فصل
والعوامل اللفظية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أفعالٌ وحروفٌ وأسماءٌ.
فالأفعال هي الأصول في العمل لغيرها، والقسمان الآخران فرعان لها، ومحمولان عليها، ومشبهان بها، يدلك على أنها أصل في العمل أنك لا تجد فعلًا غير عامل إلا الأقل النزر، لإخراجه عن أصله لمعنى عرض له كما بينوه.
والأسماء أكثرها غير عامل وهو الأصل، ومنها عامل لشبهه بالفعل وأخذه من لفظه أو نيابته عنه أو غير ذلك مما إذا حقق أصله عاد إليه، وذاك كالاسم العامل عمل الحرف، النائب عن الفعل اختصارًا.
والحروف منها العامل ومنها غيره، وللأفعال عملان: مقدم وهو الرفع ومؤخر وهو النصب، فالرفع تشترك كلها فيه، إذ لابد للفعل من فاعل، فلا يجوز أن يخلو فعل من مرفوع، والنصب لما كان للمفعول وما شبه به، وليس يلزم ذكر هذا القسم كما يلزم ذكر الفاعل.
فالأفعال (١) منها اللازم، فهو لا مفعول له، ومنها المتعدي وذكر مفعوله مع فاعله جائز لا لازم، ولا واجب، فتقول على هذا: الرفع في الأفعال عام والنصب فيها خاص.
_________________
(١) في (ب): والأفعال.
[ ١١٦ ]
وهو، أعني النصب، إما أن يكون لمفعول محض -على ما ذكرنا- وإما أن يكون لمشبه به. فنصب المفعول المحض مختص به بعض الأفعال دون بعض والنصب الثاني تشترك فيه الأفعال كما اشتركت في عملها الرفع.
فكل فعل، لا (١) بد له من اسم يرفعه بأنه فاعله، وصفته أن يكون مسندًا إليه ذلك الفعل مقدمًا عليه، كقولك: ضرب زيد وقام عمرو، فقام وضرب رافعان للاسمين اللذين بعدهما بأنهما فاعلاهما.
وسواء كان الفعل ماضيًا أو غير ماضٍ، موجبًا أو غير موجب فإنه يرفع الاسم متى أسند إليه مقدمًا عليه. ومتى تقدم الاسم على الفعل بطل في حكم العربية أن يكون فاعلًا ورجع إلى حكم المبتدأ، ويصير الفعل بعده رافعًا لضميره، وهو ومرفوعه في موضع خير الاسم، كقولك: زيدٌ خرج، تقديره خرج هو.
ويدلك على أن ثم ضميرًا مرفوعًا مستترًا -هو الفاعل- ظهوره مع المثنى والمجموع كقولك: الزيدان خرجا، والزيدون خرجوا.
ألا ترى أنك لو رفعت قولك: الزيدان بأنه فاعل، وقد ارتفع الضمير الراجع إليهما بأنه فاعل أيضًا كنت قد جعلت للفعل فاعلين مرفوعين به، والفعل لا يرتفع به اسمان فاعلان إلا على جهة الاشتراك بالحرف، كقولك: قام زيدٌ وعمرو وقام الزيدان والعمران وقام الزيدون والعمرون، وكذلك حكم قولك: الزيدون قاموا.
ولا يخلو الفعل من أن يكون لازمًا أو متعديًا، فاللازم ما لزم فاعله ولم ينفذ إلى مفعول كقولك: قام زيد وانطلق بكرٌ وطاب الخبر.
_________________
(١) في (آ) و(ب): فلا.
[ ١١٧ ]
والمتعدي ما تجاوز فاعله فنفذ إلى مفعول فنصبه، كقولك: ضرب: زيد عمرًا وكسا زيد بكرًا جبة وعلم زيد عمرًا عاقلًا وأعلم الله زيدًا عمرًا فاضلًا.
