فصل
قوله (١) اعلم أن الأسماء على ضربين: معرب ومبني، ثم المعرب على ضربين: منصرف وغير منصرف. الفصل.
الأمر على ما ذكر في انقسام الأسماء إلى معرب ومبني، وانقسام الاسم المعرب إلى منصرف وغير منصرف. وقد عرفنا هذه الأقسام فيما سبق (٢) بما يغني عن الإعادة ها هنا، وبينا حكم امتناع التنوين مما لا ينصرف، وأن الجر تابع للتنوين.
فأما انقسام غير المنصرف إلى أحد عشر قسمًا فصحيح كما ذكر، فمنها خمسة لا تنصرف أبدًا وهي: أفعل صفة نحو أحمر وأصفر وإنما قلنا "صفة" لأن أفعل ينقسم قسمين أسمًا ووصفًا، فالاسم نحو أفكل وهي الرعدة، وأيدع، وهو دم الأخوين، والصفة نحو أبيض وأسود وأخلق وأبلق (٣).
فالقسم الأول منصرف البتة، لأنه ليس فيه من العلل التي تمنع الصرف سوى وزن الفعل، ووزن الفعل وحده لا يمنع الصرف.
فإن علقت هذا الاسم علمًا على شخص بعينه منعته الصرف، لما فيه من وزن الفعل، مع ما انضم إليه من تعريف العلمية.
وأما الصفة فلا تنصرف أبدًا، لأنها ما دامت صفة ففيها علتان: وزن الفعل
_________________
(١) أنظر الجمل ورقة ٣: ٢.
(٢) أنظر ص ٣٤.
(٣) الأخلق: الأملس، الأبلق: ما في لونه سواد وبياض.
[ ٧٩ ]
والصفة، فهما ما نعتاها من الصرف. فإن نقلتها من الوصف إلى الاسم بأن تعلقها علمًا عاقب التعريف الصفة، فصار في الاسم أيضًا علتان: وزن الفعل والتعريف، فامتنع أيضًا من الصرف بعد النقل كما امتنع منه قبل النقل.
فإن نكرت هذا الاسم الذي كان وصفًا ثم علقته علمًا منعه (١) سيبويه الصرف بعد تنكيره لأنه يراعي فيه الوصف الذي كان له في الأصل، لأن التنكير أزال التعريف الذي طرأ على الوصف، فعاد الاسم إلى ما كان عليه أو إلى شبيه بما كان عليه.
وصرفه أبو الحسن الأخفش (٢) لأنه بعد التنكير، ليس فيه عنده سوى وزن الفعل فقط. وقوله هذا قياس لولا مراعاة سيبويه استعمال العرب، وهي مسألة خلاف بين الرجلين، وفيها حجاج ربما طال.
وفعلان الذي له فعلى نحو سكران وسكرى وغضبان وغضبى، هذه الصفة وبابها يمتنع من الصرف معرفة ونكرة، فامتناعها من الصرف في التنكير لأنهم أجروا الألف والنون مجرى الألفين في حمراء وصفراء، وذلك لأنهما زائدتان زيدتا معًا كما أن تينك أعني الألفين زائدتان زيدتا معًا، وأن النون تشبه حروف اللين، والهمزة تعتل وتقلب إلى حروف اللين، فالنون على هذا مضارعة لهمزة حمراء مع أن أصل الهمزة فيها ألف التأنيث، وقبل النون في سكران ألف كما قبل الهمزة.
_________________
(١) أنظر الكتاب ٢: ٢، وهو يعلل المنع بكون الصفات أقرب إلى الأفعال.
(٢) سعيد بن مسعدة، الأخفش الأوسط (.. - ٢١٥/ ٨٣٠)، تلميذ سيبويه وأحد علماء البصريين في النحو واللغة والأدب. أخبار النحويين البصريين: ٥٠ نزهة الألبا: ١٨٤، وفيات الأعيان ١: ٢٠٨، بغية الوعاة ١: ٥٩.
[ ٨٠ ]
ولمؤنث سكران صيغة تخصه كما أن مذكر حمراء له صيغة تخصه. وتمتنع النون في سكران وبابه من لحاق تاه التأنيث به في اللغة الفاشية كما تمتنع همزة حمراء من لحاق تاء التأنيث بها، فلما ضارعت هذه الصفة حمراء وبابها من هذه الوجوه أجريت مجراها فمنعت الصرف نكرة.
فإن استعملتها معرفة بأن تعلقها عامًا على شخص منعتها الصرف أيضًا لأن التعريف أيضًا يمنعها من لحاق تاء التأنيث بها، فشبه حمراء قائم بعد فيها إذا صارت معرفة.
وهذا الحكم هو الذي منه عثمان وعمران وما أشبههما من الإعلام مما في آخره ألف ونون زائدتان من الصرف.
والصفة المعدولة كثلاث ورباع، تمتنع من الصرف نكرة، لاجتماع علتين من العلل التسع فيها وهي الوصف، بدليل قوله ﷿ ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (١)، فأجنحة نكرة ومثني وثلاث ورباع وصف لها.
وقول الشاعر:
(ولكنما أهلي بواد أنيسه ذئاب تبغى الناس مثنى وموحد) (٢)
فمثني وموحد صفتان لذئاب، والعدل لأن موحد معدول عن واحد واحد
_________________
(١) [فاطر ٣٥] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
(٢) قائلة ساعدة بن جوية الهذلي (؟) يصف فيه بعده عن أهله وشوقه إليهم وحنينه نحوهم، ومعنى تبغي الناس: تطلبهم. ديوان الهذليين ١: ٢٧٧، الكتاب ٢: ١٥، مجاز القرآن ١: ١١٤، الاقتضاب: ٤٦٧، شرح المفصل ١: ٦٢، ٨: ٥٧، اللسان (بغى) والرواية فيه: سباع تبغى الناس مثنى وموحد
[ ٨١ ]
ومثنى عن اثنين اثنين، وثلاث عن ثلاثة ثلاثة، ورباع عن أربعة أربعة، وكذلك بقية الإعداد إلى العشرة، المسموع منها والمقيس.
