فصل
قوله (١): والمبني من الأسماء نحو من وكيف وما أشبههما. الفصل: البناء لزوم آخر الكلمة سكون أو حركة لا يكونان عن عامل، وهو في الأفعال أصل وفي الأسماء فرع، كما أن الإعراب في الأسماء أصل، وفي الأفعال فرع، والحروف كلها مبنية، والمبني من الأسماء ما تضمن معنى من معاني الحروف أو أشبهها في الحكم.
فمما تضمن من الأسماء معنى حرف فبني "من"، وهي في الكلام على أربعة أضرب:
استفهام، كقولك: من زيد؟ بنيت في هذا القسم لتضمنها معنى همزة الاستفهام.
وشرط، كقولك: من يقم أقم معه، وهي في هذا القسم مبنية أيضًا، لتضمنها معنى حرف الشرط وهو "إن".
_________________
(١) انظر الجمل ورقة ٥/ ١.
[ ١٠٠ ]
وموصولة، كالذي والتي، كقولك: مررت بمن في الدار، تريد بالذي في الدار، وهي في هذا القسم مبنية للمعنى الذي بني له «الذي» وأخواته من الكلم الموصولة، وذلك المعنى هو مشابهته الحرف في افتقاره إلى ما يتصل به، وكونه لا يتم اسمًا إلا بما بعده، فجرى مجرى بعض الاسم الذي لابد له من تمام.
ونكرة موصوفة، كقولك: مررت بمن قائمٍ، تريد برجل قائمٍ، وعليه أنشدوا:
(يا رب من يبغض أذوادنا رحن على بغضائه واغتدين) (١)
يدلك على أنها في هذا القسم نكرة موصوفة لا معرفة موصولة، دخول رب عليها، وهي إنما تدخل على النكرات لا المعارف، فبنيت في هذا القسم لأنها بلزوم الصفة إياها جرت مجرى الموصولة، وفي كل أقسامها هي مبنية على السكون، والسكون هو الأصل في المبنيات كما أن الحركة هي الأصل في الإعراب.
وإنما يبنى على الحركة ما يبنى منها لعلة تخرجه عن أن يسكن آخره ككيف وأين، بنيتا لتضمنها معنى همزة الاستفهام، وحرك آخرهما لسكون الياء قبلهما؛ فلو سكنت آخرهما اجتمع ساكنان، ولا سبيل إلى
_________________
(١) الاذواد: جمع ذود، وهو القطيع من الإبل، بين الثلاث والثلاثين. وهو لعمرو بن قميثة اليشكري (١٨٠/ ٤٨٨ - ٨٥/ ٥٤٠). ويلقب بالضائع لموته في غربة وفي غير إرب ولا مطلب، من أقدم شعراء بكر في الجاهلية. معنى البيت: نحن محسودون لشرفنا. وعزتنا وكثرة مالنا، والحاسد لا ينال منا غير البغضاء، ونحن لا نبالي به، بل نروح ونغدو وفؤاده منطو على البغضاء. الديوان: ١٩٦، الكتاب ١: ٢٧٠، الأزهية: ١٠٢، أمالي الشجري ٢: ٣١١. شرح المفصل: ١١. وروايته في الكتاب: رحنا على بغضائه.
[ ١٠١ ]
ذلك إلا على صفة مخصوصة، وفي مواضع مخصوصة، وخُصتا بالفتح لأنه أخف الحركات.
وقد بنيت الأسماء على ضروب البناء من الضم والفتح، والكسر والسكون.
فالسكون والفتح ما مثلنا به من «مَن وكيف»، وأما الضم فنحو قبل وبعد، والأسماء المعارف المناداة كقولك: يا زيد ويا عمرو ويا حكم.