وإنما رفع الفاعل ونصب المفعول للفرق بينهما، وخص الفاعل بالرفع والمفعول بالنصب لأن الفاعل أقوى والمفعول أضعف، والضم أقوى من الفتح، فجعل الأقوى للأقوى والأضعف للأضعف تنبيهًا ومناسبة بين المدلولات وأدلتها، ولأن الفاعل أقل في الكلام، والمفعول أكثر، لأن الفعل إنما يكون له فاعل واحد يرتفع به وقد يكون له مفعولان وثلاثة (١) وأكثر من ذلك على اختلاف أنواع المفعولات، والضم أثقل من الفتح، فجعل الضم الذي هو أثقل للفاعل وهو الأقل، والفتح -وهو الأخف -للمفعول -وهو الأكثر-ليكثر في كلامهم ما يستخفون ويقل ما يستثقلون، ولأن الضم أول الحركات والفاعل هو الأول، فجعل الأول للأول للمشاكلة، والفتح من الألف، والألف من آخر المخارج فهي الطرف الآخر، فكانت أحق بأن تكون خاصة بالمفعول من غيرها، أعني الفتحة.
ويجوز أن يقال: إن مجموع هذه العلل علة لرفع الفاعل، ونصب المفعول، فتكون علة ذات أوصاف فتقول: رفع الفاعل لقوته وقلته وأوليته، ونصب المفعول لكثرته وضعفه وتأخره.
والناصب للمفعول هو الرافع للفاعل وهو الفعل، هذا القول المعمول عليه وما سواه فمدخول.
وحكم الفعل مع المفعول الذي لم يسم فاعله حكمه مع الفاعل، يستند إليه كما يسند إليه، ويرفعه كما يرفعه وينصب ما كان معه من مفعول كما ينصب ذلك مع الفاعل؛ تقول: ضرب زيد وأعطى عمرو درهمًا، وأعلم زيد عمرًا عاقلًا.
وإنما رفع المفعول الذي لم يسم فاعله وكان حقه النصب في الأصل، لأن
_________________
(١) في (ب): وثلاثة وأربعة.
[ ١١٨ ]
الفعل لابد له من اسم يسند إليه ويكون حديثًا عنه؛ وذلك الاسم من شرطه أن يكون مرتفعًا بالفعل.
والفاعل في باب ما لم يسم فاعله قد طوي ذكره، فلا يكون مذكورًا في اللفظ ولا مقدرًا في الفعل وذلك إما لإعظامه أو لاحتقاره أو للجهل به أو غير ذلك مما يقتضي حذفه من الأغراض، فيبقى الفعل بعد حذف فاعله مفتقرًا إليه أو ما يقوم مقامه في إسناده إليه، لأن الحديث لا يكون من غير محدث عنه، ولما كان للمفعول من (١) الفعل حصة وسهم كما للفاعل، بدليل أنه كما لا يصح تجدده إلا من فاعل كذلك لا يصح حفظه إلا بمفعول؛ ألا ترى أن من المحال أن يوجد ضرب وضارب ولا مضروب.
ولهذه العلة وضعت أفعال كثيرة مسندة إلى المفعول، ولا فاعل حقيقيًا لها، كقولك: عنيت بحاجتك وبابه، كما وضعت الأفعال اللوازم للفاعلين ولا مفعول لها (٢)، فكان ذلك اقتصاصًا للمفعول من الفاعل، ومراعاة له، وجبرًا.
فلما أرادوا مع حذف الفاعل إسناد الفعل إلى ما يقوم مقامه كان المفعول الصريح أولى بذلك، فأنابوه منابه ورفعوه بالفعل كما كانوا يرفعون الفاعل به، إلا أنهم غيروا معه صيغة الفعل، تنبيهًا على أن هذا المرتفع بالفعل ليس بفاعل حقيقي بل قائم مقامه.