وفائدة هذا العدل الاختصار مع المبالغة، فإن سميت بشيء من هذه الأوصاف المعدولة عاقب التعريف الوصف، فامتنع الاسم في التعريف من الصرف لاجتماع التعريف والعدل فيه.
ومن ذلك أخر في قولك: مررت بنسوة أخر، فأخر جمع لأخرى كالكبر في جمع الكبرى والصغر في جمع الصغرى، وفعلى التي مذكرها أفعل، إذا لم تضف لم تستعمل إلا بالألف واللام كقولك: صغراهن وكبراهن، والصغرى والكبرى، وفي الأمثال "صغراها مراها" (١).
وجمع فعلى هذه جار مجراها في أنه لا يستعمل معرى من الإضافة، والألف واللام، كقولك: صغراها وكبراها، والصغر والكبر، وفي التنزيل ﴿إنها لإحدى الكبر﴾ (٢)، ولهذا عاب الناس على أبي نواس قوله (٣):
(كأن صغرى وكبرى من فواقعها حصباء در على أرض من الذهب) (٤)
_________________
(١) مجمع الأمثال ١: ٣٩٨. فرائد اللآل ١: ٣٣٦ "صغراهن شراهن" ويروي "صغراها شراها" ويروى "مراها" يضرب لأصحاب الشرة.
(٢) [المدثر ٧٤].
(٣) الحسن بن هاني (١٤٦/ ٧٦٣ - ١٩٨/ ٨١٤)، الحكمي بالولاء، وقد نظم في جميع أنواع الشعر، وأجود شعره خمرياته. الشعر والشعراء ٢: ٧٩٦، وفيات الأعيان ١: ١٣٥، الخزانة ١: ١٦٨.
(٤) يصف خمرًا وما عليها من الحبب شبه الحبب باللؤلؤ والخمر تحته بأرض من ذهب الفواقع: ج فاقعة ويراد بها نفاخة الماء. وقد عابه بعضهم لكونه استعملها نكرة، وهذا الضرب لا =
[ ٨٢ ]
وتأولوا له مع ذاك ما لا نطيل بذكره مع ضعفه، فكان الوجه في "أخر" لما أصلناه مما اقتصصناه أن تستعمل بالألف واللام كنظائره، وكما قال:
( وصلى على جاراتها الآخر) (١)
وكان الوجه في "آخر"، الاستعمال بالألف واللام؛ لكنهم (٢) عدلوها عن الألف واللام، فاجتمع فيها علتان: الوصف والعدل، فامتنعت من الصرف. فإن أسميت بها شخصًا عاقب أيضًا التعريف الوصف، فامتنعت من الصرف أيضًا للتعريف والعدل. وفي اعتدادهم بالعدل عن الألف واللام في "أخر" ما ينبهك على أن حرف التعريف قد نزل عندهم منزلة جزء من الكلمة فجرى "أخر" من الآخر في العدل مجرى عمر من عامر، فتنبه له ولنظائره،
وما فيه ألف التأنيث مقصورة، نحو بشرى، أو ممدودة، نحو صحراء، فحكمه في منع الصرف نكرة حكم ما تقدمه، لأن علامة التأنيث فيه لازمة وهي الألف، فكأن التأنيث متكرر فيه، بخلاف قائمة وطلحة وشجرة وشبهها مما
_________________
(١) = يستعمل إلا معرفًا، والاعتذار عنه أنه استعمله استعمال الأسماء لكثرة ما يجيء فيه بغير تقدم موصوف، نحو صغيرة وكبيرة. الديوان: ٧٢، مجمع الأمثال ١: ٧٩، الحماسة الشجرية: ٨٦٤ شرح المفصل ٦: ١٠٣، مغني اللبيب ٢: ٤٢٥، قطر الندى، ٣١٦، أوضح المالك ٢: ٢٩٥، الخزانة ٣: ٥٠٠، والرواية في بعضها: من فقاقعها.
(٢) البيت بمامه: (صلى على عزة، الرحمن وابنتها ليلى وصلى على جاراتها الآخر) ويروى لشاعرين متعاصرين، أحدهما الراعي النميري (.. - ٩٠/ ٧٠٩) والآخر القتال الكلابي (؟). وهو في المقتضب ٣: ٢٤٤، الخزانة ٣: ٦٦٧.
(٣) في (ج) و(د): لكنهم عدلوا عن الوجه الذي كان حدها وهو الاستعمال بالألف واللام.
[ ٨٣ ]
أنث بالتاء، لأن تاء التأنيث منفصلة من الاسم فهي كاسم مضموم إلى اسم بدليل أنها لا يكسر ما هي فيه عليها، وألف التأنيث يكسر الاسم عليها، فجرت مجرى الأصلي للزومها.
ألا ترى أنك تقول في حبلى حبالى، فتثبت الألف، وإن كانت غيرها في التقدير في حكم التصريف لكنها ألف تأنيث، وتقول في محلة محال فتحذف التاء في التكسير على كل حال. وللازم من القوة والتأثير ما ليس للمنفصل، وهذا ظاهر.