فأما قبل وبعد فظرفان مقطوعان عن الإضافة، وكان الأصل أن يضافا إلى اسم يبينهما (١) كقولك: قبل زيد، وبعد عمرو، ولكنهما قطعا عن الإضافة، وضمّنا معنى ما قطعا عنه، فأشبها بذلك الأسماء الموصولة التي لا تتم إلا بصلاتها، فبنيا، ولم يسكن آخرهما لسكون الحرف الذي قبله ولقوتهما وتمكنهما في الأصل، إذ كان هذا البناء عارضًا فيهما، وذلك في حال قطعهما عن الإضافة. فإذا أضيفا عادا إلى ما كان لهما من الإعراب؛ فلم يجريا لذلك مجرى غيرهما من المبنيات، التي يلزمها البناء في كل الأحوال، وخُصا بالضم لأن الضم أقوى الحركات، ولقوته خصوا به من المعربات والمبنيات أقواها.
وتسمى قبل وبعد وما أشبههما من الظروف المبنية على الضم، لقطعها عن الإضافة، غايات، ومعنى هذه التسمية أن هذه الظروف إذا أضيفت كان غايتها آخر المضاف إليه، فإذا قطعت عن الإضافة صارت أواخرها غاياتها، فسميت لذلك غاية.
وأما إذا استعملت مفردة نكرة، غير متضمنة معنى ما أضيفت في الأصل إليه ثم قطعت عنه، فإنها باقية على أصلها من الإعراب، كقراءة من قرأ «لله الأمر من قبلٍ ومن بعدٍ» (٢).
_________________
(١) في (آ) و(ب): اسم بعدهما.
(٢) [الروم ٣: ٤] ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وقد وردت هذه القراءة في العكبري: ٢: ٩٦ ولم تنسب.
[ ١٠٢ ]
وأما الاسم المنادى المعرفة فبني لوقوعه موقع أسماء الخطاب، وتضمنه معنى علامة الخطاب كالكاف في أدعوك، والتاء في أنت، قالوا: والأصل في يا زيدُ: يا أنت، ويا إياك، واستدلوا على ذلك بأنه قد ظهر في بعض الضرورات، والضرورات كثيرًا ما يراجع فيها الشعراء الأصول المرفوضة، وذلك في قوله:
يا أبجر بن أبجر يا أنتا (١)
فلما وقع المنادي المعرفة موقع الحرف، أو ما يغلب عليه شبه الحرف بني، وخص بالبناء على الحركة لأن له أصلًا في التمكن، بدليل أنه إذا لم يستعمل منادى رجع إلى أصله من الإعراب، إن كان مما يعرب، وجعلت الحركة الضمة لأنها أقوى الحركات.
وأما البناء على الكسر فنحو أمس وهؤلاء، إذا أردت بأمس اليوم الذي يلي يومك بنيته لتضمنه معنى الألف واللام، إذ كان الأصل في قولك: فعلت كذا أمس فعلته الأمس (ثم حذفت من لفظه لام التعريف وضمنته إياها لأنك استعملته مجردًا منها استعماله وهي داخلة عليه فيما أردته به من المعنى، فبنيته لذاك وحركته بالكسر، لأنك لو أسكنت سينه جمعت بين ساكنين: هي والميم، والكسر هو الأصل في التحريك لالتقاء الساكنين، فإذا ألحقت هذا
_________________
(١) البيت من أرجوزة لسالم بن دارة الغطفاني (٠٠ - ٣٠/ ٦٥٠). وقد حرف البيت على وجوه. وصوابه: (يا مر يا ابن واقع يا أنتا أنت الذي طلقت عام جمتا) الأبجر: الذي خرجت سرته. والعظيم البطين الأكول. يا أنتا: أوقع يا على المنادى المحذوف. كأنه قال يا مرة أنت. وقد ادعى قوم أن أنت يجوز نداؤها ولا ينبغي أن تبدل على الوجه الأول. ابن: نعت لأبجر تابع له بالنظر لمحله. النوادر: ١٦٣. حماسة أبي تمام ١: ٣٦٧. الأنصاف ١: ٣٢٥. أوضح المسالك ٣: ٧٢. الخزانة ١: ٢٨٩.
