" فكأنك قلت: ظننت زيدًا حسنَ الوجه، أو حسنًا وجهُه؛ وهذه الجملة أيضًا لا تكون إلا منصوبة الموضع لا غير، لأن مفعولي ظننت لا يكونان إلا (منصوبين ..
[ ٣٤١ ]
الخامسة: الجملة الواقعة وصفًا للنكرة، كقولك: ربَّ رجلٍ قام أبوه، فهذه الجملة إذا وقعت وصفًا لم تُقتَر على أعراب دون إعراب، لأن الموصوف بها قد يكون مرفوعًا، فتكون في موضع رفع؛ كقولك: هذا رجل أبوه منطلق؛ وقد يكون منصوبًا، فتكونُ في موضع نصب كقولك: رأيت رجلًا أبوه منطلق، وقد يكون مجرورًا كما مُثٍّل، فتكون في موضع جر كقولك (١): مررت برجل أبوه منطلق؛ وكل ذاك (٢) لأن الصفة تابعة للموصوف في إعرابه؛ فالمفرد الذي وقعت الجملة موقعه في الوصف لا يقصرُ (٣) على إعراب مخصوص، فكان حكم الجملة حكمَه.
السادس (٤) من مواضع الجملة وقوعها موقع الحال؛ كقولك: جاءني (٥) زيد تُقاد الجنائبُ بين يديه، فهذه الجمل منصوبةُ الموضع، مقصورةٌ على النصب (دون غيره من ضروب الإعراب) (٦) لأن المفرد الذي وقعت موقعه – في الحال –
_________________
(١) ما بين قوسين، ساقط من (ب).
(٢) في (ج): فكل ذلك.
(٣) في (ج): لا يقصر على إعراب دون إعراب بل يتبع موصوفه، والجملة الواقعة موقعة حكمها حكمه.
(٤) في (ج): السادسة: الجملة الواقعة موقع الحال.
(٥) في (ج): جاء.
(٦) ما بين قوسين ساقط من (ج)
[ ٣٤٢ ]
لا يكون إلا منصوبًا، فكأنك قلت في المثالِ الذي وقعت فيه: جاءني (١) زيد مقودة بين يديه الجنائب، أو مقودة الجنائب بين يديه؛ أو كأن قلت في المعنى: جاءني زيدٌ معظمًا مبجلًا.
واعلم أن هذه الجمل التي وقعت مواقع المفرادات، فحكمَ لها بإعرابها في الموضع لا تعرى من ذٍكر يرجعٌ إلى المذكور الذي كان ذلك (٢) المفرد الذي نابت هذه الجملة منابةَ تابعًا له وثانيًا كخبر (٣) المبتدأ مثلًا في قولك: زيدٌ أبوه خارج، فالهاء في قولك: أبوه هي الذكر العائد (٤).
ولو قلت: زيد عمرو منطلق، لم يجز، لتعرى الجملة من الذكر، وقد بين ذلك، وعلى هذا تجري البواقي.
فأما الجملة الحالية فقد تغني الواو التي تسمى واوَ الحال عن الذِكْرِ الراجع منها، وتقوم مقامه، لربطها ما بعدها بما قبلها، فكان ذلك كالذكر الرابط للجملة – التي هو منها – بما قبلها؛ وقد يجمع بين الواو وبينه، والمثال في المسألتين: خرج زد وعمرو قائم، فهذا كلام
_________________
(١) في (ج): وكأنك
(٢) في (آ): له، وفي حاشيته: ذلك.
(٣) في (ج): كقولك مثلًا في خبر المبتدأ.
(٤) يلي ذلك في (ج): وبه ارتبطت الجملة بالمبتدأ فكانت خبرًا عنه.
[ ٣٤٣ ]
أغنت الواو - وهى واو الحال - عن ذكر يعود منه إلى الأول (١)، وتقول: خرج زيد وتحته فرسٌ جزاد؛ فهذا كلام قد جمع الذكر العائد مع الواو، وهو الهاء في قولك: وتحته.
وهذه الجمل الست ذوات المواضع لا خلاف فيما بينهم (٢). وهناك جمل اختلفوا (٣) فيها خلافًا لم يشيع، وهى الجملة الواقعة بعد "حتى" التي تسمى الابتدائية، يعنون التي تقع بعدها الجمل مبتدأ بها كقوله:
(فما زالتِ القتلى تمج دماءها بدِجلة حتى ماءُ دجلة أشكلُ) (٤)
ماء دجلة مبتدأ، وأشكل خبره، فهذه الجملة وما أشبهها من الجمل التي تقع بعد حتى هذه، كقولك: سرحت حتى بكرٌ (٥)
_________________
(١) إلى الأول: ساقطة من (آ) و(د).
