فصل
ومما أعرب بالحروف، التثنية، والجمع الذي على حدها، وهو جمع الصحة لا التكسير.
فالتثنية في الرفع بالألف والنون المكسورة، وفي الجر والنصب بياء مفتوح ما قبلها، وبعدها النون كقولك الزيدان والزيدين، والجمع الذي على حد التثنية في الرفع بالواو ونون مفتوحة بعدها، وفي الجر والنصب بالياء المكسور ما قبلها، وبعدها النون، كقولك: الزيدون والزيدين.
فالألف في التثنية علامة التثنية ودليل الرفع، وحرف إعراب لا إعراب فيه ولا نية إعراب، بدليل أن الياء في الجر والنصب ساكنة مفتوح ما قبلها، فلو كانت في نية حركة لانقلبت ألفًا، فكانت أجوال المثني في رفعه ونصبه وجره واحدة، وليس الأمر على ذاك إلا في لغة ليست بالفاشية ولا المختارة.
فإذا لم تكن في الياء حركة ولا نية حركة، فالألف كذلك، هذا مذهب سيبويه ومن قال بقوله من النحويين، ولهذا عوضت التثنية والجمع الذي على حدها من الحركة والتنوين النون، لأن ألف التثنية وباءها، وواو الجمع وياءه، مجراها واحد في كونها حروف إعراب لا حركة فيها ظاهرة ولا مقدرة.
وهي، أعني ألف التثنية، علامة لها، كما كانت التاء في قائمة، والياء في عمري
[ ٦١ ]
علامتي التأنيث والنسب، وهي دليل الرفع، وإنما جعلت لرفع التثنية لأن التثنية أول الجمع، فهي أسبق، والرفع ألزم أحوال الكلمة لها وأهمها، فأعطيت التثنية في الرفع الألف لكونها أخف، إذ كانت التثنية أكثر استعمالا من الجمع الصحيح، بدليل أن كل اسم جاز جمعه مصححًا جازت تثنيته، وليس كل اسم مثني يجمع الجمع الصحيح.
فلما كانت التثنية أكثر خصوها بالألف في الرفع، وهي الحرف الأخف، ليكثر في كلامهم ما يستخفون، ثم جعلوا الواو في الجمع علامة لرفعه لأن الضمة من الواو، فبقي جره التثنية ونصبها وجره الجمع ونصبه فاشترك الكل في الياء، إذ لم يبق من حروف العلة سواها، إلا أنها للجر يحق الأصل فيهما والنصب محمول على الجر فيهما للمناسبة بينهما، وذاك أن الكسرة إلى الفتحة أقرب من الضمة إليها والمنصوب أشبه بالمجرور منه بالمرفوع لاشتراكهما- أعني المجرور والمنصوب- في كونهما فضلتين غير لازمتين للجمل، بخلاف المرفوع فإنه لا تستغني الجمل عنه ولا تستقل دونه، ولهذا اتفق ضميرهما في مثل قولك: مررت بك وجزتك، إلا أن الياء في التثنية على صورة غير صورتها في الجمع (١) وذلك أنها مفتوح ما قبلها حملًا على ألف التثنية المؤاخينها، إذ كانت الألف لا تكون إلا بعد فتحة، وفي الجمع مكسور ما قبلها حملًا على الواو المؤاخيتها في الجمع، إذ كانت الواو بعد ضمة، فحركة ما قبلها من جنسها كقولك الزيدون، فجعلوا الياء في الجمع بعد كسرة لتكون حركة ما قبلها من
_________________
(١) يلي ذلك في (ج) و(د): وذاك للفرق، وللحمل على الحرف لمصاحبها في الإعراب في كل منها أعني التثنية والجمع، فهي في التثنية مفتوح .
[ ٦٢ ]
جنسها كقولك: بالزيدين لتجري علامتا الجمع على سنن واحد في الحكم كما جرت علامتا التثنية على ذاك.
وتشتمل الواو في الجمع على معان، منها أنها علامة الجمع، وحرف الإعراب، ودليل الرفع، وعلامة التذكير والعقل، إذ كان هذا الجمع في الأغلب إنما يكون للمذكرين العاقلين، تمييزًا لهم وتفضيلًا، لئلا تبتذل أسماءهم وتنتهك بالتكسير، وأن كسرت في بعض الاستعمال فلأنها أسماء كغيرها مما كسر.
وأعلم أن قولهم: أن الواو علامة التذكير تجوز، لأن التذكير لا يحتاج إلى علامة، إذ كان هو الأصل، والأصول مستغنية بالأوضاع الأول عن العلامات الطارئة للفرق، وإنما ذاك أمر بابه الفروع. ولكن لما كانت الواو مختصة بهذا الجمع دون غيره، وكان باب هذا الجمع أن يكون للمذكرين العاقلين في الأصل صارت لاختصاصها به كالعلامة الدالة على التذكير.
وغير هذه الأسماء في هذا الجمع محمول عليها، وعلى صفاتها، كأسماء العقود من العشرين إلى التسعين إذا قلت: عشرون في الرفع وعشرين في الجر والنصب، وكذلك ثلاثون وثلاثين والبواقي.
وكذا الأسماء المؤنثات المحذوفات اللامات كبرة وثبة وقلة وسنة (١)، إذا قلتك برون وبرين وثبون وثبين وقلون وقلين، وسنون وسنين، جبروا هذه الأسماء لما لزمها الحذف بأن جمعوها جمع أشرف الأسماء فصححوها.