[ ١٠٣ ]
الاسم لام التعريف أو نكرته أو صغرته أو جمعته أو أضفته أعربته.
وأما هؤلاء فبني الاسم منه وهو أولاء لتضمنه معنى الإشارة، وحرك آخره بالكسر للمعنى الذي كسرت له سين أمس، ولولا ذلك لكان ساكنًا، بدليل أنك إذا قصرته، فقلت هؤلا أسكنته، والألف لا تكون إلا ساكنة.
والمبني من الأفعال، أمثلة الماضي كلها، كقولك: قام، وذهب، وانطلق، واستخرج. والأصل في جميع الأفعال -على ما تقرر- البناء، فهذه الأفعال، أعني الماضية، على أصل ما تستحقه، وهو البناء، وبنيت على حركة لأنها ضارعت المضارع أي شابهت مشابهة الأسماء من الأفعال، فقويت وميزت بالبناء على الحركة دون السكون، وخصت بالفتح لخفته ولكثرتها، والشيء إذا كثر في كلامهم خصوه بما يخف عليهم استعماله لا ما يثقل.) (١)
ومضارعة الماضي للمضارع أنه خبر كما أنه خبر، ويوصف به كما يوصف به، تقول: مررت برجلٍ ضرب كما تقول: مررت برجلٍ يضرب، ويقع موقعه في الشرط والجزاء، تقول: إن قمتَ قمتُ، كما تقوم: إن تقم أقم، وتدخل عليهما قد، تقول: قد قام كما تقول: قد يقوم، فلما ضارع المضارع كما ترى ميز مما لم يضارعه -وهو فعل الأمر- بأن بني على حركة.
والأمر بغير اللام كقولك قُم وانطلق مبني على الأصل -وهو السكون- عند البصريين.
ويسمى البناء على السكون وقفًا والإعراب بالسكون جزمًا، وصورة الأمر بغير اللام صورة المجزوم، ألا ترى أن سكون الباء في قولك اضرب، -وهو مبني على السكون، عند من يرى بناءه- كسكون الباء في قولك لم
_________________
(١) ما بين قوسين ساقط من (ب).
[ ١٠٤ ]
يضرب، وهو مجزوم بلا خلاف. وكذلك حذف آخر الفعل المعتل في قولك: ارم واغزُ واخشَ للبناء كحذفه للجزم في قولك: ليرم ِ، ليغزُ، ليخشَ.
ويسمى الرفع في البناء ضمًا والنصب فتحًا والجر كسرًا. لما أشبه حركات الإعراب وسكونه حركات البناء وسكونه في اللفظ وافترقا في الحكم فرقوا بينهما في الألقاب، وربما تجوزوا فاستعملوا ألقاب أحد القسمين في الآخر، والأجود استعمال كل منهما فيما وضع له وعليه ليقع الفرق ويؤمن اللبس.
[ ١٠٥ ]
فصل
قوله (١): والبناء في الأسماء يكون لازمًا نحو من وكيف وعارضًا وذلك في خمسة أشياء قد عددها.
اللازم من البناء ما استعمل مبنية في كل متصرفاته وأحواله المختلفة على صفة واحدة ولم يستعمل معربًا بتة، والعارض ما استعمل مبنيًا في حال لمعنى أوجب له البناء، فإذا زال ذلك المعنى عاد إلى حكمه الأصلي من الإعراب.
واللازم والعارض إنما بابهما الأسماء دون الأفعال، لأن الأصل في الأسماء أن تكون معربةً، فإذا عرض لقسم منها ما يخرجه عن أصله فيبنى، ثم زال عنه ذلك المعنى رد إلى الأصل فعاد معربًا.
وأما الأفعال فبناؤها أصل لا عارض، فيزول عنها المعنى الذي أوجب لها البناء فترد معربة. هذا لا يكون فيها بل تكون لها هذه الصفة في الإعراب كما كانت هذه الصفة للأسماء في البناء، وذلك أن الفعل إذا أعرب فإعرابه فرع
_________________
(١) انظر الجمل ٥/ ١.