(٢) في (ج): لا خلاف بينهم فيها.
(٣) في (ج): اختلف.
(٤) الأشكل: البياض تخالطه حمرة. الشاهد من قصيدة لجرير يهجو فيها الأخطل ويذكر ما أوقعه الجحاف ابن حكيم السلمي (٠٠ - ٩٠/ ٧٠٩) ببني تغلب. الديوان: ٤٥٧، حماسة أبى تمام ١: ٢٤٦، الأزهية: ٢٢٥، أسرار العربية: ٢٦٧، شرح المفصل ٨: ١٨، اللسان (شكل، حتت) مغنى اللبيب ١: ١٣٧ الخزانة ٤: ١٤٣. والرواية في الديوان: وما زالت القتلى تمور دماؤها.
(٥) في (ج): زيد.
[ ٣٤٤ ]
مسرح؛ أكثر الناس لا يحكم لها بموضع: لأنها (١) عنده غيرُ الجارة، بل هي قسم آخر من أقسامها كما أن العاطفة قسم آخرُ، إذ (٢) العاطف لا يعمل عملًا مخصوصًا عند من يعمله؛ ويقول: لم تقع هذه الجملة موقع مفرد فيحكم لها بإعرابه كما جرى الحكم فلا غيرها؛ وذهب الزجاج إبراهيم بنُ السري إلى أن هذه الجملة في موضع جر بحتي، ورد عليه أبو على الفارسي قوله هذا في كتابه الذي سماه الأغفال (٣) بكلام (٤) أطال فيه الاحتجاج، وقال: إن هذا يقتضى تعليق حرفِ الجر، وحروف الجر لا تعلق، يريد لا تمنع العمل في اللفظ بما يحول بينها وبين التأثير في مجرورها حتى يحكم لها بالعمل في المواضع.
والتعليق المذكور هاهنا هو التعليق المذكور في باب "ظننت" وأخواتها لا تعليقُ الجار بالفعل، لأن هذا هو الأصل في المجيء بحروف الجر ووضعها في اللغة؛ فاعرفه واعرف (٥) أن هذا التعليق على هذا لفظٌ مشترك في اصطلاحات النحويين.
_________________
(١) في (ج): لأن حتى هذه عنده غير الجاره.
(٢) في (ج): لأن.
(٣) هذا الكتاب رد على الزجاج في كتابه "إعراب القرآن" وله اسم آخر وهو "المسائل المصححة على الزجاج".
(٤) تنتهي النسخة (د) عند هذه الكلمة.
(٥) في (ج): وأعرف أن التعليق لفظ مشترك.
[ ٣٤٥ ]
وممن وافق الزجاج فيما ذهب إليه في (١) هذه المسألة أبو محمد بن درستويه (٢) وبخلافهما نقول.
فهذا (٣) آخر ما تيسر إملاؤه من التعليق على المختصر الموسومِ بالجمل لعبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني ﵀ ورضي عنه وعن الدنيا وعن جميع المسلمين آمين.
الحمد لله حق حمده، حمدًا يوافي نعمه ويكافي مزيده، وصلواته وسلامه على سيدنا محمد خير خلقه وعلى آله وصحبه.
_________________
(١) في (ج): فيما ذهب إليه في هذه الجملة من أنها ذات موضع أبو محمد بن درستويه، رحمهما الله.
(٢) عبد الله بن جعفر بن محمد بن درستويه بن المرزبان (٢٥٨/ ٨٧١ - ٣٤٧/ ٩٥٨) أبو محمد، من علماء اللغة، فارسي الأصل. طبقات النحويين واللغويين: ٨٥، نزهة الألبا: ٣٥٦، بغية الوعاة ٢: ٣٦.
(٣) في "ب": قال الشيخ - أسعده الله بطاعته -: فهذا آخر ما تيسر إملاؤه من التعليق على المختصر الموسوم بالجمل لعبد القاهر الجرجاني، رحمة الله عليه تعالى. آخر الكتاب، والحمد لله رب العالمين. وفي "ج": فهذا آخر ما تيسر إملاؤه من هذا التعليق على المختصر الموسوم بالجمل لعبد القاهر الجرجاني، ﵀، والحمد لله رب العالمين وصلواته على الأكرمين محمد وآله الطاهرين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
[ ٣٤٦ ]