والتغيير إما أن يتناول فعلًا ماضيًا صحيحًا أو مضارعه، فالماضي يضم أوله، ويكسر ثانيه على أي صيغة كان، بشرط أن يكون ثلاثيًا كقولك: ضرب زيد وحذر عمرو، والمضارع يضم أوله ويفتح ثالثه، كقولك يضرب
_________________
(١) في (د): في.
(٢) في (ج) و(د): معها.
[ ١١٩ ]
خالد ويسمع الكلام، أو فعلًا معتلًا، والمعتل إما أن يكون معتل العين أو معتل اللام، فالمعتل اللام يجري مجرى الصحيح في تغييره كقولك: قضي الأمر وغزي الكفار، ويقضي الأمر، ويغزي الكفار.
والمعتل العين تنقل كسرة ثانية إلى أوله بعد تقرير إسكانه، فيكسر أوله ويسكن ثانية، فإن كان ياء ثبتت وتمكنت، وإن كان واوًا انقلبت ياء كقولك: سِيْر بزيدٍ، والأصل سُيِرَ وقيل الكلام والأصل قُوِلَ، هذه هي اللغة الكثرى الفصحى.
وهناك لغتان أخريان، ليستا في الجودة كهذه، إحداهما أن تشير إلى ضم أول الفعل مع كسره فتنشأ حركة بين الضمة والكسرة، تعلم بالمشافهة، وهي الإشمام (١)، وقد قرئ بها كقوله ﷿ ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود: ٤٤] (٢) والأخرى أن تسلب الثاني حركته، وتقر الأول على ضمته، فإن كان الثاني واوًا ثبتت، وإن كان ياء انقلبت واوًا كقولك في الواو: قول الكلام، وأنشدوا على هذه اللغة:
وقول لا أهل له ولا مال (٣)
وفي الياء سور بزيد أي سِيْرَ به.
_________________
(١) وهو أن تشم الحروف الضمة أو الكسرة، وهو لا يسمع، وإنما يتبين بحركة الشفة.
(٢) [هود: ٤٤] ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
(٣) صلة هذا الشاهد قبله: وابتذلت غضبي وأم الرحال ابتذلت: امتهنت. الرحال: الطنافس الحيرية. ولعله يريد أن مائة من الإبل بما عليها من الطنافس الحيرية احتقرت، وقيل: لا أهل له ولا مال. وهو في المنصف ١: ٢٥٠، المحتسب: ٤١٦، اللسان، وتاج العروس (قول). مع اختلاف كبير في الرواية، ومن الخلاف ضم أم وأهل وفتحهما.
[ ١٢٠ ]
فصل
وإن كان رباعيًا ضممت أوله وأسكنت ثانيه وكسرت ثالثه في الماضي، وإن كان مضارعًا ضممت أوله وفتحت ثانيه كقولك: دحرج يُدحرج وقُلقل يُقلقل، وقولهم: أُخرج يُخرج، وأُكرم يُكرم جار في الأصل على هذا الحكم، إذ كان الأصل في يُخرج يُؤخرج، وفي يُكرم يُؤكرم، وقد أخرجه الشاعر على أصله حين اضطر، فقال:
فإنه أهل لأن يؤكرما (١)
وتقول في مثل انقَطع واقتطع واستقطَع انقُطع به يُنْقَطع، واقتُطِعَ يُقْتَطع واستُقْطِع يسْتَقطع، فقس على هذا.
_________________
(١) ينسب لأبي حيان الفقمسي، (؟) يحذفون الهمزة من مضارع أفعل كأكرم لأنهم استثقلوا وجود همزتين متواليتين في أول الكلمة. وهو في المنصف ١: ٣٧ و١٩٢، ٢: ١٨٤، الأنصاف ١: ١١ أوضح المسالك ٣: ٣٤٦، اللسان (كرم، ضمز، ضرغم)، المقاصد النحوية ٤: ٨٠، ٥٧٨.
[ ١٢١ ]