[ ١٠٦ ]
فإذا عرض له ما يمنعه الإعراب عاد مبنيًا، كما أن الاسم إذا عرض له البناء ثم زال عنه الحكم الموجب لبنائه عاد معربًا.
فاللازم من الأسماء للبناء نحو قولك: من وكيف وإذ وحيث وما جرى هذا المجرى مما لم يتمكن قط، ولم يستعمل معربا، بل وضع في الأصل وضع الحروف التي لم تكن قط إلا مبنية.
والعارض بناؤه نحو المضاف إلى ياء المتكلم في قولك: غلامي وداري، وصاحبي، فغلام ودار، وصاحب، أسماء متمكنة معربة بأتم الإعراب، لم تشبه فعلًا ولا حرفًا ولا جرت مجراهما ولا تضمنت معنييهما، فلما أضيفت إلى ياء المتكلم؛ وياء المتكلم اسم مضمر مجرور، والمجرور من الضمائر يكون متصلًا أبدًا لا منفصلًا، وهي اسم على حرف واحد، تستعمل ساكنة ومتحركة، كسروا لها آخر الاسم المضاف إليها، لتتمكن وتثبت على صورتها ولا تتغير؛ وذلك أنهم لو أعربوا الاسم المضاف إليها بما يستحقه من رفع ونصب وجر لكانت تنقلب إذا انضم ما قبلها، وهي ساكنة، واوًا، فكانت الحال تفضي بهم إلى أن يقولوا في الرفع: هذا غلامو، وإن استعملت متحركة وأثبتت على صورتها مع انضمام ما قبلها كان اللفظ بها مع الضمة قبلها مستثقلًا مع خروجه إلى ما ليس له نظير في كلامهم.
وإن استعملت متحركة وانفتح ما قبلها في النصب وجب أن تنقلب، بموجب التصريف، ألفًا لأنها ياء متحركة منفتح ما قبلها؛ وقد تنزلت باتصالها بما أضيف إليها منزلة الجزء منه.
والواو والياء إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما قلبتا ألفين، إلا أن يشذ شيء أو يخاف لبس أو يكون التصحيح أمارةً للتصحيح في مثال آخر، أو غير ذلك من الموانع للقلب؛ وكل ذلك منتف عن الاسم المضاف إلى (١) الياء التي للمتكلم.
_________________
(١) في (آ) و(ب): المضاف إلى غير الياء.
[ ١٠٧ ]
وإن استعملت ساكنة وانفتح ما قبلها وجب أيضًا قبلها ألفًا لأنها متطرفة، ومتنزلة منزلة لام الكلمة، فهي لاتصالها في موضع حرف تجب له الحركة، فكانت تنقلب لانفتاح ما قبلها وكونها في حكم المتحرك ألفًا، وكانت لما ذكرنا تختلف أحوالها وتتغير من صورة إلى صورة، فيكون ذلك إخلالًا.
ولا يقدح فيما عللنا به قلبهم إياها في النداء ألفًا، إذا قلت يا غلامًا، لأن النداء له حكم في التغيير ليس لغيره، فعدلوا لما ذكرناه إلى أن كسروا لها آخر المضاف إليها في كل الأحوال، لتثبت ولا تتغير، فكان الكسر في آخر الاسم المضاف إلى ياء المتكلم حكمًا من أحكام البناء عارضًا فيه (١)، بدليل أنه إذا لم يضف هذا الاسم إلى هذه الياء عاد إلى ما يستحقه من الإعراب والتمكن.
