فصل (١): ومما قام فيه الحرف مقام الحركة، النون التي بعد ألف ضمير الاثنين. الفصل.
النون في هذه الأمثلة الخمسة إعراب ثبوتها علامة الرفع، وحذفها علامة الجزم، والنصب محمول عليه في الحذف.
وهذه الأمثلة الخمسة، خاصة، معربات لا حرف إعراب لها، وذلك أنه لا يخلو قولك: يقومان مثلا من أن يكون حرف إعرابه الميم أو الألف أو النون، فلا يكون الميم، لأنها لو كانت حرف إعراب لتحملت حركات الإعراب (٢)، وكونها مفتوحة في الأحوال الثلاث (٣) دليل على بطلان ذلك. ولا يكون الألف لأنها فاعل الفعل، فهي اسم، وحرف الإعراب لا يكون أسمًا، إنما يكون حرفًا من أصل الكلمة المعربة أو مزيدًا عليها متنزلًا تلك المنزلة كتاء التأنيث، وياء النسب وما جرى مجراهما.
ولا يكون النون لأنها هي الإعراب، إذ كان ثبوتها علامة الرفع وحذفها علامة
_________________
(١) انظر الجمل ٣/ ١، وعبارته: ومن قيام الحرف.
(٢) يلي ذلك في (ج): وسكونه، إذ هي حرف صحيح محاذ في الوزن للام الفعل.
(٣) يلي ذلك في (ج): من رفع الفعل ونصبه وجزمه دليل على أنها ليست في هذا المثال بحرف إعراب.
[ ٧٥ ]
الجزم والنصب، فثبت (١) أن "يفعلان" وأخواته معربات لأحرف إعراب لها. وإنما كانت هذه الأمثلة بهذه الصفة لأن حرف الإعراب إنما يفتقر إليه إذا كان الإعراب حركة أو سكونًا.
فأما إذا كان الإعراب حرفًا، فلا حاجة إليه، أي إلى حرف الإعراب، لأن الحركة لابد لها من حرف تقوم به، إذا كانت لا تقوم بنفسها، والحرف لقيامه بنفسه مستغن عن ذلك.
وتنزل الحرف في هذه الأمثلة الخمسة وغيرها مما سنذكره منزلة الحركة وكان إعرابًا كما تكون الحركة إعرابًا، لأن الحركة قد تنزلت في كثير من كلامهم منزلة الحرف، واعتد بها كما يعتد به، فأجري كل واحد منهما مجرى صاحبه. فمما تنزلت فيه الحركة منزلة الحرف المؤنث المعرفة، إذا كان على ثلاثة أحرف وتحرك أوسطه لم يكن فيه إلا منع الصرف، بخلافه إذا سكن أوسطه لأنه بسكون أوسطه يخف فتقاوم خفته أحد سببيه، فيكون لك فيه الصرف وتركه في قول الجمهور منهم، فمن منع الصرف اعتبر وجود السبببين، ومن صرف فلما ذكرنا من مقاومة الخفة أحد السببين، وذلك نحو دعد وهند. وبتحرك أوسطه أشبه ما كان من المؤنث على أربعة أحرف كزينب وسعاد، فلزم فيه ترك الصرف كما لزم في زينب وسعاد وبطل التخيير لوجود ما هو بمنزلة حرف رابع، وذاك هو الحركة.
_________________
(١) في (ج) و(د): فثبت أن يفعلان معرب لا حرف إعراب له، وأخواته من الأمثلة حكمها حكمه، لأن الدليل فيه هو الدليل فيها، وإنما كانت ..
[ ٧٦ ]
ومثال ذلك امرأة سميتها بقدم وفخذ، تمنعها الصرف البتة.
ومن ذلك أنك إذا نسبت إلى اسم على أربعة أحرف، مما في آخره ألف التأنيث، وكان الحرف الثاني منه ساكنًا، فإن لك فيه حذف ألف التأنيث، ولك قلبها واوًا، تقول في حبلى إذا نسبت إليها: حبلي وأن شئت حبلوي وفي سكرى سكري وإن شئت قلت: سكروي.
فإن وقعت ألف التأنيث خامسة حذفت البتة لطول الاسم (١)، تقول في حبارى وجمادي إذا نسبت إليهما حباري (٢) وجمادي البتة ولا تقول: حبار وي ولا جماد وي، فإن تحرك الحرف الثاني مما هو على أربعة أحرف من القسم الأول لم يكن فيه إلا الحذف نحو بشكى وجمزي، تقول في هذا الضرب، إذا نسبت إليه جمزي وبشكي ولا تقول جمزوي ولا بشكوى، كما لم تقل في الخماسي حبار وي، لأن حركة الميم في جمزى تنزلت منزلة الحرف الزائد في عدة حبارى، وهو الذي فضل حبلى في كميتها، فأجري الاسمان في الحذف مجرى واحدًا. ولما ذكرناه نظائر كثيرة في كلامهم.
_________________
(١) يلي ذلك في (ج): ولم يجز الإثبات بالقلب.
(٢) في (ج) و(د): حباري وجمادي لا غير، ولم تقل حباروي ولا جمادوي.
[ ٧٧ ]
والحذف في الأمثلة الخمسة أصل في الجزم، والنصب محمول في الحذف عليه، لأن الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء. فكما أن النصب محمول على الجر في التثنية والجمع، كذلك هو محمول في هذه الأمثلة على الجزم الذي هو نظير الجر.
ومن ذلك الفعل المعتل، الآخر كقولك: يغزو ويرمي ويخشى، تقوم حروف اللين فيه- وهي أصول- مقام الحركة الزائدة، فتحذف كما تحذف لأنها ضعفت بسكونها، فلحقت في الحذف في الجزم، بحكم أبعاضها وهي الحركات كما تعلم، تقول: لم يغز ولم يرم ولم يخش.
فإن رفعت ثبتت هذه الأحرف كلها ساكنة، وكانت حركة الإعراب مقدرة فيها (١) تقول: هو يغزو ويرمي ويخشى، فإن نصبت تحركت الواو والياء بالفتحة، وصحتا، وبقيت الألف ساكنة، إذ لا سبيل إلى حركتها مع بقائها على أصلها، فاستوي لفظًا الرفع والنصب فيما في آخره ألف تقول: لن يرمي ولن يغزو ولن يخشى.
_________________
(١) يلي ذلك في (ج): تقديرها في ياء قاض إذا رفعته أو جررته، تقول ..
[ ٧٨ ]