فأما الوصف الذي في حبلى وحمراء وما جرى مجراهما فغير (١) معتد به في منع الصرف عند التحقيق، وكان قياسه على مذكره يقتضي الاعتداد به، لكن أغنى عندهم عن الاعتداد به وكفاهم منه التأنيث ولزومه، فكان التأثير له دونه.
واستدلوا على صحة ما ذهبوا إليه بأنهم منعوا الصرف صحراء وخلفاء، وهما أسمان، فدلهم ذلك على أن الوصف في مثل هذه الصفات غير معتد به علة، وأن المعتد به في منعها الصرف غيره في حمراء وبابه، وهو ما ذكرنا من التأنيث ولزومه.
وقول النحويين في مثل حمراء وصحراء أن فيها ألفي التأنيث تجوز، والتحقيق أن الألف الأولى ألف مد، والتي انقلبت الهمزة عنها ألف تأنيث، فالألف التي بعد الراء في حمراء كالألف التي في حمار وكتاب لمجرد المد فقط والتي انقلبت الهمزة عنها كألف سكرى وغضبى، ولكن لما اصطحبتا وبنيت الكلمة (٢) عليهما غلبوا على ألف المد لقب ألف التأنيث، فقالوا: ألفًا التأنيث.
_________________
(١) في (آ) و(ب): فغير معتد به عند المحققين، بل التأثير في منع الصرف عندهم لزوم التأنيث وكونه كالمتكرر.
(٢) في (آ) و(د): وثبتت الألف.
[ ٨٤ ]
وإيما قضينا بأن الأخيرة علامة التأنيث لأنا لو جعلناها الأولى لأوقعنا علامة التأنيث حشوًا، ولم تقع حشوًا قط، وكان ذلك نقضًا للأصول، ولأن المد إنما يحصل بلفظ الألف لا الهمزة.
والجمع الذي بعد ألفه حرفان أو ثلاثة أوسطها ساكن كمساجد ومصابيح ومفاتيح، هذا الجمع يمتنع من الصرف معرفة ونكرة، لأنه في التنكير جمع خارج عن مثال الآحاد، ممتنع من التكسير، ففارق الجموع المشابهة للآحاد التي يصح جمعها مرة أخرى، فكأن الجمعية متكررة فيه، وبخروجه عن أمثلة الآحاد أشبه الأسماء الأعجمية الفروع فامتنع من الصرف.
وفي الجموع جموع خارجة عن أمثلة الآحاد وهي مصروفة كأصحاب وأكلب وإنما صرفت هذه لأنها قد أجرى عليها أحكام (١) من أحكام المفردات.
فمنها أنها تجمع، كما أن المفردات تجمع فنقول في أكلب أكالب وفي أصحاب أصاحيب، ومنها أنها تصغر على ألفاظها فتقول: أكيلب وأصيحاب، ومع ذلك فهي قريبة في الصيغة من صيغ المفردات، فأصحاب قريب من إصحاب بكسر الهمزة وهو مفرد، وأكلب وبابه قريب من أفعل نحو أفكل وبابه، فصرفت لأن الصرف الأصل.
فإن سميت بمساجد ومنابر شيئًا امتنع أيضًا من الصرف، لأن التعريف طرأ عليه وصيغته التي هي علته المانعته من الصرف موجودة فيه بحالها، فإن لم يزده التعريف ثقلًا فليس يكسبه خفة، فإن كان معنى الجمعية قد زال، فاللفظ كما علمت باق.
وبالجملة، فكل اسم مما لا ينصرف لم تكن إحدى علتيه المانعتيه الصرف التعريف لم ينصرف معرفة ولا نكرة.
_________________
(١) في (آ) و(ب): خواص من خواص المفردات.
[ ٨٥ ]
فصل
وأقسام الاسم الذي لا ينصرف في المعرفة وينصرف في النكرة ستة، وهي: الاسم الأعجمي المستعمل علمًا، كإبراهيم وإسحاق ويعقوب، فهذه الأسماء وما جرى مجراها من الأعلام الأعجمية، لا تنصرف، للتعريف والعجمة.
فإذا نكرت كقولك: مررت بإبراهيم وإبراهيم آخر، صرفت لزوال إحدى العلتين، وبقاء علة واحدة لا يمنع مثلها الصرف.
فأما أسماء الأجناس المنقولة من الأعجمية إلى العربية كالإبر يسم (١) والفر ند (٢) واللجام (٣) فمصروفة، لا يمنعها كونها في الأصل أعجمية من الصرف، لأنها لحقت بحكم الأسماء الأول من الأجناس العربية المحضة كالرجل والفرس، لأنك
_________________
(١) معرب من برهو: الصدر، وسام الحوت. أي علة الصدر، وفي شفاء الغليل ٣٥: يفتح الهمزة والراء، وقيل بكسر الهمزة وفتح الراء، وترجمته الذاهب صعدًا، وقال ابن الأعرابي (١٥٠/ ٧٦٧ - ٢٣١/ ٨٤٥) بكسر الهمزة والراء وفتح الين. وقال: ليس في الكلام إفعيلل بالكسر ولكن أفعيلل بالفتح مثل أهليلج.
(٢) فرند، السيف: جوهره، ويقال: برند دخيل. شفاء العليل: ١٩٩.
(٣) لجام: معرب لكام أو لغام، وقيل: هو عربي، شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل: ٢٣٢.
[ ٨٦ ]
تقول: لجام واللجام، وفرند والفرند، وإبريسم والإبريسم، فتعرفها بعد الشياع باللام تعريفك العربية المحضة إذا قلت: الفرس والأسد، فلا اعتداد حينئذ بالعجمة علة مانعة من الصرف إلا مع تعريف العلمية.
