فصل
من الأفعال أفعال تستعمل استعمال الأدوات؛ والأدوات هي الحروف، وتختص بأحكام تنفرد بها عن جمهور الأفعال، فلابد من تبيينها، فمن ذلك «كان» وأخواتها.
الفصل: هذه الأفعال تشترك في العمل؛ وهو رفع الاسم ونصب الخبر، وأسماؤها مشبهة بالفاعلين، وأخبارها مشبهة بالمفعولين تشبيهًا لفظيًا؛ والفرق بينها وبين بقية الأفعال أن هذه تدل على أزمنة مجردة من الأحداث، والأفعال موضوعة الدلالة على الأحداث وعلى أزمنتها المعينة؛ ألا ترى أنك إذا قلت: ضرب زيد عمرًا -دل لفظ ضرب على الحركة المسماة ضربًا، وهي الحدث، وعلى زمانها؛ وهو الماضي، وإذا قلت: كان زيد قائمًا دلت كان على أن قيام زيد وقع في زمن ماضٍ، ولهذا لزم كان وأخواتها من الأفعال النواقص منصوبها ولم يلزم «ضرب» وأشباهه منصوبه، لأن منصوب كان متنزل منزلة الحدث وقائم مقامه.
ومن الفرق بين كان وبقية الأفعال أن منصوبات الأفعال غير مرفوعاتها في المعنى، ومنصوبات «كان» وأخواتها هي مرفوعاتها في المعنى، لأن معموليها
[ ١٢٤ ]
-وهما اسمها المرفوع وخبرها المنصوب- هما مبتدأ وخبر في الأصل، والمبتدأ إذا كان خبره مفردًا فهو هو في المعنى أو متنزل منزلته (١)، ولافتقار هذه الأفعال -أعني كان وأخواتها- إلى الأخبار سميت ناقصة.
ومنها ما يلزمه النقص حتى لا يستعمل تامًا بتة، وذلك ما زال وما فتئ وليس، وظل.
ومنها ما يستعمل تارة تامًا كسائر الأفعال، وتارة ناقصًا، وذلك ما عدا الأفعال المعدودة المقصورة على استعمال النقص. ألا ترى أنك تقول: كان زيدٌ قائما، فتجدها مفتقرة إلى الخبر، فهذه ناقصة، وتقول: كان الأمر -أي وقع- فتجدها تامة مستغنية عن منصوب كاستغناء وقع عنه، وهذه التامة تؤكد بالمصدر إن شئت فتقول: كان الأمر كونًا، كما تقول: وقع وقوعًا ولا تقول في الأولى: كان زيدٌ قائما كونًا، لأن تلك، أعني الناقصة، خلعت منها الدلالة على الحدث، وقام منصوبها مقامه، فلم يجز تأكيد هابه، والثانية دالة عليه ومتضمنته تضمن غيرها من توامّ الأفعال، فأكدت به تأكيد غيرها مما يصح تأكيده بالمصدر، ولو رمت مثل هذا في «ليس «لم يجز، لو قلت ليس زيدٌ وسكت على المرفوع دون المنصوب لم يكن كلامًا في شيء من الاستعمال حتى تتبع مرفوعها بمنصوب، فتقول ذاهبًا أو خارجًا أو ما جرى هذا المجرى.
وكذلك ما زال، لا تقول ما زال زيد، وتقتصر حتى تتبعه الخبر.
فأما قولهم: ما زال، وهم يريدون ما انتقل، فليست المستعملة في باب «كان»، بل هي لفظة أخرى موافقة لها في ظاهر الصورة مخالفة لها في الأصل، لأن تلك إذا أسندتها إلى نفسك قلت فيها: ما زلت أفعل كذا، فكسرت
_________________
(١) في (ب): تنزيله.