وقد كسروا لهذه الياء ما أصله في قياس استعمالهم أن يكون مفتوحًا معها، وهو اللام في قولك لي، وهذه اللام أصلها الفتح؛ وإنما كسرت مع المظهرات فرقًا بينهما وبين لام التوكيد، وهي باقية مع المضمرات على أصلها، إذ كانت المضمرات بابها الرد إلى الأصول، ما خلا هذه الياء التي للمتكلم، فإنها مكسورة معها في قولك لي، للزوم هذا الحكم -أعني كسر ما قبلها- سائر ما تصل بها، ولأنهم إذا كانوا قد غيروا لها آخر الاسم فألزموه طريقة واحدة وعدلوا به عما يقتضيه القياس من إعرابه مع كون ذاك داعيًا إلى اختلاله، لعدم الفارق بين معانيه المتعاقبة عليه التي لأجلها تكلف له إعرابه، فلأن يغيروا لها الحرف الذي لا يختل بتغييره معها أولى.
والكسرة في قولك لي غيرها في قولك لزيد على ما يوجبه التدقيق، وإن كان اللفظ واحدًا، لأن تلك مجتلبة للفرق، وهذه مجتلبة لأجل الياء لتسلم، لا لمعنى آخر.
_________________
(١) في (ب): منه.
[ ١٠٨ ]
فصل
والكسرة في آخر الاسم المضاف إلى ياء المتكلم كسرة بناء عارض، وذلك أن المضاف يتنزل من المضاف إليه منزلة بعض الكلمة من بعض؛ هذا إذا كان المضاف إليه مما يمكن أن يكون ومستقلًا بنفسه، فإذا انضم إلى ذلك كون المضاف إليه مما لا يقوم بنفسه ولا ينفرد اشتد اتصاله بما قبله حتى يجري الأول من الثاني والثاني من الأول مجرى بعض الكلمة من بعض حقيقة لامتزاجهما، فيغلب على الأولى حكم الثانية وهذه الصفة موجودة في المضاف إلى ياء المتكلم.
ولهذا المعنى من اتصال المضاف بالمضاف إليه حتى سرى إلى الأول حكم الثاني بنيت «غير» في مثل قول الشاعر:
(لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت حمامة في غصون ذات أوقال) (١)
وبنيت «مثل» في نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] (٢) في أحد القولين، وهو قول من لم يجعله حالًا.
_________________
(١) الأوقال: الأعالي. قائله أبو قيس الأسلت عامر بن جشم (؟) جاهلي أدرك الإسلام ولم يسلم، وقد نسبه الزمخشري في الأحاجي للشماخ وليس في ديوانه، الشاهد فيه (غير) فإن الرواية فيه بفتحها مع أنها فاعل لـ «يمنع» فدل ذلك على أنه بناها على الفتح. يريد أن الناقة كانت تشرب، فلما سمعت صوت حمامة نفرت وكفت عن الشرب يريد أنها يخامرها فزع من حدة نفسها وذلك محمود فيها. الكتاب ١: ٣٦٩ الجمهرة ٣: ٤٩٣، الأنصاف ٢٨٧، الأحاجي النحوية ٦٦، شرح المفصل ٣: ٨٠، ٨: ١٣٥، مغني اللبيب ٠: ١٧١، اللسان (نطق، وقل)، الخزانة ٢: ١٤٦.
(٢) [الذاريات: ٢٣] ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾.
[ ١٠٩ ]
فصل
وأما المنادى المفرد المعرفة كقولك: يا زيد ويا رجل، إذا أقبلت على شخصٍ فناديته، فتعرف بإقبالك عليه وتخصص بالنداء، فبني على الضم بناء قولك: يا زيد.
فالبناء أيضًا عارض فيه لأنه إذا انفصل عن النداء عاد معربًا كقولك: جاءني زيد ورجل ورأيت زيدًا ورجلًا.
وكذلك النكرة المفتوحة مع «لا»، المراد بنفيها نفي الجنس كذلك: لا رجل في الدار، «لا» عاملة في رجل النصب في الأصل. كما تعمل «إن»، وهي مركبة من بعد معه ومجعولة هي وهو كالاسم الواحد في قوله سيبويه (١)، ولذلك شبه قولك لا رجل بخمسة عشر، لأن الأصل خمسة وعشرة، فركب العددان وهما اسمان مفردان وجعلا كلمة واحدة.