وفعلان لا فعلى له، كعمران وقحطان وعدنان وعثمان ومروان وسلمان، تمتنع هذه الأسماء من الصرف معارف، لأنها بالتعريف مع الألف والنون أشبهت فعلان الذي له فعلى في الحكم، لامتناع ما كان منها قبل العلمية صالحًا لدخول، تاء التأنيث عليه من لحاقها إياه علمًا، ألا ترى أن "سعدانا" جنس سعدانة وجمعها وهو ضرب من النبت ملبن تغزر عليه الراعية، وبه جرى المثل في قولهم "مرعى ولا كالسعدان" (١)، لك فيه إذا أردت الجنس أن تقول: سعدان، فإن أردت الواحدة النابتة منه ألحقته الهاء فقلت: هذه سعدانة. فإن علقته علمًا امتنع بعلمتيه من لحاق التاءبه، فلم تقل في سعدان اسم رجل سعدانة (٢) كما كنت تقول فيه وهو نكرة، لأن التعريف العلمي يحظر ذاك، ويمنع الاسم المعلق علمًا من أكثر خواصه التي كانت له قبل تعليقه علمًا.
فأما قولهم "سلمان" في اسم الرجل وفي اسم المرأة "سلمى" فليس بمؤنث سلمان على حد سكران وسكرى؛ بل هو تلاق في اللغة، واتفاق في أصل الوضع، وكذا كل ما كان من الأعلام في آخره ألف ونون زائدتان.
فإن رأيت اسمًا علمًا في آخره هاتان الزائدتان، أعني الألف والنون، وتجاذبه أصلان، يحتمل أن يكون مشتقًا من كل واحد منهما، كقولك حسان؛ يحتمل أن يكون مشتقًا من الحسن، فتكون نونه أصلية، ووزنه فعال، ويحتمل أن
_________________
(١) مجمع الأمثال ٢: ٧٥، فرائد اللآل ٢: ٢٣٩. يضرب مثلًا للشيء يفضل على أقرانه وأشكاله.
(٢) يلي ذلك في (ج) و(د): لو أردت ذلك.
[ ٨٧ ]
يكون من الحسن، وهو القتل، أو غيره مما لا نون فيه، فتكون نونه زائدة؛ ووزنه فعلان (١)، فإنك على هذا، إن اعتقدت أنه مأخوذ من أصل النون فيه أصلية، صرفته، وتمنعه الصرف إن اعتقدت أنه مأخوذ من أصل لا نون فيه، وكذا سمان علمًا، إن أخذته من السم منعته الصرف، وإن أخذته من السمن صرفته؛ وكذا تبان، إذا سميت به صرفته، إن اعتقدت أنه فعال من التين وتمنعه الصرف إن أخذته من تبثت يده أي خسرت.
وكذا لو سمي رجل بعجان، حكمه هذا الحكم في أخذه من العجن أو العج، وعلى هذا لو سميت رجلًا برمان على خلاف بين الرجلين في اشتقاقه ووزنه، فعلى قول سيبويه تمنعه الصرف لغلبة زيادة الألف والنون في هذا الضرب من الأسماء، وتصرفه في قول الأخفش سعيد لأن رمانا عنده فعال، وحجته تردد هذا الوزن في أسماء ضروب من النبت كالحماض والكراث والقلا م والعلا م والزباد والسماق والملا ح والتفاح.
ويجيء هذا الوزن في النبات بالزيادة أيضًا، كقولهم: الخبازى والشقارى (٢) فهذه النظائر وأشاهها في أسماء النبات تؤنس بقوله.
ويشهد لسيبويه عليه استعمال الأصل الذي حمل عليه في اللغة، إذ الرم (٣) معروف في كلامهم، والر من لا يكاد يعرف.
_________________
(١) ثمة حاشية في (أ) وفي (ب) حول كلمة حسان وهي: إن اعتقدت في حسان أن نونه زائدة قلت في تصغيره حسيسان كما تقول في عثمان عثيمان، وإن اعتقدت النون أصلية كان فعالًا فصفرته على فعيعيل فقلت فيه حسيسين وكذلك الأمثلة البواقي، والله أعلم.
(٢) الخبازى: بقلة معروفة من فصيلة الخبازيات. الثقارى: جنس زهر من فصيلة الشقيقات.
(٣) رمه: أصلحه بعد فساده. من لغو حبل يبلى فتزمه أو دار ترم شأنها، ورم الأمر إصلاحه بعد انتشاره، ومصدره وما ومرسة.
[ ٨٨ ]
وبعد، فانظر، فإن كان هذا الضرب من الأسماء غير مسموع فيه الصرف أو منعه من العرب، فاحمله على أحسن ما يقتضيه القياس من ذاك، باعتبار الاشتقاق من الأصلين المذكورين على ما سبق، وإن كان عن العرب فيه نص يثبت مثله من صرف أو ترك صرف فاقتصر عليه واكتف به، إذ قد كفت العرب النظر ومؤونته.
والاسم الذي يكون على وزن الفعل، وهو علم، تمنعه الصرف لوزن الفعل والتعريف، ووزن الفعل لا يخلو من أن يكون مختصًا بالفعل أو غالبًا عليه، كثيرًا فيه.
فالمختص كضرب، إذا سميت به في قول سيبويه (١)، وكذا كل ما كان على فعل كدخل وخرج وأكل وكنحو ضورب وتضرب وانقطع، وما أشبه ذلك من الأوزان المختصة بالأفعال.