[ ١٢٥ ]
الزاي، وهذه إذا أسندتها إلى ضميرك قلت: ما زُلْت من مكاني أي ما انتقلت، فضممت الزاي، وتقول في مضارع تلك: أزال، وفي مضارع هذه «أزول»، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ﴾ [المائدة: ١٣] (١) وقال في الأخرى ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦] (٢) فهما لهذا أصلان مختلفان.
وأعلم أن «ليس» فعل جامد غير متصرف، ولجمودها (٣) ذهب قوم إلى أنها حرف، وإنما جمدت لأن لفظتها لفظ المضي، ومعناها نفي الحال، فلم يتكلف لها بناء آخر، إذ لا فائدة في ذلك، فاستعملت على لفظ واحد، ولأنها خالفت بقية الأفعال في أنها وضعت سالبة للمعنى، والأفعال ليس من أصلها أن توضع لسلب المعنى، إنما توضع لإيجابه، فتنزلت في هذا الحكم منزلة الحرف فجمدت ولم تتصرف.
والدليل على أنها فعل اتصال الضمائر المرفوعات بها كاتصالها ببقية الأفعال، وذلك قولك لستُ ولستَ ولستِ ولَسْنا ولستما ولَسْتُم ولستُن وليسا وليسوا ولَسْنَ فهذا كما تقول: قمتُ وقمتَ وقمتِ وقمنا وقمتما وقمتم وقمتُن وقاما وقاموا وقُمْنَ وكنتُ وكنتَ وكنتِ وكنا وكنتما وكنتم وكنتُن، وبقية التصاريف على هذا.
_________________
(١) [المائدة: ١٣]: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
(٢) [إبراهيم: ٤٦]: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾.
(٣) في اللسان (ليس) قال ابن سيدة: ليس من حروف الاستثناء، وقال الخليل: أصله لا أيس، وقال ابن كيان: ليس، من حروف الجحد، وقال ابن سيدة: كلمة نفي وهي فعل ماض. وفي مغني اللبيب ١: ٢٩٣، زعم ابن السراج أن ليس حرف بمعنى «ما» وتابعه الفارسي في الحلبيات.
[ ١٢٦ ]
وأصلها في الوزن لَيِسَ على فَعِلَ كصَيِدَ البعير من الصاد، وهو داء يأخذه في عنقه تميل منه، ويسمى الصَيَد أيضا: ويقال منه: صَيْدَ البعير أيضًا مسكنًا تخفيفًا، لكنه لا يلزمه السكون كما لزم «ليس» لتصرفه وجمودها وكلاهما أَسْكن إسكان اللام في «عَلِمَ» إذا قلت قد عَلْمَ، ولولا إلزام ياء «ليس» السكون حتى صارت في حكم ياء «ليت» لوجب في حكم التصريف قلبها ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فكان اللفظ بها يصير «لاس» كما تقول: هاب في الماضي من لفظ (١) الهيبة.
وإنما حكم عليها بهذا الوزن دون غيره، لأنه لم يخل أن تحمل عليه أو على «فَعَلَ» أو على «فَعُلَ»، وهذه هي صيغ الماضي من الثلاثي، التي لا يبنى ماضٍ من الأفعال إلا عليها، فلا يجوز أن تكون على «فَعَلَ»، لأن المفتوح لا يخفف فيَسكن، وإنما يُسكن المثالان الآخران تخفيفًا، فهم يقولون في كَتِف كِتْف وفي رَجُلٍ رَجْل، ولا يقولون في جَمَلٍ جَمْلٌ، وإن جاء تخفيف المفتوح فقليلٌ، في الشعر (٢).
ولا يكون أصلها «فَعُلَ» لأن عينها ياء «وليس فيما عينه من الأفعال ياء ما بني على «فَعُلَ» بضم العين، وإذا بطل أن تكون «فَعَلَ» أو «فَعُلَ» بقى أن تكون فَعِلَ بكسر العين.
_________________
(١) في (ب): من فعل.
(٢) في الشعر: ساقطة من (ب).
[ ١٢٧ ]
فصل