وكذلك كان الأصل لا رجلًا بالتنوين، إلا أنهم أجروا العامل وهو «لا» مع المعمول -وهو الاسم النكرة المنصوب بها- مجرى الجزء الواحد، فركبوها معه والتركيب يقتضي البناء وحذف التنوين من كل واحد من المركبين لأنه به -أي بالحذف- يجري الأول من الثاني مجرى بعض حروف الكلمة من بعض،
_________________
(١) انظر الكتاب ١: ٣٤٥. الأنصاف ١: ٣٦٦.
[ ١١٠ ]
وكذلك الثاني من الأول، وبعض الكلمة لا يستحق الإعراب، إنما تستحقه الكلمة بأكملها.
وفائدة ذلك الدلالة على أن المنفي يراد ينفيه نفي الجنس، فنفيه مستوعب للقليل والكثير. ألا ترى أنك إذا قلت: لا رجل في الدار لم يجز أن يكون فيها رجل ولا اثنان ولا ما فوقهما، بل النفي مستوعب للواحد من هذا الجنس وما فوقه، بالغًا ما بلغ؛ فإذا فككت هذا الاسم من لا واستعملته غير منفي بها أو منفيًا وحكمة غير الحكم الذي بيناه من إخلاص نفي الجنس عاد معربًا، فبناؤه مع «لا» عارض له أيضًا.
وأما قبل وبعد وما أشبههما من الظروف المبنية في حال قطعها عن الإضافة، فبناؤها عارض أيضًا لأنها إذا أضيفت فارقها البناء، وعادت معربة، وقد بينا حكمها أيضًا فيما سبق.
والاسم المركب مع غيره كخمسةَ عشر وستةَ عشر وما أشبههما، هذه الأسماء، إذا أفردت، معربة، كقولك: خمسةٌ وستةٌ وعشرةٌ، فإذا ركبت بنيت لأنها ضمنت معنى حرف العطف إذ كان الأصل في خمسةَ عشر خمسةٌ وعشرةٌ، ولكنهم حذفوا حرف العطف وركبوا أحد الاسمين مع الآخر وجعلوها كالاسم الواحد ليجريا مجرى أسماء الأعداد المفردة غير المركبة كسبعةٍ، وثمانية وعشرة، لحاجتهم إلى ذلك في بعض الاستعمال.
وفائدة التركيب أنك إذا قلت: أعطيت بهذا الثوب خمسةٌ وعشرةً جاز أن يتوهم السامع أنهما صفقتان، وأنك أعطيت به تارةً خمسةً وتارة عشرةً، فإذا ركبت زال هذا الاحتمال وعلم المخاطب قطعًا أنك أعطيت به هذا المقدار من العددين المضموم أحدهما إلى الآخر في صفقة واحدة.
ولا يلزم هذا فيما زاد على العشرين كقولك: أحد وعشرون واثنان وعشرون، لعلتين: إحداهما من طريق اللفظ، والأخرى من طريق المعنى.
[ ١١١ ]
أما اللفظية فلأن عشرين وأخواتها من العقود كثلاثين وأربعين إلى التسعين؛ ألفاظهما ألفاظ جموع التصحيح، وإعرابها إعرابها.
والتركيب لا يتطرق مع المبنيات والمجموعات مع غيرها، إنما بابه المفردات، فلم تركب هذه العقود مع النيف عليها كما رُكبت العشرة مع ما انضم إليها مما دونها من الأعداد.
وأما العلة المعنوية فلأنه قلما يتباين حكم مثمن في التقويم، حتى يعطي به تارةً درهمًا وتارة عشرين.
وما زاد على العشرين من العقود كالثلاثين والأربعين وما بعدها، فالحكم فيه أفحش؛ وإن وقع مثل ذلك فقليل؛ والعمل على الأكثر، وما قل فمطرح الحكم.