والغالب على الفعل، وإن كان مستعملًا في الأسماء. فنحو أحمر وأصفر، تمنعه الصرف علمًا أو صفة، (وإن كان في الأسماء) (٢) مثل أفكل وأزمل (٣) وأيدع وما كان على هذا الوزن، لأنه وزن يغلب على الفعل، إذ كانت همزته في الفعل لمعنى لا يكون في الاسم، وهو أنها تدل في قولك: أركب وأذهب على أنها في الفعل للمتكلم وحده، وليست في أخضر وأفكل بدالة على معنى، فكان الفعل أحق بهذا الوزن من الاسم لهذا المعنى، وإن كان كثيرًا في الأسماء، ولأن كل فعل- في الأغلب- لا يمتنع أن يكون لماضيه مضارع فتدخله هذه
_________________
(١) الكتاب ص ٣ وما بعدها.
(٢) ما بين قوسين ساقط من (ج) و(د).
(٣) أزمل: صوت.
[ ٨٩ ]
الهمزة، ولا يلزم في كل صفة ولا اسم علم أو غير علم أن يستعمل على زنة أحمد، وأفكل، وأبيض.
فإن كان وزنًا يكثر في الأسماء كما يكثر في الأفعال لم يمتنع من الصرف في قول الجمهور كفعل، لأن طللًا وجملًا وحملًا وما جرى هذا المجرى كثير في الأسماء كما يكثر في الأفعال دخل وخرج وأكل وما كان على هذا الوزن.
والمعدول من الأسماء، يمتنع من الصرف إذا كان معرفة كعمر وزفر، لأن عمر معدول عن عامر وزفر معدول عن زافر، ففيهما علتان: التعريف والعدل. ووزن "فعل" ينقسم في الكلام أربعة أقسام: أحدها أن يكون علمًا كعمر وزفر وقثم، فيمتنع من الصرف لما ذكرنا.
والآخر أن يكون وصفًا، كحطم من قوله:
قد لفها الليل بسواق حطم (١)
فهو مصروف، لأنه لبس بمعدول، لأنك تلحقه الألف واللام، فتقول:
_________________
(١) سواق حطم: شديد السوق لابله. فكأنها يحطمها لشدة سوقه. لفها بسواق: ضمها إليه. والبيت من أرجوزة لرشيد بن رميض العنزي، وكان شريح القيسي غزا اليمن في جموع من ربيعة، فغنم وسبا بعد حرب كانت بينه وبين كندة، أسرقيها فرعان عن الأشعث بن قيس، وأخذ على طريق مفازة، فضل بهم دليلهم، ثم هرب وقد جهدوا من العطش فمات فرعان، وجعل شريح يسوق بأصحابه سوقًا عنيفًا حتى نجوا وورد الماء، فلذلك يقول: هذا أو أن الشد فاشتدي زيم قد لفها الليل بسواق حطم يعني بزيم فرسًا أو ناقة. الكتاب ٢: ١٤، حماسة أبي تمام ١: ٣٣٣ الكامل: ١٠٤٩، الجمهرة ٣: ٢١، المنصف ١: ٢٠، شرح المفصل ٦: ١١٣، اللسان (حطم خفق، سوق).
[ ٩٠ ]
الحطم وتدخله تاء التأنيث في مثل قوله "شر الرعاء الحطمة" (١).
والثالث أن يكون اسمًا موضوعًا غير معدول كصردٍ وجرذٍ ونغرٍ (٢) فهذا مصروف.
ويفرق بين المعدول وغير المعدول في هذا الوزن بالألف واللام، فإن حسن دخولهما الكلمة كانت أصلًا موضوعًا على فعل غير معدول عن شيء، كقولك في جرذ الجرذ وفي صرد الصرد، وإن لم يحسنا فيه كان معدولًا، لأنك لو قلت في عمر وزفر وزحل العمر والزفر والزحل لم يجز.
والقسم الرابع أن يكون جمعًا، وهو على ضربين؛ إما جنسٌ كرطبة ورطبٍ وحممةٍ وحممٍ (٣) وإما جمعٌ كثقبة وثقب (٤) ونطفةٍ ونطف؛ وهذا القبيل أيضًا غير ممتنع من الصرف، إذ كان غير معدول ولا معرفةٍ، ولو عرف أيضًا وعلق علمًا لكان منصرفًا أيضًا، لأن التعريف وحده لا يمنع الصرف، إذ كان هذا القسم أيضًا أصلًا موضوعًا لا معدولًا.
وما كان من الأسماء مؤنثًا بتاء التأنيث أو الوضع لم ينصرف معرفة للتأنيث والتعريف، كقولك: هذا طلحة، ورأيت طلحة، ومررت بطلحة؛ وكذا حمزة وعمرة وأشباههما من الأسماء المؤنثة بالتاء.
وما كان تأنيثه بغير علامة، وهو المؤنث وضعًا: كسعاد وزينب وجيئل
_________________
(١) مجمع الأمثال: ٣٦٣، شرح الشافية ٢: ١٢٢. الحطم: وهو الذي يحطم الراعية بعنقه، يضرب لمن يلي شيئًا ثم لا يحسن ولايته. وهذا المثل في الأصل حديث شريف. انظر مسند ابن حنبل ٥: ٦٤.
(٢) النغر: البلبل الصرد: طائر ضخم الرأس، يصطاد صغار الطير.
(٣) الرطبة: واحدة الرطب، وهو التمر قبل نضجه، والحممة واحدة الحمم، وهو الفحم البارد.
(٤) يلي ذلك في (ج) و(د): ونقبة ونقب.
[ ٩١ ]
في اسم الضبع، فإنه لا يصرف أيضًا إذا كان معرفة للتأنيث والتعريف.
