فصل
اعلم أن كلا وكلتا: اسمان مفردا اللفظ ومعناهما التثنية، كما أن "كلا"، مفردة اللفظ مجموعة المعنى، فـ"كلا" كـ"معى" في أنه أسم مقصور مفرد، وألفه منقلة، إما عن واو- وهو الأقيس-، وإما عن ياء لجواز أمالتها، وكلتا للمؤنث، تاؤها منقلبة في القول الصحيح عن الواو أو عن الياء اللتين أجزنا انقلاب ألف كلا عن كل واحدة منهما.
فإن كانت منقلبة عن واو، فإن الأصل "كلوا"، فقلبت الواو تاء كما قلبت في تراث والأصل وراث وتجاه والأصل وجاه.
وإن كانت منقلبة عن ياء فالأصل "كليًا"، فقبلت الياء تاء كما قبلت في ثنتين، لأن أصل "ثنتين" ثنيان، إذ كانت من ثنيت.
وليس قول من ذهب إلى أن التاء للتأنيث كتاء قائمة وقاعدة بشيء، لأنه يؤدي إلى وقوع تاء التأنيث حشوًا، وذلك ممتنع. نعم ويؤدي أيضًا إلى إثبات مثال خارج عن أمثلتهم، إذ كان ليس فيها فعتل.
والذاهب إلى هذا القول هو أبو عمرو الجرمي (١) فإذا (٢) قد ثبت أنهما،
_________________
(١) صالح بن إسحاق الجرمي بالولاء (.. -٢٢٥/ ٨٤٠) بصرى سكن بغداد، كان عالمًا باللغة والنحو فقيهًا، له تأليف منها كتاب (الأبنية) و(غريب سيبويه). أخبار النحويين البصريين: ٧٢، نزهة الألبا: ٢٠٦، وفيات الأعيان ١: ٢٢٨، بغية الوعاة: ٢: ٩.
(٢) في (ج) و(د): فإذ قد ثبت أن كلا وكلتا أسمان مفردًا اللفظ.
[ ٦٧ ]
أعني كلا وكلتا، أسمان مفردان مقصوران، فالأصل أن تكون ألفاهما مع إضافتهما ثابتة غير متغيرة، إلى ظاهر أضيفتا أو إلى مضمر، كما أن ألف رحى وحبلى كذلك، إذا قلت: رحى زيد ورحاه وبرحاه، ورأيت رحاه، وحبلى عمرو، وهذه حبلاه ورأيت حبلاه ومررت بحبلاه، إلا أنهم لما لزمت هاتين الكلمتين الإضافة أجروا الفيهما مجرى ألفات الحروف وفرقوا بذلك بينهما وبين الأسماء المتمكنة من المقصور، فأثبتوا ألفيهما في الإضافة إلى الظاهر ولم يغيروهما، فقالوا: جاءني كلا أخويك ورأيت كلا أخويك ومررت بكلا أخويك، وجاءني كلتا أختيك ورأيت كلتا أختيك ومررت بكلتا أختيك كما تقول: على زيد والى عمرو، فتقر ألف على والى على لفظهما مع الظاهر.
فإن أصفت كلا وكلتا إلى مضمر أقررت ألفيهما في الرفع على لفظيهما وقلبتهما في الجر والنصب ياء فقلت: جاءني أخواك كلاهما ورأيت أخويك كليهما، ومررت بأخويك كليهما، وكذلك التمثيل في المؤنث، وهذا كما تقول عليهما وإليهما ولديهما.
وإنما شبهت كلا وكلتا بعلى والى، فجرى عليهما حكمهما، لأن الإضافة تلزم هاتين أعني كلا وكلتا، كما أن "على" و"إلى" تلزمان أسمًا تدخلان عليه ولا تنفردان بأنفسهما، فقلبت ألفاهما مع الضمير كما قلبت ألفًا الحرفين- أعني على وإلى-.
وخص هذا القلب بالجر والنصب (١) دون الرفع لأن على وإلى لاحظ لهما في الرفع، فلم يكن لهما في الرفع حال فتحمل عليها حال كلا وكلتا في الرفع، فتغيرا لذاك، فبقيت ألفهما (٢) على أصل ما ينبغي أن تكون عليه، فلم تغير.
_________________
(١) في (ج) و(د): بالجر والنصب في كلا وكلتا، إذا أضيفتا إلى الضمير، لأن المشبه به وهو الحرف لاحظ له في الرفع.
(٢) يلي ذلك في (ج): في الرفع.
[ ٦٨ ]
وليس هذا التغيير بإعراب، بل هو تغيير طارئ على الكلمتين للشبه الذي عرض لهما بالحرف في الحالتين المذكورتين، وهو شبه لا يقتضي إجراءه مجرى الحرف في البناء.
وأما إعراب "مسلمان ومسلمتان" فإعراب صحيح يحدث عن عامل، وليس كلا وكلتا كذلك.
[ ٦٩ ]