_________________
(١) يلي ذلك في (ج): وعزة، مما عوض من حذف لامه إن جمع هذا الجمع كقولك يرون .. البرة: الحلقة تكون من سوار أو قرط، أو خلخال أو ما أشبهها، ثبة: العصبة من الفرسان قلة: خشبة يلعب بها الصبية. .
[ ٦٣ ]
فإن كسر منها شيء، مع ذاك، أعني التصحيح، كالبرى في جمع البرة، فلأن التكسير بابها، ولأن ما حملت عليه قد جاء في جمعه الأمران: الصحة والتكسير، فلا يستنكرون ذلك فيها، وربما جاء ذلك فيما لم تحذف لامه، مما لا نطيل بذكره وتعليله هذا المختصر. وكذا حملوا على صفاتهم، أعني العاقلين المذكرين إذا قلت: المسلمون والمسلمين والضاربون والضاربين حين تقول بالقوم الضاربين، صفات لأسماء ليست عندهم لما يعقل، أجريت مجرى العاقلين في إسناد الأفعال التي لا تقع إلا من مميز إليهم وذلك كإسناد السجود إلى النجوم في قوله ﷿ ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (١) فقال ساجدين، ولم يقل ساجدات كما قال رأيتهم ولم يقل رأيتها ولا رأيتهن.
فهذا الجمع نظير إسناد الفعل إليها في الآية الأخرى، وهي قوله ﷿ "كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ" (٢)، ولم يقل يسبحن، وعلى هذا الاستعمال قال الشاعر:
( إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا) (٣)
_________________
(١) [يوسف ١٢: ٤] ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾.
(٢) [الأنبياء ٢١: ٣٣] ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.
(٣) قائلة النابغة الجعدي "قيس بن عبد الله" (.. - نحو ٥٠/ ٦٧٠). تصوبوا: انحدروا، تمززتها: شربتها قليلًا قليلًا. الديوان: ١٠، الكتاب ١/ ٢٤٠ مجاز القرآن ٢: ٨٣ و٩٣ وصدره فيه: شربت إذا ما الديك يدعوا صباحه. العمدة ٢: ٢٨٢، والصحاح واللسان والتاج (تعش) وصدره فيها: تمززتها والديك يدعو صباحه. شرح المفصل ١: ٧٠٠، مغني اللبيب ١: ٤٠٤ وصدره فيه: شربت بها والديك يدعو صباحه. الشاهد فيه تذكيره الفعل المسند إلى بنات نعش لإخباره عنها بالدنو والتصوب كما يخبر عن الآدميين. وصف النابغة خمرًا باكرها بالشرب عند صياح الديك ودنو بنات تعش للغروب.
[ ٦٤ ]
لما كان الدنو والتصوب إنما يكون في الأغلب من قاصد، والقصد إنما يكون من مميز، وقد أخبر به عن هذه النجوم، إلى ما انضم إلى ذاك من لزومها، - فيما يشاهدونه- لدوائر أبدية الظهور، عدل عن التأنيث إلى التذكير، فقال دنوا ولم يقل: دنت، وتصوبوا ولم يقل: تصوبت، كما قال: بنو ولم يقل: بنات، وكذا لم يقل: دنون فتصوبن.
وحكم الياء في الجمع حكم الواو في اشتمالها على هذه المعاني، إلا أنها للجر والنصب، والواو للرفع.
فأما النونان في التثنية والجمع فعوض من الحركة والتنوين اللذين يستحقهما الاسم في الأصل، ثم صارتا بعد من خصائص التثنية (١)، ولهذا لحقت المثني من (٢) المبني وليس في واحده حركة ولا تنوين كقولك: هذان وهذين واللذان واللذين، ولحقت مثنى المقصور في قولك: عصوان وعصوين، ولا حركة في واحده ومالا ينصرف في قولك: أحمدان، ولا تنوين في واحده، حتى حمل ذلك طائفة من النحويين على أن جعلوا للنون أحكامًا مختلفة، فقالوا: هي في موضع عوض من الحركة والتنوين، وذلك قولك: رجلان، وفي موضع عوض من الحركة وحدها، وذلك في قولك: الرجلان، وفي موضع عوض من التنوين وحده، وهو قولك فتيان.
وفساد هذا التفصيل والتمثيل ظاهر لمن أنس بمقاييس العربية، والقول هو الأول، لأنه لا حاجة داعية إلى القول بهذا من اختلاف حكم الحرف. والذي
_________________
(١) يلي ذلك في (ج) و(د): والجمع في القول المعمول عليه.
(٢) في (ج): في المبني.
[ ٦٥ ]
يدل على كونها عوضًا من الحركة ثبوتها حيث تثبت الحركة، وذلك في قولك: الرجلان والقائمون، وعلى كونها عوضًا من التنوين حذفها حيث تحذف، كقولك: صاحبًا أخيك ومسلمو زيد.
وعلة اختلاف حركتهما- أعني نون التثنية- حيث كسرت، ونون الجمع حيث فتحت- أن التثنية أسبق، وحرف التثنية ساكن ونونها ساكنة في الأصل، فكسروها على ما يجري عليه الحكم في الأكثر إذا التقى ساكنان، وهو الكسرة، ثم راموا المخالفة بين نون الجمع وبينها والفرق ففتحوا نون الجمع لما حركوها، مع ما انضم إلى الفرق بينهما من التعديل، وذلك أن الألف في التثنية حرف خفيف والكسرة ثقيلة والواو في الجمع حرف ثقيل والفتحة خفيفة، فقرنوا بين ثقيل وخفيف في ذا وفي ذا لتقع المعادلة.
[ ٦٦ ]