ولا يخلو المؤنث بالوضع العاري من العلامة من أن يكون على ثلاثة أحرف أو أكثر من ذلك، فإن كان ثلاثيًا لم يخل من أن يكون ساكن الأوسط أو متحركه. فالساكن الأوسط كهند ودعدٍ وجملٍ، لك فيه الصرف وتركه؛ فالصرف، لأنه بسكون أوسطه مع كونه على العدة التي تكون عليها أكثر الأسماء المتمكنة وهو الثلاثي، خف، فقاومت خفته إحدى العلتين الموجودتين فيه من العلل المانعة من الصرف وهما التعريف والتأنيث، فصرف.
وترك الصرف للاعتداد بالسببين، وأنك لم قبال بخفته، بسكون أوسطه، وعلى الوجهين أنشدوا:
(لم تتلفع بفضل مئزرها دعد ولم تغذ دعد في العلب) (١)
فإن كان هذا الضرب من المؤنث متحرك الأوسط منعته الصرف، كسقر وامرأة سميتها بقدم، للعلتين المذكورتين فيه.
وإن كان على أكثر من ثلاثة أحرف فحكمه في منع الصرف البتة حكم متحرك الأوسط الذي مثلنا به لاجتماع العلتين فيه، وهما التعريف والتأنيث، ولأن الحرف الزائد على الثلاثة أو ما فوقها قام مقام تاء التأنيث؛ فدال سعاد وباء زينب كتاء التأنيث في حمزة وطلحة، بدليل أنها تغني عنها في التصغير، فلا تظهر حين تقول في تصغير سعاد: سعيد وفي تصغير زينب زيينب؛ ومن
_________________
(١) التلفع: الاشتمال بالثوب كلبسة نساء الإعراب، العلب: أقداح من جلود، الواحدة عليه يحلب فيها اللبن ويشرب، أي ليست دعد هذه ممن تشتمل بثوبها وتشرب اللبن بالعلبة كنساء الأعراب الشقيات. ولكنها ممن نشأ في نعمة، وكسي أحسن كسوة. والشاهد يحرير بن عطية وهو في الديوان: ٨٢، الكتاب ٢: ٢٢ حماسة أبي تمام ١: ٤٤، الكامل: ٢٧٠، النصف ٢: ٧٧ مجمع الأمثال ١: ٣٦١، شرح الفصل ١: ٧٠ اللسان (لفع، دعد).
[ ٩٢ ]
شأن التصغير رد المحذوفات، إذا لم يخرج بها عن أمثلته، فلو صغرت عينًا قلت: عيينة، وكذا أذن، تقول في تصغيرها أذينة، وكذا يد تقول: يدية إن صغرتها.
ومن ذلك الاسمان يجعلان اسمًا واحدًا، وهي المركبات من الأسماء، كحضر موت (١) ومعد يكرب (٢) ورام هرمز (٣) ودرا بجره (٤)، لك في هذه الأسماء المركبة البناء للتركيب كخمسة عشر، فيكون آخر الاسمين مفتوحين على كل حال، ولك بناء الأول على الفتح، وإجراء الثاني مجرى تاء التأنيث، لانفتاح آخر الأول كانفتاح ما قبل تاء التأنيث وذلك كحضر موت وبابه تقول: هذه حضر موت ورأيت حضر موت ومررت بحضر موت (٥). وهذا الاسم في الأصل اسم رجل سميت به البلدة.
ولك أن تضيف الأول إلى الثاني، فإن شئت فتحت آخر الثاني على كل حال، فأجريته مجرى ما لا ينصرف، وإن شئت صرفته.
_________________
(١) ناحية واسعة شرق عدن قرب البحر. انظر معجم البلدان ٣: ٢٩٢.
(٢) معد يكرب اسم لرجال أربعة كانوا في الجاهلية، أحدهم معد بكرب بن حجر آكل المرار (.. - ٦٠/ ٥٦٥) انظر التاج ٦: ٢١٤.
(٣) مدينة مشهورة بنواحي خرزستان، ومعناها مقصود هرمز. معجم البلدان ٤: ٢١١.
(٤) كورة بفارس. انظر معجم ما استعجم ٢: ٨: ٥، معجم البلدان ٤ ٤٦٠.
(٥) يلي ذلك في (ج) و(د) بدلًا من المقطع الذي يبدأ بـ: وهذا الاسم وينتهي بـ واحدة المقطع التالي: تمنعه الصرف في المعرفة للتعريف والتركيب، وإن شئت أضفت هذا الضرب. فأما معد بكرب، فمنهم من يصرف كربًا تارة ولا يصرفه أخرى، وكأنه إذا لم يصرفه مؤنث عنده، ويأثره مسكنة على كل حال، ركبت أو أضفت، أجريت مجرى ألف مثنى، وهو قول الخليل. ومعنى قولهم معد بكرب، فيما فروا، عداك الكرب، وحضر موت في الأصل اسم رجل عندهم سميت البلدة به.
[ ٩٣ ]
وكان (١) منهم من يجعل كرب في معدي كرب كأنه اسم مؤنث، فعلى هذا يمنعه الصرف في المعرفة، ويصرفه إذا نكره، إلا أن ياء معدي كرب ساكنة على كل حال، ركبت أو أضيفت، قال الخليل (٢): أجروا هذه الياء مجرى ألف مثنى، فكانت في الأحوال كلها على صورة واحدة.
فجميع هذه الأقسام الستة، إذا نكرت صرفت.
ونوح ولوط وما جرى مجراهما من الأسماء الأعلام الأعجمية الثلاثية الساكنة الأوسط، لك (٣) صرفها وإن كان فيها علتان، لأنها بسكون الأوسط ألحقت لخفتها بحكم الأسماء الأول، وهي المنصرفة.