فالبناء في الاسمين المركبين في العدد وغيره أيضًا عارض لأنهما إذا فكا عادا معربين.
[ ١١٢ ]
فصل
إنما بنيت الأسماء المركبة لأن الأول يتنزل من الثاني منزلة بعض الكلمة من بعضٍ، وكذلك الثاني من الأول؛ وبعض الكلمة لا يستحق الإعراب، إنما تستحقه الكلمة بأسرها إن كانت مما يعرب.
فإن قيل: الاسمان المركبان يجريان، كما قرر، مجرى الكلمة الواحدة، فهلا أعرب مجموعهما، فالجواب أن من المركبات ما يعرب مع التركيب، ويجرى مجرى الاسم الواحد وإن وهنه التركيب، وذلك في الأسماء الموضوعة لغير العدد، كقولك: حضر موت وبعلبك ورامهرمز، وقد بين حكم هذا القسم.
ومنها (١) ما يبنى فيه الاسمان معًا المركب أحدهما مع الآخر، وذلك مركبات العدد كخمسةَ عشرَ وستةَ عشر وبابهما.
والفرق بين هذه والقسم الأول أن امتزاج تلك أشد، إذا كان أحد الاسمين منها لم يكد يستعمل على انفراده في ثاني الاستعمال، بل حضرموت مثلًا في استعمالها علمًا لهذه البلدة كدمشق مثلًا وبغداد، فكما أن تين معربتان، كذلك تلك في بعض استعمالها.
وأما مركبات الأعداد فالمفرد منها يستعمل لمعناه كخمسة إذا أردت بها هذا القدر من العدد وعشرة مفردةً.
فالعاطف المتضمن (٢) في التركيب معتبر، وإذا اعتبر فقد تضمنت معناه وما تضمن معنى حرف فلا وجه لإعرابه، ولأن العدد في الأصل موضوع على أن لا يعرب ما دام لما وضع له من تقدير الكميات فقط.
_________________
(١) في (ب): ومنه.
(٢) في (ج) و(د): المتضمنته.
[ ١١٣ ]
فصل
المعربات معمولات، والمعمولات تقتضي العوامل، والعوامل على ضربين: لفظي ومعنوي، واللفظي هو الأصل لأنه الأقوى، إذ كان محسوسًا لأنه يدرك بالسمع، والمعنوي دونه لأنه معقول مستنبط لا محسوس، ولهذا قل وجوده فهو إنما يكون في ثلاثة مواضع: اثنان منها متفق عليهما، وهما عامل (المبتدأ، ورافع الفعل المضارع وذاك أن المبتدأ وخبره مرفوعان، وليس معهما عامل لفظي ظاهر، ولا مقدر، فالرافع لهما حينئذ معنى، فالمبتدأ مرفوع لتجرده من العوامل اللفظية، والعوامل اللفظية نحو إن، وكان، وظننت، وكونه معرضًا لها، وأنه أول لثان، ذلك الثاني خبر عنه ومسند إليه.
ومجموع هذه الصفات هو الابتداء، ولهذا قالوا: الابتداء وصف في الاسم المبتدأ يرتفع به، وأما الخبر مرفوع كالمبتدأ لأنه هو في المعنى، فقال بعضهم: عمل فيه الابتداء كما عمل في المبتدأ، وقاسه قائل هذا القول على غيره من عوامل المبتدأ اللفظية ككان، وإن وظننت، قال (١): وليس شيء من هذه العوامل يعمل في المبتدأ إلا ويعمل في خبره على اختلافها في العمل فيهما.
_________________
(١) المبتدأ عامل في الخبر عند سيبويه. أما المبرد فعنده أن الخبر رفع المبتدأ أو الابتداء. ويرى الكوفيون أنهما يترافعان. انظر الكتاب ١: ٢٧٨. المقتضب ٢: ٤٩. الأنصاف ١: ٤٤.
[ ١١٤ ]