فإن كان الاسم الأعجمي الثلاثي الساكن الأوسط مؤنثًا معرفة، منعته الصرف البتة، لأن خفته إن اعتبرت، إنما تقاوم علة واحدة، فتبقى فيه من بعد علتان، فتمنعانه الصرف، وذلك نحو ماه (٤) وجور في اسمي بلدتين.
فإن نكرتهما صرفتهما البتة، وإن بقي فيهما بعد التنكير سببان، لأن العجمة وهذا الضرب من التأنيث لا اعتداد بهما إلا مع التعريف.
واعلم أن ما كان من المؤنث على وزن فعال كحذام وفطام ورقاش، يستعمل
_________________
(١) انظر المقتضب ٤/ ٢١.
(٢) الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي (١٠٠/ ٢١٢ - ١٧٠/ ٧٨٦)، واضع علم العروض وأول معجم في العربية (كتاب العين) أخبار النحويين البصريين: ٣٨، إنباء الرواة على أنباه النحاة ١: ٣٤١، وفيات الأعيان ١: ١٧٢.
(٣) في (ج) و(د): تصرفها لمقاومة الخفة أحد السببين، ولخفة التذكير ألحقت لخفتها بحكم الأسماء الأول، وتلك منصرفة فصرفت هذه.
(٤) ماء وجور اسما بلدتين بفارس. معجم البلدان ٣: ١٦٤، ٧: ٣٧٤.
[ ٩٤ ]
تارة استعمال الأسماء غير المنصرفة، لكونه مؤنثًا علمًا معدولًا عن فاعله نحو حاذمة وفاطمة وراقشة، كما أن عمر معدول في المذكر عن عامر، وعلى ذلك أنشدوا.
(ومر دهر على وبار فهلكت جهرةً وبار) (١)
وبار بلدة زعموا أن الجن غلبت عليها.
ويستعمل تارة مبنيًا على كل حال، لتضمنه معنى الحرف، وهو تاء التأنيث عند بعض المتأخرين من محققيهم، وعند غيره ممن تقدم، بني لأنه بعلتين إحداهما التعريف، يمنع من الصرف، وتزيده الثالثة ثقلًا، وليس (٢) بعد منع الصرف رتبةً من رتب الخروج عن الأصل غير البناء.
ويلزم آخره في هذا الاستعمال الكسر فتقول: هذه حذام ورأيت حذام، ومررت بحذام.
_________________
(١) وبار: اسم أمة قديمة من العرب البائدة، وكانت تسكن أرضًا بين اليمن ورمال يبرين وسميت هذه الأرض (وبار)، ثم أهلكت هذه الأمة أضحت أرضًا خرابًا حتى اعتقد الناس أن الجن تسكنها معجم البلدان ٨: ٣٩٢. لم يحالفه التوفيق في الشاهد "وبار" مصروفه إذ أن فعال إذا كان آخره راء بني على الكسرة، ويجوز الرفع والنصب لضرورة الشعر. أمالي ابن الشجري ٢: ١١٥ الديوان: ٢٨١ الكتاب ٢: ١؛ . شرح الأبيات المشكلة الإعراب: ١٧٨. مجمع الأمثال ١: ١٥٦ شرح الفصل ٤: ٦٤، أوضح المسالك ٣: ١٥٢، شذور الذهب: ٩٧. لسان العرب (وبر)، الخزانة ١: ٤٣٨.
(٢) في (ج): وليس بعد منع الصرف خروج عن الأصل، بالتباعد عن التمكن ومفارقة الانصراف وتركه مرتبة من مراتب الخروج عن الأصول إلا البناء.
[ ٩٥ ]
وعليه أنشدوا:
(إذا قالت حذام فصد قوها فإن القول ما قالت حذام) (١)
وقال الآخر:
(أتاركه تدللها فطام وضنا بالتحية والسلام) (٢)
وما عدا هذا القسم مما كان على فعال على اختلاف ضروبه فمبني على الكسر (٣) لا غير، ولا يكون فيه إعراب بتة إلا أن ينقل أي يسمى به، فيخرج عن موضوعه ويخالف به أصل وضعه. فمن الأقسام المقصورة منه على البناء خاصة ما استعمل منه في النداء في صفة المؤنث، كقولك فيه: يا خباث، يا غدار يا فجار، يا لكاع، يا فساق، تريد بكل هذا يا فاعلة، أي يا غادرة، يا فاجرة يا فاسقة، يا لاكعة، يا خبيثة.
_________________
(١) الشاهد للجيم بن صعب (.. - ..)، وقيل بل ديسم بن طارق، أحد شعراء الجاهلية، وحذام اسم امرأة زعم أنها الزباء (.. - ٣٥٨/ ٣٨٥)، والذي عليه الأدباء أنها زرقاء اليمامة وهي امرأة من بنات لقمان بن عاد، وكانت ملكة اليمامة واليمامة اسمها فسميت البلدة باسمها، وكانت تبصر من مسيرة ثلاثة أيام. حذام: مبنية لمضارعتها ما كان أمرًا على فعال نحو حذار ونزال من حيث كانت مثلها مؤنثة، معاني القرآن ١: ٢١٥ و٢: ٩٤ الكامل: ٢١٤، شرح أبيات مشكلة الإعراب: ١٥٣، مجمع الأمثال ١: ١٥٦، ١٨١، ٢: ١٠٦، ١٧٥، أوضح المسالك ٣: ١٥٣، قطر الندى: ١٤، مغني اللبيب ١: ٢٤٣ شذور الذهب: ٩٥، شرح ابن عقيل ١: ٥١، اللسان (رقش، حذم، نصت) روايته في بعض هذه الصادر إذا قالت حذام فأنصتوها.
(٢) هذا الشاهد مطلع كلمة للنابغة الذبياني، يمدح بها عمرو بن هند (.. - ٤٥/ ٥٧٨) الديوان: ١٥٨، والرواية فيه: بالتحية والكلام، شرح المفصل ٤: ٦٤ شرح قطر الندى: ٣١٤، اللسان (رقش).
(٣) يخالف سيبويه ابن الخشاب في ذلك فهو لا يوافقه في أن هذه الصيغة مبنية دائمًا الكتاب ١: ٣٨.
[ ٩٦ ]
وعللوا بناء هذا الضرب وهو المختص بالنداء، الذي لا يستعمل في غيره بأن قالوا: النداء يقتضي البناء، وهذه الأسماء مؤنثات، معارف، معدولات مناديات، وعلتان تمنعان الصرف، فغلبت هذه العلل على الاسم، فبعدته من التمكن جدًا فبني البتة، فإن استعمل منها شيء في غير النداء ففي ضرورة الشعر لا في الاتساع والنثر كما قال:
(أطوف ما أطوف ثم آوي إلى بيتٍ فعيدته لكاع) (١)
ومن ذلك فعال إذا أردت بها المصدر، أي المرة منه، كما قال:
(إنا احتملنا خطتينا بيننا فحملت برة واحتملت فجار) (٢)
أراد بفجار فجرة علمًا معرفة، وإن كان مصدرًا يراد به المرة من الفجور لأنه بإزاء قوله "برة"، فكأنه قال: فحملت "برة" واحتملت "فجرة"
_________________
(١) أطوف: أكثر الدوران، قعيدة البيت هي المرأة لأنها تطيل القعود فيه. لكاع: متناهية في الخبث، والأصل في هذه الزنة إذا كانت بهذا المعنى أن تكون مناداة، وهي مختصة بالنداء لا تتجاوزه، وقوم من النحاة يوجهون البيت على الأصل فيزعمون أن خبر المبتدأ هو قول محذوف، ولكاع منادى محذوف: مقول له يا لكاع، وعلى هذا فلا ضرورة فيه. والشاهد للخطيئة، جرول بن مالك العبسي (.. - ٤٥/ ٦٦٥). الديوان: ٢٨٠، الجمهرة ٢: ٢٧٩، الكامل: ٢٢٣، شرح المفصل ٤: ٥٧، شرح ابن عقيل ١: ٧٠، اللسان (لكع)، الخزانة ١: ٤٠٨. البيت من قصيدة للنابغة الذبياني يهدد بها زرعة بن عمرو الكلابي.
(٢) حملت برة: بروت، احتملت فجار: فجرت، وهو في الديوان: ٩٨، الكتاب ٢: ٣٨، الجمهرة ٢: ٨٢ الكامل: ٤١٤، مجالس ثعلب ٢: ٣٩٦، شرح المفصل ١: ٣٨، اللسان (برر، فجر، أنف) الخزانة ٣: ٦٥، والرواية في معظمها: إذا اقتسمنا خطتينا بيننا.
[ ٩٧ ]
لكن فجرة معرب غير منصرف، والمعدول عنه وهو فجار مبني كما ترى على الكسر.
ومن ذلك "فعال" المستعملة في الأمر عدلًا عن فعله للمبالغة، كقولك: نزال وأنت تريد انزل- وتراك- وأنت تريد اترك- ومناع- وأنت تريد امنع-، كل هذا الضرب مبني لوقوعه موقع المبني، وهو فعل الأمر، وعدله عنه.
وقال أبو الفتح بن جني (١): بنيت هذه الأسماء لتضمنها معنى لام الأمر، والاسم إذا تضمن معنى الحرف بني (٢).
_________________
(١) عثمان بن جني الموصلي (.. - ٣٩٢/ ١٠٠٢) من أئمة الأدب والنحو، وله شعر، ولد بالموصل وتوفي ببغداد عن نحو "٦٥" عامًا، يتيمة الدهر ١: ٧٧، نزهة الألباء: ٢٢٨، وفيات الأعيان ١: ٣١٣، بغية الرعاة ٢/ ١٣٢.
(٢) في الخصائص ٢/ ٣٠٠ شرح لهذا القول.
[ ٩٨ ]
فصل
كل اسم في آخره همزة التأنيث، فإنه ممتنع من الصرف البتة، صفة كان أو اسمًا، مفردًا كان أو جمعًا.
فالاسم كصحراء وبرقاء وجزعاء وجمعاء (١)، والصفة كصفراء وحمراء والجمع كأنبياء وأصفياء وشعراء وخطباء.
فأما "أشياء" فإنها، وإن دلت على الجمع، فهي اسم مفرد اللفظ دال على معنى الجمع كطرفاء (٢) في جمع طرفة، وقصباء في جمع قصبة، والأصل فيها عند الخليل شيئًا كشيعاعٍ، على أن تكون فعلًا من لفظ شيء، ثم قدموا الهمزة التي قبل الألف وهي لام الكلمة على الشين وهي فاء الكلمة فصار اللفظ كما ترى "أشياء". فوزنها على قول الخليل وسيبويه لفعاء لأن لامها مقدمة وامتناعها من الصرف للزوم التأنيث، وللناس فيها خلاف، وهي مسألة طويلة (٣).
_________________
(١) جمعاء: ساقطة من (ج).
(٢) طرفة: شجرة، وبها سمي الشاعر المشهور طرفة بن العبد (٨٦/ ٥٣٨ - ٦٠/ ٥٦٤).
(٣) انظر الكتاب ١: ٣٧٩، الانصاف ٢: ٨١٢، اللسان: (ش ي أ).
[ ٩٩ ]